كان الذهاب وحدَهُ إلى تجمع في قصر جيريال سيئاً بما يكفي، غير أن التهديدات الأخرى جعلت الاستعداد لهذا الأمر عذاباً شاقاً لسوريا. والأهم من ذلك أنها تُرسل لفحص شخص يُعدُّ تكرارياً يقيناً، وهو ما يمثل خطراً عليها وعليه. لكن المشكلة الأكثر إيلاماً تمثلت في حاجتها إلى الاستعداد جسدياً، رغم أنفها. لو كان الأمر بيدها، لذهبت سوريا بعباءة الرعاع، غير آبهة بمدى بروزها وسط الحشود.
لكن الأستاذ هيون سلمها إلى نساء مجتمع الماء وجهزنها بثوب أنيق ومساحيق تجميل. ولم تستطع سوريا الرفض، لأن النتيجة ستبدو غريبة تماماً عن طبيعتها وتتحول بحد ذاتها إلى تحذير. ولم يعنِ هذا قط أنها أحبت العملية. وجدت سوريا نفسها في النهاية تنظر في المرآة إلى امرأة بالكاد تعرفها: غيرت مساحيق التجميل شكل وجهها بخفاء، ورُفع شعرها المعتاد بأمشاط متقنة. غطت الرداءات جسدها بالكامل، ولحسن الحظ، لكنها بدت بالغة التعقيد قياساً لذوقها.
والصادم أكثر هو استبدال نظاراتها بزوج رقيق من العدسات الفضية الأنيقة التي تواءمت بطريقة ما مع ضعف بصرها. لم تحب سوريا شيئاً من ذلك سوى النظارات ربما، لكن هذا ما كان عليها التعامل معه. بدا واضحاً أن حقيبتها المعتادة لن تتناسب مع هذه الهندام، لذا اضطرت لتركها وترك كتبها خلفها استعداداً للرحيل. توفرت في الثنايا جيوب مخفية على الأقل، حيث استطاعت الاحتفاظ بتعويذاتها، تحسّباً لأي طارئ.
ووجدت بصيص أمل آخر: كانت واثقة بدرجة طفيفة من عدم خضوعها لمراقبة مباشرة. طلبت من الأساتذة مراقبتها تحت ستار القلق، فقدموا أسباباً مقنعة ظاهرياً تفيد بأن أي تعاويذ تراقبها ستخاطر بالوقوع في فخ رصد الأهداف لها. ومع احتمالية كذبهم وامتلاكهم طرق تقصٍّ سرية، امتلكت سبباً لتصديق خلوّ جعبتهم من تعويذات تسجل كل ما تفعله. توقعت المشي إلى القصر وفاجأتها عربة طافية بانتظارها، رغم عدم مفترض تفاجئها.
فستان كهذا لا يماثل المشي لمسافات طويلة، بعد كل شيء. وأثناء تحليقها في الهواء فوق المدينة، أدركت سوريا أنها لم تشاهد دارمكان ليلاً على حقٍّ قط. وبدت أضواء المدينة دافئة وهي تنتشر تحتها، لكنها أدركت بذور الشؤم في عتمة الجبال المحيطة بها. ثم أُلقيت عند مدخل قصر جيريال وبدأت محنتها. كانت البوابات الخارجية من الحديد العابس، لكن الحدائق باغتتها فور خطوها للداخل. لم يقتصر الأمر على العدد بل تنوعه أيضاً: اصطفت أزهار أنيقة قرب المدخل، ووجدت حديقة ورود، وتلة أرضية خصبة تعج بالنباتات الغنية بالمانا، وشجيرات مقصوصة بهيئات، ودفيئة أقرب للمباني الرئيسية.
لم تقترب البتة من مباني القصر الرئيسية، إذ بدا أن معظم التجمع يدور وسط الحدائق. وبدت من بعيد شبيهة بمعظم مبانِ المدينة الأخرى، وهو أمر منطقي بحكم أن عائلة جيريال تنحدر من أصول تادرية. التفت الكثيرون نحو سوريا أكثر من المعتاد، وهو ما كرهته، واضطرت لصد مجسات اجتماعية مختلفة حاوياتٍ جذبها إلى أحاديث. ولاحظت أن هذا التجمع لا يختلف كثيراً عن العديد من تجمعات الحرم الجامعي، والتي تشكل غالباً مناسبات للسكر أو تعاطي الكحول بأقصى درجة...
ولسوء الحظ تضمن الحدث عنصراً جنسياً أشد وضوحاً، مع تبادل العديد من المشاركين القبلات أو سحب بعضهم بعضاً نحو الحدائق. والأهم من ذلك أنها لم ترَ أي تكراريين. واستمرت في البحث عن جيريال، لتجد نفسها تحلل السيناريو من عدة منظورات متباينة. ماذا تمنى الأساتذة منها تحقيقه وكيف سيقيمون أداءها، كطالبة عادية أم مشتبه بها محتملة؟ وكيف سيرد جيريال عليها وماذا ستفعل إن استحال تحذيره؟
تكمن المشكلة في قدرة التكراريين على الانخراط في دمار متبادل مؤكد إن بدأ الأساتذة طرح الأسئلة. فرض هذا تعاوناً على المدى القصير، لكنها تخيلت إفضاءه إلى الشبهات والعداوة على المدى الطويل. ويتغير التوازن بنتائج كارثية محتملة إن ظفروا بقوة كافية تؤهلهم لتعاويذ قتل الأرواح، أو دروع الأرواح لمقاومتها. اكتشفت سوريا جيريال في النهاية مسترخياً على درجات قصره، ومحاطاً للأسف بعدد كبير من المحتفلين الآخرين.
بدا ثملاً عند اقترابها لأول مرة، لكنها ظنت رؤيتها عبوساً خفياً لحظة وقوع عيناه عليها. لم يعرفا بعضهما جيداً، لذا تمسكت بأمل تعرفه على غرابة مظهرها.
قال جيريال مترنحاً نحوها: "يا له من منظر فاتن!".
وخطا خطوة باتجاهها مضيفاً: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟".
سألت سوريا: "ألم تدعُ الجميع في الحرم الجامعي؟".
"بلى فعلت، بلى فعلت! تعالي، دعيني أُريك القصر".
حلّ ذلك معضلة انفرادها بجيريال بصورة طبيعية، رغم إيقاعها في مشكلة أخرى على الأرجح، استناداً إلى طريقته في التقدم وتقبيل يدها. ألقت سوريا نظرة خاطفة على الحشد من خلف كتفها أثناء مغادرتهما، محاولة معرفة ما إن كان أحدهم يراقبهما بريبة. واستبعدت كونها الطالبة الوحيدة التي تتعاون مع الأساتذة، وظل احتمال اختبارها قائماً على الدوام. ابتعدا مسافة قصيرة فقط قبل أن يستند جيريال بعفوية إلى جدار ويلتفت إليها.
اعترف قائلاً: "أقرُّ برؤيتكِ هنا من قبل. لم أظنك تهتمين بالتجمعات كثيراً".
أصرت سوريا: "أستطيع الاستمتاع بأطايب الحياة أيضاً. فأنا أمتلك غرفاً في الملاذ الأزرق بعد كل شيء".
"أه أجل، سمعت عن مدى روعتها. ربما نزورها ذات يوم، وننقل الاحتفالات إليك".
"ربما، رغم إصراري على كبح الاحتفالات. فقد نقع في المشاكل إن أحدثنا ضجيجاً كبيراً".
شعرت سوريا بغباء مدقع إزاء هذا النوع من التلاعب اللفظي وخشيت مبالغة تلميحها في الخفاء. غير أن نظرة جيريال تحولت إلى البرود والتأمل فور نطقها لجملتها الأخيرة. ومهما حدث آخر، فقد استوعب التهديد.
قال بحماس متلاشياً الموقف: "تعالي، دعيني أُريك المزيد من الأرجاء. أخبريني، أفرصت لك استكشاف دارمكان حقاً؟".
أخبرته سوريا دون يقين حيث سيفضي ذلك: "انتقلت حديثاً إلى هنا لأصبح طالبة".
شاشة حماية فحسب؟ حارت في تصريحاته العشوائية ظاهرياً وعرضه الأرجاء حتى عبورهما إحدى الحدائق.
قال جيريال، وبدا صوته أشد إهمالاً من ذي قبل لدرجة شعورها بزيفه: "تعلمون، فكرت في أخذ إجازة قصيرة. تصبح فصول الدراسة مرهقة للغاية. أخبريني، أترغبين بمرافقتي في رحلة خارج المدينة؟".
"يبدو هذا جريئاً للغاية".
قطبت سوريا جبينها محاولة فهم مغزى كلامه.
"سامحيني، لم أعنِ شيئاً سيئاً. لكن أيلائمك هذا النوع من الأمور؟ أترين رحلة خارج المدينة... منعشة؟".
"ربما".
أدركت سوريا الأمر عند لمسها لصرامة نظراته، وغيّرت مفهوم المحادثة قائلة: "لا تكفي الرحلة القصيرة أحياناً بالنسبة لي. وإن أثقل منزلك كاهلك، فمن الأفضل ترك بيئتك القديمة برمّتها خلفك".
"أه، أترشحين رحلة أكثر كلفة إذن؟ إجازة أكثر تطرفاً؟".
"لك القول هكذا".
وضعت سوريا يدها على يقتها وسحبت إصبعها على طول رقبتها أثناء حديثها.
قال جيريال بحماس صادم وبشدة: "رائع! ما ظننتك تمتلكين روح مغامرة كهذه. أترين قدرتنا على تدبير رحلة معاً؟ ربما بعد شهر تقريباً، عند حلول عطلة عيد القديسين الأولى؟".
"ربما نجد وقتاً أقرب من ذلك. أقرب بكثير".
"أنا أفهم، أنا أفهم. قد يكون الفصل الدراسي مرهقاً للغاية".
أصبحت المحادثة تافهة إلى حد تيقن سوريا تقريبا من محاولة جيريال دفعها بعيداً. ومع ذلك أنهيا الجولة، لتترك قرب المدخل. استدار لتحدث إلى امرأة جذابة جالسة بالقرب من الزهور وبدا أنه نسي أمرها تماماً، مما ترك سوريا تتردد بانزعاج لفترة قبل فرارها أخيراً. وجدت نفسها تراجع المحادثة بقلق بالغ مراراً وتكراراً داخل العربة أثناء العودة. ظنت تواصلهما بطريقة غير مباشرة، لكنها لم تدرِ أحدثا ذلك حقاً بعد تجاوز المحادثة.
لربما تواجد المعنى الثاني الذي بدا واضحاً بفظاعة لها في رأسها بالكامل، أو ربما بدا وكأنه مغازلة خرقاء للغاية. رجحت كون الأمر اختباراً لها، بغض النظر عن اشتباه الأساتذة بها. وقررت سوريا الإشارة إلى جيريال، سواء نجحت أم لا. قد يجذب قتله لنفسه قبل وصول الأساتذة التدقيق، لكن كل ما تقدر على فعله سيجذب ما هو أسوأ، وسيبدو إخبارهم بيقينه بعدم كونه تكرارياً أسوأ بكثير. أدركت سوريا عند فتح العربة عدم عودتها إلى البوابات: بل أُنزلت على شواطئ بحر الحرم الجامعي.
وقف الأستاذ هيون بجانب الأمواج - لا، بل كانت تحوم فوق صفيحة حجرية رقيقة. استدارت لتنظر إليها بعد إطالة النظر في الأمواج المظلمة، دون إظهار أي تعبير في عينيها.
حاولت سوريا صبّ كل قلقها الحقيقي في كلماتها قائلة: "أظنني خربت الأمر. حاولت محادثته وأعتقد أنني أثرت ريبته فحسب".
سأل الأستاذ هيون: "أترين سلوكه مشابهاً لمن يعيش في حلقة زمنية إذن؟".
"لست متأكدة. يستخدم العديد من الطلاب هذا الوقت للشرب والاحتفال، ولا أفهم ذلك تماماً. لكن جيريال بدا... مختلفاً. كأنه لا يكترث للغد. أستتوصلين... أستتحركين حقاً بناءً على ما قلته؟ كان انطباعاً فحسب، وسأشعر بالسوء الفظيع إن اتهمت الشخص الخطأ و-".
"اهدئي".
لمست الأستاذة كتفها برفق.
"ندرس كل الأدلة المتاحة قبل الوصول إلى استنتاج. شكراً لجهدك... يمكنك العودة الآن والاستعداد للفصل الدراسي".
صعدت إلى السماء على حجرتها واختفت سريعاً دون كلمة أخرى. أكانت متجهة مباشرة إلى قصر جيريال؟ استمرت سوريا في التحدق بالسماء المظلمة لفترة عاجزة عن منع نفسها، قبل شق طريقها ببطء نحو غرفتها لتخلع زيها أخيراً. أأدانت جيريال بالموت لتوها؟ أمن المحتمل رداءة أدائها لدرجة عدم استيعابه، أو الأسوأ من ذلك، ظهورها بمظهر مريب؟ استحال عليها معرفة ذلك، ولم تشعر بالراحة بتاتاً حتى بعد غسل وجهها وعودتها إلى ملابسها المريحة.
نامت سوريا نوماً رديئاً تلك الليلة، ولم يتحسن مزاجها في اليوم التالي، حين شرعت في نقش الرموز داخل كتاب تعويذاتها الجديد. بدا إلقاء التعاويذ من الكتاب سلساً ومرناً، لكنها عجزت عن التركيز عليه. أسيکشف الأساتذة شيئاً عما حدث؟ أستشكل سؤاله عن نتائج التحقيق ريبة، أم سيشكل عدم سؤالها ريبة أشد؟ كان المفترض بسوريا كونها طالبة جديدة تعاني وسط تيار جارف، ورغم مطابقة ذلك للواقع جذرياً، الا أنها جهلت كيفية التصرف.
لم يخبرها أحد بشيء خلال الأيام الأخيرة قبيل بدء الدروس، وبدا الجو العام أشد قسوة من المعتاد. وخيّم كبت على أجواء الحرم الجامعي وأُلغيت بطولة الكراشوروب. واتجهت سوريا صعوداً نحو دارمكان لإيجاد إجابات بنفسها عندما اتضح عدم تقديم أي أجوبة إليها. عجزت عن تحمل كلفة كتاب إخباري، حتى بمكافأتها، لكنها استطاعت دفع ثمن قراءته لفترة وجيزة. وبدا الأمر أكثر ملاءمة من نواحٍ عدة، لاحتياجها فقط لسؤال المالك عن نوع الأخبار التي تهمها.
وسرعان ما وجدت مصدراً يناقش نميمة المدينة المحلية، سيما مجتمع الطبقة الراقية. وعثرت هناك على العنوان المأمول: عُثير على جيريال نيجنان، ابن العائلة المحلية الثرية، ميتاً ليلة حفله. وناقش معظم المقال الجنازة التي يرتبها والداه، مشيراً باختصار إلى احتمالية كون السبب هو الإفراط في الشرب. لم يخبرها هذا بشيء على الإطلاق - فاحتمالية انتحار جيريال تساوى احتمالية تدمير الأساتذة لروحه.
وربما تسبب سلوكها في إثارة ريبة الأساتذة، أو أقنعهم ببساطة بعدم ملاءمتها لمثل هذه المهام. وما علمته يقيناً هو احتمال إحداث أفعالها لفارق، ولن يتبين لها ذلك حتى الحلقة القادمة، بافتراض نجاتها لبلوغها.