سألت إليانا بحذر: "هل من جديد؟"
كانت توري جالسة على السرير متربعة الساقين وحولها أوراق مبعثرة. رُسمت شبكات فوق نسخ الخرائط وجُهِّزت تظليلات خفيفة لكل منطقة شملها البحث. وكانت أوراق أخرى تعويذات تجف لتمد الفرسان المتعبين بطاقة إضافية تساعدهم على الصمود. وهناك دفتران مفتوحان بخرربشات مختلفة خطتها لجمع أفكارها وترتيبها. لم تغادر توري مقصورة الدوقة تيتري الشتوية منذ وصولهما قبل يومين لكن التعب نال منها.
أجابت بصوت متحشرج: "لا. انتهى فريق الدوق تيتري من تمشيط البلدات والقرى المحيطة ببحيرة غلاس. وسيبدؤون تتبع خطوتهم والتحقق من ممرات الدواب والخيالة الضيقة".
كانت بحيرة غلاس أبعد بحيرات الاستجمام الكبرى في المنطقة وترتفع قليلاً عن البقية. استغرق الأمر يومين ليمشط الدوق تيتري وأعوانه البلدات المحيطة بالبحيرات دون أن يلمح أحد ثلاثة مراهقين تنطبق عليهم أوصاف أليسا أو ديميتري أو مونتان. وبدا الأمر منطقياً بعض الشيء بالنسبة لها فالصطلة وأبطال الهوى لابد أن يبرزوا جسدياً ويكونوا فريدين ومميزين. مشط سيباستيان وفرسانه الغابات المحيطة بالطرق الرئيسية آملين العثور على خادع تقود إلى المراهقين المفقودين أو العربة التي استقلوها.
وبدأ أخوها يفقد صبره إذ لم يعثروا على شيء بعد. لم يتوصل البارون هارت ولا آل غوثري إلى أليسا وديميتري. وكانا يتصلان كل ساعة تقريباً دون مجيب. أمضت توري نصف ساعة في الليلة الماضية تحاول تهدئة السيدة غوثري وطمأنتها. فقد أخذ رئيس الوزراء إجازة للانضمام إلى رحلة البحث عن ابنه وبقيت السيدة غوثري وحدها في هورايزون. ولم يعد لدى الأصدقاء وأفراد العائلة الذين حاولوا مواساتها أي كلمات ولذا اتصلت بها السيدة غوثري للاستفسار عن البحث.
ولم تملك توري الكثير لتذكره هي الأخرى لكنها لم تطاوعها نفسها على إغضاب المرأة.
سألت إليانا: "ماذا عن الطرق المؤدية إلى هورايزون؟"
أجابت توري: "لدينا رجال في البلدات والمدن الكبرى على امتداد الطرق. وأرسل الدوق سينان بعض رجاله لحراسة نقاط التفتيش تحسباً لوصول الثلاثة".
كانت الدوقة تيتري قد اتصلت بالدوق سينان فاستجاب لطلبها نظراً لاختفاء ابن رئيس الوزراء.
"كما يمتلك أنلار حراساً عند نقاط التفتيش الرئيسية وموانئه".
كادت إليانا تخنق الكلمات المهولة وهي تسأل: "ألا تعتقدين أنهم غادروا القارة؟"
أطلقت توري زفرة خافتة: "ليس عمداً".
لم يرغب أحد في التفكير باحتمال تعرض الثلاثة للاختفاء في طريقهم إلى حيث يمموا وجوههم لكن الفكرة ظلت معلقة في عقولهم. كان ديميتري ابن رئيس الوزراء وهدفاً متحركاً رغم أن دافع الاختطاف لم يكن سوى تكهنات.
قالت إليانا: "مر أسبوع تقريبا منذ مغادرتهم بلدتها. لقد فُحصت الطرق الخارجة من المنطقة في غضون ثلاثة أيام فإلى أين يمكن أن يكونوا قد ذهبوا؟"
ألقت توري نظرة على نسخة سريعة لخريطة طبوغرافية من مكتبة الدوقة تيتري وقالت: "يمكنهم السفر خارج الطرق الممهدة".
وكانت تضم ممرات محددة يستخدمها الصيادون وغير ممن يقتاتون من غابات.
سألَت إليانا وقد بدا الحنق في صوتها: "ألم يهمس أحد برؤية العربة؟ العربات لا تختفي هكذا ببساطة".
أوضحت توري: "كان آخر مكان شوهدوا فيه على طريق ريفي وبجانبه مزارعون. لقد توقفوا للاستراحة وسأل شخص تنطبق عليه مواصفات غوثري عن الماء. بعد ذلك واصلوا طريقهم لكنهم لم يبلغوا البحيرات قط".
استُجوبت النزل والحانات والمزارع الواقعة على طول الطريق. ولم تتوقف أليسا ومرافقوها في أي مكان لقضاء الليلة. ولم تكن توري متأكدة أكان السبب مادياً أم أنهم واصلوا التقدم دون رغبة في إهدار الوقت. وهو ما لم يكن منطقياً بالنسبة لها. كانت أليسا غاضبة من أبيها لا خائفة. ولم تكن تهرب خوفاً.
قالت إليانا بصوت هادئ: "توري. ما الذي تعتقدين أنه حدث لهم؟"
ابتلعت توري ريقها بصعوبة وأغمضت عينيها لبرهة وقالت: "لا أعلم".
بدأت الخاتم البلوري المتصل بجهاز الاتصال تنبض لتشير إلى متصل آخر.
"إليانا لدي مكالمة أخرى. إن حدث أي شيء سأعلمك. تذكرِي إطعام ألكسندر من فضلك".
"سأفعل. لا تنهكي نفسك يا توري. أنت تفعلين ما بوسعك".
وهو أمر زهيد إن كنت صادقة.
قالت: "أعلم".
ثم حركت إصبعها ذهاباً وإياباً فوق البلورة.
"مرحباً؟"
"لقد عثرنا على العربة".
لم يحمل صوت سيباستيان أي تلميح للحماس وما إن سمعته توري حتى هبط قلبها في بطنها.
خرج صوتها لهاثاً بينما قبضت إحدى يديها على حجرها وسألت: "أين؟"
أجاب أخوها بصوت ثابت خاوٍ من المشاعر: "على بعد ثلاث ساعات حصاناً من المقصورة في أحد ممرات الجبال المطلة على نهر فرعي. أخفتها الأغصان المورقة. ما كنا لنراها لولا انتباه أحدهم للأغصان المكسورة على جانب الجبل".
ضيقت توري عينيها وسألت: "لماذا أُخفيت؟"
"سقطت من على الطريق وهوت بمنتصف الجبل نحو الأخدود. يبدو أن عجلة العربة انكسرت وفقد السائق السيطرة عليها. وتحطمت خلال الهوى".
شعرَت توري بقشعريرة تسري في جسدها.
فتحت فمها قائلة: "سيبي..."
لكن السؤال الذي أرادت طرحه لم يخرج.
لان صوت سيباستيان قائلاً: "الأمور بخير يا توري. لم يكن هناك ركاب".
أجفلت برأسها وقطبت حاجبيها. كان هذا نبأ ساراً لكنه محير في الوقت ذاته.
"العربة فارغة؟"
"كانت هناك بعض الأغراض الشخصية لكن لم يكن أحد داخل العربة. لا دماء ولا قطع ملابس ممزقة ولا علامات صراع. يعتقد السير ألفاريز أن العربة كانت فارغة بالفعل عندما فقدت السيطرة وسقطت".
رفعت توري يدها ودركت صدرها. شعرت بالارتياح لكن هذا لم يزد اللغز إلا عمقاً.
"ماذا عن السائق؟"
"لم يكن هناك سائق. من بين الحصانين هوى أحدهما مع العربة. وكان لا يزال مربوطاً باللجام. يقدر السير مونتيز أنه نافق منذ بضعة أيام".
أغمضت عينيها مرة أخرى وصرت على أسنانها.
"هل كان كسر العجلة حادثاً؟"
أخبرها سيباستيان: "الدوق تيتري في طريقه لمعاينتها. هذا اختصاصه. سنمكث هنا بضع ساعات في انتظاره".
أومأت توري برأسها: "هل أخبر البارون ورئيس الوزراء؟"
"لا ليس لدينا إجابات كافية. أريد أن يعرف الدوق تيتري سبب انتهاء المطاف بالعربة أسفل الجبل. أما الآن فنحن على يقين من أن زملاءك لم يكونوا موجودين حين هوت".
تردد سيباستيان ثم تابع: "إيدون مع بعض الفرسان يتعقبون المسار محاولة لمعرفة الجهة التي قدمت منها العربة. والمسار يبتعد عن البحيرات".
"إذن كانت عائدة؟"
قال سيباستيان: "لا يسعني سوى التخمين".
صكت توري على أسنانها وسحبت قدميها من تحتها متجاهلة وخز الوخزات ثم زحفت فوق الأوراق التي أمامها.
"أين قلت إنكم موجودون؟"
أخبرها سيباستيان: "على بعد ثلاث ساعات مطية حصان شمال غرب المقصورة".
وتوقف لبرهة مضيفاً: "على الخريطة الطبوغرافية أقول المربع الشبكي واحد وعشرين".
سحبت توري ورقة كبيرة وأمرت إصبعها على سطحها. كان المربع يحيط بامتداد من الممر الجبلي. وتتبعت الخطوط التي تمثل الممر. كان طريقاً فرعيا لا يبدو أنه يفضي إلى أي مكان سوى مزيد من الارتفاع في الجبل. ما اللعنة التي كانا يفعلانها فوق الجبل؟ ألمشاهدة شروق الشمس؟ أم لترديد الأناشيد وتأمل لحظة بعد تفريغ ما في بطونهما؟
قالت وهي تومئ لنفسها: "حسناً. أرجو إعلامي بما يتوصل إليه الدوق تيتري".
أجاب سيباستيان: "سأفعل. وأعلم أنك سهرت البارحة ونهضت باكراً للمساعدة في إعداد الطعام للفرسان. خدي قسطاً من الراحة. يتناوب السير أغيلار وإيتورالد على حراستك. وبينيديكت هناك أيضاً".
أومأت توري برأسها: "أعرف".
انتهت المكالمة فانزلقت توري عن السرير متجهة إلى مكتب وضعت عليه معظم أغراضها. كانت المقصورة شسيعة لمقصورة استجمام لا تُستخدم سوى شتاء للتزلج: ثلاث طبقات وتمتد على مساحة منزل فسيح. وهناك بيت خشب مجاور وسقيفة مغطاة تضم اسطبل خيول ومكاناً لعربتين. خُصص الطابق الأرضي للطعام والاستقبال لكنه ضم مطبخاً ملائماً حاولت فيه توري الإسهام في دعم فرق البحث بإعداد طعام يمكنهم أخذه.
ورغم ما يسببه لها من إحباط فلم تكن تملك سوى الطهي والقيام بدور عاملة هاتف رفيعة الشأن. لم تكن تملك مهارات ركوب الخيل لتجاريهم وتلتحق بهم في البحث الجسدي. ولم تكن تملك تدريباً على تتبع الأثر البشري أيضاً. وكانت محاولاتها للعثور على ديميتري عبر اللازورد عديمة الفائدة. لقد منحت السيدة غوثري البلورة لديميتري تعويذة حظ لاختباراته لكنها لم تدر إن كان قد أخذها معه حين غادر.
ولم تتذكر توري رؤيتها معلقة بحقيبته كما ينبغي أن تكون. كان هناك احتمال أن يكون ديميتري قد تقبلها كرمز لمشاعر أمه التشجيعية ثم ألقى بها في درج لتُنسى. لكن حتى لو كانت بحوزته فقد كان أبعد من أن تعثر عليه. لم تكن ذراعها بالقدر الكافي من الطول. فتشت توري حقيبة تحوي أدوات كتابة وأوراقاً والمزيد من الخرائط واستلت بوصلة. عادت إلى السرير التقطت الخريطة الطبوغرافية ووضعتها على الأرض.
ركعت فوقها وقاست المسافة من المقصورة إلى المنطقة التي عُثر فيها على العربة. بدت لها على بعد عشرة إلى خمسة عشر ميلاً تقريباً. ثم قاست توري المسافة حتى نهاية ذلك الممر الجبلي بزيادة أو نقصان ميلين إلى ثلاثة. وهناك رسمت توري دائرة ثم عادت للجلوس على ساقيها.
"اللعنة".
حتى مع الاستعانة بالبلورات والتعويذات لسحب الطاقة وتركيزها بغية البحث عن توقيع طاقي مطابق في تعويذة ضمن اتجاه ضيق فإن مدى وصولها لم يتجاوز دقيقتين أو ثلاثاً. لقد وقتته ولم يبلغ بعيداً. كان الأمر رائعاً لمن بدأت التعلم قبل عامين فقط لكنه كان عديم الفائدة لأغراض البحث. استرخت توري وألقت بالبوصلة فوق الخريطة بنظرة غاضبة.
"الليدي توري".
طُرق الباب. التفتت نحوه. وإدراكاً منها بأنها ستبقى حبيسة المقصورة طوال الوقت فقد خصصها أخوها بالجناح الرئيسي في الطبقة العليا والذي يشغل معظم المساحة. أما غرف النوم السبعة الباقية فكانت في الطبقة السفلية ويتناوب الفرسان استخدامها مستريحين بين عمليات البحث.
سألت توري: "أيها المعلم؟"
بخلاف فرسان أمها لم يكن في المقصورة حالياً سوى المعلم إغناطيوس الذي ساعدها في الطهي. ووصل خادمان في اليوم التالي لهما يشرفان على شراء المؤونة وإحضارها للمقصورة وحيث إنه وقت ما بين الوجبات فقد ذهبا إلى المدينة لجلب مزيد من المكونات.
"مولاتي هل أنت بخير؟ لقد اتصل بي الأكبر سيباستيان وأخبرني بعثورهم على العربة".
قالت توري: "أعلم! أنا بخير أيها المعلم".
محبطة نعم لكنها بخير.
"أتحتاجين شيئاً؟ أأنت جائعة؟ أترغبين في التنزه حول المقصورة؟"
سأل.
وسمعته يخفض صوته: "أيسعنا هذا؟"
وكأنه يوجه سؤالاً للحارس على بابها. أخذت توري نفساً عميقاً وأزاحت بعض خصلات الشعر عن وجهها. بعض الهواء النقي لن يضر. نهضت وارتدت حذائها. فتحت الباب فنظر إليها المعلم إغناطيوس حيث وقف بجوار حارسها.
قالت: "لنذهب".
أومأ بتعاطف وعرض عليها ذراعه. تناولته توري وهبطا الدرج.
قال المعلم إغناطيوس: "نحن أبعد من أن نتنزه بجانب البحيرات لكن هناك مهارات غابات حول المقصورة. لقد قضيت يومك بأكمله في غرفتك".
أجابت توري وهما يهبطان الدرج نحو الممر الترابي: "أحاول التفكير في طريقة أخرى للعثور عليهم لكني نفدت من الأفكار. تتصل بي السيدة غوثري أو السيدة فوس كل بضع ساعات لتستعلما إن كان هناك جديد ولا أملك ما أقوله لهما".
هبط قلبها وتضيقت عيناها فخفضت بصرها وهزت رأسها.
"لا أدرِي كيف أساعدهما بطريقة أخرى".
لم تخبر المعلم إغناطيوس بمدى إيلام سماع هاتين المرأتين. فقد أصبح صوتاهما أجشين. وكل يوم يمضي يقلل من احتمالية العثور على أطفالهما سالمين.
قال المعلم إغناطيوس: "لكل منا حدوده يا مولاتي. وما أنا بقادر على فعل الكثير أيضاً".
قالت توري بصوت خافت: "إن وُجد احتمال بأن السيد غوثري يرتدي حجر اللازورد الذي شحنته فقد ظننت أنني أستطيع العثور عليه".
وهزت رأسها ببطء.
"لكن المسافة..."
كشكش المعلم إغناطيوس عينيه: "أشك في أن أخاك نفسه يستطيع استشعار بلورة شحنها ضمن المدى الذي نبحث فيه. فعلى صعيد القوة الخام في جمع الطاقة وشحنها هو أقوى شخص أعرفه. وأشك في أن يقدر الأستاذ راموس على ما هو أفضل".
هزت توري رأسها قائلة: "الأمر محبط لكني لا أستطيع تخيل حال والديهما".
دار الاثنان حول المقصورة قرب حافة الأشجار. وتتبعها أحد فرسانها بجد واجتهاد. رفعت رأسها محاولة تهدئة نفسها. وحين استدارا أمام المقصورة استطاعت رؤية ما بعد خط الأشجار وإحدى البحيرات في الأسفل.
"مدى وصولي بالكاد يلامس شاطئ تلك البحيرة".
كانت تتذمر لكن المعلم إغناطيوس التفت نحوها فجأة.
"مدى وصولك؟ حين تبثين الطاقة للعثور على البلورات؟"
أومأت توري: "تدبرت إيصال طاقاتي إلى هناك لكن ليس أبعد. وذلك بعد أن استخدمت بلورات وتعويذات إضافية لمحاولة مدها".
أبطأ المعلم إغناطيوس خطاه وتوقف ناظراً إليها.
"كيف عرفت أنها امتدت إلى هذا الحد؟"
نظرت إليه توري بتساؤل للحظة: "تتباطأ طاقتي وتنتهي".
بدا الرجل أكثر حيرة فانتزعت ذراعها من ذراعه.
"لا تستطيع الطاقة الأرضية اختراق الماء لذا وجب أن تنزل في الأرض تحته. أنا قادرة على بلوغ أبعد من الشاطئ بقليل لكني لا أستطيع الحفاظ عليها لمسافة أبعد".
أخبرها المعلم إغناطيوس: "حين أبحث عن البلورات أستخدم تقنية التصور الشبكي. إنها تستهلك طاقة أقل. أتذكرين ما درسته في الصف؟"
أومأت توري. في البلورات المتبادلة للعثور على بلورة شحنها تلميذ كان عليهم تأريض أنفسهم ثم إطلاق طاقتهم عبر اليد اليسرى لكن في خطوط متداخلة لصنع شبكة تغطي مساحة وتتفاعل فور اتصالها بلورة تحمل توقيعهم الطاقي. وحين تتصل البلورة بالطاقة التي يبثها التلميذ تُجذب باقي خطوط الطاقة وتُعاد تجميعها جميعاً حول نقطة الاتصال. غير أن توري تعلمت التقنية أولاً من الأستاذ راموس.
فبدلاً من إعطائها إرشادات صارمة حول تقنيتها المحددة أخبرها بالغاية وكيف تُنجز ثم تركها تكتشف التقنية بمفردها. وكانت النتيجة مزيجاً بين التصور الغازي والسائل حيث تُرسل طاقتها كموجة عبر الأرض. تُستخدم طاقة أكبر لكنها أكثر دقة وإيجاد بلورة أسرع من التقنية الشبكية.
قالت توري: "كلما ابتعدت عني اتسعت الفراغات في الشبكة. تحتاج الطاقة للتفاعل مع بلورتي وإن وقعت البلورة بين الفراغات فلن أستشعرها حتى لو بلغت مسافة بعيدة. أما الموجة فأكثر حساسية بكثير".
أومأ مقطباً حاجبيه ورفع يده ليدلك ذقنه.
"أحاولت تركيز موجة في منطقة معينة؟ تقييدها بنطاق أضيق بدلاً من المساحة حولك بأسرها؟"
أطلقت توري زفرة أسى وأومأت: "نعم بهذه الطريقة استطعت إيصالها حتى البحيرة. وإن أطلقت موجة في كل الاتجاهات فمدى وصولي يعادل ربع مدى النطاق الضيق".
عبس المعلم إغناطيوس: "الطاقة المطلوبة لهذه الطريقة باهظة. إن أجهدت نفسك فستصابين بإرهاق البلورات أو ما هو أسوأ".
قالت توري: "أعلم ولهذا لا أضغطها أكثر. على الأقل ليس بمفردي. لقد حاولت استخدام بلورات لتعزيز المسافة وتعويذات لزيادة ما أجمعه من طاقة لكن لها قيوداً كثيرة. ولا أستطيع الحفاظ على تعويذات تدوم طوال بحثي".
وافق المعلم إغناطيوس بإيماءة: "التعويذات ليست بطول عمر البلورات. عملك في حفر السولفا القديمة في البلورات أشد فعالية وأكثر قابلية للتحكم".
قالت توري متنهدة بعمق: "لا أظن أن هناك بلورة بحجم يكفي لأحفرها لهذا الغرض".
مدت يدها وراحت تعبث بسوارها أثناء مسيرها. أمعنت النظر في السوار فوقع بصرها على بلورة فيلار السوداء بجوار البلورة الزرقاء والبيضاء التي استخدمتها لصنع دوائر التحكم في الصوت. ضيقت عينيها وأبطأت خطاها لتتوقف مجدداً.
"الليدي توري؟"
قالت: "أظن أنني اكتفيت من المشي. سأعود وآخذ قسطاً من القيلولة".
رفعت يدها الأخرى وأطلقت تثاؤباً طفيفاً.
"سهرت طويلاً واستيقظت باكراً".
أومأ المعلم إغناطيوس موافقاً: "أتفهم. سيعود خادما تيتري قريباً بالمؤونة لإعداد العشاء. أأوقظك حينها؟"
قالت توري: "أرجو ذلك. سأعد العشاء للجميع".
استدارت عائدة للمقصورة يتبعها حارسها. قصدت غرفتها وانسلت للداخل. تحققت توري من إغلاق الباب قبل أن تهرع إلى مكتبها وتفتش الحقيبة بحثاً عن ورقة. أفرغت مساحة على المكتب وأخرجت بلورة فيلار من سوارها. حدقت بها لبرهة. فيلار. كتابة. أخذت نفساً عميقاً واستخدمت البلورة لكتابة تعويذة على الورق أولاً دون تأريض كاختبار. ظهر خط رمادي باهت للغاية حين سحبت توري طرف الفلار فوق الرق شبه الأبيض.
كان من الصعب تمييز الكتابة لكن توري استطاعت استشعار الطاقة المنبعثة من الرق دون تفعيلها. كانت ورقة التعويذة من مفضلاتها: تلك الخاصة بتبريد المشروبات. أجلت توري بصرها في الغرفة بحثاً عن شيء تضعه فوقها فوقع بصرها على الإبريق الخزفي بجوار حوض صغير تغسل فيه وجهها صباحاً. هرعت عبر الغرفة والتقطته ناظرة بداخله. لا يزال هناك ماء.
"يكفي".
عادت إلى المكتب ووضعت الإبريق بعناية فوق الورقة. قبل أن تتركها شعرت بسطح الإبريق يبرد كأنما غُمص بأسره فجأة في ماء مثلج. سمعت طقطقة جليد من الداخل فأطلقت نظرة داخل الإبريق. وحيث إنها استخدمت المزج ذاته للسولفا القديمة على هذه التعويذة كما فعلت بالتعويذات المستعملة لتبريد المشروبات لم تظن أنها ستجمد كل الماء دفعة واحدة وبمثل هذه السرعة. فالتعويذة الاعتيادية المصنوعة بحبر السخام استغرقت وقتاً لتجميد السائل مما منحهم وقتاً للتقليب وتكسير الجليد للوصول للقوام المنشود.
تمتمت لنفسها: "لعل السبب أنه ماء وليس عصيراً أو قهوة..."
وضعت يديها على الإبريق لكن ما إن لامست أطراف أصابعها السطح حتى سحبتهما فزعاً.
"تباً إنه بارد للغاية..."
نكزت الإبريق بضع مرات لترى أكان الأمر مجرد تخيل أم أن الإبريق نفسه بارد كقطعة جليد. ضيقت عينيها. التعويذات الاعتيادية لن تملك طاقة كافية لتجميد الوعاء بهذه الطريقة. وكان الإبريق أكبر بكثير من الكوب. عثرت على منشفة جففت بها وجهها واستخدمتها لحماية يديها من سطح الإبريق البارد بينما أبعدته عن التعويذة. وضعته جانباً ومدت يدها بحذر لتلمس قطعة الورقة. لا تزال هناك طاقة وفيرة.
كأن لم يُستهلك شيء منها قط. عبست. الشيء الوحيد الذي تغير هو أنها ركزت طاقة في الفلار حين كتبت الحروف. وعادة كانت تمسك التعويذة وتشحنها لكن الأمر لم يكن ضرورياً هذه المرة. بدت توري ترتجف حماسة. التقطت مزيداً من الأوراق واستخدمت الفلار لتكتب بعناية تعويذات جمع الطاقة التي حاولت استخدامها سابقاً لكنها استنفدتها سريعاً. وحين صار لديها ست قطع توجهت إلى المساحة المفتوحة عند قدم سريرها ورتبتها في دائرة تجلس في مركزها.
نظرت إلى الأسفل وعبست. قليل من المساعدة في جمع الطاقة لن يضر. هرعت توري نحو النافذة. وبجوارها طاولة تحمل لوحة شحن السيلينيت. اختارت بعض قطع الكوارتز الكبيرة التي كانت تشحنها طوال الليل ووضعت كلاً منها على تعويذة. وعثرت على ساعتها وتحققت من الوقت. جلست توري بعدها في المركز متقطعة الساقين ووضعت راحتيها على الأرض بجوارها. أغمضت عينيها وأرست نفسها ساحبة الطاقة لجسدها بيدها اليمنى ثم طاردة إياها عبر اليسرى.
لم تكد تنهي تنفسها حتى شعرت بموجة طاقة هائلة تندفع وتحيط بجسدها دفعة واحدة. كان شعوراً محكماً شبه خונق فسارعت إلى دفعها للخارج وبعثت بموجة طاقة حولها. بدت طاقة اللافندر الضبابية التي تتخيلها أقل عتمة من المعتاد. تدفقت أسرع واضطرت توري لبذل جهد أكبر للتحكم باتجاهها. أخذت تعرق وواصلت سحب الطاقة. كانت تمضي أبعد من المحاولات السابقة لكن بعد حين شعرت بالطاقة التي تجمعها تخبو.
تبددت الطاقة دفعة واحدة وانقطع اتصالها. فتحت عينيها وهبطت للأمام مخرجة زفيراً ثقيلاً بينما يعلو صدرها ويهبط باضطراب. نظرت إلى التعويذات ومدت يدها تلمس إحداها. لقد فرغت من طاقتها. حركت يدها فوق إحدى البلورات. فرغت من طاقتها هي الأخرى أيضاً.
تمتمت بعدم تصديق: "تباً أأنت جاد؟"
هزت رأسها. كانت تلك طاقة أكبر مما جمعته وأطلقته قط ومع ذلك لم تكفِ ست تعويذات وبلورات. كادت تخدش وجهها إحباطاً قبل أن تهوي بيديها على الأرض بجانبيها.
"مولاتي أأنت بخير؟"
رافق السؤال طرقات من السير إيتورالد.
مررت توري يدها على وجهها وأخذت نفساً عميقاً: "أنا بخير!"
نظرت إلى التعويذات. ونظرت إلى ساعتها التي ألقت بها على حافة السرير. تراجعت برأسها. خمس دقائق على الأقل؛ تضاعف وقتها. وبلغت مدى أبعد. إن استطاعت الصمود ضعف المدة فهناك احتمال لمد وصولها نحو المناطق التي حددتها بدوائر على الخريطة. بالطبع سيتعين عليها توجيه طاقتها نحوها وكلما بلغت مداً أبعد قلت كثافة طاقتها لكن إن كفى لاستشعار بلورة على ديميتري فسيكفي. إن كانت البلورة بحوزته.
ضيقت توري عينيها. ألا يزال الأمر يستحق التجربة؟ إن تمكنت من بلوغ ذلك المدى ولم تعثر عليها فديميتري لا يملك البلورة وحسب. على الأقل تعلمت شيئاً جديداً. ...وهذا نوع التفكير الذي يصنع منك مهووس بلورات. استندت بظهرها إلى قدم السرير بعد جمع التعويذات والبلورات المستهلكة ودفعها جانباً. أغمضت توري عينيها محاولة حساب عدد التعويذات والبلورات التي ستحتاجها. سيتعين عليها الانتظار حتى حلول الظلام إذ تحتاج لإعادة شحن البلورات.
فكرت في طلب شحنها من أخيها حين يعود لكنها لم تكن متأكدة من موافقته على تجربتها. عرف سيباستيان ما إرهاق البلورات ولن يدعها تعرض نفسها للخطر. نهضت توري وحملت البلورات عائدة إلى لوحة السيلينيت. مزقت التعويذات المستهلكة وألقت بها في سلة مهملات صغيرة تحت المكتب. وبينما كانت تعد بعض الأوراق لتكتب عليها لفت انتباهها جهاز الاتصال الوامض. التقطته ورأت اسم السيدة غوثري. استعدت توري.
حركت إصبعها فوق البلورة: "السيدة غوثري؟"
تحدث صوت أجش مرتجف بهدوء: "لقد... لقد عثروا على العربة".
تباً من أخبرهما؟
صكت توري على أسنانها: "نعم. قال أخي إنهما ما زالتا قيد التحقيق".
"لم يُعثر على ديميتري؟"
أغمضت توري عينيها لشعورها بألم في صدرها. عضت شفتها السفلى محاولة كبح الوجع عند سماع صوت المرأة المنكسر.
"لا يا سيدة. ليس بعد".
سمعت التنفس المكتوم المألوف ثم صرخة ألم: "ديميتري..."
رفعت توري عينيها إلى السقف وهي تشعر بتلألئه: "العربة أفضل دليل عثرنا عليه يا سيدتي. هذا يضيق نطاق اتجاهنا".
"ما كان لي أن أوافق على ذهابه إلى فوسي... كان جديراً بي أن أكون أكثر حرصاً. كان جديراً بي أن أمره بالتنقل إلى هناك".
قالت توري بهدوء: "لم تكوني تملكين سبباً لعدم تصديقه".
"عادة لا يكون ديميتري هكذا. لا أفهم. لماذا؟"
كانت السيدة غوثري تطرح السؤال جهراً لا موجهًا إليها.
"كيف أمكنه الكذب علينا؟"
وجدت توري الأمر مضحكاً في البداية. فقد راقها انفضاح أمر ديميتري ومواجهته للعواقب لكن سماع أمه تبكي يومياً وتخشى الأسوأ أذهب كل طرافة توري عن الموقف. فقدر ما أزعجها هؤلاء المفقودون الثلاثة لم تستطيع احتمال رؤية والديهما المحترمين يُمزقان باختفائهما. إن كان من شيء فقد زادها مقتاً لأليسا وديميتري ومونتان.
قالت توري مقطبة حاجبيها: "السيدة غوثري يجب أن ترتاحي. يجب أن تعتني بنفسك. حتى إن لم تملكي المزاج فعليك الراحة وتناول الطعام بصورة لائقة. فرئيس الوزراء يبحث عن ابنك؛ فلا تدعيه يقلق بشأن صحتك أيضاً".
"نعم... نعم أنت محقة".
أطلقت السيدة غوثري زفرة ثقيلة: "أنا... أشكرك يا ليدي توري".
قالت توري: "لا أستطيع فعل الكثير. ارتاحي من فضلك يا سيدتي".
مررت إصبعها فوق البلورة ووضعت جهاز الاتصال جانباً. رفعت يديها وغطت وجهها. كانت يداها ترتجفان ولم تدر أمن تجربتها أم من مكالمة السيدة غوثري. أخذت نفساً عميقاً وأمسكت بالفلار. استعدت لكتابة مزيد من التعويذات ثم توقفت. يمكن كتابة دوائر التحكم في الصوت على الأرض. نظرت إلى البلورة السوداء في كفها ثم إلى الأرض. حسناً ولِمَ بحق الجحيم لا؟ أعادت توري الفلار إلى سوارها وخطت نحو منطقة الجلوس التي تشغل جزءاً من الغرفة.
أمسكت مسند كرسي مبطن كبير وجرته جانباً مبعدة إياه عن بساطة بيضاوية رمادية وبيضاء واسعة. ثم عبرته وسحبت كرسيين كبيرين آخرين واضعة إياهما بمحاذاة الجدار. دفعت توري مسند أريكة كبيرة جانباً قبل دفع المسند الآخر. راحت تتبادل دفع مسندي الأريكة الثقيلة حتى أبعدتها عن البساط. اخترق الهواء صوت احتكاك قدم الأريكة بالأرض.
جاء صوت من الخارج: "مولاتي؟"
قالت وهي تزحزح بعض الشعر عن وجهها: "الأمر بخير! أنا أزحزح كرسياً فقط!"
ثم سحبت طاولة منخفضة عن البساط وبجوار موقد غير موقد. انحنت إلى جانب البساط البيضاوي وبدأت تلّفه لتكشف عن الخشب الداكن تحته. حين دُفع البساط إلى قدمي الكرسيين اللذين أبعدتهما سابقاً حدقت توري في المساحة الواسعة التي أفرغتها. انزلقت يدها إلى سوارها وأخرجت الفلار. وقفت في مركز المساحة المفرغة وركعت رسامة دائرة بالفلار المشحون. ثم رسمت ست دوائر أخرى حولها خطوطاً متقاطعة حتى تشكلت نجمة سداسية تربط الدوائر.
وعند طرف كل نقطة رسمت دائرة أخرى. نهضت وأعجبت بما صنعته.
"تلك أقبح مكعبات ميتاترون رأيتها في حياتي..."
رفعت رأسها للوراء واستنشقت وزفرت بعمق.
"مهما يكن لا أملك مسطرة ضخمة".
لا يهم إن كانت الخطوط مهتزة بعض الشيء والدوائر غير مثالية. فالشکل العام موجود واستطاعت استشعار الطاقة تشع منه. طاقة وفيرة. كادت توري تشعر بالبهجة وهي تحس بالطاقة تسري فيها بمجرد الوقوف بمركز المكعب. ثم كتبت بعض السولفا القديمة داخل الدوائر. جلست في المركز بعد إعادة الفلار. لم تفكر يوماً بالطاقة التي شعر بها في الدلتا. عانت في البداية لاستشعارها لكن مع تقدمها في استخدام البلورات صارت تحس بها في الهواء بالطريقة التي أحس بها سيباستيان أول زيارة له.
ثم اعتادت عروق الطاقة بعد قضاء كل هذا الوقت هناك. لكن الآن بعيداً عنها وجلوساً داخل المكعب الذي رسمته لاحظت تشابه النبض. وضعت توري راحتيها على الأرض بجانبيها وأغمضت عينيها. وما إن أرست نفسها حتى شعرت بطفرة طاقة تندفع خلالها وكادت عيناها تطيران فتحاً. فتحت فمها محاولة التنفس بينما يحيط بها شعور الاجتياح بموجة ضخمة. لشرفة بدت وكأن لا وزن لها محاطة وتطفو في عرض المحيط.
أهذه هي الطاقة برمتها؟ صكت على أسنانها وركزت على توجيه ما بدا تسونامي باتجاه العربة المعثور عليها. كانت طاقتها تتحرك أسرع وتهوراً بالاتجاه الذي حاولت قمعها نحوه. إن كانت محاولاتها السابقة كجدول فهذه مياه أُطلقت من سد منهار. حاولت توري حفظ توازنها الأرضي بينما غرقت طاقتها المنطقة آملة العثور على بلورة مفردة شحنتها. شعرت بالعرق يسيل على صدغيها وهي تواصل توجيهها. أحست توري باقترابها من شي ما.
كل ما تحتاجه هو الاستمرار. بدأت أطراف طاقتها البعيدة تترقق. تجمعت حواجبها. لا يزال المكعب يجمع كميات فاحشة من الطاقة. شعرت توري ببرودة ظهرها. تباً ليس رمز البلورة بل أنا. جسدها هو ما بلغ حده. أطبقت على فكيها. تحتاج للتقدم قليلاً بعد. تستطيع الشعور بشيء ما. جذب انتباهها نبض لطيف من طاقة مألوفة. إنها خاصتها. وجدتك أيها اللقيط اللعين! اللازورد. اتصلت طاقتها بها فوراً وأحست بكميات أثرية تُمتص مما يعني أن أحدهم كان متوتراً أو غاضباً أو خائفاً أو الثلاثة معاً والبلورة تؤدي عملها محاولة إرخاء مرتديها.
وهذا يعني أن مرتديها لا يزال على قاي. وحتى لو لم يكن مرتديها ديميتري فهو دليل آخر. المشكلة الآن أنه رغم معرفتها الاتجاه العام لم تدر كم تبعد اللازوردة عنها أو عن أخيها. وكلما مضت طاقتها أبعد تباطأت. ولم تستطع تقدير المسافة بدقة. بدأ رأسها يخف وشعرت باختلال توازنها. المعتاد أنها تتوقف عن التأريض عند هذه النقطة لكنها لم تستطع مطاوعة نفسها. لقد وجدَتهم! تحتاج فقط لمعرفة مكانهم أو ترسيم موقع اللازوردة بطريقة ما.
"ليدي توري؟"
تتابع الطرق السريع على الباب. بدا صوت المعلم إغناطيوس قلقاً.
"ليدي توري هناك كمية هائلة من الطاقة-"
"توري سأدخل."
"بيرز؟"
كاد تركيزها ينكسر وتذبذبت الطاقة.
"لا تدخل! أنا أعمل!"
"ليدي توري هذه طاقة أكبر من أن تعامليها! أياً ما كنت تفعلين توقفي حالياً!"
سمعت توري أحدهما يعبث بمقبض الباب. كان مغلقاً لكن لم يشك أحد في قدرة بيرز وفرسانها على تحطيمه. خبطت محاولة معرفة كيفية تتبع اللازوردة.
"احطموا الباب".
سُمع صوت ارتطام ثقيل. استطاعت توري إحساس تهاوي قبضتها على الطاقة وبدأ جسدها يضعف. لقد بدأ إرهاق البلورات يحل. لم تدر ما تفعله غير ذلك. لم تستطيع مواصلة الاتصال. أجبرت توري الطاقة على الصعود عبر الأرض رافعة إياها بالطريقة ذاتها حين حاولت استخدام البلورة الأرضية لأول مرة. غير أنه دون بلورة أرض لم تتحرك الأرض. بدأت توري تتمايل في مجلسها. وتهاوت الطاقة من حولها. وانطلق ألم شاطر في رأسها فهوت للوراء.
"ليدي توري!"
أمسك بها أحدهما قبل اصطدامها بالأرض.
فتحت توري عينيها ونظرت بضيق: "أيها المعلم".
كانت هناك أشكال أشخاص فوقها تتحرك. ولم تستطع تمييز أحدهم.
"أيها المعلم طاقتي-"
"لا تتحركي".
وضع الرجل رأسها بعناية ومد يده لجيوبه باحثاً عن بلورات.
"ماذا تفعلين؟ أنت تعلمين أنك لست قوية للتحكم بمثل هذه الطاقة!"
لمس يد باردة جبينها: "توري. أعطها وسادة!"
قال بيرز لأحد فرسانها. استطاعت تمييزه على يسارها وأحست بيد ترفع رأسها لتوضع وسادة تحتها. كانت مصابة بالدوار وطبقت فكيها محاولة التركيز.
"أيها الأكبر؟"
سمعت صوت المعلم إغناطيوس. ما كان لأخيها الوصول بعد؛ أتراها اتصلت؟
"على الأرجح كانت تستخدم طاقة هائلة للتو..."
اتسعت عيناها ونظرت نحو البقعة التي ظنتها المعلم إغناطيوس: "أيشعر سيبي ببصمتي الطاقية؟"
"نعم قال إنه شعر بها حيث هو..."
"ألا تزال هناك؟"
لم تستطع تبين تعبيرات المعلم إغناطيوس.
"أيها الأكبر أتتخلف طاقتها... في الهواء؟"
صمت لبرهة.
"ليدي توري... لماذا أطلقت طاقتك؟"
أغمضت توري عينيها: "أخبر سيبي بتتبع الطاقة ما استطاع قبل تبددها".
تركت جسدها يهوي.
"اتبعوها مبتعدين عن مكاننا".
كانت حواسها تبلد.
سأل أحدهم دون أن تدر من يتحدث: "لماذا؟"
"لأنني وجدتهم..."
ضعفت أنفاسها.
"اتبعوا..."
"توري؟ توري!؟"
تلاشى صوت بيرز ولم يبقَ شيء.