بدا البروفيسور إورتراكس نولساه، عرش السحر، أكبر حجماً ممّا يبدو عليه في رسمه. كان سيفوق معظم الرجال طولاً برأس كامل، ولذا بدا كأنه يتطاول على سوريا حتى من مسافة بعيدة. والأمّ طبعاً أن جسده كان كتلة عضلية ضخمة، وقد كشف عن ذلك قلة ثيابه نسبيّاً. لم تسبق لسوريا رؤية شخص يقلّ شبهاً بالسحرة عنه. وبدت بشرته بلون قرمزي لا تراه عادة إلّا من إنديليث، وكانت عيناه ذهبيّتين ببريق اصطناعي.
ومع أنه بدا كقاطع طريق، شعرت بمانا تنبعث منه كأمواج الحر. ابتعدت سوريا بخطوات بطيئة ووجدت مقعداً تحجبه جزئيّاً إحدى الجدران الحجرية للحلبة.
قال: "حسناً، ابتعدوا!"
أبعد إورتراكس بيده طالباً كان يحمله كأنه دمية قماشية.
"لا هجمات أثناء الدرس، عليكم تركيز الاستماع إليّ. هل يملك أحد اعتراضاً؟"
لم يعترض أحد.
"رائع إذن. علينا البدء بسؤال: ما هو السحر التطبيقي؟"
عمّ الصمت القاعة مجدداً.
قال إورتراكس بصوت هادر: "إنه ليس سؤالاً مخادعاً! أنا لا أطالبكم بتأمل أسرار الكون هنا! السحر التطبيقي يعني وضع المانا في شيء ما. لا رميها في العالم كالسحر الهجومي، ولا تحويلها إلى شيء آخر كالاستدعاء. إنه التعزيز الذي يصنع سحراً."
كان ذلك نظريّاً أكثر ممّا توقعته سوريا نظراً لسلوك البروفيسور، وبدأت تظن أنها ربما لم ترتكب خطأ فادحاً. بدا بعض الطلاب الآخرين ملولين أو نفورين، لكنها مالت للأمام قليلاً وانتظرت استمراره.
"الحمقى لا يتوقعون من السحرة أن يكونوا مقاتلين، لكنكم ترون سبب حماقتهم الآن، أليس كذلك؟ إن كان المقاتل مستعداً لسحر سيفه، فلمَ لا يقبل بسحر جسده؟ ما الفارق؟"
نادى أحدهم: "اللحم ليس فولاذاً."
قال إورتراكس محركاً إصبعه نحوه كأنه يشن هجوماً: "إنه ليس كذلك! لكن الفولاذ ليس حديداً ولا برونزاً، واللحم ليس عظماً، ويا له من اكتشاف، نوع من الأشياء ليس كنوع آخر! هذا ما يجعل السحر التطبيقي مميزاً برأيي: السحر ليس سوى نصف المعادلة. عليكم معرفة ما تتعاملون معه حقاً، وفهمه بحق. إذن هذا ما سنفعله هنا. أعلم أن بعضكم يرغب في دراسة السحر العضلي، وسنفعل ذلك بالتأكيد! لكن الجزء الأهم هو العمل بما تملكون وإيجاد العناصر المناسبة لكم. قد يعني ذلك عناصر غامضة حرفيّة لمن يريدون سحر أسلحتهم. وقد يعني اكتشاف عنصر أرواحكم. قد يعني أشياء كثيرة... هل أنتم مستعدون؟"
زأر كثيرون في القاعة استحساناً فارتجفت سوريا إذ لم تتوقع صدور كل ذلك الصخب من خلفها. عجزت عن مشاركتهم حماسهم الصاخب، لكن الدرس بدا لها أكثر إثارة الآن. لعل وينشارد لم يضلّلها.
نادى أهدهم، وانضم إليه آخرون مطالبين بعرض: "هل ستعلمنا قميص الميثريل الخاص بك؟"
قال إورتراكس محركاً عينيه بملل، لكنه بدا مسروراً أكثر من أي شيء آخر: "حسناً، حسناً، لننتتهِ من ذلك. من الأكبر والأشرس بينكم؟ شخص يملك تعويذة جيدة كي لا يعترض أحد آخر."
بعد جدال قصير، مرت امرأة قوية البنية بشكل مفاجئ بجانب سوريا متجهة نحو الرمال. ارتدت نوعاً من الدروع تحت رداء المدرسة، لكن ما أثار إعجاب سوريا أكثر هو امتلاكها ختمين مراتب على يقتها. أياً كانت، فقد كانت أكبر من معظم الطلاب بعشر سنوات على الأقل وتحمل الندوب دليلاً على مسيرة طويلة. وحين وصلت إلى الرمال بجانب البروفيسور، سحبت المرأة سيفاً وأخذت وضعية قتالية أمامه. وحين قبضت على المقبض، أدركت سوريا وجود نقش مدمج فيه، نقش معقد بناءً على ما استطاعت رؤيته بلمحة سريعة.
اشتعل السيف بنيران الزمرد التي لونت الرمال حولهما.
قال إورتراكس متظاهراً بالتصفيق: "ليس سيئاً! أمتأكدة من أنك لا ترغبين في استخدام سيف تدريب؟"
سألت المرأة: "خائف؟ ألا يعمل خدعك مع الفولاذ الحقيقي؟"
وضع إورتراكس يديه على خاصرتيه ونفخ صدره: "كما تشائين!"
لم تتردد المرأة، بل تقدمت بسرعة ووجهت ضربة مباشرة نحو صدر البروفيسور العاري. كادت سوريا تُعمى من قوة الارتطام حين تحطم السيف إلى عدة قطع. أطلق كل من في المدرجات شهقة أو هتافاً بينما حدقت سوريا بصمت. لم يكن ذلك منطقياً: حتى لو سحر إورتراكس بشرته لتصبح أصلب من الفولاذ، لكان السلاح ارتدّ عنها أو تضرّر بأسوأ الأحوال. حتى لو شابت النصل شائبة، لكان انكسر في أضعف نقطة لا إلى أجزاء متعددة.
كان مستحيلاً تماماً أن تحطم قوة الارتطام الفولاذ، فلا بدّ من وجود قوة إضافية من دفاعه، ولم تكن تملك أدنى فكرة عما قد تكون عليه. بدا إورتراكس سليماً بلا طائفة أذى، بينما التقطت المرأة قطع سيفها المحطم بامتعاض.
قال إورتراكس أعلى أصوات الحشود: "لنُوضِح بعض الأمور. توجد تقنية تُدعى قميص الميثريل تعزز الجسد، ونعم، هي تأتي من إنديليث. لكن لا تظنوا أن دفاعاتكم ستماثل دفاعاتي، حتى لو تدربتم لمئة عام. يحمل نسلي سحراً خاصّاً به، شيئاً يجعل قميص الميثريل أقوى بكثير."
سأل أحدهم من الخلف: "أبهذه الطريقة قتلت جزار كارن؟"
ابتسم إورتراكس ببريق عريض وهو يمد يده مجدداً: "يسعدني أن أروي لكم قصة تلك المعركة العظيمة، لكن هذا ليس وقتاً مناسباً. كلا، إورتراكس نولساه ليس المعلم الذي يمكن تشتيته بالقصص. لقد حصلنا على ما يكفي من المشتتات، حان وقت العمل!"
سحب إورتراكس كيسًا من حزامه وأدخل يده فيه، ثم أخرج كرة طينية بدت أكبر بكثير من أن تحتويها كيسة. بدأ يقذف الكرات نحو القاعة بافتقار ملحوظ للحذر، وسحبت سوريا حقيبتها نحوها غريزيّاً كدرع. لكن الكرة التي اتجهت نحوها تدحرجت حتى قدميها فحسب، ولم تطر نحو رأسها كما حدث مع بعض الطلاب. بدا أن الجميع يدركون ماهية الكرات، فاضطرت سوريا لمراقبتهم لاستيعاب التمارين. رأت أن معظم الطلاب يحفرون نقوشاً في الطين الطري، وحين نظرت، لاحظت أن الكرة تحوي بالفعل عدداً من الدوائر منقوشة عليها.
استناداً إلى الآخرين، بدا وجود نقش عنصري واحد لكل دائرة. كان بعض الطلاب الآخرين يشعلون كراتهم بهالات عنصرية، فسارعت للحاق بهم. ملأت سوريا ثلاثاً من الدوائر بنقوش النار والماء والقوة، ولم تكن تلك كل الدوائر البتة. تمنت لو أمضت وقتاً أطول في التدرب على النقوش العنصرية في العصر الجديد، إذ توافرت خيارات عديدة لم تتقنها. كان حضور هذا الدرس طالبة جديدة، قبل تجاربها في الحلقة، سيبدو أمراً مهيناً.
وبغض النظر عن الوضع، استطاعت سوريا تحمل الصهارة ومحاولة فهم التمرين. وحين دفعت بالمانا إلى نقش النار، تفاجأت بمدى صعوبتها، كأن مانا كانت تُدفع عبر... حسنأ، طين، هكذا ظنّت. وفقاً لأحد كتب المقدمات، كان الطين مادة قابلة للاستخدام للنقوش، فلا بدّ من وجود أمر مميز في هذا الطين يؤدي وظيفة تدريبية. ونظرت حول القاعة، فرت بعض الطلاب يصارعون لجعل أي عناصر تظهر، ولم يكن السبب قصر النقوش وحدها.
تجول إورتراكس في القاعة مهدراً بالنصائح للطلاب فرادى، وسارعت سوريا لإدراك كل شيء قبل أن يصل إليها. إن ركزت، استطاعت سوريا دفع الطين وجعل النار تشتعل حول الكرة. لم تقوَ على تفعيل عنصر آخر ولم ترَ أحداً يفعل ذلك، بل كانوا يبدلون بين العناصر فقط. وافترضت أن التمرين يشبه ذلك، فتنقلت سوريا بين النقوش العنصرية الثلاثة التي تملكها، لتتحسن قليلاً مع الممارسة.
نادت: "تبدين بخير!"
انتفضت سوريا حين ظهر إورتراكس فجأة خلفها؛ كيف لرجل بذلك الحجم أن يتحرك بخفية؟ أرادت جزء منها تقبل المديحة والتمني بأن يتجاهلها، لكن سوريا أخبرت نفسها بحزم إنها هنا لتعلّم. بدا هذا البروفيسور ممن يقدرون الصراحة، لذا...
أخبرته سوريا: "لا فكرة لدي إطلاقاً عما أفعله. لمَ نقوم بهذا؟"
"هاه!"
انحنى إورتراكس على ركبة واحدة، مما جعله في مستوى عينها تماماً.
"أظن أننا نأخذ بعض الأمور كمسلمات. هذه أداة تدريب يستخدمها بعض المقاتلين، وحين أنظر إليك، أخمّن أنك لست مقاتلة بحق؟"
"لا، لست كذلك."
"عليك البدء! حتى سحرة أمثالك بحاجة لبعض العضلات على عظامهم!"
أمسك إورتراكس الكرة من يدها، واضعاً إياها في كف واحدة.
"كنت تدفعين المانا عبر هذه بسهولة شديدة. سعة رونياتك... سبعة، أأخمّن جيداً؟"
لم تستطع سوريا سوى الإيماء، وشعرت برهبة أغرب من أي عروض قتالية سابقة. لم تظهر أي نقوش كاملة وتطلبت الكرة مربعات رونية بسيطة فقط، فكيف خمن سعتها بدقة؟
تابع إورتراكس: "أمر طريف، تسيطرين على مانا أفضل من أغلب المبتدئين مثلك."
تمكنت سوريا من قول، مع جفاف حلقها: "أنا معالِجة."
"جيد! المعالجون أقسى ممّا يمنحهم أحدهم فضلاً. على أي حال، المغزى أن هذا التمرين أسهل ممّا ينبغي لك، لذا تفوتك النقطة. عادة ما يعاني سحرة القتال حتى يعثروا على عنصر يناسبهم، وهو الذي يمر بسهولة أكبر. أبطئي وشعري حقاً بكيفية تدفق المانا."
أومأت سوريا وقبلت الكرة الطينية عائدة منه، ناوية العودة للتمرين. بقي إورتراكس راكعاً بجانبها، وهو أمر يبعث على التوتر العصبي تماماً، ونجحت بطريقة ما في استدعاء النار مجددًا. قطبت جبينها وبدلت إلى القوة، محاولة استشعار الفارق في مقاومة الطين لها.
اعترفت قائلة: "لست متأكدة من قدرتي على استشعار الفارق."
قال إورتراكس: "إن سألتني، فأنت لم تعثري على عنصرك. مهمتك للدرس القادم هي إتقان المزيد من النقوش العنصرية. بل أكثر بكثير. أي منها يبدو جيداً لك."
"هل من ضمان أن لكل شخص عنصراً؟ طلب مني أحدهم المتخصص بالنار المجيء إلى هنا، لكنني لا أعرف..."
"لا ضمانات في الحياة! السبب الأكثر شيوعاً لامتلاك عنصر مخصص هو امتلاك سلالة سحرية ما، كسلالتي!"
ضحك إورتراكس بشكل غريب.
"لكن من الشائع أيضاً أن يجيد السحرة أنواعاً عديدة من السحر بالتساوي."
سألَت سوريا بشيء من الاستعطاف أكثر ممّا رغبت: "إذن ماذا يفترض بي فعله؟"
"كفي عن التفكير وكأن عنصراً مقدراً بانتظارك. لن يصدر صوت من السماوات يعلن عثورِك على العنصر الصحيح. ركزي على العملي: أتحبين العنصر في الحياة العادية؟ كيف يتم التحكم به؟ أيعقل أهدافك التكتيكية؟ أتحبينه مجرد حب؟ أحياناً يكون هذا كل ما في الأمر. إن بدا لك شيء صحيحاً، فلا تنتظري موافقة أحدهم، استخدميه فحسب."
ومع ذلك، ربت إورتراكس على كتفها وكأنه يحاول دقها في الرمال ونهض متعثراً. تجول بعيداً مهذراً بطلاب آخرين، واضطرت سوريا للاعتراف بأنه كان مساعداً بشكل مفاجئ خلال وقت قصير. وسواء أستمد قوته من سلالة خاصة أم لا، فقد كان معلماً أفضل من كثيرين. ما الذي يحدث بحق الجحيم، لتخوض سوريا تجربة تعليمية أفضل مع هذا البربري المدمر للآذان مقارنة بامرأة مدنية تعين الكتب؟ عادت إلى التمرين مجدداً، مستمتعة به أكثر الآن بعد معرفة منطقه الضمني.
ذكرتها المقاومة بتمرين روناتها المتشابكة قليلاً وظنت أنها رأت كرات طينية مماثلة في بعض المتاجر، فلربما تصبح مفيدة مستقبلاً. أما بالنسبة للتمرين نفسه، فلم تبد العناصر الثلاثة التي تعرفها ملائمة. كانت النار ملائمة فحسب، وبدت القوة مجرد أداة، ولم تتقبل تعويذات الماء يقط. ووجدَت بعض العزاء في تفكير وجود عنصر ما ينتظرها، لا لكونها متوافقة معه بخصوصية، بل لكونه سيلائمها فحسب.
وفي الوقت ذاته، كانت الحلبة حولها تزداد صخباً تدريجيّاً. كان بعض الطلاب يمارسون نوعاً من الألعاب مستخدمين كراتهم الطينية كمقذوفات، وفجرها آخرون بالخطأ، بينما أوقف آخرون التمرين وباتوا يتبادلون النزال. وحتى بين أولئك المركزين على عناصرهم، بدا الجمع مجانين مسعورين بنظرها. لم تستطع سوريا سوى هز رأسها. حدث كل ذلك عبر الحرم الجامعي بينما بقيت في غرفتها تقرأ. كلما ظنت أنها بدأت فهم جامعة داركمون...