أخبرتني أقدم صديقاتي في العالم — امرأة أعرفها منذ المدرسة الثانوية — للتوّ أنها ساحرة. يبدو هذا صدمةً، إن تحفّظنا في الوصف. ولأنّ صديقتي المقرّبة مولعة بالأكاذيب الوقحة وملاحقة النكتة مهما كان الثمن، فلست متأكّداً من تصديقها.
أرمي مورداسيتي نظرة شكّ وأقول: "حسناً، أثبتي ذلك. ما الذي يجعلك "ساحرة" لا مشعوذة ولا فتاة سحريّة؟ كيف لي ألاّ أظنّكِ تلاعبينني فحسب؟"
تنقر على ذقنها وتتأمّل: "إن تفكّرت في الأمر، فنحن لا نعرف سوى تجاربنا الخاصة حقاً، وحتى تلك قابلة للتلاعُب. هل المعرفة مُتاحة أصلاً؟"
أستحضر تمثالاً لأميرة اللؤلؤ وأرميه عليها.
"سأقتلك بالمطارق. أجيبي عن السؤال اللعين."
تنحي مورداسيتي اللعبة وتتغطرس ضاحكةً.
"حسناً، حسناً. لكنّك طلبتها."
تُحدّق في عيني، تبتسم، وتَقُول: "في الهالوين، دخلتَ عالم الزجاج مع هاول، وهارلكوين، وفيررومانسر، وأجاثا، وديليلا، والتقيتَ في ذلك العالم الآخر بفينوس، ومارس، وهاستور. اسمانا المدنيّان لأجاثا وبومبشيل هما إليانور وهانا. وفيررومانسر هي إريكا. وهاول هي جريتشن، مع أنه ربّما يجدر بك ألا تخبرها أنك تعلم ذلك. ستريكس ستريغا، بطلة مينيرفا، هي أيضاً صوفيا لين، الفتاة التي وقعتَ في حبّها بجنون منذ أن منعتك من قتل نفسك."
أتوتر. طالما شككتُ في أن مورداسيتي تعلم عن اهتمامي بصوفيا وستريغا أكثر ممّا تُظهره، لكن أن تعرف هذا القدر — أن تعرف كل شيء — وتُفصحه بكلّ هذه البساطة الفظّة؟
"كيف عرفتِ ذلك؟"
أطالبها.
"وتستطرد"
مورداسيتي دون الالتفات إليّ، "تقريباً كلّ ليلة، تحلم بمدينة من حجر أبيض باهت، وشمس نازفة، وحفرة عميقة مظلمة. لكنّ شيئاً ما اختلف في حلمك ليلة البناء، أليس كذلك؟ رأيتَ شيئاً جديداً."
"ماذا؟ ما الذي ت—"
يقاطعني صداع مفاجئ. إنه طعنة ألم شبيهة تماماً بما شعرتُ به حين ذكرت لي أمارانث حلم الحفرة للمرة الأولى. إنها لدغة تذكّر شيء لم يُفترض بي تذكره. المدينة. الشمس. الحفرة. لكنّه كان يطير في الأعلي، خيالٌ بالكاد يتبين وهو يعبر أمام الشمس النازفة، طائرٌ أسود الريش. غرابٌ. أعرف أنه غرابٌ بيقين مطلق لا يُفسَّر. غرابٌ ضحك مثل ضحكة مورداسيتي الآن، ينعب ويجأر وهي تلوح بعصاها ذات رأس الغراب.
تلمع عيناها بمرح عفريتي.
"أظننتَ أنه جوبتر من يرسل تلك الأحلام؟ أظننتَ أنه الثرثار بالأصفر؟ كلا. كنت أنا، أ. نسجتُ الحلم الذي أيقظ الكثير من أقرانك على وجود العالم في الزجاج، مبنيةً صلة استخدمها الأذكياء منكم لاكتساب بصرٍ فوق البصر. لكن لا أحد يرى مثلما أرى."
يتسع ابتسامتها أكثر.
"أعرف أسرار كلّ حالِم. حتى عقلٌ منضبط كعقل ستريغا لا يملك الحفاظ على دفاعاته داخل فوضى الحلم."
تقشعرّ أبداني، لكنني أتردد، متيبساً من فداحة ما عرفته لتوّي. مورداسيتي أرسلت الأحلام. مورداسيتي تعرف كلّ ما يعرفه الحالمون — ما تعرفه ستريغا، وما تعرفه هاول، وما تعرفه موريغان. إنها تلعب لعبة لم نكن نعلم حتى بوجودها على الطاولة.
"كيف يعقل هذا أصلاً؟"
أسأل.
"إن كان الجوبتريّون قادرين على فعل شيء كهذا—"
"لكنهم ليسوا كذلك،"
تقاطعني.
"ولا الإيجريجور أيضاً. ينقصهم جميعاً الخيال لإلقاء تعويذة لم يمنحها لهم اللعين بالكتّان. ينبغي أن يهمّك هذا، بالنظر إلى وقوفهم جميعاً في طريق حياتك الهادئة مع صوفيا. سلاح لا يستطيعون استخدامه هو بالضبط ما تحتاجه لهزيمتهم. أعجبتني خطتك، بالمناسبة. تحويل نفسك إلى طعم لفينوس؟ مضحك للغاية. بالطبع، ما إن تغرس مخالبها فيك وتستقرّ الصلة، فستحتاج حقاً إلى طريقة للاستفادة من ذلك. قد تستمتع بوضع ستريغا رمحها فيك، لكنها ستكون متعة قصيرة الأجل إلى حدّ ما."
أنكمش. لم أخبر أحداً بذلك، ولم أنطق بكلمة منه بصوت عالٍ، ولم أكتبه قط.
"تباً، يمكنك حقاً قراءة الأفكار. هذا مرعب، م."
من بين كلّ أصدقائي، طالما كانت مورداسيتي هي من تعرفني أفضل. راودني دائماً شعور بأنها تعرف أكثر ممّا تظهره عن مشاعري تجاه صوفيا وستريغا، رغم أنه لم تكن هناك طريقة لمعرفتها بما أعرف. إلا أنها كانت تعرف. لقد عرفت كل شيء، طوال الوقت. هذا انتهاك صارخ للخصوصية بلا شك. ربّما كان يجدر بي الشعور بالخيانة، لكنّ كل ما أشعر به هو الضيق. ربّما عرفتها لفترة أطول من اللازم. لو جاءني أيّ من أصدقائي الآخرين بهذا الكشف، لتصرفتُ بشكل مختلف، لكنّها مورداسيتي؛
بالطبع ستفعل هذا. تضحك مورداسيتي وتقفز مجدداً على درابزين السطح، ثم تثب لتصبح في مستوى نظري مجدداً.
"شكراً. والآن لنخض بقية هذا الحديث في مكان أسطع."
"انتظري، ماذا؟"
تُطفئ مورداسيتي كرة النار التي كانت تحملها، ثم تندفع للأمام وتلتقط يدي. أطرف بعينيّ فنحن لست في فوركس. يتدفق ضوء النهار عبر الفجوات بين السحب فوق مبانٍ عظيمة من الخرسانة، والزجاج، والصلب. تُعرض الإعلانات على كلّ سطح من الورق، والطلاء، والشاشات الإلكترونية. يشبه الأمر تقريباً أكثر أجزاء وسط مدينة فوركس عمراناً، بيد أن هناك اختلافاً جوهرياً واحداً: كلّ شيء بلغة لا أستطيع قراءتها لكني أراها مألوفة للغاية.
يعجّ الناس صاخبين في شارع مزدحم، دون أن يبدو أن أحداً يلاحظ كيف خرجنا من العدم.
وتقريباً كلّ من أراه هو— "أهلاً بك في نيبون المجيدة،"
تقول مورداسيتي بانحناءة مبالغ فيها، ممسكة بقبعتها.
وتستقيم مضيفة: "تحديداً، نحن في أكيِهابارا، وهي جزء من طوكيو."
أنفض عني الارتباك وتتتابع الأسئلة تترى.
"أجننتِ؟ أأنتِ للتوّ نقلتِنا آنياً إلى اليابان؟ لماذا؟ وكيف؟ وماذا عن كلّ اولئك الناس الذين شاهدونا نظهر للتوّ بحق الجحيم كيف—"
"أنا ساحرة بارعة في هذا،"
تقهقه مورداسيتي.
"عظيمة، وبكامل مهاراتها. على أيّ حال، لا تقلق بشأن المدنيين؛ أنا بارعة جداً جداً في التلاعب بالحجاب. لن يلاحظ أحد أيّ خطأ حتى لو اقتربتُ من شخص واستحضرتُ كرة نار في وجهه. والآن هيا، لدينا أماكن لنقصدها!"
تجبذ ذراعي وتجرّني في الشارع، متجاهلة احتجاجاتي، حتى تتوقف خارج مبنى يجعلني أتراجع رعباً وانبهاراً. إنه مسخ أبيض ووردي، صُمّمت واجهته لتشبه الشرائط.
يحمل ملصق بجانبه بالإنجليزية عبارة "أهلاً بعودتك!"
فوق صورة لفتاة يابانية بزي خادمة مزركش. تشدني مورداسيتي إلى الداخل.
"أنظر! مقهى الخدم الأعلى تقييماً في أكيِهابارا. مثاليّ لزوج من المهوسين الفاشلين."
"أوه، أكركك. أكركك كثيراً. لقد كنتِ هنا من قبل، أليس كذلك؟"
أتهمها. تلتفت نحو فتاة الخدم المقتربة وتبدأ بالحديث باليابانية المتسارعة. لم أكن أعلم حتى أنها تتحدث اليابانية بما يتجاوز الألقاب وكلمات الميمات. يتم إجلاسنا بسرعة وتُمنح قوائم الطعام. لحسن الحظّ، فهي باللغتين الإنجليزية واليابانية. في حالة ذهول، وبتحريض من مورداسيتي، أطلب الأوموريس ولاتيه بالكراميل. وتحصل هي لنفسها على قطعتي كعكة ومشروب غازي. إنها الرابعة عصراً هنا، لكنّ ساعتي البيولوجية تعمل بتوقيت واشنطن.
لماذا أتناول عجة الأرز في منتصف الليل؟ تجربة مقهى الخدم مربكة لدرجة أنها تنجح حقاً في إلهائي عن كون مورداسيتي ساحرة لبضع دقائق. لقد اعتدت صوت خدمة العملاء لدى عمال الطعام، لكن هذا مستوى جديد تماماً. ليس مجرد قسط من الأدب، بل ثمة خضوع هنا. ينادي الخدم الجميع بالألقاب ويقولون ويفعلون كلّ شيء بدرجة مزعجة من التملّق. يبالغون في جعله ظريفاً، وربّما كان ليجدي نفعاً معي لو كنت اصغر بخمس سنوات — اللعنة، لو كنت أصغر بسنة؛
فليس كأنني حظيت بالكثير من الكرامة قبل أن أقبل صفقة باندورا — لكنه الآن يشعرني بعدم الارتياح فحسب. رواد هذا المقهى بمعظمهم رجال يجلسون بمفردهم، وتتراوح أعمارهم بين المراهقة وبضع رجال في أواخر الأربعينيات. الطريقة التي ينظر بها بعضهم إلى العاملات اليافحات حصرياً تجعل جلدي يتقشعر. إنه نفس الشيء الذي نبيعه في فيزاج، أليس كذلك؟ مجرد نكهة مختلفة. وقحة بدل الخاضعة، لكننا ما زلنا نوجد لنُستهلك.
تضحك مورداسيتي على عدم ارتياحي، مراقبة إياي وأنا أراقب الخدم والضيوف.
"لا تشبه كثيراً النسخة الموجودة في رأسك من مشاهدة الأنيماي، أليس كذلك؟ اليأس ملموس قليلاً. هذا ما يعجبني فيه، في الواقع؛ تلك اللسعة الحادة من خيبة الأمل حين تدرك الفارق بين الخيال والواقع. يمكنك وصف من يأتونه بالبائسين، أو يمكنك وصفهم بالوحيدين. أهُم ضحايا مجتمع مهووس بالعمل، أم فاشلون في التأقلم يفرغون ذلك في الآخرين؟ وماذا عن الفتيات اللواتي يملأن تلك البزات؟ أهنّ ضحايا، أم مجرد مشغلات محنكّات يجمعن المال بأي وسيلة ضرورية؟"
أقلّب عينيّ حيال كلامها؛ لقد سمعته من قبل بعشرات التنويعات.
"نعم، نعم. أيمكننا تخطي الجزء الذي تشرحين فيه فعلاً ما يجري؟ لدي مليار سؤال، م. كيف أصبحتِ ساحرة؟ ماذا يعني أن تكون المرء ساحرة؟ ماذا تعرفين عن الإيجريجور؟"
أتردد.
"و... أتعرفين كيف يمكنني قتل ملك؟"
تنتقي مورداسيتي كعكتها برقة، وهو أمر مضحك للغاية للمشاهدة حين أكون معتاداً على التهامها لكلّ ما يوضع أمامها كغول جائع.
"يمكنني الإجابة عن سؤالين معاً: الساحرة هي من تعلمت السحر بالطريقة الصعبة. بينما ساوم صنفكم على العباءات وولد الإيجريجور بقواهم، درستُ لأكون قادرة على إلقاء التعاويذ. أنتم تعملون على وضعية التشغيل التلقائي؛ كلّ سحري هو تحكم يدوي."
للحظة، أرسم موازاة سريعة بين هذا اللقاء وغدائي الأول مع فيررومانسر. محادثتان عن السحر في مطعمين عامّين، فقط بتواريخ وأجواء مختلفة تماماً.
"ماذا عن هاستور؟"
أتفكّر بصوت عالٍ.
"أظنّ أنها ستكون في معسكر السحرة — مستخدمي التحكم اليدوي؟"
يتسرب شيء بارد إلى ابتسامة مورداسيتي. تحول عيناها إلى صوان.
"نعم، تلك إحدى الطرق لوصف العلقة في الليمون. استمع يا أ، أعرف أن لديك أسئلة كثيرة، لكن... أيمكنني أخذ دقيقة لألقي مونولوجاً؟ لدي بعض الأساسيات التي أود وضعها، لذا سأقدر صبرك."
أحملق فيها. الإخلاص ومورداسيتي عدوان لدودان، لكنها تبدو جادة الآن. هذا واضح الأهمية بالنسبة إليها.
"حسناً. تابعي."
تنقر بأصابعها على الطاولة.
"لقد زرتَ توأم واقعنا، بعداً صاغته مشاعر ومعتقدات العقول الراغبة والمخيلة. يسمي صاحب السيادة بالزعفران ذلك المكان عالم الزجاج، لكن لدي اسم أفضل له: باندانوميون، عالم الفوضى الذي يولد منه كل الشياطين. والفوضى هي المفتاح. التلاعب بالفوضى — فرض النظام، والبنية، والنمط — هو جوهر السحر — والجميع يفعلون ذلك باستمرار. أساطيرنا، قصصنا، مؤامراتنا، كل ذلك يؤثر في باندانوميون — فقط ليس بقوة كبيرة. يتطلب الأمر آلاف العقول التي تحلم بتناغم ليحدث أي شيء ذي شأن هناك. سبعة مليارات منا لم تستطع تقريب عالم الزجاج — لم تستطيع الإمساك بباندانوميون وجلب سحره عبر الحاجز بين الأبعاد — مهما تمنا. حلم البشر بالسحر طوال تاريخ نوعنا. كم مرة حاولنا المطالبة به من خلال طقس ما أو آخر؟ كم محاولة للشعوذة، والعرافة، واستدعاء كيانات من ما وراء؟ وكلها بلا فائدة. ثم قامت صانعة ملوك واحدة بالمهمة في أمسية واحدة. تمشت، واستقرت، وأعادت صنع العالم بأسره. وكأن الأمر هين. وكأن الأمر طبيعي بالنسبة لها. وكأنّ منظورها كان أهمّ لذلك العالم من رغبات الإنسانية جمعاء."
أعرف مورداسيتي منذ فترة طويلة. حين تغضب قليلاً، تشتط وتعضّ كبقيّتنا. لكن حين تغضب تماماً وحقاً، تبرد. قد تظل مبتسمة، لكن هذا أشد ما رأيتها غضباً على الإطلاق. إنها تكره هاستور.
"كيف تعلمتِ السحر؟"
أسأل بهدوء.
"كيف توصلتِ إلى فهم عالم الزجاج؟"
تسترخي مورداسيتي وتدفع أطباقها إلى جانب واحد، وقد نُظّفتا تماماً من الكعكة. تمد يدها إلى الهواء وتسحب كتاباً من العدم، ثم تصفع به الطاولة أمامها. الكتاب أخضر داكن، وصفحاته مصفرة قليلاً. أحملق في صديقتي المقرّبة وأتفكر في طعنها.
"اسمعي، م. لا أعتقد أنني أود تركك فوق جبل بعد الآن، ليس الآن بعد أن عرفت أنك تستطيعين الانتقال الآني. بدل ذلك، أود رميك في الجبل وإسقاط انهيار جلدي على رأسك. كيف لا زلت تعبثين معي؟ كم عدد النكت التي أعددتها لهذه المحادثة الغبية؟"
تقهقه مورداسيتي وتنزع الغلاف، كاشفة إياه عن غلاف ورقي مطبوع خصيصاً فوق مجلد جلدي معقول المعالم أكثر.
"هيا يا أ، أنت تعرف أنني أعيش من أجل النكتة. علاوة على ذلك، لم يأتِ الكتاب باسم، لذا اضطررت لتسميته بنفسي. أظنني قمت بعمل جيد."
أئنّ.
"ستقومين بفتح ذلك الشيء ويكون الداخل عبارة عن... نص لـ هومستك جعلتِ شخصاً يجلده ويعتقه اصطناعياً. أيها العفريت."
"تباً، كان سيكون ذلك مقلباً رائعاً. مع ذلك، هذا مجلد حقيقي من المعرفة الغامضة المحرمة."
تقلب الكتاب فاتحة إياه. صفحات المجلد مكتوبة بالإنجليزية، أو ربما مجرد تتابع لحروف لاتينية تشبه مبدئياً شكل وأنماط الإنجليزية. بين كتل النص رموز غريبة تبدو وكأنها تتلوى وتلتوي على الصفحة. وتتلوى الحروف معها وتتحول إلى أنماط مختلفة — أنماط أكثر قابلية للتمييز — تناديني — أعرف أنني يمكنني فهمها لو أنني نظرت إليها بالطريقة الصحيحة، فقط واصلت التحديق أعمق في الصفحة، أعمق في حلزون الحبر وصولاً إلى قلب أسراره الخفية المتاحة للتوّ، لو استطعت فقط— تغلق مورداسيتي المجلد بقوة فيعود عقلي إليّ، مُنهكاً باحتكاكي بينبع من الجنون السحريّ.
"كتاب تعاويذ حقيقي، واحد من حفنة قليلة موجودة. خطير للغاية. أحب أن أعتبره كتاباً أدبياً أكثر من كونه كتاب تعاويذ. تمكنت من وضع يدي عليه منذ سنوات واستغرق الأمر سنوات لإتقان حتى حفنة من أسراره. عذاب للدراسة، لكن القدرة على إعادة تشكيل الواقع بإرادتي وخيالي كانت تستحق حقاً الدم والمرارة."
رأسي لا يزال يلفّ من التحديق في الكتاب. أهذه كلمة حقيقية أصلاً؟ سأبحث عنها لاحقاً وأكتشف أنها أوقعتني في مقلب بمصطلح مهووس آخر، أليس كذلك؟ صديقتي المقرّبة تمتلك مجلداً من المعرفة المرعبة وهي تستخدمه لتعبث معي، لأن تلك هي هويتها. أهزّ رأسي لأصفيه وأحاول التركيز على ما يهم.
"كيف يمكنني فعل ما تفعلينه؟"
أسأل.
"الانتقال الآني، نسج الأحلام، الحجب النشط، هذا كله سحر عالي المستوى — نوع السحر الذي سيكون من الجيد امتلاكه إن كنت سأتشابك مع كبار القوم في عالم الزجاج. كيف يمكنني تعلم إلقاء التعاويذ مثلك؟ أيمكنك مساعدتي في العثور على كتاب تعاويذ خاص بي؟"
"ليس لديك الوقت لذلك،"
تقول مورداسيتي بصراحة.
"لقد استغرق الأمر مني سنوات، يا أ. لديك أقل من عام قبل أن يقع كل شيء. ما يمكنك فعله هو الاستمرار في مدّ حدود عباءتك. يمكنني المساعدة في ذلك. ما إن تفهم ما هي العباءة حقاً وكيف تعمل، ستجد وقتاً أسهل في تغيير طبيعتها."
أمتعض وأرتشف اللاتيه.
"ما هي العباءة إذن؟"
"مجموعة من عجلات التدريب. صندوق أسود. آلة تترجم القصد البسيط إلى شيء أكثر تعقيداً. العباءة هي بنية مفاهيمية تصوغ النظام من الفوضى. نوع السحر الذي أفعله — والذي تفعله العاهرة النحاسية — علينا فرض ذلك النظام باليد. حين ألقي تعويذة، أمدّ يدي إلى فوضى باندانوميون وأتلاعب بها مباشرة. يجب أن أملي كل تفصيل لما يُفترض بالتعويذة فعله. العباءة تفعل ذلك نيابة عنك. هناك تعاويذ معينة محفورة في كل منها، أنماط منسوجة في الكلّ. قام مارس وفينوس بنهب العباءات — تجميعها معاً من أي أنماط استطاعا وضع أيديهما عليها. إنها خام في التصميم، لكنها فعالة. الفضاء المفاهيمي حول الشخصية الأسطورية لبروميثيوس يمتلك وزناً كافياً لخياطة أنماط معينة من التحول والخلق تشكل أساس تعاويذك كساحرة."
أطننن لنفسي.
"إذن، كون فتاة سحرية قادرة على رمي النار بينما تستحضر أخرى الجليد، تلك هي، ماذا، الأنماط المكتوبة في عباءتهن؟ لماذا يمكن لشخصية مثل أمارانث التحرك بسرعة فقط بينما تحصل أخصائية الأعشاب وليليث على كل أنواع التأثيرات الطقسية؟"
"ليست كل العباءات متساوية،"
تقول مورداسيتي بابتسامة ماكرة.
"أنت تعرف عن الكوارث. الفارق بين عباءتك وعباءة فئة دي هو أنك حصلت على حاسوب وهي حصلت على خردة معدنية. العباءات مثل عباءتك وفيررومانسر بدأت أكثر تعقيداً، وقادرة على حمل أنماط أكثر، بينما تبدأ العباءات المرفوضة بسيطة وتواجه جحيماً حقيقياً في النمو. حتى مع ذلك، هناك تنازلات؛ مرونة ليليث تأتي على حساب وقت الإعداد ومكونات الطقوس، طريقتان يتعين على عباءتها التعويض بهما عن تخزينها السخيف للأنماط. يمكن لموريغان وهاول كلتيهما فعل أكثر بكثير مما صُمّمت عباءتاهما لأجله، لكنهما وصلتا إلى هناك بمدّ أجنحتهما ببطء وثني حدودهما. تعليم عباءتك حيل جديدة بزيادات ثابتة يتيح لك إبقاء عجلات التدريب لفترة أطول، وأنت تحتاج إلى عجلات التدريب. المغزى الكامل للعباءة — بغض النظر عن ضريبتها للإيجريجور — هو تقليل حجم العمل الذي يتعين عليك فعله لإلقاء التعاويذ."
أستند إلى الخلف في مقعدي وأنقر على البقايا المحزنة لعجتي.
"هذا... كثير. أشعر أنني سأحتاج إلى أسبوع فقط لاستيعاب كل ذلك. في الوقت ذاته، لا يسعني إلا أن ألاحظ أنك استبعدت تفاصيل معينة. من أين حصلتِ على ذلك الكتاب، م؟ وكيف حصلتِ عليه؟ ولماذا انتظرتِ حتى الآن لتخبريني أنك ساحرة؟ ما اللعبة التي تديرينها؟"
تضحك.
"أنت تعرفني يا أ، عليّ دائماً لعب الورقة الجامحة. أظنك ستفرّق كل أسراري في محادثة واحدة؟ المهرجة في كناري لا تزال تعد مسرحيتها الكبرى. اترك لي بعض التقلبات للفصل الثالث، أليس كذلك؟"
بالطبع ستكون هكذا. لا يمكنني حتى الغضب حقاً لأنه بالطبع ستفعل مورداسيتي هذا بي. مع ذلك، لدي فكرة لمناشدة حسها الفريد.
"حسناً، أفهم ذلك، لكن تأمل في هذا: أنت تعشقين حرق الأحداث. ألم تخبريني مرة أنك تفضلين قراءة صفحة استعارات الأفلام قبل مشاهدتها لأول مرة؟ بالإضافة إلى ذلك، فإن إسقاط كشف الفصل الثالث مبكراً في المسرحية سيخلف صداعاً لهاستور، وأنا أشعر بوضوح شديد أنك لا تحبين حقاً صانع ألعابنا بالذهب."
"هذه في الواقع حجة مغرية بشكل لا يصدق،"
تعترف مورداسيتي.
"مثلما يؤلمني بصدق أن عليّ رفضها، لأنها رائعة للغاية. أودّ بشدة فعل ذلك. لكن أسبابي للاحتفاظ بهذه الأسرار أهم من أن تتأثر. جهد جيد، يا أ."
أتنهد.
"يا رجل، بمن يمكنني التحدث عن هذا حتى؟ ليس المهوسون على ديسكورد ما لم يعمل سحرك عبر الإنترنت. ليس صوفيا دون الكشف عن هويتي لها أولاً."
"يمكنك التحدث معي،"
تقول مورداسيتي بابتهاج.
"سأكون متواجدة أكثر الآن بعد أن تجاوزنا الكشف الكبير. مع ذلك، ربّما يجدر بنا إنهاء هذه المحادثة. لا ترغب في السهر طويلاً وتحطيم جدول نومك قبل يومين فقط من موعدك الكبير، أليس كذلك؟"
تباً. أقفز منتصبًا. إنه وقت موعد الغرام تقريباً. وقت الأكواريوم. وقت صوفيا.
"اللعنة، أنت محقة، أحتاج للعودة إلى المنزل."
"سأعيدك،"
تؤكد لي مورداسيتي.
"سأبقى هنا لفترة أطول قليلاً؛ لدي بعض الأعمال في المنطقة."
أحملق فيها بشكّ.
"هذا العمل، ألا يُصادف أن يتضمن غزو المزيد من مقهى الكوسبلاي أو شراء سلع الأنيماي؟"
"خطط الساحرة غير قابلة للاستقراء. لكن، قبل أن أرسلك في طريقك، أريد إعطاء نصيحة أخيرة. سألتني عن كيفية قتل ملك، في وقت سابق. إنه سؤال قضيت وقتاً طويلاً في التفكير فيه."
الغضب البارد عاد في التواء ابتسامتها ونور عينيها.
"ربّما هناك طريقة لتمزيق إيجريجور على طول جوانبه، محولين الحبّ ضد الجمال لتمزيق فينوس إلى نصفين. ربّما يمكنك صنع ملك آخر مكان آخر، مغتصباً مارس كملك الحرب الأبرز. لكن أعتقد أن أفضل طريقة لقتل ملك هي أكله. التهامهم بالكامل. أخذ كل ما يملكونه. هناك سطر أغنية عالق في رأسي: 'أي شيء يمكن أكلها/حتى لو قلت لا'. امنحهم الجحيم، يا أ. وحظاً سعيدا."
ثم تنقر على يدي فأعود إلى فوركس، جالساً في أحد الطاولات على شرفة السطح. المنزل. تلاشت الألعاب النارية، رغم أن سماء الليل لا تزال صافية. أجلس هناك لفترة أطول قليلاً، مفكّراً في صوفيا وكيفية قتل ملك.