"لا أستفهم"، سمعت سوريا صوتها يقول، كأنه قادم من بعيد.
"أمتأكدة أنت؟ كيف علمتِ؟"
"أعرف ما رأيت"، قالت زوهريها، وقد تحول حزنها إلى صرامة.
"أظن أنه من المحتمل أنني أسأت الفهم، لأنني لا أجيد هذا النوع من سحر الأرواح المتقدم. لم أستطع التأكد لأنني كنت أكابد الحظ لمجرد المراقبة".
مشت سوريا ببطء نحو أحد الشواهد واتكأت عليه، محاولة استمداد الثبات من الحجر البارد تحت أصابعها. استقر في ركن منها ظنّ بأن أي شخص تعرفه إن قُضي عليه، فسيكون ذلك أمام عينها. ظن أحمق — فهي تعلم أن العالم لا يدور حولها وأن الأساتذة يبيّتون خططاً عدة، لذا كان الاحتمال الآخر أرجح بكثير.
"كيف؟"
سألته أخيراً.
"كان عقد انتحاره بالغ الإتقان... وقد بدا واثقاً منه كل الثقة..."
"أخشى أن ذلك كان ما أودى به حقاً"، قالت لها زوهريها بجهامة.
"لم أرهذا الجزء، لذا أنا أخمن، لكنني أعتقد أن العقد هو ما استرعى انتباههم. ففي النهاية، أي شخص يرتدي أداة صُممت لقتله؟ الإجابات ليست كثيرة... جواسيس وعابثو زمن، في الغالب".
بدا الأمر بوضوح مفرط لسوريا على هذا النحو، لكن كان عليها أن تذعن بأنها لم تأخذ التهديد مأخذ الجد قبل هذه اللحظة. أدركت أنه رغم ريبتها، كان من السهل جداً عدّ الأشخاص خارج حلقة الزمن كدمى ساكنة لن تجمع مثل هذه التفاصيل معاً. كانت المنطقية بالغة البساطة في الواقع؛ والخبرة الوحيدة كانت تكمن في تحليل العقد المسحور عن بعد.
"أهناك..."
أخذت سوريا نفساً مرتجفاً وجمعت نفسها.
"أهناك احتمال بأنه نجا أولاً؟"
"لا أظن الأمر مرجحاً"، قالت زوهريها.
"أخمّن أنه ما إن أدركوا خطته، حتى علموا أنهم لا يستطيعون إعطاءه فرصة، فباغتوه بلا إنذار. في اللحظة ذاتها التي أدرك فيها أن خطباً ما حدث كانت التعويذة تصيبه بالفعل. أدرك أنه عزاء ضئيل، لكنهم على الأقل لم يحاولوا استجوابه أو تعذيبه".
"عزاء ضئيل".
"سوريا، عليك توخي الحذر. لا يدرك الناس المدة التي يمكن أن يستغرقها الموت: فالطعن في القلب يستغرق وقتاً طويلاً بشكل مدهش ليقتلك، على سبيل المثال. حتى تفجير رأسك ليس مميتاً على الفور، لا سيما بمجرد أن يتدخل سحر الشفاء. إن جربت أي طريقة، فعليك التيقن منها".
"أنا لا أجرب شيئاً على الإطلاق، الآن"، أجابت سوريا بعبوس.
"أوافقك الرأي. كنت أنوي في الأصل مغادرة داركمون خلال عطلة الأعياد، لكني أخشى الآن أن يكونوا مراقبين. أعتقد أنه يجب علينا البقاء حتى نهاية الحلقة. سأبقى مطأطئة الرأس، لكن... لا أعرف ماذا أقول لك".
عطلة الأعياد... كانت سوريا تعلم أنها قادمة ومع ذلك لم تكن تفكر فيها، إذ استبد بها القلق من جميع التهديدات المحتملة. غالباً سيخف التوتر حينها، لأن الطلاب عادة يتنقلون ويتصرفون بقدر أقل من التوقع، فلن يكون هناك ما يجعل الأساتذة متوجسين. وهي نفسها ستُقضي ذلك الوقت بالطبع في القراءة بالحرم الجامعي، في أي خط زمني، لذا لن يقع عليها أي شك. ومع ذلك، حين نظرت سوريا نحو تلك الأيام الثلاثة بدت لها مجرد هوة فاغرة في جدولها.
أدركت أنها لا تعرف أحداً البتة في هذا الخط الزمني سوى الأساتذة الذين يتعقبونها...
"سوريا".
عانقتها زوهريها بغتة، وأذهل التلامس المفاجئ سوريا لعدة ثوانٍ. أرادت أن تحتضن أحداً ولا تفلتها، لكنها ألزمت نفسها بالتراجع.
"لا يمكنني السماح لنفسي بالشعور بشيء"، قالت سوريا، وهي تمسح وجهها.
"يُتوقع توتر طفيف لطالبة في وضعي، لا هذا القدر من الإرهاق".
"لا أععرف كيف أبهج مثلك"، قالت زوهريها بحزن.
"الأمور التي ستجدينها مفيدة ستضجرك غالباً".
"إنها ستة أيام أخرى فقط. يمكننا الصمود حتى ذلك الحين".
افتترقتا بعد ذلك، رغم أن سوريا شعرت بوحدة ممضة — فهما مجرد زميلتي دراسة عارضتين في هذا الخط الزمني، وربما جذبت تعويذة الخصوصية الانتباه بطريقة ما. كان هذا كل ما يمكن لسوريا تحمله من تواصل، سيما بالقرب من الأستاذ أبوريك. حاولت الانغماس في دراستها بدرجة أكبر من المعتاد في الأيام القليلة التي سبقت العطلة، لكن الأمر بدا عقيمًا تقريباً. عندما أجبرت نفسها استطاعت الأداء بكفاءة، إلا أن كل وميض إبداعها كان قد زال.
في حصة الإستحضار، تعلمت بآلية طرقاً مختلفة لاستخدام تعويذات القوة، لكن حين سألت الأستاذة ميليرانت إن كانت هناك أسئلة بنهاية الحصة لم تجد شيئاً تقوله بالمرة. وفيما كانت تسير كائناً نائماً عبر جدولها، ظلت تفكر في دجاهو-ان. كان من الصعب تصديق أنه رحى — ففي ذاكرتها ما زالت تراه مبتسماً في السوق، فخوراً بنفسه لإنجازه الأحدث. كانت تحاول أحياناً التفكير فيما قد تكون نقاط عميها الخاصة، وأحياناً تفقده فحسب — أرادت الحديث إلى جيلين عن صديقهما المشترك، لكن لم يكن لديهما سبب للحديث في هذا الخط الزمني.
ومحاولة تغذية الأمل بأن دجاهو-ان ما زال حياً كانت تراودها أحياناً، لكن شكوكها كانت أقوى من أن يجديها هذا الأمل نفعاً الآن. وكانت عادة تحاول طمأنة نفسها بالاطمئنان على كل العابثين الذين ما زالوا في أمان، وهو ما لم يكن ليجلب عليها سوى الشبهات. قطار الأفكار الوحيد الذي جعلها تشعر بتحسن كان محاولة التفكير في الطرق التي يمكنها استخدامها لحماية نفسها، حتى إن تعذر عليها تجربتها في هذه الحلقة.
وجب أن يكون أمراً يبدو طبيعياً تحت التدقيق، ومع ذلك يمكنه إحداث الموت سريعاً. كانت تمتلك فكرة غامضة في الواقع، لكن استكشافها أكثر بدا مستحيلاً في الظروف الراهنة. حين حلت عطلة الأعياد، وجدت سوريا نفسها جالسة في وسط سريرها المفرط في النعومة، وحيدة في الغرفة الواسعة. تعذر عليها التواصل مع أي من العابثين، فريد كان في مهمة للأساتذة، وماوت-ماي قد رحل، ولم تقابل قط كيزنوا أو أورينيان في هذه الحلقة...
كانت محاطة بالناس ومع ذلك لم يكن لديها أحد. حتى هذه اللحظة حاولت سوريا دائماً القيام بالأمر الأكثر عقلانية، لكنها عجزت عن التحلي بالمنطق هنا. جمعت معداتها وشقت طريقها عبر الحرم الجامعي، عثوراً على أقرب مدخل لأنفاق المؤن. في حالتها الراهنة، واجهت صعوبة في ضبط الخط الزمني مستقيماً، ومن المحتمل أن الطاقم قد أزال بالفعل غزو السوس. بعد عدة انفاق اصطدمت بسوسة وأطلقت صرخة إحباط وهي تحرقها في تدفق ناري طويل ومستمر بلا مبرر.
ومع خبو الجمرات، التقطت أنفاسها وحاولت التفكير بمنطق، متأملة في أن الاضطرابات في الحرم الجامعي لا بد أنها منعت الطاقم من إزالة الإصابة كالمعتاد. أترى تركوها لحالها كطعم في نوع من الفخ؟ بيد أنه استناداً إلى ما رأته، كان العابثون أقل ميلاً لقضاء الوقت في مشكلة ثانوية كانوا ليحلوها بالفعل، ولن يكون غريباً تماماً أن تختبر نفسها في تهديد بسيط نسبياً كهذا. لذا شقت سوريا طريقها باجتياح عبر الأنفاق، مبيدة كل سوسة في طريقها.
لم تكتفِ بشويهن، بل استغلت كل مهاراتها الجديدة في تعويذات القوة لتنخسهن، وتسحقهن، وأحياناً لتمزيقهن إرباً. وتناثر البقايا على درع المانا الخاص بها دون أن تحفل بذلك، فاستمرت في التقدم. جعلها إلقاء التعويذات من كتاب تعويذاتها قادرة على التبديل بين التعويذات بيسر، لا سيما أنها أدركت أنها لست بحاجة لتقليب الصفحات جسدياً. أمكنها الانتقال لصفحة معينة لزيادة تركيزها على تعويذة، لكن لم يكن ذلك ضرورياً تماماً.
وباستخدام كتاب التعويذات، بدا الحفاظ على إدراكها وتلويثها الدفاعية سهلاً أثناء إلقاء أيا ما احتجته أكثر، دون الحاجة للتعامل مع عدد كبير من التمائم. ورغم رؤيتها للعديد من الطرق التي يمكنها بها التحسن أكثر، إلا أن السوس لم يكن لديه أي فرصة. وحين محت العش الرئيسي لم تشعر بالفخر للمدى الذي قطعتها، بل شعرت بوحدة عارمة. استدارت عائدة، محاولة استعادة اتجاهها وسط كل تلك الأنفاق الملتوية.
تقنياً ربما تمكنت من العثور على عش الزينارث مرة أخرى، لكن لم يكن مفترضاً أن تعرف مكانه في هذا الخط الزمني...
"أأنهيتِ عملك أيتها الصغيرة؟"
حدقت به بلا مبالاة بينما دار بومبلدون حول الزاوية، بوداعة وهدوء. كان يراقبها بقدر من التحفظ وكانت تعلم أنها تبدو مخيفة، بملابسها المحترقة وشعرها الأشعث.
"أظن أن تلك كانت الأخيرة"، تنفست سوريا.
"إذن فنحن ممتنون لمساعدتك"، قال بومبلدون بلطف.
"لست متأكدين مما أثار هذا، ولا يمكننا مكافأتك تماماً..."
"أردت مساعدة أحدهم فحسب".
لم تستطع سوريا الاحتمال أكثر بغتة وتقدمت، مسقطة كتاب تعويذاتها لتدفن وجهها في فرو بومبلدون. بدا متفاجئاً في البداية، ثم استقرت كفه على ظهرها، محتضناً إياها عن كثب. لم يكونا يعرفان بعضهما في هذا الخط الزمني، ومع ذلك سعى لمواساتها. بكت سوريا، وابتلع الفرو الناعِم دموعها. كانت تعلم أنه ما كان ينبغي لها فعل هذا، إذ لم يكن لديها سبب لمعرفة بومبلدون أو غيره من الزينارث في هذا الخط الزمني، ورغم ذلك عجزت عن كبح نفسها.
وكل ما استطاعت فعله هو البكاء حتى فرغت تماماً.
~ ~ ~
بعد العناق المربك بدا الزينارث في غاية اللطف، فدعوها إلى غرفة جلوس وقدموا لها الشاي. لم تستطع سوريا الرفض بطبيعة الحال، وساعدها الوقت على الشعور بتحسن كبير. حين غادرت الأنفاق كانت كل مشاعرها قد بردت وصارت دقيقة كسكاكين من الجليد، وعادت تفكر بوضوح تام. كانت إحدى أفكارها الأولى أن الانفعال كان خطأ قد ينقلب عليها لاحقاً. حتى لو كان متوقعاً صدور بعض المشاعر من طالبة في وضعها، فإن التوجه مباشرة إلى الزينارث يعد خطأ أكبر ربما من ذاك الذي أدان دزجاهو-آن، لذا توقعت أن تُعاقب بسببه.
عادت إلى غرفتها وأبقت تعاويذها جاهزة لاستهداف نفسها إن أتاها الأساتذة. مع امتداد الوقت وعدم مجيء أحد، سمحت سوريا لنفسها بالاسترخاء تدريجياً. كان هذا الوقت هبة بقدر ما كان لعنة، لذا احتجت إلى استغلاله جيداً. بعد عطلة يوم القديسين، أبحاثها وثلاثة أيام ونصف قبل نهاية الحلقة. بناء على معلومات جمعتها من الحلقيين الآخرين، كانت واثقة بدرجة معقولة من أن الحلقة لن تتغير حتى تعيد تعيين نفسها، وستكون تلك مشكلة أخرى يجب توقعها، لكنها احتجت إلى اجتياز هذه الأيام أولاً.
ليس النجاة فقط، بل انتزاع مزايا جديدة لنفسها. على الرغم من تفوق الأساتذة عليها في معظم الجوانب، لم تكن لديهم أي فكرة عن مدة الحلقة، واستناداً إلى السوابق التاريخية التي درستها فقط في خطوط زمنية أخرى، يمكن أن تتباين الحلقات تباينًا هائلاً في الطول. طالما أنها لم تبالغ في لعب ورققتها، يمكنها استغلل هذا لصالحها. في الوقت المتبقي من هذه الحلقة، ستتعلم كل ما تستطيع لئلا يحدث هذا مجدداً أبداً.