كنت أسمع جدالهم من مكاني.
كان السحرة يلوحون بأيدٍ ما تزال ترتجف من الطقس الفاشل. والجنود يتبدلون في وقفاتهم، ضاقوا ذرعاً، عالقين بين قادةٍ لا يجدون اتفاقاً على مَن يتحمل وزر ما حدث.
وقف ساحر الدوائر الست في قلبهم، وللمرة الأولى منذ وقعت عيناي عليه، غاب عنه كبرياؤه. حلّ محله شيء أكثر برودة. إحباطٌ انطحن حتى صار حدّاً قاطعاً جافاً.
قال وصوته يخترق الجدالات المتداخلة: "هذا مستحيل. لا يمكننا المضي قدماً".
وقعت الكلمات ثقيلة. انكمش بعض الضباط المحيطين كأنهم تلقوا ضربة.
تابع الساحر وهو يرفع بلورة بين إصبعيه: "كل بلورة تالفة. متصدعة. كلها. المخزون بأكمله".
حتى من بعيد، رأيت وميض ضوئها الخافت.
ترك البلورة تسقط. ارتطمت بالحجر بصوت مكتوم.
استدار الساحر ببطء، ماسحاً بنظره الضباط وأفراد الخدمات اللوجستية، وسأل: "من كان المسؤول عن فحص الجودة؟ من فحص هذه قبل وضعها؟"
صمتٌ ساد المكان.
"كان من المفترض أن تتولى الفرقة الثالثة بروتوكول التفتيش..."
"أعيد تكليف الفرقة الثالثة بواجبات المحيط قبل يومين. البلورات صارت من اختصاص الخدمات اللوجستية..."
"تسلمناها في صناديقها. ظننا أنها فُحصت عند المصدر..."
"عند المصدر؟ المصدر منجم يبعد عنا ثلاثمئة كيلومتر. أتظنون أنهم يختبرون كل بلورة قبل شحنها؟"
علت الأصوات وتداخلت. اتجهت أصابع الاتهام. احمرّت الوجوه. حاول كل ضابط أن يزيح المسؤولية عن كاهله كأنها كرة نار.
راقبهم ساحر الدوائر الست بنظرة رجل يراقب حشرات تتصارع على فتات.
لم يتدخل.
أكل الجدالُ نفسه. دار في حلقة مفرغة، يستهلك الطاقة ولا ينتج شيئاً، حتى بدأت الأصوات تخفت وطالت فترات الصمت بين الاتهامات.
تقدم ضابط طويل. كان يرتدي زياً يزدان بأوسمة أكثر من غيره. وجهه مشدود، وفكّه مطبق.
أعلن: "انتهت البعثة".
تابع الضابط: "بلورات المانا بهذا الكم والجودة باهظة الثمن. استبدالها سيستغرق شهوراً. لا نملك الموارد لتمديد العمليات لما بعد هذه النقطة".
توقف، تاركاً ثقل كلامه يستقر.
ثم أضاف بنبرة تبدلت، صارت أخف، كأنها مناورة رجل خبير في تصوير الفشل نجاحاً: "مع ذلك، فقد استعادت البعثة عدة آثار ولقى ذات قيمة كبيرة. هذه المكتشفات وحدها تبرر العملية".
سرى همس بين الأفراد. ارتياح، في الغالب.
"سنبدأ إجراءات الانسحاب فوراً".
وقفت وسط الحشد وشعرت بشيء يتصدع في صدري.
احتجت إلى كل ذرة انضباط أملكها كي لا أبتسم.
ظل وجهي محايداً. وبقيت وقفتي منثنية، وقفة طالب لا يعنيه فشل الخدمات اللوجستية أو جودة البلورات أو المناورات السياسية لضباط يحاولون حفظ ماء وجوههم.
لكن في داخلي، خلف القناع الذي تعلمت ارتداءه عبر موتٍ يليه موتٍ يليه موت.
أخيراً.
أزهرت الكلمة في عقلي كأنها ضوء شمس يخترق دخاناً.
انتهى الأمر.
لا بوابة تفتح. لا ممر من نار.
لا موت.
ليس اليوم على الأقل.
أردت أن أضحك. أردت أن أنهار على الحجر وأضغط جبهتي على الأرض الباردة وأجهش بالبكاء.
لم أفعل.
حافظت على جمود وجهي ووضعت يدي بجانبي وتركت الارتياح يغمرني.
أنا حر.
كانت الفكرة واهنة لدرجة أنني خشيت التفكير بها.
أنا أخيراً حر من هذا الجحيم.
انحرفت نظراتي نحو البوابة الضخمة في أقصى الكهف. كانت مغلقة. والرونية على سطحها مظلمة.
مضت الساعة.
الوقت الذي كان يجب أن تفتح فيه البوابة، حين كان للطقس أن يغذي المانا ويشطر تلك الأبواب، ذلك الأوان قد فات.
حدقت في البوابة طويلاً، تاركاً اليقين يرسخ في داخلي.
مزّق تلك اللحظة صوتٌ مزعج.
"سيدي!"
شق بلوت فون أومستر طريقه عبر الحشد قرب دائرة الطقس. كان وجهه محمراً، وشاربه ينتصب، وعيناه الصغيرتان تشتعلان بغضب رجل وجد أخيراً من يلقي عليه اللوم.
أعلن بلوت بصوت سمعه كل ضابط في محيط ثلاثين متراً: "آخر من تعامل مع البلورات هم طلاب السنة الأولى المكلفون بواجبات التنظيف والتفتيش".
استدار الضابط الطويل ببطء.
كرر: "طلاب السنة الأولى؟"
أكد بلوت: "تحت إشرافي".
وكانت طريقته في قول "تحت إشرافي"
توضح أنه يقصد بها درعاً لا اعترافاً.
"كُلفوا بفحوصات الجودة الأساسية".
هم من كسروها. لا نحن. هم.
بعد ساعات، بدا الكهف مختلفاً.
ليس مادياً. الحجر هو الحجر. والخيام هي الخيام.
لكن الطاقة تبدلت. كان المعسكر يُفكك. القماش يُنزع. والصناديق تُكدس على العربات.
وعند مدخل الكهف، كان الضوء ينتظر.
رأيته من بعيد بينما كان رتل المنسحبين يتسلق الممر الطويل المنحدر نحو السطح.
لم أرَ ضوء النهار منذ وطئت قدماي هذا العالم.
قضيت كل دورة تحت الأرض. كل موت كان في ممرات صخرية وكهوف تضيئها النيران. صارت السماء ذكرى تخص حياة أخرى.
الآن هي أمامي.
شددت حزام حقيبتي الجلدي على كتفي وواصلت السير. كانت الحقيبة ثقيلة، محشوة بكل ما استطعت جمعه من متاع شخصي، المذكرات، الأقلام، والكتاب الثاني الذي ما زلت أعجز عن قراءته. ساعة الجيب في جيبي الداخلي، دافئة على صدري.
كانت هناك مشكلة واحدة فقط.
عقابي.
تذمر الطلاب حولي وهم يسيرون، تشكلت شكواهم طنيناً مستمراً امتزج بصوت احتكاك الأحذية بالحجر.
تمتم صبي على يساري وهو يعدل حزام صندوق إمدادات أُمر بحمله: "هذا هراء. فعلنا بالضبط ما طلبه بلوت منا".
وافق آخر بصوت مشحون بالاستياء: "بالضبط. صقل البلورات. فرز التالف منها. هذا ما قاله. نفذنا الأوامر".
قالت فتاة بنبرة حادة يملؤها الغضب: "والآن نحن من يُعاقب؟ كان على الضباط التأكد من المخزون. لديهم سحرة لذلك. سحرة حقيقيون".
قال الصبي الأول بمرارة: "احتاجوا فقط لمن يلومونه. ومن أسهل لومًا من طلاب السنة الأولى؟".
أضاف آخر: "خاصة طلاب السنة الأولى الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم".
تلاطمت الشكاوى حولي. سمعت كل كلمة. فهمت كل تظلم.
لم يشك أحدهم بي.
لم تحمل نظرة واحدة تجاهي أي اتهام. كنت بالنسبة لهم ضحية أخرى لنفس الظلم. طالباً آخر يُعاقب على إخفاقات رؤسائه.
عقابي الخاص كان يسير خلفي.
أو بالأحرى، أمامي.
كان البغل ضخماً. وحشاً عريض الظهر غليظ الرقبة. رُبط بعربة ثقيلة محملة بمعدات البعثة. صناديق من الآثار المُستردة، قماش مطوي، أدوات، وأغراض متنوعة من عملية جُهزت على عجل.
كانت مهمتي بسيطة: إبقاء البغل متحركاً.
أما مهمة البغل، فيبدو أنها جعل هذا الأمر في غاية الصعوبة.
توقف دون سابق إنذار. في منتصف الخطوة، في منتصف المنحدر، في منتصف العدم. في لحظة كان يتقدم بموافقة كارهة، وفي اللحظة التالية غرس حوافره ورفض التحرك، كأن الأرض أهانته شخصياً.
سحبت حبل القيادة. لم يتزحزح البغل.
ألقيت بثقلي عليه، وانزلق حذائي على الصخر. التفت البغل برأسه ونظر إلي بتعبير يفيض بالاحتقار.
قلت من بين أسناني: "تحرك".
رمش البغل.
سحبت بقوة أكبر. احترقت ذراعاي. صرخت كتفاي. غاص الحبل في كفي.
خطا البغل خطوة واحدة للأمام. ليتوقف مجدداً بعد قليل.
"أيها..."
قاطعني صوت رطب وثقيل.
نظرت للأسفل.
كومة من الروث تفوح بالبخار تجسدت مباشرة أمام حذائي. هز البغل ذيله مرة واحدة، راضياً.
أغمضت عيني. استنشقت الهواء من أنفي، فندمت على الفور، ثم زفرته من فمي.
كان يجب أن يكون تعبير وجهي الغضب. كان يجب أن يكون غضب رجل احمر وجهه وبرزت أسنانه، رجل دفعه حيوان يملك ذكاء عاطفياً يعادل قطعة طوب إلى ما وراء حدوده.
بدلاً من ذلك، انتصر شيء آخر. الارتياح.
كنت أقف في روث البغل، وكانت تلك واحدة من أفضل لحظات حياتي.
فلتت مني ضحكة صغيرة عاجزة. هادئة بما يكفي لئلا يسمعها أحد وسط شكواهم.
مسحت حذائي على بقعة نظيفة من الصخر وسحبت الحبل مجدداً.
عاد البغل للسير، ربما لأنه شعر بأن تعذيبه لي فشل في إحداث البؤس المطلوب.
بينما كان الرتل يصعد، وجدت بصري ينجرف للخلف.
مراراً وتكراراً، بحثت عيناي عن الظلام في الأسفل. كان الممر ينحدر خلفنا، وفي مكان ما في قاع ذلك المنحدر، كانت البوابة الهائلة تنتظر.
في كل مرة كنت أنظر، كانت تبدو أصغر.
قلت لنفسي: انتهى الأمر.
التفت للأمام وواصلت الصعود.
ضاق الممر، ثم اتسع، ثم ضاق مجدداً. تغير ملمس الجدران الصخرية بينما كنا نصعد، خشنة في مواضع، ملساء في أخرى.
ازداد الضوء قوة. كان كل منعطف في الممر يكشف درجة أخرى من السطوع، وظلاً أقرب إلى الشمس. بدأت عيناي، اللتان اعتادتا ضوء المشاعل وتوهج السحر لما بدا كأنه دهر، تدمعان.
رمشت وسط الدموع وواصلت السير، واصلت سحب البغل، واصلت وضع قدم أمام الأخرى.
كنت شديد التركيز على الضوء في الأمام، مستغرقاً في وعد السماء المفتوحة والهواء العليل، لدرجة أنني لم أر ما كان أمامي إلا بعد فوات الأوان.
خطا ثلاثة جنود إلى الطريق مباشرة أمام البغل.
ظهروا من ممر جانبي، مدرعين من الرأس إلى القدمين في دروع صفائحية. كانت خوذاتهم مغلقة، ووجوههم مخفية خلف واقيات ضيقة.
لم يكترث البغل بالتسلسل العسكري. استمر في السير.
اتسعت عيناي. رأيت التصادم قادماً قبل وقوعه بثانية كاملة، صدر البغل العريض في مسار مباشر نحو ظهر الجندي الأقرب.
لم أفكر. ألقيت بنفسي أمام البغل.
اصطدم كتفي بصدر الحيوان. انزلقت قدماي على الصخر. دفعني زخم البغل للخلف، وللحظة مروعة حُشرت بين الوحش والجنود الذين كانوا يمشون، فارداً ذراعي، ضاغطاً بكفيّ على جلده الخشن، بينما حاولت كل عضلة في جسدي إيقاف الحيوان العنيد.
رضخ البغل وتوقف. بالكاد.
لفح أنفاسه الساخنة قفاي، كأنه يشكو إليّ حاله.
التفت الجنود الثلاثة.
ألقى اثنان منهم نظرة عابرة على البغل، وعليّ، وعلى العربة خلفنا، ثم تجاوزوا المشهد بلامبالاة تامة. واصلوا السير دون كلمة.
أما الثالث فتوقف.
قال الجندي، وصوته مكتوم خلف الخوذة: "لم نكن منتبهين. الخطأ خطؤنا".
اعتدلت في وقفتي، وسحبت نفسي من جوار البغل الثقيل. نفضت الغبار عن ثوبي.
قلت مسرعاً: "لا، لا. بل خطئي أنا. كان ينبغي أن أراقب الطريق".
أمعنت النظر في الجندي.
كان درعه يطابق دروع الآخرين. لكن شيئاً ما في قامته. في بنيته. في الطريقة التي يقف بها، مرتكِزاً بثقله على أحد وركيه.
مددت يدي قبل أن تدركني الحيرة.
قلت، وقد تركت الدفء يتسلل إلى نبرتي: "مضى وقت طويل. يسعدني أنك بخير".
مالت خوذة الجندي.
خيم صمت طويل بيننا.
لم تكن تعرفني. فهذه النسخة منها لم تجلس يوماً على صخرة لتقرأ مذكراتي بصوت عالٍ.
لكنني كنت أعرفها. أعرف الندبة على وجنتها اليمنى. وأعرف درجة الزرقة في عينيها حين تخلع الخوذة. وأعرف أنها تفوح برائحة الخزامى الخفيفة تحت الفولاذ.
من خلف القناع المغلق، جاء صوت حذر ومضطرب.
قالت آيريس: "أعتذر. هل... أعرفك؟"
كانت الكلمات مهذبة، لكنها حذرة. من النوع الذي تقوله حين يحييك أحدهم كصديق قديم ولا تستطيع تذكر وجهه.
قلت: "سبق أن التقينا".
وهي حقيقة لن تدرك كنهها أبداً.
"أحرص دائماً على تذكر كل شخص من مقاطعتي. أو أحاول على الأقل".
مالت خوذة آيريس أكثر. كدت أرى الشك يتسرب عبر الفولاذ.
كررت: "مقاطعتك؟"
جالت نظراتها، مما استطعت رؤيته عبر القناع، على جسدي.
شعر أبيض، متشابك وغير مغسول. ثوب طالب، متسخ ومجعد. حقيبة جلدية معلقة على كتف واحدة. وخلفي، بغل يحاول الآن التهام الحبل الذي كنت أقوده به.
لم يكن المظهر يوحي بالنبلاء.
قالت آيريس، وبصوتها نبرة جافة الآن: "اعذرني، لكني لا أذكر أنني التقيت بنبلاء يعملون في الخدمات اللوجستية".
اتسعت ابتسامتي قليلاً.
"اسمح لي أن أقدم نفسي بشكل لائق إذن".
اعتدلت في وقفتي، ورفعت ذقني.
"كاسبار فون هيكسنزايت".
صمت. حدقت آيريس فيّ.
أخفى القناع معظم تعابير وجهها، لكن لغة جسدها حكت القصة. تحرك ثقلها. تراجعت كتفاها إلى الوراء.
قالت: "أتمزح معي؟".
خرجت الكلمات قبل أن تستطيع كبحها.
ضحكت.
هزت آيريس رأسها ببطء، وهي حركة بدت واضحة رغم ضخامة خوذتها.
مسحت بنظراتها عليّ مجدداً. من الرأس حتى القدمين. ببطء هذه المرة.
بدت فضولية.
رأيت ذلك في الطريقة التي نقلت بها ثقلها إلى الأمام بدلاً من الخلف.
بدأت تسير بجانبي.
أحس البغل بأن انتباه قائده قد تشتت، فحاول التوقف مجدداً. جذبت الحبل دون أن أنظر، فاستأنف الوحش مسيره على مضض.
قالت آيريس: "إذاً، كيف ينتهي الحال بـ 'فون هيكسنزايت' وهو يجر بغلاً عبر كهف؟"
نظرت إليها من طرف عيني.
قلت ببساطة: "عقاب".
"على ماذا؟"
"التواجد في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. أو المكان الصحيح، حسب وجهة نظرك".
انتظرت آيريس المزيد. وحين لم يأتِ شيء، أصدرت صوتاً قد يكون ضحكة محبوسة خلف الفولاذ.
قالت: "غامض. نبيل جداً منك".
"أحاول".
سرنا في صمت مريح لبضع خطوات. كان الممر يزداد إشراقاً. وفي مكان ما أمامنا، كنت أسمع أصداء مقدمة الرتل تصل إلى الهواء الطلق.
قالت آيريس، قاطعة الصمت: "قلت إنك تتذكر الناس من مقاطعتك. عشت في هيكسنزايت لبضع سنوات. حين كنت صغيرة".
قلت: "أعرف".
"لا يمكن أن تتذكر كل شخص..."
"أنا أتذكرك".
أوقفتها نبرة اليقين في صوتي في منتصف جملتها.
صمت آخر.
قالت آيريس أخيراً: "حسناً".
أمامنا، كان الضباط يتحركون على طول الرتل، يصرخون بأوامر تتردد أصداؤها على الجدران الضيقة.
"أسرعوا الخطى! نريد إخلاء الكهف قبل حلول الظلام! سنقيم المخيم في الخارج. أريد نصب الخيام قبل أن يغيب آخر ضوء!"
تمتمت: "أخيراً. ليلة في الخارج".
قالت آيريس: "تبدو كأنك هنا منذ سنوات".
فكرت: لا تدركين شيئاً.
قلت بدلاً من ذلك: "سيكون من الجيد رؤية السماء".
انعطف الممر انعطافة أخيرة. تلاشت الجدران. وتدفق الضوء.
ضرب عينيّ كقوة مادية، فرفعت يدي لحماية وجهي، وأغمضت عينيّ بشدة.
كان هناك بابان معدنيان ضخمان عند المدخل، واحد على كل جانب، مدفوعان للخلف ضد صخر الجبل. كانا هائلين، صناعيين، بُنيا بوظيفية وحشية لا صلة لها بالبوابة المزخرفة المليئة بالرموز في الأسفل. لا رموز متلألئة. مجرد معدن. سميك، ومثبت بمسامير، وندبته الأزمان.
لكن ما كُتب عليهما هو ما أوقفني تماماً.
توقفت قدماي فجأة. ارتطم البغل بظهري وصهل بضجر. لم ألحظ ذلك.
تسمّرت عيناي على البوابتين.
حروف. نُقشت على المعدن بخطٍ أعرفه. ليس الخط الانسيابيّ الذي تستخدمه لغة هذا العالم.
إنها الإنجليزية.
حروفٌ مطبعية. خط قوالب عسكري.
انفرج فمي. لم يخرج منه صوت.
قرأت الكلمات مرة. ثم ثانية. ثم ثالثة، كأن التكرار قد يحيلها إلى شيءٍ مفهوم.
لم تتغير.
"كاسبار؟"
وصلني صوت آيريس من مكانٍ بعيد.
سألت: "ما بك؟ تبدو كمن رأى شبحاً".
التفتُّ إليها ببطء. لا بد أن وجهي كشف عن شيءٍ ما، فقد تبدلت وقفتها وحل القلق محل الفضول.
سألتُ وصوتي بدا غريباً حتى في أذني: "ما المكتوب هناك؟ على البوابتين".
ألمحت آيريس بطرف عينها إلى الألواح المعدنية الضخمة، ثم نظرت إليّ بتعبيرٍ تأرجح بين التسلية والقلق الخفيف.
قالت بنبرةٍ مازحة: "أظن أن ألمع عقول الأكاديمية لا تعرف كل شيء. إنها اللغة القديمة. لغة الحضارة البائدة. تلك التي دُمِّرت".
هزت كتفيها.
تابعت آيريس: "لا أحد يفهمها تماماً. قضى العلماء قروناً يحاولون فك رموزٍ متفرقة منها. تُرجمت بعض الكلمات، أما معناها الكامل؟"
هزت رأسها.
"ضاع. لدى الأكاديمية قسمٌ كامل مخصص لها. وتحتفظ بعض العائلات النبيلة بقواميس متوارثة، شذراتٍ تناقلوها عبر أجيالهم. أما إتقانها؟"
لوحت بيدها كأنها تقطع الهواء.
"لا أحد يعرف".
حدقتُ فيها.
ثم أعدت نظري إلى البوابتين.
قاعدة خاصة رقم 44
القوات المسلحة للولايات المتحدة
مخبأ دفاعي [كاليفورنيا]