"غيفارا!"
هبّ جيديون متقدّماً ومدّ ذراعيه، غير أنّه كان أبعد من أن يُدركها. هوت غيفارا على نفسها، واصطدم رأسها بالأرض. نجح السير أتينيزا في الإمساك بها ليخفّف وقع الصدمة، لكنّ وجه جيديون انقبض عبوساً. وضع السير أتينيزا يده تحت رأسها وقطّب حاجبيه.
التفت الفارس الطويل ناظراً من فوق كتفه، وصاح: "قرّبوا العربة وتواصلوا مع سموّ الأمير!"
كان الأمير الذي يعنيه هو بيرز. شعر جيديون بانقباض في قلبه وهو يملي عينيه من تلك الشابة شاحبة الوجه المحاطة بالرداء الأزرق. لم يدرك سوى طيف أزرق يندفع بسرعة نحو مبنى المدرسة المنهار. لم تكن سرعة ردّة فعله بالمستوى نفسه. لقد اكتفى بالوقوف هناك، مشسوهاً من هول رؤية السقف وهو يهوي. لم يفع شيئاً قط.
"سيدي، ماذا جرى للكونتيسة؟"
شقّت رئيسة الدير طريقها وسط الحشد المتجمهر. التفت جيديون حوله. لقد استغرق تماماً في مراقبة غيفارا وهي تستخدم البلّورات لإزاحة معظم الأنقاض التي سدّت مدخل غرفة الدرس حتى إنّه لم يلاحظ أن جميع الضيوف تقريباً الذين كانوا جالسين على المقاعد قد نهضوا واقتربوا. كانت الراهبات في كل مكان حوله يجمعن الأطفال في مجموعات ويهدّئون من روعهم. ركعت رئيسة الدير بجانب غيفارا.
"الكونتيسة بارعة في علوم البلّورات، لكنّها لا تزال طالبة. لقد أجهدت نفسها وفقدت طاقتها البلّورية"، هكذا قال السير أتينيزا.
لم يعلم جيديون إن كان هادئاً إلى هذا الحدّ لأن الجميع أصابهم الذعر، أم لأنّه كان يتوقع حدوث أمر مماثل لغيفارا بعد أن تبذل ذلك الجهد. ومهما يكن السبب، فإن فرسان أخيه كانوا أهلاً لخدمة أخيه حقّاً.
"أستكون بخير؟"
انطلق صوت صغير من بين زحام الصغار الذين حاولوا التطلّع عبر صفوف الراهبات المحيطات بهن. منح السير أتينيزا الأطفال نظرة مطمئنة.
"بالطبع، ستكون بخير. إنّها متعبة فحسب. بعد غفوة، ستستيقظ وتعود كما كانت".
"أستكون هناك آثار جانبية دائمَة؟"
جاء الصوت المنخفض والمتحشرج من خلفه، فاستدار جيديون. كان رئيس الوزراء غوثري شاحباً وهو يرمق غيفارا بنظراته. تحرّك اثنان من فرسان بيرز ليقفا أمامهما، وكأنّهما يحجبان غيفارا عن أعينهم. كانت وجوههما قاتمة، وكالآ النظرات المفعمة بالاستنكار لرئيس الوزراء.
"معالي رئيس الوزراء، إن أعذرتنا، فعلينا نقل الكونتيسة إلى القصر لترتاح"، قال أحدهما.
"يمكننا توفير مكان! القصر بعيد للغاية! دعوا الكونتيسة ترتاح في الدير".
هبّت راهبة أخرى متقدمة، وتعرّف إليها جيديون فوراً؛ لقد كانت الراهبة التي رافقت غيفارا في جولتها لحظة وصولهم. كان السير أتينيزا واقفاً بالفعل، يحمل غيفارا بين ذراعيه. بدت شفتاه مطبقتين في عبوس حادّ، وهزّ رأسه نافياً. كان فارس آخر يقف إلى جانبه ليعدل وضعيّة ذراعي غيفارا بحيث تستقرّ يدها التي تقبض على السوار فوق بطنها بعناية. تساءل جيديون عن مدى معرفة فرسان أخيه بغيفارا لتلك الدرجة التي تجعلهم يتعاملون معها بهذا القدر من الحذر حتى لَيَبدو أنهم يدركون تماماً مدى أهمية ذلك السوار.
هزّ السير أتينيزا رأسه للراهبة قائلاً: "لا، سموّ الأمير بيرز يفضل أن تُنقل الكونتيسة إلى القصر لترتاح ويَفحصها أطباء الإمبراطورية".
بدا ثقل اسم بيرز كافياً لسدّ الطريق أمام أي محاولة أخرى لإيقافهما عن المغادرة. وكأنّ أخاه أصدر الأمر من شفتيه شخصياً. كما أبرز ذلك الموقف مدى مكانة غيفارا الكبيرة لدى أخيه.
قال أحد فرسان جيديون من خلفه: "سموّك، يجب أن نرافقهم. لقد أتيتَ على أساس البقاء ما بقيت الكونتيسة وحدها".
أومأ جيديون برأسه. خطا خطوة إلى الأمام للحاق بهم، لكنّه شعر بيد صغيرة تقبض على معصمه.
"جيديون، أستغادر؟"
أرجعته أليسا إلى الوراء بنظرة يائسة.
تردّد قائلاً: "أنا آسف، لا أستطيع البقاء طويلاً".
"جيديون، حضورك سيفيدنا حقّاً في تهدئة الحشد"، قال فابيان.
أشار بيده نحو الجانب، فوقعت عيون جيديون على عشرات الضيوف الذين يتبادلون الهمسات والأطفال الذين كانوا يبكون أو ينشجون أو يخضعون للفحص بحثاً عن أي إصابات. بالفعل، أصيب البعض بجروح وكدمات حين هوت أجزاء من السقف وتطايرت الحطام نحوهم. وبدا أن الأسوأ حظّاً كان صبياً لا يقوى على المشي، ملقى على الأرض بينما يفحصه أحد فرسان بيرز. كان أحدهم ينادي طبيباً؛ فقد تحطّمت ساق الصبي تحت عارضة خشبية.
أراد البقاء. كان صوت خفي في عمق عقله يشدّه ليظلّ في مكانه. كان عليه البقاء لتهدئة الحشد، إن لم يكن لشيء سوى لإعادة النظام ومنع حفل افتتاح أليسا من التحول إلى كارثة أكبر. عليك مساعدة أصدقائك قدر الإمكان عند الحاجة، لكنّك لا تستطيع فعل كل شيء نيابة عنهم. ستجعلهم يعتمدون عليك أكثر من اللازم فحسب. ينبغي ألا يصبحوا عاجزين بسبب مودتك لهما. تردّدت كلمات أخيه في رأسه. لقد كلمه بيرز مؤخراً، وأخذ جيديون كل تلك الكلمات لقلبه.
تضيّقت عينا جيديون.
التفت نحو أحد فرسانه وقال بصوت بارد: "استدعِ طبيباً إمبراطوريّاً إلى هنا لفحص جميع الأطفال دفعة واحدة. واطلب المساعدة من لجنة الهندسة الإمبراطورية لتفقد المباني ومعرفة سبب ما حدث".
حنى أحد فرسانه رأسه.
"حاضر، سموّك".
"فابيان!"
نادى جيديون صديقه فابيان فأقبل مسرعاً.
"انتظر هنا حتى يصل الطبيب الإمبراطوري، وإن تطلب الأمر أي شيء آخر فاتصل بي".
"أستغادر؟"
نظر إليه فابيان بذهول.
"لكننا نحتاج إليك للمساعدة في تهدئة الحشد!"
"الراهبات سيتولّين أمر الأطفال، وأليسا هي صاحبة الحفل، وعليها وحدها أن تتولى تهدئة الحشد"، قال جيديون وهو يلتفت نحوها.
"أنتِ البارونة هارت وهذا مشروعك. يمكنك تولي الزمام وتهدئة الحشد وستفعلين. أنا أؤمن بقدرتك على ذلك".
بدت أليسا مترددة واشتدّ قبضها على ذراعه، لكنّها أخفضت رأسها وأومأت.
"أنت محق. أنا صاحبة الحفل. هذه مسؤوليتي".
لكنّها لم تترك ذراعه بعد. رفعت رأسها وألقَت عليه نظرة توسّل.
"ولكن ألا يجب أن ترحل؟ الجميع في حالة توتر وبضع كلمات من أمير ستكفي لتهدئتهم. وحتى إن لم تنطق بكلمة واحدة، فسيشعرون بالارتياح لمجرد رؤيتك".
حبس جيديون أنفاسه. لن يضره البقاء أليس كذلك؟ سيكون في ذلك إثبات لدعم أليسا. وعلى الأقل، سيعزز ذلك من ثقتها بنفسها.
تحدث فارسه بصوت خفض: "سموّك، علينا الذهاب. لقد نُقلت الكونتيسة إلى العربة".
وتوقف برهة ليضيف: "سيود سموّ الأمير ولي العهد التحدث إليك".
توتر جيديون. نظر إلى أليسا وأخذ بيدها.
"يجب أن أذهب. غيفارا مصابة وإن لم أعد معها فسيغضب أخي غضباً شديداً. إنّه يوليها مكاناً رفيعاً، وإن حدث لها مكروه فستثور ثائرته".
خفضت أليسا رأسها مرة أخرى.
"أفهم..."
"لكنني لن أدع هذا الأمر يمر هكذا. سيتحرّى المهندسون الإمبراطوريون لمعرفة ما جرى، وسنجد الجهة التي تسببت في ذلك"، أكد لها جيديون.
التفت إلى فابيان مجدداً.
"اعتُنِ بها وانتظر الطبيب".
ترك يدي أليسا وأحنى رأسه برفق لرئيس الوزراء ورئيسة الدير قبل أن يتجه نحو العربة المنتظرة. امتطى الفرسان صهوة خيولهم بسرعة وانطلقوا مبتعدين. داخل العربة، رمق جيديون غيفارا الممددة قبالته والمسندة بالوسائد. كانت الأجراس لا تزال تزين كاحليها ومعصميها، بينما قبضت يدها على السوار الذهبي المرصع بالبلّورات. جلس السير غرانجر، أحد فرسان بيرز، على الأرض مسنداً ظهره إلى غيفارا، ليكون بمثابة دعامة تمنعها من التدحرج عن مقعد العربة إن توقفت فجأة.
وكانت حقيبتها القماشة البسيطة التي جلبته معها موضوعة إلى جواره. كان جهاز اتصال بلّوري يضيء في يده.
"شكراً لك أيها القائد. نقدر هذا المرافق".
أجاب صوت رجل عبر جهاز الاتصال: "سأبلغ جلالتها بحالة الكونتيسة غيفارا. ستكون الغرفة جاهزة لها والطبيب على أهبة الاستعداد".
عبث جيديون بجهاز الاتصال الخاص به.
سأل السير غرانجر بينما كان ينهي المكالمة: "هل تم التواصل مع أخي بعد؟"
"ليس بعد، سموّك. إنه لا يرد".
قطب جيديون حاجبيه. التقط جهازه.
"اتصل ببيرز دو سولاي".
نبض البلّور لعدّة مرات دون أن يجيب أحد. مرر جيديون اصبعه عليه.
"اتصل بأكستون أليفيري".
والنتيجة ذاتها. لم يجب أحد. نقر جيديون بقدمه على الأرض في عجلة. لقد علم أنه بحاجة لإبلاغهم بما حدث، لكنّه أُخبر بأنهما سيكونان في اجتماع طوال اليوم تقريباً. وإن كان الأمر كذلك، فمن المرجح أنهما لن يتمكنا من الردّ لفترة من الوقت.
"اتصل ببارزة بوابة الأسود".
رفع جيديون رأسه ونظر إلى السير غرانجر. ومض جهازه البلّوري مرة قبل أن يجيب أحدهم.
"هنا بارزة بوابة الأسود. كيف يمكنني مساعدتك؟"
حيّا السير غرانجر بصوت محترم: "القائد سومرست. أنا السير غرانجر، مرافق الأمير بيرز. أالسيدة أغافونوفا حاضرة ومتاحة للحديث؟"
"نعم، لقد وصلت للتو برفقة الآخرين يا سير غرانجر. ارجُ الانتظار لحظة".
ساد الصمت قليلاً واستطاع جيديون سماع أصوات مبهمة ومكتومة. ثم أجاب صوت شابة.
"مرحباً يا سير غرانجر، هل هناك أمر ما؟"
لم يعلم جيديون إن كانت أغافونوفا قد استشعرت وجود خطب ما فوراً، لكن صوتها كان مشوباً بالقلق.
"سيدتي، وقع حادث في الدير صباح اليوم. تدخلت الكونتيسة غيفارا لإنقاذ الأيتام وأجهدت نفسها. لقد غشي عليها بسبب إرهاق البلّورات".
"هي ماذا! أتعرضت للأذى في مكان آخر؟ أين هي الآن؟ سأحضر فوراً-"
"سيدة أغافونوفا، اطمئني، إنها معنا في طريقنا إلى القصر الإمبراطوري. لقد تواصلت مع القصر بالفعل وهم يجهّزون غرفة وسيكون الطبيب الإمبراطوري في الانتظار"، هكذا بدا السير غرانجر وكأنه يقدّم تقريراً.
"نحن في صدد التواصل مع سموّ الأمير. هل يمكنك التواصل مع السيدة بيانشي بشأن حالة ابنة شقيقتها؟"
"نعم، سأتصل بها حالاً. سأرتب عملي هنا وأسرع إلى القصر. أرجو إبلاغهم بقدومي".
أطرف جيديون بعينيه وأرجع رأسه إلى الوراء. لقد كانت تلك خطوة جريئة للغاية من أغافونوفا أن تدعو نفسها إلى القصر الإمبراطوري. فالمكان ليس سكناً عادياً يمكن لأي كان ارتياده دون دعوة.
"نعم يا سيدتي. سأبلغهم بقدومك والقدوم المحتمل للسيدة بيانشي".
حدّق جيديون في السير غرانجر بذعر. أوافق للتو؟ ألا يتطلب الأمر مرُوراً بالقنوات المناسبة؟ كان جيديون ليتفهم الأمر لو كانت غيفارا تمتلك مثل تلك الحظوة، لكن أغافونوفا لم تكن مربوطة بالعائلة الإمبراطورية بأي صلة. حين أنهى السير غرانجر المكالمة، التفت نحو جيديون.
"سموّك، أرجو الاستمرار في محاولة الاتصال بسموّ الأمير بيرز. سأواصل أنا محاولة التواصل مع الدوق أليفيري".
أومأ جيديون برأسه ومرّر إصبعه فوق البلّورة. لو كان هذا قبل بضعة أشهر لشكّ في أن بيرز سيجيب حتى لو رأى جهاز الاتصال يومض، لكن في الأسابيع الأخيرة، كان بيرز يجيبه في كل مرة يتصل فيها. حاول جيديون ضبط نفسه وألا يتصل لأسباب تافهة كي لا يزعج أخاه، لكن هذا كان سبباً مشروعاً تماماً. استمر في الاتصال، ولم يَرُدّ بيرز على اتصاله إلا حين صارا في منتصف الطريق إلى القصر متجاوزين بوابات الأفق بكثير.
بدا صوت بيرز منزعجاً بعض الشيء: "ما الأمر؟"
"بيرز، حاولت غيفارا إنقاذ أيتام فأصيبت بصدمة بلّورية. لقد غشي عليها و-"
"أحضِروها إلى القصر".
اختفى الانزعاج من صوت أخيه فوراً. تحول صوته ليصبح صارماً وآمراً. كان يصدر أمراً وشعر جيديون بنبضات قلبه تتسارع. غمره شعور مفاجئ بالإعجاب العارم. لقد خُلق أخاه ليحكم.
أجابه بحماس: "حاضر يا بيرز! نحن في طريقنا إلى هناك الآن! لقد اتصل السير غرانجر مسبقاً وستكون هناك غرفة وطبيب إمبراطوري في الانتظار. كما نجح في الاتصال بالسيدة أغافونوفا".
"وفّروا مكاناً للسيدة إيليانا، والآنسة سونيا، وإيوان، والمربية ري".
عقد جيديون حاجبيه وأرجع رأسه إلى الوراء.
"لماذا-"
"ستأتيان لرؤية توري. امتثل لأمري يا جيديون".
انتهت المكالمة وظلّ جيديون يحدّق في الجهاز. ألم يستفسر أخاه عن أصدقائها أبداً؟
"...حاضر، طلب سموّه أيضاً غرفة إضافية للسيدة أغافونوفا، والآنسة فيساج، وإيوان كونر، والقائد ريستروم".
عاد السير غرانجر للحديث عبر جهاز الاتصال ونظر إليه جيديون من الطرف الآخر للمقصورة.
"من المرجح أن تحضر السيدة بيانشي، لكنها لن تقضي الليل هنا إذ لديها طفلان في المنزل".
"سنجهز الغرف يا سير غرانجر".
بعد أن انتهت المكالمة، نظر جيديون إلى السير غرانجر.
"ألم يستفسر أي منكم عن سبب السماح لهؤلاء بالدخول إلى القصر؟"
أجابه السير غرانجر بنظرة جادة: "إنهم ضيوف معتمدون من سموّ الأمير بيرز. في حال إصابة الكونتيسة غيفارا ونقلها إلى القصر، فهناك قائمة بأسماء الأشخاص المعتمدين للوصول ورؤيتها. وقد تمت الموافقة عليها ليس فقط من قِبل سموّه، بل ومن قِبل جلالتيهما، ومن قِبل الكونتيسة غيفارا نفسها".
ضيّق جيديون عينيه.
"أخي وافق على اعتماد قائمة كهذه؟"
أومأ السير غرانجر برأسه.
"الكونتيسة غيفارا حالة استثنائية".
قبضت إيليانا على المنضدة وكادت تترنح ساقطة. حاطها أصدقاؤها بنظرات متباينة من القلق.
قالت سونيا وهي تقترب من إيليانا وتضع ذراعها على كتفها بحنو: "ألبرت، اتصل بالمربية ري. جي بي، اتصل بالعمة لوسيا".
ثم التفتت نحو الحراس الذين كانوا يحومون حول المكان. كانوا حراس إيليانا الدائمين خلال سفرها وقد صاروا مستخدمين كمرافقين شبه دائمين.
"أرجو أن تطلب من السيد نوفاك تجهيز عربة لنقلنا إلى القصر الإمبراطوري".
ربت إيوان على كتف إيليانا قائلاً: "إيليانا، ستكون بخير. إنّه إرهاق بلّوري وليس صدمة".
أغلقت إيليانا عينيها.
"كنت أعلم أنه ما كان يجب أن تذهب إلى ذلك الافتتاح اللعين!"
قال هنريك: "لقد أرادت الذهاب. إذا أرادت توري فعل شيء ما، فسوف تفعله حتماً. كيف سنخبر ضيوفنا بتأجيل الموعد..."
"لا!"
انفتحت عينا إيليانا على وسعهما ونظرت إلى هنريك.
"قالت توري إنه بغض النظر عن أي شيء، يجب أن نفتتح في موعدنا، حتى لو افتتحنا بدونها".
قطب هنريك حاجبيه.
"سيسألون عن مكانها..."
أجابت إيليانا: "إذن أخبروهم أنها مرضت في اللحظة الأخيرة ولا تستطيع الحضور. توري تريد الافتتاح في موعده، وستغضب إن قمنا بتأجيله بسببها".
قالت لها سونيا: "أنت تعلمين أنها على حق".
قالت إيليانا: "هنريك، لقد خضعت لعدة افتتاحات تجريبية لتكتسب الخبرة. يمكنك إدارة الافتتاح الكبير بمفردك".
اتسعت عيناها هنريك وامتلا وجهه بالذعر المؤقت.
"لا أستطيع إدارته وحدي".
قالت لها سونيا: "لديك ألبرت وجي بي معك. في الأسابيع القليلة الماضية، لم تكن إيليانا وتوري تساعدان. كانتا تقفان جانباً وتدونا الملاحظات. أنت من أدرت جميع الافتتاحات التجريبية وتعرف ما تفعله. توري تثق بك".
قالت إيليانا وهي تطبق بيدك بقوة على كتفه: "يمكن للمكان أن يفتتح دوني ودون توري، لكنه لا يمكن أن يفتتح بدونك. يمكن لسونيا وإيوان مرافقي إلى القصر للاطمئنان على توري. وأنت تولَّ الإشراف على الافتتاح الكبير".
نظر إيوان إلى وجه هنريك المتردد ومنحه نظرة مطمئنة.
"هذا ما كانت ستتمناه".
جعّد هنريك عينيه ورمقه بنظرة حادة.
"إنها مصابة بإرهاق بلّوري؛ لم تمت. لا تقل الكلام هكذا!"
رمت كل من سونيا وإيليانا نظرة عتاب على إيوان أيضاً، فاحمرّ وجهه وتراجع إلى الوراء.
فرك هنريك رأسه قائلاً: "حسنًا. اذهبن أنتن الثلاثة إلى القصر وأطلعننا باستمرار على وضعها. أنا وجي بي وألبرت سنتولى افتتاح مبارزة. وإن سأل أحد، فقل إن توري أصيبت بنزلة برد، وأنكم ذهبتم جميعاً للاطمئنان عليها".
قالت إيليانا: "ما إن تستقر حالتها، سأرسل سونيا وإيوان للعودة. ستكون توري بخير".
لم تكن متأكدة أكانت تقول ذلك لتهدئتهم أم لتهدئة نفسها. انقسمت المجموعة، وحين وصلت هي وسونيا وإيوان إلى القصر الإمبراطوري، كانت العمة لوسيا قد وصلت بالفعل برفقة المربية ري. كانت توري لا تزال في طريقها، فانتظرن عند بيت الحراسة الجنوبي ريثما تصل العربة الإمبراطورية. رأت إيليانا عدة خدم يحيطون بسرير طويل ضيق مزود بعجلات عند قمة الدرج، في انتظار وصولها. كانت الإمبراطورة تقف أعلى السدرات وبوجه يعلوه جدل غير عادّ.
بدا أن العربة استغرقت وقتاً طويلاً للوصول، وحين وصلت أخيراً، اضطُرَّت سونيا وآخرون لإمساك إيليانا كي لا تندفع جرياً لرؤية توري. مرّر السير غرانجر صديقتها فاقدة الوعي إلى السير أتينيزا، الذي حملها صعوداً إلى السرير ذي العجلات. كانت غرفة توري في الطابق الأرضي ضمن جناح ضيوف مجاور. كانت غرفتها المعتادة في الطابق العلوي، لكن هذا المكان كان أكثر ملاءمة. شعرت إيليانا بالارتياح لكون توري غير مصابة بجروح بغيضة، رغم أن الطبيب ذكر أنها تعاني من تورّم طفيف في مؤخرة رأسها نتيجة السقوط.
ولم يكن ينبغي أن يكون ذلك أمراً خطيراً. وقفت إيليانا وسونيا وإيوان في زوايا الغرفة الواسعة، يراقبون الأطباء وخبيراً بلّوريّاً وهم يفحصون توري. وبغض النظر عن تورّمها الطفيف، كانت توري تعاني حقّاً من إرهاق بلّوري بحت وكان من المتوقع أن تستيقظ بعد بضع ساعات، ريثما يأخذ جسمها قسطاً من الراحة. بدا أن الغرفة بأسرها تنفست الصعداء. بقت المربية ري للحراسة وعادت العمة لوسيا إلى منزلها، مشيرة إلى أنها يجب أن تبلغ أخيها بهذا الحادث.
ولم تستطع إيليانا سوى تخيل مدى استياء المركيز. أخبرت الإمبراطورة العمة لوسيا أنه إذا كان لدى المركيز وزوجته أي استفسارات، فيمكنهما الاتصال بها مباشرة. أيقنت إيليانا أن هذا الكلام لم يصدر بصفتها الإمبراطورة، بل بصفتها صديقة لوالدة توري. ثم أمرت الإمبراطورة بإحضار طعام للجميع وسمحت لإيليانا ومن معها بالبقاء في الغرفة. تناول الثلاثة طعامهم في صمت. لم يكن أحد في مزاج يسمح بالحديث.
بعد الغداء، كانت توري لا تزال نائمة فحاولت إيليانا إقناع سونيا وإيوان بالعودة، لكنهما رفضا.
قالت لها سونيا: "سيكون هنريك والآخرون بخير. أنا قلقة بشأنك أنت أكثر".
"أنا؟"
أرجعت إيليانا رأسها للوراء مذهولة.
قالت سونيا بصوت جامد: "قد تخرجين لتهاجمي هارت وصديقاتها الصغيرات".
رسمت إيليانا ابتسامة صغيرة حزينة.
"لم فوات الأوان لفعل ذلك في المدرسة".
"لا تمزحي بشأن أمر كهذا. عليك أن تضعي سلامتك في الاعتبار، وإلا ستثيرين قلق أختي".
جاء صوت عميق خشن من جهة الباب، فهبّ المراهقون الثلاثة الحارسوان لسرير توري واقفين على أقدامهم فوراً. احمرّ وجه إيليانا وانحنت برأسها.
"اللورد كاسن!"
قالت سونيا وإيوان: "طاب مساؤك يا مولاي".
ورأيا رجلاً آخر يدخل من خلف شقيق توري.
"طاب مساؤك يا سموّ الأمير".
أومأ الأمير بيرز لهما برأس مرفوعة ومرّ بجانبهما ليصل إلى توري. انحنى فوق سريرها وازداد عبوسه عمقاً.
"سأعرف ما الذي حدث".
قال اللورد كاسن وهو يركع بجانب السرير ويلمس جبهة شقيقته برفق: "اذهب وانتظر وصول المهندسين ووحدة التحقيق".
ثم خفض صوته: "أريد أن أعرف بالضبط ما حدث".
بدا الأمير بيرز متردداً في المغادرة، لكن اللورد كاسن رمقه بنظرة حازمة فأخفض الأمير رأسه وخطا خارجاً. وما إن غادر، حتى نظر اللورد كاسن إلى الثلاثي وظلّ منتظراً بنظرة هادئة ولكن ثابتة.
اندفع إيوان بالكلام فوراً: "مولاي، لقد وُضع اسم توري في برنامج..."
وسارعت إيليانا وسونيا لملء الفراغات وشرح التفاصيل بعمق. لم يظهر وجه اللورد كاسن تعابير كثيرة، رغم أن إيليانا رأت الغضب والاستياء يلمعان في عينيه الزرقاوين كالجليد. أخذ نفساً عميقاً في نهاية سردِهم.
"أفهم... يبدو أنهم لا يريدون التوقف عن مضايقة اختي..."
كان صوته بارداً لدرجة جعلت إيليانا ترتجف، وكأن التهديد المبطّن موجّه إليها. استُدعي اللورد كاسن من قِبل الإمبراطور. لم تجرؤ إيليانا ومن معها على السؤال عما كان يفعله في القصر، لذا لزموا الصمت عند مغادرته. لم يعد الأمير بيرز، لكن بعد بضع ساعات، وصل الدوق أليفيري.
قال بصوت منخفض ومزعج: "لقد حضر آل غوثري. إنهم في غرفة الاستماع. أتريدون الذهاب؟"
بدا أن شرارة نار سرت في جسدها فوثبت إيليانا واقفة.
"لدي أشياء أريد قولها".
قبضت على يديها بجانبيها فأمسكت سونيا بذراعها لتهدئتها.
قالت سونيا: "لنذهب ونسمع ما يقولونه أولاً".
قال الدوق أليفيري وهو يشغل المقعد الشاغض بجانب سرير توري: "سيقودكم الفارس في الخارج إلى هناك. سأراقبها أنا".
أومأت إيليانا برأسها وغادرت رفقة سونيا وإيوان، وهي تأمل بصمت أن تكون هارت برفقة غوثري لكي تصرخ في وجهها هي الأخرى أيضاً. ومع ذلك، حين وصلوا إلى غرفة الاستماع، لم يكن هناك سوى أفراد عائلة غوثري الثلاثة، والإمبراطورة، والأمير جيديون الواقف بجانبها بتعبير حيادي. منحت الإمبراطورة إيليانا والآخرين إيماءة خفيفة برأسها وأشارت لهم بالوقوف جانباً. ماتت كل الكلمات التي أرادت إيليانا إطلاقها فور رؤية غوثري في حلقها.
اتخذت مكانها بهدوء مع أصدقائها الثلاثة.
"تحدثوا"، وقفت الإمبراطورة أمام عرشها، ناظرة إلى آل غوثري بنظرة آمرة.
رفع رئيس الوزراء رأسه المنخفض، بينما ظلّ غوثري والسيدة غوثري واقفين على جانبيه برؤوس منكسة.
قال رئيس الوزراء: "جلالتكم، جئنا للاطمئنان على الكونتيسة غيفارا والاعتذار لها".
ضيّق إيليانا عينيها. واشتد قبض سونيا على ذراعها. ازداد عبوس الإمبراطورة.
سألت بصوت منخفض: "لماذا قد يكون الاعتذار ضرورياً؟"
أخذ رئيس الوزراء نفساً عميقاً.
" ابني هو من أصرّ على جعل الكونتيسة ترقص في الفعالية".
"أكان هو؟"
اخترق صوت سونيا أرجاء القاعة. كانت عيناها البنّيتان تحدقان في الشاب الواقف على يسار أبيه.
"أنت من وضع اسم توري في الدعوة؟"
رفع غوثري يده إلى صدره واحمرّ وجهه وهو يدافع عن نفسه: "احتجنا شخصاً لرقصة مباركة لسافيرا! أنتم تعلمون جيداً أن أليسا لا تستطيع تحمل تكلفة استئجار راقصة! وكيف لنا أن نطلب من الدير الدفع لأجل ذلك؟"
قالت سونيا بحدة: "نحن؟ أهو مشروعها ومشروعك الآن يا غوثري؟"
جزّ غوثري على أسنانه وبدا وكأنه يطحنها وهو يرمق سونيا بنظرة حانقة.
"أنت تعلمين ما أعنيه".
سخرت سونيا: "أجل، أعلم تماماً".
سألت إيليانا: "لماذا وضعت اسم توري في الدعوة؟ لم تسألها قبل إرسال الدعوات".
ارتدّ غوثري برأسه إلى الوراء: "عن ماذا تتحدثين..."
قالت إيليانا: "تلقت توري دعوتها قبل شهر، قبل أن تطلبا منها وأنت وهارت أن ترقص".
ضيّقت عينيها.
"أكنت تظن أننا لا نعلم أنك استخدمت اسمها دون موافقتها؟"
أصرّ غوثري: "لقد كان حادثاً مع المطبعة! أخبرتكم من قبل، كنا ننوِي دائماً أن نسأل غيفارا-"
سأل إيوان: "لماذا هي بالذات؟"
خطا نصف خطوة متقدماً أمامها وأمام سونيا، وكأنه يريد أن يبدو أطول من غوثري.
"لماذا توري بالذات؟"
أجابهم غوثري: "حين كانت أليسا تبتكر الأفكار للبرنامج، رأت أن جلب راقصة لتأدية رقصة مباركة لسافيرا سيكون فكرة جيدة. لاحقاً، اكتشفت أن التكلفة باهظة نوعاً ما، ولم تكن الراهبات يعرفن كيف يؤدين رقصة مباركة. أخبرنا السيد فون دورن أن غيفارا تعرف تلك الرقصة".
أجابت سونيا بصوت بارد: "مجرد معرفتها للرقصة لا يعني أنه يتعين عليها أداؤها رغماً عنها ومزاجك! لم يكن يحق لك وضع اسمها في البرنامج المرفق مع الدعوة!"
"لقد كان خطأ مطبعي..."
"خطأ ملائم للغاية".
عبست سونيا، وعضّت إيليانا على نواجذها.
قالت إيليانا: "كنت تعلم أنها ستوافق إن استخدمت اسمها. إنها حيلة قديمة بين النبلاء".
شرحت الآنسة جيمس الأمر بمزيد من التفصيل وقالت إن ذلك لم يعد يُفعل حقّاً، لكن النبلاء استخدموا تلك الطريقة سابقاً لوضع المنافسين والأعداء في مواقف محرجة. وبدأت المطابع المرموقة في تأكيد حضور الضيوف وحتى حذف البرامج وأسماء الأطراف غير المعنية من البرامج حيث كان الناس يلقون اللوم عليهم لاتباعهم الأوامر عمياء. في النهاية، تراجع استخدام تلك الحيلة السخيفة ولعبت المطابع دوراً كبيراً في قضائها.
إن ممارسة مثل هذا السلوك الطفولي تجعل المطابع تبدو سيئة وتفقدها أعمالها. ولكن، ماذا عسى رجل البقر أن يفهم عن الخزي؟
مدت السيدة غوثري يدها متجاوزة زوجها وقبضت على ذراع ابنها: "ديمتري، أأنت حقّاً استخدمت اسم الكونتيسة للإعلان عن الملجأ؟"
"لم نستخدم اسمها للإعلان. كان هناك برنامج مرفق مع الدعوة وكان البرنامج يحمل اسمها".
اختنق صوت السيدة غوثري وهي تنطق الكلمات ونظرت إلى ابنها كمن فقد عقله: "قبل أن تسألوها؟"
"كنا نخطط لذلك! لم أكن أعتقد أن الدعوات ستُرسل وبها الاسم المؤقت".
قالت الإمبراطورة: "لم يكن وضع أي اسم ضرورياً. مجرد ذكر عابر لرقصة مباركة كان سيكفي. معالي رئيس الوزراء غوثري، سيدتي غوثري، حبذا لو أحسنتما تربية ابنكما على هذه الأمور".
أخفض رئيس الوزراء رأسه مرة أخرى: "حاضر، جلالتكم. لقد كان ذلك إهمالاً منا".
"أمي".
التفتا نحو المدخل على وقع الصوت. مشى الأمير بيرز إلى داخل القاعة رفقة عدد من الرجال والنساء، وتبدو على وجوههم جميعاً تعابير جادة.
"لقد توصل المهندسون والفرسان الإمبراطوريون إلى نتيجة قاطعة".
بدت إيليانا منبهشة لسرعة التوصل إلى تلك النتيجة ومتلهفة لمعرفة سبب انهيار سقف المدرسة.
أومأت الإمبراطورة للرجال والنساء برأسها: "أبلغونا بالتقرير".
تحرك آل غوثري إلى الجانب، ليقتربا أكثر من المكان الذي تقف فيه إيليانا. تقدم رجل طاعن في السن ليمثل المجموعة.
قال العجوز بانحناءة احترام لكل طرف: "جلالتكم، سموّ الأميرين، رئيس الوزراء والضيوف الأفاضل، بخصوص انهيار السقف، وجدنا أن الخشب المستخدم لدعمه كان مطلياً لإخفاء العفن الجاف".
وقف غوثري مستقيماً: "ماذا؟"
"إضافة إلى ذلك، وبينما كانت الآجرّات في أغلب الأجزاء ذات جودة ممتازة، فإن الآجر في ما يزيد قليلاً عن ربع المبنى بقليل كان رديء الجودة. فلم يُحرق جيداً ولم يستطع تحمل ثقل عارضة الدعم. لقد ظهرت فيها تشققات مبكرة. ومع حركة الأطفال ذهاباً وإياباً، كانت الاهتزازات الناجمة عن أنشطتهم كافية للتغلب على الآجرّات المعيبة، مما أدى إلى تشقق الآجر والملاط. تشققت الآجرّات أولاً ثم انهارت العارضات".
اتجهت عدة عيون، من ضمنها عينا إيليانا، نحو غوثري. لقد فقد وجهه كل لون وبدا وكأنه يرجع للخلف خطوة، مذهولاً.
تمتم وهو يهزّ رأسه غير مصدق: "لكن... لكن تلك آجرّات وأخشاب عالية الجودة..."
"وكذلك الملاط المستخدم. لم يقم البناؤون الذين خلطوا الملاط بذلك بالشكل السليم. ومن واقع الخبرة، فمن المرجح أنهم كانوا متعجلين للانتهاء".
أخذ العجوز نفساً عميقاً وقطب حاجبيه: "إنها لمعجزة حقّاً أن الهيكل لم ينهار عاجلاً".
أطبقت إيليانا شفتيها وعضّت عليهما. رمقت سونيا غوثري بنظرة نارية.
"أليس هؤلاء البناؤون مدربين في مدرستك؟ كيف سمحت لهم بالنجور واعتبارهم مؤهلين للبناء؟"
قالت إيليانا بمرارة: "كانت توري على حقّ عندما سألتك كم عدد الأشخاص الذين يجب أن يموتوا قبل أن توقفهم..."
هزّ غوثري رأسه: "لا، لقد كنت أنتبه مؤخراً! لقد جعلت بناة ذوي خبرة يقيمونهم!"
قال الأمير بيرز: "القائد ماكريس، أرجو أن تشاركي نتائج تحقيقك".
تقدمت امرأة في منتصف العمر وانحنت.
"اثنان من البناؤون ونجّار أُرسلوا للقيام بأعمال البناء في الدير كانوا حرفيين حديثي التخرج تعلموا من مدرسة الحرفيين للسيد ديمتري غوثري في قرية فوس. كان العمل على تشييد المدرسة جزءاً من تدريبهم لاكتساب الخبرة، ولذلك كان الأجر ضئيلاً للغاية. وتعويضاً عن الأجر المنخفض، قام البناؤان والنجّار ببيع بعض الآجرّات والأخشاب عالية الجودة المتبرع بها. ثم استبدلوا المواد المباعة بأخرى أدنى بكثير ولا تصلح للبناء".
شعرت إيليانا بالدم يندفع إلى رأسها. التفتت نحو غوثري وكأنها تريد خدش عينيه.
"أهؤلاء هم نوع الأشخاص الذين أرسلتهم؟ ألم تفحص خلفياتهم أو ترسل مقاولاً خبيراً للإشراف عليهم؟"
كانت أعمال البناء في الدلتا تخضع لمثل هذه الاحتياطات والفحوصات الدورية، وكان الحرفيون جميعاً من أعضاء النقابات المخضرمين. كانت السلامة دائماً هي الأولوية.
تحدث الأمير جيديون، الذي كان يقف إلى جوار والدته بصمت منذ وصول آل غوثري: "السيد غوثري، أتريد القول إنك أرسلت هؤلاء الحرفيين لبناء المدرسة بمفردهم؟"
نظر إلى غوثري بعدم تصديق. بلع غوثري ريقه بصعوبة. وتصبب جبهته عرقاً بينما كانت عيناه تزيغان يميناً ويساراً.
فقد وجهه لونه ورفع يده ليدلك صدغه: "كانوا ستة أفراد. أنا... أنا تركت المدربين في مدرسة الحرفيين يرتبون الأمر".
جزّت إيليانا على أسنانها بينما كانت تموجات الإحباط والغضب تجتاح الغرفة.
"السيد غوثري، أتعي أن إهمالك قد ساهم في هذا الأمر؟"
كانت الإمبراطورة تغلي غضباً.
"بيرز، عدا عن الكونتيسة، أكانت هناك إصابات أخرى؟"
"كان هناك أكثر من عشرين طفلاً مصاباً، أغلبهم بجروح وخدوش وكدمات جراء الذعر. احتاجت طفلة صغيرة واحدة لغرز جراحية بعد أن جرحتها شظية آجر فوق عينها. تقرير الدكتور أزولا يقول إن الفتاة محظوظة، إذ كان شظية الآجر لتفقدها إحدى عينيها لو كانت أسفل بقليل فقط".
احمرّت عينا إيليانا. لقد كان سيئاً بما يكفي أن تغشي على توري مجدداً، لكن الأطفال الذين حاولت إنقاذهم ما زالوا جرحى. رمقته بنظرة حارقة، كارهةً إياه لأنه غادر تلك الحادثة دون خدش واحد.
"يعاني طفلان مما يبدو أنه كسور في عظام ذراعيهما، وتعرض صبي لجرح في ساقه تطلب هو الآخر غرزاً جراحية. والأسوأ هو صبي سحقت الحطام ساقه".
بدا أن الأمير بيرز يطبق على فكيه بقوة.
"إنه خاضع لعملية جراحية الآن لبتر تلك الساق".
رفعت السيدة غوثري يدها لتغطية فمها وهي تطلق شهقة. وهزّ ابنها رأسه نافياً.
"لا... لا، لقد كان بخير. رأيتهم يأخذونه بعيداً، وقالوا إنه كسر ساقه-"
قال الأمير بيرز بصوت مجمد للأوصال: "كان الأمر أسوأ مما ظنوا. السيد غوثري، لقد طلبت نظراً لتورطك في عملية البناء أن تُدرج ضمن المسؤولين عن حادثة اليوم".
صرخ غوثري: "لكنني لم أكن أعلم!"
وهز رأسه بعنف.
"لم أكن أعلم أنهم باعوا المواد..."
"سموّ الأمير، كيف سيعاقب ابني؟"
بدا رئيس الوزراء مستسلماً لمصير ابنه. لم يتردد الأمير بيرز.
"بما أن الأمر يتعلق بمشاريع ليسيه، فسيتعين إشراك المدرسة. لقد تحدثت مع ناظر المدرسة لوران وبينما يتم اتخاذ قرار بشأن عقوبته، سيتم إيقافه..."
خطا غوثري للأمام: "موقوف! سموّ الأمير، كان هذا كله حادثاً!"
ملأ صوت الإمبراطورة البارد أرجاء الغرفة: "حادث كان من الممكن تجنبه!"
"جلالتكم، أرجوكم الرأفة! أنا في سنتي الثالثة. لا يمكن إيقافي! كنت أعمل على إصلاح مدرسة الحرفيين وسأتحمل المسؤولية عن ذلك، لكن لم تكن نيتي أن يُصاب أي شخص بأذى. كل ما أرَدته هو مساعدة أليسا هارت في نفقاتها".
ضيّق الإمبراطورة عينيها: "لقد كلفت هؤلاء الرجال بهذا كتدريب لمساعدة البارونة هارت؟ وأنت تعلم تماماً أنهم يبنون مدرسة لأيتام؟ ودون أي إشراف؟"
"كان من المفترض أن يكون هناك إشراف. لست أدري ما حدث. سأتحدث إلى المدربين في المدرسة".
قالت سونيا بحدة: "وماذا عن الأطفال الجرحى؟ هل سيساعدهم حديثك إلى المدرب في مدرستك الآن؟"
صاح غوثري راداً: "سأعوضهم! سأدفع جميع التكاليف الطبية وأساعدهم في العثور على وظائف لاحقاً. أليس هذا تعويضاً كافياً؟"
حدّقت إليه إيليانا باشمئزاز. أكان يصرّ حقاً على أن المال سِيحل المشكلة؟ وبأن ساق الصبي لا أهمية لها لأنه سيجد له وظيفة لاحقاً؟
قالت الإمبراطورة: "السيد غوثري، عليك أن تتحمل بعض المسؤولية عما حدث".
"لكن هذا ليس خطئي تماماً! حاولت التأكد من إرسال حرفيين مناسبين؛ لم أكن أعلم أنهم تجرؤوا على بيع مواد البناء واستبدالها!"
احمرّ وجه غوثري. وتجرّأ على خطو خطوة للأمام.
"وينبغي استجواب غيفارا أيضاً!"
ثقبت عيناها إيليانا المذهولتان وجهه.
كدت سونيا أن تشرق بغضبها: "لماذا ينبغي استجواب توري؟"
التفت غوثري نحوهما: "لقد دخلت غيفارا المبنى في ذلك الصباح. كيف لنا أن نتأكد من أنها لم تفعل شيئاً يتسبب في انهيار المبنى بهذه السرعة؟ أليست هذه مصادفة عجيبة؟"
لم تكره إيليانا أحداً في حياتها بقدر ما كرهته في تلك اللحظة. اندفع الدم إلى رأسها وشعرت بأن عقلها خلا من الأفكار. غدا كل الصخب المحيط بها مكتوماً وسمّرت عينيها على الشاب الواقف على بعد خطوات قليلة منها. لقد تجرّأ غوثري على لوم توري. بسبب جهله وهوسه الأحمق العشق لهارت، كاد الأطفال يلقون حتفهم، وظلت صديقتها المفضلة فاقدة الوعي وهي تحاول إنقاذهم. كانت هذه المرة الثانية - المرة الثانية، التي تضطر فيها توري للتدخل وإصلاح خطأ غوثري، ليأتي هو ويتجرّأ على لوم توري؟
فقدت إيليانا صوابها. تشنجت أصابعها النحيلة لتتحول إلى قبضات، واندلعت خارجة من قبضة سونيا. سمعت بوهن صوت صديقتها وهي تصرخ لإيقافها، لكن الأوان كان قد فات. لم تشعر إيليانا بألم يدها وهي تصطدم باللحم والعظم. ولم تشعر بالوخزة الحادة. كل ما تمنته هو أن تكون أقوى.
"إيليانا!"
شعرت بذراعين تحيطان بها وتكبحانها بينما كانت الدموع تنهمر على وجهها.
"هذا خطأك! أتمتلك الجرأة لتقوم بملامسة توري فقط لأنها كانت هناك؟ كل ما تفكر فيه هو هارت ولا شيء غيره! لقد كان غرورك وإهمالك سبباً فيما حدث! كادت أطفال أن يموتوا بسببك! ليس للآلهة ضمير لتتركك تقف هنا وتدافع عن نفسك بينما هناك أطفال جرحى وتوري فاقدة الوعي مجدداً! يجب أن تكون أنت من يدفع ثمن أخطائك! كان ينبغي أن تكون أنت! أيها الرجل الجاهل والمقرف! لا تستحق اسمك! لا تستحق الذهاب إلى ليسيه! لا تستحق أي شيء قط!"
حاولت سونيا تغطية فمها: "إيليانا!"
لكن إيليانا أدارت رأسها بعيداً، رافضة السكوت بينما كانت ذراع إيوان الغليظة تلف حولها لتمنعها من تلويح ذراعيها أو الانقضاض لضربة أخرى. ورغم قوته ومهارته، فقد واجه صعوبة في احتوائها.
"لا، أريده أن يسمعها! أريده أن يعلم أن هذا خطأه! أن هذا كله خطأه وأنه كاد يقتل أناساً! طفل لم يعد يستطيع المشي بسبك! لقد غشي على توري مجدداً لأنها اضطرت لإنقاذ الناس بسبب إهمالك! هذا خطأك! كيف تجرؤ على محاولة لوم الآخرين! إنه خطأك كله ويجب أن تُعاقب! أتمنى لو أنهم لم يجدوك أبداً في تلك الغابة!"
نجحت سونيا أخيراً في الإمساك برأسها وسحبها نحوها لتهدئتها. وصارت صرخات إيليانا المختنقة وهي تلعن غوثري مكتومة بينما كانت سونيا تضمها بقوة.
قالت سونيا بصوت مسموم: "آمل أن تكون سعيداً يا غوثري. آمل أن تكون إرضاء هارت يستحق كل هذا. لا تحاول لوم توري على هذا. أنت من جعلت اسمها يُوضع على ذلك البرنامج لإجبارها على الحضور. أنت من أرسل حرفيين غير متكئين وبغيضين. إنه خطأك".
لم تستطع إيليانا التوقف عن الارتعاش. نظرت من خلال خصلات شعرها الفوضوية وهي تبتعد عن كتف سونيا. كان غوثري ملقى على الأرض، والدم يغطي وجهه بينما كانت يداه تحاولان إيقاف النزيف المنهمر من أنفه. وبدا وجهه الشاحب خالياً من أي تعبير. لم تكلف إيليانا نفسها عناء التفكير فيما إذا كان مذهولاً لأنها ضربته أو متفاجئاً لأنها تمنت لو أنه مات. كانت السيدة غوثري راكعة بجانبه، تصرخ وتتوسل لمساعدة ابنها.
وقف رئيس الوزراء خلفهما دون أن يحرك ساكناً لمساعدة ابنه. وارتسم الغضب والخزي على وجهه وهو يلتفت بعيداً، قابضاً على يديه بجانبيه. سمعت إيليانا نفساً عميقاً.
قالت الإمبراطورة بصوت عديم المشاعر: "ليحضِ أحدكم منشفة لابن رئيس الوزراء وليستدعِ طبيباً إمبراطوريّاً للتأكد من أن أنفه غير مكسور".
لا، صححت إيليانا لنفسها. لم تكن الإمبراطورة عديمة المشاعر، بل كانت باردة ومشمئزة. ظلت واقفة باستقامة شفتيها مطبقتان وعيناها مضيقتان.
حاولت السيدة غوثري التحدث إلى ابنها: "ديمتري، استمسك! لا تتحرك!"
لكن غوثري لم يبدُ منتبهاً.
كانت الدموع تملأ عيني السيدة غوثري وهي تلتفت ناظرة إلى إيليانا بحيرة واتهام: "لماذا ضربته يا سيدة أغافونوفا؟"
شعرت إيليانا بجليد يجري في عروقها وهي تواجه نظرة السيدة غوثري دون أن ترمش: "لأنه كان يستحق ذلك".
بدت كلماتها الباردة وكأنها جمّدت السيدة غوثري. ربتت سونيا على مؤخرة رأس إيليانا محاولة تهدئتها.
قالت سونيا بصوت رتيب: "لا تلتفتي إليهم. سينالان عقابهما قريباً. لا تستمري بالصراخ واهدئي. ستستيقظ توري قريباً. لا ترغبين في أن تراكِ بهذه الحالة، أليس كذلك؟"
أضاف إيوان: "ستقلق توري بشأنك".
ولم تسترخِ قبضته عنها.
"لديها ما يكفيها من القلق بالفعل، أليس كذلك؟"
اهتزت أنفاس إيليانا المرتجفة وأغمضت عينيها. حاولت السيطرة على تنفسها. فقادها أصدقاؤها بهدوء بعيداً.
"السيدة إيليانا!"
صدح صوت من مدخل القاعة، ففتحت إيليانا عينها لتستدير وتنظر. هبط الدوق أليفيري ووقف مسماراً وتسمرت عيناه عليها.
"توري استيقظت وهي تسأل عنكِ!"