أيقظني الألم قبل أن يوقظني الوعي. جاء موجةً تتدفق من رسغيّ عابرةً الحروق على ظهري. الفجر. كانت الأغلال لا تزال تحيط برسغي. تدلت ذراعاي منفرجتين إلى الجانبين، وغاصت الحلقات في لحمٍ غدا أرجوانياً تحت القيود. تلاطمت مياه البحر عند كاحلي. كان الجزر في أدنى مداه. النقطة الأدنى من دورته، الحوض ذاته الذي راقبته طوال اليوم السابق، النافذة القصيرة حين تتعلق الأقفاص بأكملها فوق سطح الماء.
احترقت رئتاي. ذلك النوع من الألم الناجم عن رئتين امتلأتا بالمحيط ثم لفظتاه وامتلأتا مجدداً. لقد غرقت. في لحظة ما خلال الليلة الثانية، تراجع وعيي إلى ما دون الحدّ الذي يمكّنني من الحفاظ على إيقاع التنفس. جاءت موجة. كان فمي مفتوحاً. تدفقت مياه الملح. سقط رأسي إلى الأمام. ذقني على صدري. تدمّر جسدي. انخفاض حرارة الجسم، والتقلصات، والحروق على ظهري لم تُعَدْ إلى وضعها الأصلي.
الجرح فوق عيني، والكدمة في بطني، وعشرات الجروح الصغيرة المتراكمة خلال القتال في الممرّات، بقي كل ذلك متراكمًا فوق الأضرار الجديدة لست وثلاثين ساعة من التعرض. انزلقت عيناي نحو الأقفاص. ثمانية أشخاص. لا أحد آتٍ. يومان. كان ذلك أقصى ما أستطيع تحمله. ذهبت التعزيزات القادمة من غرينزهايم إلى الخنادق. لم يكن أحد يبحث عن جثث على الشاطئ. أنت تعلم ما يجب عليك فعله. لم يكن الصوت خارجيّاً.
كان صوتي. لسْتَ بطلاً. احترقت الكلمات. الفارس ينقذ من يستطيع الوصول إليه، ويحمي من هم في متناول يديه، ويدفن من لم يقدر على الإمساك به. شققت الأغلال، لمجرد الشعور بها. غاص الحجر في رسغي. أستطيع التحمل أكثر. مدّ جذر آخر. دورة أخرى. ربما في اليوم الثالث— في أفضل الأحوال، سيقتلك اليوم الثالث مجدداً. ويهديك عودة أضعف. كل ساعة تزداد فيها ضعفاً هي حياة أخرى تفلت من متناول يديك.
أغمضت عيني. تجسد وجه يوليا في الظلام خلف أجفاني. لقد اخترت مسبقاً. لقد قررت مسبقاً من يعيش ومن يموت. غرست سيفاً في قلب فتاة، وراقبْتَ النوار تفارق عينيها، ثم وضعتها على العشب قبل أن تبتعد. يداك ليست نظيفتين. لن تكونا نظيفتين أبداً. لإنقاذ البعض، قد تفقد البعض. حاولت كبح الصوت. حاولت إيجاد الحجة التي ستسكته، الحجة المضادة العادلة التي ستثبت أنه لا يزال هناك سبيل لإنقاذ الثمانية جميعاً.
لم يأتِ شيء. لقد وضعت نفسَكَ هنا. اخترت أن تكون من يتحرك. من يقرر. كان بإمكانك البقاء في النزل. كان بإمكانك التدرب في الساحة والانتظار ليتولى شخص آخر الأمر. لكنك ركبت الجنوب. أوقفت الطقوس. أرسلت الرسائل. قاتلت في الممرّات. أعلنت تحملك للمسؤولية. احملها الآن. تصدع شيء في داخلي. شعرت به في صدري. في الفراغ خلف أضلاعي حيث استقر القلب، محطماً ومكدوماً ونابضاً بعناد. فتحت عيني. كان الجزر في أدنى درجاته.
تعلقت الأقفاص فوق سطح الماء. تنفست، وازدهرت حمرة النعناع في رئتي. خرج صوتي خشناً.
"اسمعوني. الجميع. استمعوا".
التفتت الرؤوس. في القريب من الأقفاص، فتحت المسعفة عينيها. نظرت إليّ الضابطة المحترقة في القفص الثاني. كان تعبير وجهها غامضاً. في الثالث، ارتفع ذقن إيفان عن شعر آليا. عثرت عيناها الفارغتان على عينيّ. بجانبها، تحركت آليا. لم تستطع إدارة رأسها بما يكفي لرؤيتي، لكن جسدها سكن. في أبعد الأقفاص، لم يتحرك بيوتر. لكن رأس ناديا التفت. عيناها الداكنتان، اللتان ثُبتا على المحيط، وجدتا وجهي.
"سأكسر الأغلال".
لم يتفاعل أحد.
"حين أكسر الأغلال"، تابعت، "سيطلق السحر الثقل الموازن. ستسقط الأقفاص. كلها. في الماء".
تشبثت ذراعا إيفان بآليا. انقبض فك الصبي خلف كمامته. في قفص الجنود، اندفع الرجل الذي أطاح بالقزم إلى الأمام نحو القضبان، مشدود اليدين وراء ظهره. ظلت عينا الضابطة المحترقة مثبتتين على عينيّ. تصدع صوتي.
"لست قوياً بما يكفي للتحمل أكثر. مدّ جزري آخر وسأغرق. لن يصمد جسدي. إنه ينهار بالفعل".
ابتلعت. ملحاً ودماً.
"سأتحرر وأقفز. سأصل إلى الأقفاص. سأفتح أكبر عدد أستطيع. أفكك القضبان، أقطع القيود، وأدخلكم إلى الماء".
توقف.
"لا يمكنني إنقاذكم جميعاً".
"لا أملك القوة. سأفتح كل قفص أستطيع الوصول إليه. بعد ذلك..."
انغلق حلقي.
"بعد ذلك، الأمر متروك لكم. فيما إذا كنتم تستطيعون السباحة إلى الشاطئ".
نظرت إليهم. كل قفص. كل وجه. رعب إيفان. رأس آليا المدفون. جمود بيوتر. عينا ناديا الداكنتان العارفتا الخبايا. فكا الجنود المشدودان. تنفس المسعفة الهادئ.
"أنا آسف".
همست الأمواج ضد الصخور. تحدثت الضابطة المحترقة.
"أيها الجندي".
كلمة واحدة. كان صوتها أجشّ، مجرداً بالكامل بسبب الملح والبرد.
"افعلها".
أومأ الجندي الثالث. هزة واحدة حادة لذنقه. ضغط إيفان وجهه في شعر آليا. انطبقت عيناه بقوة. اهتزت كتفا الصبي مرة واحدة، بقوة، ثم سكنا. تنفست. تدفق المانا. فتحت كل بوابة امتلكتها النوى التسع وتركت الفيضان يحط. اشتد حرق النعناع في رئتي إلى ما يتجاوز أي شيء أنتجته قط، جحيماً مركزاً من المانا تدفق عبر النسيج التنفسي وشاع نحو الخارج بعنف جعل عروقي تبرز على بشرتي كحبال داكنة.
توهجت ذراعاي. بخفة، تحت السطح، ظهر وميض شاحب عبر بشرة رسغيّ الداخليين. كانت المانا كثيفة جداً في نسيج العضلات لدرجة أنها أنتجت ضوءاً. وجهت كل شيء نحو أصابعي على الأغلال. شددت. شددت بقوة أكبر حتى صرخت الأغلال وانفجرت حلقات الحجر. سقطت الأقفاص. كانت الارتطامات هائلة. أربعة تفجيرات منفصلة من الماء والحجر أرسلت أعمدة من الزبد الأبيض لتثور نحو السماء. أصابني الرذاذ حيث وقفت على الصخرة، فبللت مياه الملح وجهي وصدري.
كنت أتحرك بالفعل. الحبال حول كاحلي. يداي، اللتان لا تزالان ترتجفان من كسر السلسلة، وجدتا العقد ومزقتاهما. غاصت الألياف المغطاة بالملح في أصابعي. تدفق الدم من الجروح. لم تستسلم العقد. توقفت عن محاولة فكها. أمسكت بالحبل بكلتا يديّ وشددت. انفصلت الألياف بصوت تمزق رطب. انكسرت الخيوط الفردية واحداً تلو الآخر، وتطلب كل كسر قوة أكبر من سابقه، حتى انكسر الخيار الأخير وتحرر كاحلاي.
غُصتُ. أصابني الماء. غمر البرد كل جرح. فتحت عيني تحت الماء. لسع الملح. غيم بصري، إذ اختزل المحيط العالم إلى لطخات من اللون والظل. لكنني استطعت رؤية الأقفاص. كان القفص الأقرب على بعد ثلاثة أمتار تحتي. ركلت. دفعتني ساقي نحو الأسفل. زاد ضغط الماء ضد طبلتي أذني. خفت الضوء مع كل متر من العمق. تجسد القفص أمامي. قضبان حجرية. شكل مظلم واحد بالداخل. أردية بيضاء تلوح في التيار. الأقرب أولاً.
عثرت يداي على باب القفص. كانت القضبان سميكة. كانت آلية القفل أخاديد مصممة في الحجر، مفصلة لسان وتجويف صُممت لتُرفع من الخارج. أمسكت المزلاج. شددت. صببت المانا في قبضتي وأجبرت الدفء على راحتيّ، أصابعي، الأوتار التي التفت حول الحجر البارد. تمزق المزلاج. انفتح الباب. التقطه التيار ودفعه على مصراعيه. تشنجت المسعفة بالداخل، مقيدة ومكممة في مياه غمرت القفص بالفعل. وجدتها يداي.
أمسكت بالقماش، أمسكت بالحبل، أمسكت بأي قبضة أتاحها الماء. شددت. جاءت معي، خارج القفص، إلى الماء المفتوح. حبل حول الرسغين. قبضت، لويت، شعرت بالألياف تحتك ببعضها. مزقت. يد حرة. ثم الأخرى. الكمامة حول الوجه. نزعت. تشنج جسدها ضد جسدي. انفتح فمها على الماء. لكنها كانت على قيد الحياة. واعية. تحركت ذراعاها. دفعتها نحو السطح والتفتّ نحو القفص التالي. استقر القفص الثاني بشكل أعمق. استقر القفص الأول في مياه ضحلة.
انجرف الثاني بعيداً عن وجه الجرف، التقطه التيار الجاري بموازاة الشاطئ. استقر في مياه تعادل ضعف العمق. غُصتُ. رئتاي، اللتان كانتا تصرخان منذ الغطس الأول، عملتا الآن على شيء يتجاوز الأكسجين. كانت المانا في النسيج هي الشيء الوحيد الذي لا يزال يعمل. ظهر القفص الثاني تحتي. واجه بابه المحيط المفتوح. دفعه التيار إلى منخفض طفيف في قاع البحر، حاشراً أحد أركانه في الرمال. أمسكت المزلاج.
شددت. شددت بقوة أكبر. تصدع الحجر واستسلم. بالداخل. ثلاثة أشخاص يرتدون رمادي الصليب الحديدي المتمزق. كان اثنان يتحركان بضعف. الثالث لم يتحرك على الإطلاق. جذبت الأقرب المتحرك أولاً. الحبل، الكمامة، ثم السطح. كان الثاني المتحرك يبتلع الماء بالفعل، وتدور عيناه. سحبته من الحزام ودفعته نحو الضوء. ثم الثامن الثابت. كان الجسد مرخياً في ذراعي. وزناً ميتاً في الماء. سحبتهم عبر باب القفص، حاربت الحبال، حررت اليدين والفم.
لا شهيق. لا سعال. ضغطت براحة يدي ضد الصدر. دفعت. غاصت الأضلاع تحت يدي. لا شيء. مجدداً. رعشة. تشنج. انطلقت فقاعات من الفم، وتشنج الجسد في قبضتي. دفعته نحو الأعلى. نحو الضوء. استقر القفص الثالث بعيداً، أعمق. انتهت رئتاي. ومض حرق المانا الذي دعمهما. كانت النوى لا تزال تنتج، ولا تزال تصب المانا في القنوات، لكن النسيج نفسه كان ينهار. كنت بحاجة إلى التنفس. كان السطح فوقي. كان القفص الثالث تحتي.
يغرق في الظلام. نظرت إلى الأسفل. تعمق الماء. خفت الضوء. كان القفص مستطيلاً داكناً ضد قاع بحر أكثر دظلمة، يستقر في منخفض حيث تفسح الرمال المجال للصخور. على بعد عشرة أمتار أسفل. ربما اثني عشر. ركلت نحو الأسفل. ثلاثة أمتار. ضاق بصري. تحولت الحواف إلى رمادي. صمد الوسط، بالكاد. خمسة أمتار. تشنج صدري. انقباض لا إرادي حاول فرض استنشاق. أطبقت فمي بإحكام. تسربت مياه الملح بين شفتي. سبعة أمتار.
اقترب القفص الآن. استطعت رؤية القضبان. خطان صغيران مضغوطان معاً ضد الماء الداكن. وجدتا يداي المزلاج، لكنه لم يتحرك. كانت الآلية محشورة. هبط القفص بزاوية شوّهت الإطار، دافعة بمحاذاة الباب بعيداً عن الصواب. علق المزلاج ضد القضبان المشوهة. شددت مجدداً. المانا في الذراعين. في الأصابع. الدفء يغمر آخر احتياطات القوة التي يمكن أن تنتجها النوى التسع. انفك المزلاج، فاتحاً الباب بضعة سنتيمترات.
لم أملك سوى وقت لسحب ما كان بالداخل. لم أستطع فك الحبال، بل دفعها نحو الأعلى. تحول بصري إلى السواد. أصابني دين الأكسجين. تشنجت رئتاي. انفتح فمي لا إرادياً وتدفق المحيط. فقدت يداي القضبان. انجرف جسدي نحو الأعلى. كسرت السطح لهاثاً. أصاب الهواء رئتي وتقيأت. تدفقت مياه الملح من فمي، أنفي، في شلال حرق كل غشاء لمسه. تلوحت ذراعيّ. ركلت ساقي في الفراغ. سعَلتُ حتى تمزق حلقي. تنفست.
القفص الرابع. نظرت إلى الأسفل عبر السطح. ظلام. كان الماء خلف المياه الضحلة معتماً من هذه الزاوية. قاع البحر، القفص، أياً ما بقي بالأسفل، كان غير مرئي. غُصتُ في الظلام. بحثت. ركلت عبر الماء في مساحات واسعة. الذراعان ممدودتان. الأصابع مفرودة، تصل إلى حجر لم يكن موجوداً. كان القاع رمالاً وصخوراً وعشباً بحرياً تشبث بكاحلي ولا شيء غيره. صعدت. تنفست. غُصتُ مجدداً. أعمق هذه المرة.
أبعد عن وجه الجرف. ربما دفع التيار القفص. ربما تدحرج على طول قاع البحر، محمولاً بالقوة ذاتها التي جذبت جسدي. لا شيء. رمال وصخور. صعدت. تنفست. كان السعال أسوأ في كل مرة. لطخ زبد وردي شفتي. غُصتُ للمرة الثالثة. بالكاد عملت ذراعيّ. كانت العضلات التي مزقت الأغلال ترتجف الآن بشدة لدرجة أن الحفاظ على مسار مستقيم عبر الماء تطلب عملاً من الإرادة. لم أستطيع رؤية شيء. كان العمق ظلاماً دامساً.
اجتاحت يداي ماءً فارغاً. أين أنت؟ أين... تشنجت رئتاي. جذبني المحيط في قبضته وخان جسدي كل أمر واعٍ. استرخَت أطرافي. التقطني التيار ودار بي، مدوراً إياي في دورة بطيئة أربكت أي ما بقي من وعيي المكاني. ركلت. نحو الأعلى. أو ما أملت أنه نحو الأعلى. وجدني الضوء قبل السطح. إشراق تدريجي أخبرني بأي اتجاه كانت السماء. خرقت عبره. طفوت. كان وجهي يشير إلى السماء الملبدة بالغيوم. ذراعاي مفرودتان عند جانبي.
ساقاي تتدليان تحتي في الماء، عديمتا الفائدة، مستنفدتان. حملني التيار حتى احتك ظهري بالرمال. حاولت الوقوف. طويت ساقي. زحفت عوضاً عن ذلك. على بعد عشرة أمتار من خط الماء، استسلمت ذراعي. انهرت على وجهي في الرمال. ضغطت الحبيبات ضد خدي. أدرت رأسي. جثث على الشاطئ. استلقت أربعة أشكال في الرمال على بعد عشرين متراً إلى يمني. كانوا يتنفسون. يسعلون. أحياء. جلست المرأة ذات ندبة الحرق مستقيمة، دافعة بذراعيها خلفها.
ركع جندي آخر بجانبها، منثنياً إلى النصف، نافثاً الماء على الرمال. بجانبهم، استلقى الجندي الذي أطاح بالقزم على جنبه، وصدره يعلو ويهبط. كانت المسعفة، بأرديتها البيضاء المبتلة والرمادية، على يديها وركبتيها، تتقيأ ماء الملح في الرمال. أبعد على الشاطئ، لا شيء. رفعت رأسي. مسحت خط الماء. الصخور عند قاعدة الجرف. امتداد الشاطئ في كلا الاتجاهين. دفعت نفسي إلى الأعلى. وضعت كوعاً تحتي.
ثم الآخر. دار رأسي يساراً، يميناً، باحثاً في سطح الماء عن يد، أو رأس، أو أي كسر في الرمادي قد يعني أن أحداً ما زال يقاتل. كان السطح مسطحاً وخالياً من الملامح. زحفت نحو الماء.
"أين..."
تلاشت الكلمة في سعال جلب شيئاً دافئاً بطعم النحاس. رفض جسدي ببساطة الذهاب أبعد من ذلك. ركعت في المياه الضحلة وأمعنت النظر في المحيط. كان القفص الرابع في مكان ما تحت ذلك السطح الرمادي. حمله التيار بينما كنت أنقذ من استطعت الوصول إليهم. كان بيوتر وناديا لا يزالان داخله. أُنقذ إيفان وآليا من القفص الثالث، لكن أيّاً من الطفلين لم يصل إلى الشاطئ. أربعة أحياء. أربعة مفقودون.
تحركت الرمال خلفي. خطوات. استقرت يد على قمة رأسي. أصابع ضد فروة رأسي.
"أيها الجندي".
كان صوت الضابطة المحترقة أجشّ.
"لقد فعلت ما يكفي"، قالت.