عرش الزمن: أسرار أكاديمية داركمون الفصل 49 — مدة الريبة

اقرأ عرش الزمن: أسرار أكاديمية داركمون الفصل 49 — مدة الريبة باللغة العربية على مانجا تايم.

هدأت أعصاب سوريا قليلاً في اليوم الأول من الحصص لعدم وقوع حوادث مروعة وعدم سماعها باختفاء أي عالقين في الحلقة بطريقة غامضة. تساءلت عما إذا كان ذلك يمثل نقطة ضعف محتملة بحكم احتمالية تخليها عن حذرها، لكنها كانت متلهفة لبدء الفصل الدراسي من جديد رغم كل شيء. دخلت الفصل بقدرة سحرية تبلغ سبعة رموز رغم كل العقبات، إضافة إلى أفضل تعويذات امتلكتها يوماً وكتاب رموز. كان ذلك سيشعرها بالاستعداد في أي حلقة أخرى.

قضت وقتاً أطول هذه المرة في التفكير في مدى موت جيريال وما إذا كان عليها القلق بشأن عدم تلقيها أي أخبار من موت ماي. نجحت أخيرًا في طرد تلك الهواجس من عقلها لأن حصتها الأولى كانت مادة الاستدعاء التي وضعها فيها الأستاذ أبوريك. كانت تعود أخيراً إلى برج خارق السماء، مع أنها سارت متجاوزة جميع القاعات الكبيرة ذات الفتحات المفتوحة على السماء متبعة المعلومات التي أُعطيت لها.

كانت الغرف في الطابق العاشر أصغر حجماً وبدت أقرب إلى الفصول الدراسية العادية. عثرت على غرفتها لتكتشف أنها غرفة صغيرة ضيقة للغاية تضم مجموعة كراسي قبالة مكتب. انسلت سوريا إلى أحد الكراسي وأمعنت النظر في المحاضر. بدا الأستاذ أنستيل ميليشنت، عرش الاستدعاء، مطابقاً لصورته تماماً: عجوز نحيل بشكل مقلق لكنه يبدو حيويًا بطريقة ما، وله خصلة شعر بيضاء تمتد حتى السوالف. كان يتجاهل الفصل تماماً ويخط على رقاق كأنه يعجز عن تدوين الكلمات بسرعة كافية.

استمر في الكتابة كأنه لم يسمع شيئاً حتى عندما سأله أحد الطلاب عما إذا كانوا في الغرفة الصحيحة أم لا. لم تكن سوريا تدرك بعد كيف تتصرف إزاءه: كان الأستاذ ميليشنت واحداً من عرشين اثنين فقط لم يُدعيا إلى الاجتماع في القبو. سمعت القليل عنه في الحرم الجامعي، وغالباً عن تركيزه الأكاديمي الشديد. ربما يعني ذلك خلو هذه الحصة من المؤامرة هذه المرة. وضع الأستاذ ريشته دون سابق إنذار ورفع نظره إليهم لفترة قصيرة.

قال: "حان وقت بدء الحصة. أهلاً بكم في أساسيات الاستدعاء المتقدم. يبدو اللفظ تناقضياً، أليس كذلك؟ لكن الحقيقة هي أن العناصر الأكثر أساسية في فن تعويذاتنا، بدءاً من تشكيل العلامات وصولاً إلى إطلاق التعويذات، هي أفعال معقدة تستحق دراسة مكثفة. يُظن غالباً وبكل بساطة أن الاستدعاء مجرد إطلاق لصواعق البرق، لكن المثير للاهتمام في هذا المجال هو أنه يتجاوز بكثير السحر القتالي. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن العنصر ذاته الذي يشق السماء يسري في أجسادنا ذاتها. يوددني استكشاف هذه المسألة بعمق أكبر، وقد نفعل ذلك إن اخترتم أياً من مقرراتي الأعلى مستوى، لكن هذه الحصة مخصصة لتعليمكم كيفية استخدام تعويذاتكم بمرونة أكبر".

استمر في الكلام على هذا النحو في فقرات مكتملة دون أن يلتقط أنفاسه تقريباً، كأنه يقرأ من ورقة. لاحظت سوريا أثناء استماعها أنه رغم جولان عينيه، فإنهما لم تستقرا قط على أي شخص في الفصل، ورغم حديثه بحيوية، انتابها شعور غريب بأن عقله في مكان آخر. استعرض الأستاذ ميليشنت شكل المقرر بعد المقدمة: سيكون مزيجاً من المحاضرات، وجلسات التدريب، ومشروعاً شخصياً لفن التعويذات.

شعرت سوريا بالامتنان لاختيار الأستاذ أبوريك مثل هذه الحصة الجيدة لها، وكانت متشوقة للمشروع لاعتقادها بقدرتها على محاولة إتقان تعويذات القوة لتستخدمها بدقة أكبر. كان سيُسعدها البدء في ذلك الدرس بالذات، لكن واجبهم الأول تضمن بدلاً من ذلك تعلم نقش جديد يبعث الضوء في الهواء. بدا شبيهاً بالتعويذة التي رأت العديد من الأساتذة يستخدمونها في الفصل، واضطرت للاعتراف بفائدتها، حتى وإن لم تكن للقتال.

والأهم من ذلك، كما شرح الأستاذ، أنها تعويذة شديدة المرونة ستتطلب منهم مد مهاراتهم في نقش العلامات وإطلاق التعويذات على حد سواء. ما فاجأها هو أن الأستاذ ميليشنت بدا منتظراً منهم جميعاً البدء في إطلاقها داخل الفصل، على الرغم من تقديم النقش للتو. لم تكن سوريا تعتقد أنها عبقرية، لكنها اعتادت استيعاب النقوش بشكل أسرع من معظم الطلاب. رأت هذه المرة عدداً كبيرًا من الطلاب الآخرين يحققون تقدماً بنفس سرعتها.

ركزت لفترة على النقش وحده مستخدمة ألواح التدريب الحجرية التي اشترتها كي لا تبدد موادها الأفضل. ستصنع لاحقاً، فور شعورها بالإتقان، نقشاً جديداً على تعويذة ثم في كتاب رموزها. التفتت حول الفصل بعد الانتهاء، لتجد عدداً محبطاً من الطلاب قد فرغوا قبلها. لاحظت أنهم أكبر سناً من المعتاد وارتدى كثيرون منهم دبابيس الأختام المصنفة، رغم وجود طالبة سنة أولى أخرى معها. لعلها إحدى الحصص النادرة للمستويات العليا التي تستوعب مجموعة واسعة من الطلاب.

أخبرهم الأستاذ ميليشنت بغتة: "كان هذا تقدماً جيداً لهذا اليوم. ألدى أي أحد أسئلة تخص الاستدعاء لا علاقة لها بعمله؟"

لم تدرا سوريا كيف تفسر ذلك، وبالحكم على الصمت، لم يكن أحد متأكداً أيضاً. كان بإمكانها طرح أسئلة حول الحصة، لكن ذلك لم يبد مقصوده. استمر الصمت لفترة بدت أبدية، لكنها بلغت دقيقة واحدة تقريباً قبل أن يبدأ الأستاذ بغتة في تنظيم أوراقه.

قال بنبرة بدت محبطة بعض الشيء: "الأسئلة مرحب بها دائماً. أتوقع منكم القراءة قبل المحاضرة القادمة والتفكير في التعويذة التي قد ترغبون في التخصص بها هذا الفصل. شكراً لكم".

غادر الفصل بخطوات سريعة دون كلمة أخرى، ودون النظر إلى أي منهم أثناء خروجه. بدا بعض الطلاب متفاجئين كسوريا، لكنها لاحظت عدم اكتراث بعض الطلاب الأكبر سناً. اقتربت سوريا أكثر من امرأة منتصف العمر كانت تحزم قوارير حبرها.

سألت سوريا بصوت خافت: "هل هو هكذا دائماً؟"

أجابت المرأة بضحكة خفيفة: "أكثر مما تتخيلين. لقد رسبت في إحدى حصصه العام الماضي واضطررت لإعادتها... ألقى المحاضرات ذاتها تماماً. حرفياً بكل كلمة. أشار مرة إلى دوق دارمكايل الخاطئ، ذاك الذي توفي قبل خمس سنوات. أظنه حفظ جميع محاضراته ويكررها فحسب".

"وما نوع الأسئلة التي يبحث عنها؟"

"ليعلم الجحيم. رأيته مسروراً بالقليل، لكنه لا يمنح أي تقدير للأسئلة أبدا، لذا لا جدوى من ذلك".

غادرت سوريا برج خارق السماء بمزاج أفضل رغم غرابة الأمر بأسره. بإمكانها قضاء هذا الفصل الجزئي في تعلم ما تستطيع، وربما يتسنى لها تعلم شيء عن الأستاذ إن طرحت الأسئلة. بدا هذا أشبه بنوع المشكلات التي أحببت حلها بين الحلقات، ودون أي فخاخ كئيبة بانتظارها. كان عليها حضور أساسيات فن التعويذات الحديث في اليوم التالي، نظراً لاستحالة تخطيها بينما كان الأساتذة متيقظين للعالقين في الحلقة.

رأت عديدين غيرها من العالقين في الحلقة وحرص الجميع على عدم النظر إلى بعضهم البعض مع بدء الحصة. اعتدلت في جلستها قليلاً على أمل تغير الحصة عندما تبين أن المحاضرة امرأة عوضاً عن رجل منتصف العمر الذي اعتادته. لكن المرأة ألقت المحاضرات ذاتها أساساً، وقمعت تشتت الطلاب بصرامة - إذ كانت الوحيدة القادرة على تشتيت نفسها لخروجها أحياناً عن الموضوع. انتاب سوريا إحساس بأن المرأة مغرورة وغادرت الحصة بمزاج أسوأ.

كانت مقدمة في المذهب الطبي الخطير خيبة أمل أخرى: التقوا في أحد فصول غرفة الوايفيرن، وبدا الأمر مثيراً بعض الشيء لتواجدهم بجوار وحوش تزمجر، لكن المحاضرة بأكملها غطت أساسيات معايير السلامة السحرية. كان الأستاذ نولفوس أبوريك معلماً كفؤاً وودوداً، أكثر صرامة وحسماً مما كان عليه في محادثاتهما الشخصية. بالكاد التفت إليها أثناء الحصة، غالباً لرغبته في وجودها هناك لتؤدي دور جاسوسة.

ضمت القاعة الكبيرة عدداً من العالقين الآخرين، من بينهم شوحريها، والرجل القصير المدعو تابيمو، واثنان من إندليث. شعرت بغمرة ارتياح لبقاء شوحريها على قيد الحياة في البداية، لكنها أفسحت المجال لمخاوف جديدة. أُعدت هذه الحصة لاستدراجهم بطريقة ما لم يُكشف عن تفاصيلها؟ لم يفعل أي منهم ما يستدعي شكوك سوريا خصوصاً، فتوجهت للخارج آملة ألا تحدث أي مشكلات.

قالت شوحريها ظاهرة بجانبها أثناء خروجهما: "مرحباً أيتها الغريبة. تبدو هذه حصة ممتعة".

"أتمنى ذلك".

رسمت سوريا ابتسامة على شفتيها وقاومت الرغبة في الالتفت وراءها.

"يبدو أننا سنحتاج لاختيار شركاء للمختبر، ويمكنني دائماً الاستعانة بشخص أدرس معه. أتريدين تشكيل فريق؟"

قالت سوريا وهي تهز كتفيها: "لم يسألني أحد غيرك. لكن الأمر لا يبدو صعباً للغاية بعد".

"فقط للحيطة".

تهللت أسارير شوحريها وقفزت مبتعدة. هدأ معدل ضربات قلب سوريا مدركة أن الأمر كان مجرد وسيلة لإيجاد مبرر ليلتقيا ببعضهما. بدت شوحريها جادة في التعامل مع التهديد رغم غرابتها. كانت وردية زاهية وأكثر نشاطاً من متوسط الطلاب، لكنها لم تكن جامحة كما كانت في حلقات سابقة. أملت أن تكون مطابقة لسلوكها قبل حلقة الزمن، مما قد يحقق التوازن المناسب لتكون غريبة بالقدر الذي يمنع الشك بها، إذ إن العالق في الحلقة لا يلفت الانتباه هكذا.

لم تكن هناك حصة مقررة لمد والجزر السحري للتاريخ فوراً، وكانت سوريا تتوقع الأولى وتخشاها في آن واحد. عادت إلى غرفتها -الواسعة دون رفيق سكن- واستقرت لإتمام قراءة الكتب الأولى. لم تكن مطلوبة بعد، لكنها شعرت بقصور فهمها للسياسة، لذا أرادت دخول الحصة مستعدة. للأسف، لم تستمتع بهذه القراءة بالقدر ذاته. ربما كانت لتلتهم القراءة كلها بشغف في الماضي لقلة ما امتلكته من كتب، لكنها شعرت بالإحباط الآن لوجود قائمة هائلة بحوزتها.

حمل النص الأول عنوان العصر الجديد لجون، وهو كتيب سياسي مفضوح يدور حول الثورة في جمهورية جون. تعلمت القليل من الأقسام التاريخية، خاصة حول تعقيد الثورة التي أطاحبت بالأرستقراطية القديمة، لكنها سرعان ما ضجرت من استرسال المؤلف في سرد آرائه. شعرت بالخيانة عند تنحيته جانباً لصالح نقوش الثورة، إذ لم يكن الكتاب متعلقاً بالنقوش إطلاقاً - بل كانت مجرد استعارة من المؤلف.

بل تمثل في نوع من النظريات الكبرى للتاريخ حول تأثير السحر على الأنظمة السياسية. لم تكن سوريا متأكدة من جاهزيتها حين حزمت كتبها أخيراً متوجهة إلى الحصة. اعتادت تجاهل السياسة لشعورها بالعجز التام في مواجهة الأنظمة الكبرى: كانت منطقة ويستلايكز منطقة نائية تقع بين قوى عظمى، لذا لم يهتم أحد بما تريده. وقعت الحصة في مكان مألوف على الأقل: مبنى جمعية الأرض. عرفت التخطيط المكاني من الحلقة التي أخذت فيها حصص الحرف اليدوية، وكان هذا مجرد قاعة محاضرات كبرى وليست ورشة عمل.

حرصت في طريقها على سلك بعض الطرق الخاطئة كي لا تكشف معرفتها بالمبنى، واشتت انتباهها أثناء ذلك طفل جالسة بمفردها تماماً في إحدى الغرف الخارجية، وفي حجرها كتاب بدا بوزنها تقريباً. ألا يوجد أحد يراقبرها حقاً؟ أرادت سوريا غريزياً التحقق، لكنها خاطرت بالتأخير عن الحصة ولم يبد أن شيئاً سيئاً يحدث، فأبعدت الطفل عن تفكيرها وانسلت داخل قاعة المحاضرات. وقف الأستاذ تولفارد رامسولك في مقدمة القاعة، ويداه خلف ظهره وملامحه الرخامية متبجحة.

تثبتت عيناه عليها فور دخولها، لكنه بدا وكأنه يحدق في كل طالب جديد، لذا لم يطول الأمر. لم تستطع سوريا منع نفسها من ملاحظة عديدين من العالقين بين الطلاب في طريق دخولها، معظمهم أشخاص لا تعرفهم جيداً من فصائل الأكراتشية وجون. انشغلت بترتيب كتبها والعبث بحقيبتها كي لا تُرى وهي تحدق.

سأل الأستاذ رامسولك بأسلوب بلاغي: "هل حضر الجميع أخيراً؟ جيد، لنبدأ".