تقدّم فين مقدمة القافلة. أمر بالتوقف فور خروجهم من الكهف. راح يمعن النظر من حوله. عيناه الحادتان تمسحان خضرة الأدغال الممتدة بلا نهاية. رفعت مريان غلاف كتاب التعاويذ.
همس أحد التجار لامساً ذراعها: "لا. السحر الخفيّ سيجذب الوحوش".
أحقاً؟ إن كان هذا صحيحاً، فتساءلت عمَّا ستلتقطه تلك الوحوش. تراكمٌ للطاقة الخفيّة ربما؟ لكن كيف ستشعر بها؟ الشمّ ممكن لأن الأنف يلتقط جسيمات دقيقة. العيون تعمل برؤية حزم الضوء. أكانت تمتلك عضواً حسّياً للطاقة الخفيّة؟ إلى أيّ مدى قد تتمكن من استشعارهم؟ ألهذه الدرجة هي حسّاسة للاضطرابات في المانا المحيطة؟ أم بمقدورها رصد نشاط تعويذة كشف؟ أم أنها مجرد خرافة؟ هزّت مريان كتفيها.
أسقطت غلاف كتاب التعاويذ المزيّف إلى جانبها، ملغيةً كتاب التعاويذ الحقيقي الذي أبرزته بداخله. فور أن يلوح في الأفق شجار، ستلقي التعاويذ، بغض النظر عمّا يعتقده التجار. وحتى ذلك الحين، يجدر بها أن ترى مدى فعالية استراتيجيتهم. بحسب ما قال غابرييل، ستنجح بما يكفي. لأيام قليلة على الأقل. تطلّعت إلى الخارج. لكن الأدغال بأسرها بدت متطابقة في عينيها. عبر فجوة نادرة بين الأشجار، ميزت أحد الأعمدة الحجرية الضخمة التي سُمّيت الأرض تيمن بها.
صخرة يبلغ ارتفاعها ألف قدم وتتقاطر أوراق الشجر منها كلياً. حوّامات من الضباب تحومت حولها، فالأدغال بالغة الرطوبة والكثافة النباتية لدرجة أنها كانت تولّد سحبها الخاصة. حسناً، أملت أن تكون النباتات وحدها. إن كان أحد تلك السحب ينتمي إلى هلام ضباب عائم ويتربص لاختطافهم بمجسّاته، فهم في ورطة. لكن فين لم يبدُ متفقاً مع هذا. بعد لحظة إضافية، أومأ برأسه. تابعت القافلة مسيرها، متلويةً عبر ما أسماه طريقاً، لكنه كان أشبه بممر حيث النباتات رقيقة بما يكفي لتتيح لهم التحرك دون التعثر بالشجيرات.
تفاجأت مريان بمدى عتمة الجزء السفلي من الغابة. فجأة، رفع فين يده وتوقفوا مجدداً. التفتت ناظرةً حولها، محاولةً معرفة ما تغير.
همس غابرييل: "فين يستمع إلى الطيور الآن. أطلق أحدها نداء تحذير يعني شيطان البتلات، وهو ينتظر ليرى إن كان نداء التحذير التالي أقرب أم أبعد".
أومأت مريان. لم تكن تمتلك أدنى فكرة عن كيفية تمييز فين لنداء طائر محدد وسط الضوضاء المحيطة بهم. كان صرير الزيز وحده كفيلاً بإصابتها بالصمم.
"أيقوم باستخدام نوع من التعاويذ لمساعدته في التقاط النداءات؟"
هزّ غابرييل رأسه.
"يستعين بخبرته فقط. لهذا السبب نتطفل بصحبتنا معه. في كل عام، يظهر تاجر يظن أنه يملك ما يلزم للاستغناء عن مرشد مخضرم كي يتجنب الرسوم ويجني بعض الذهب السريع. لا ينجح الأمر أبداً".
قال لها أحد التجار: "صس!"
أدار غابرييل عينيه. كان يعلم النتيجة مسبقاً بالطبع. خفض فين يده. تحركوا مجدداً. مجدداً، أثبتت السحالي الضخمة جدارتها. بينما نجح الأنبياء في دوس كل عود خشب وكل ورقة يابسة صادفتهم، كانت السحالي صامتة وهي تخطو بهدوء عبر الأدغال. بعد ساعة، توقفوا مجدداً.
همس غابرييل: "هلام الضباب. انظري".
أشار إلى فجوة في الغطاء النباتي. لمحت مريان سحابة تتحرك فوقهم. عندما ضيقت عينيها، تمكنت بالكاد من تمييز المجسّات الشفافة المتدلية منها، ولم يتبدَ ذلك إلا لأن الشمس كانت في الموضع المناسب لتنعكس على الإبر السامة التي تصطف على المجسّات. بعد لحظة، جرفت الرياح السحابة متجاوزة الفجوة. انتظر فين بضع دقائق، ثم خخفض يده. تخلفوا عن الغداء، لمخاوف إبراهيم الكبيرة، لكنه كان إجراءً شائعاً عند عبور الأدغال كي لا تجذب رائحة الطعام الحشرات القاتلة.
أربع مرات أخرى، توقفوا وانتظروا، إما ليمر مفترس، أو للتأكد من أن أياً ما سمعته حيوانات الغابة كان يبتعد. أخيراً، بلغوا نقطة الاستراحة الأولى. كانت مدخل كهف صغير عند قاعدة عمود أصغر، مستتراً بالخضرة لدرجة أن مريان لم تدرك قربهم منه إلا عندما كان فين يزيح ستارة من الكروم لتسمح للسحالي بالمرور. لولا التنجيم، لعبرت مريان بجانبه مباشرة دون أن ترتاب في أمر البتة، لكن فين كان يعرف تماماً أين يبحث.
قال مشيراً إلى الزهور العريضة ذات الرائحة الكريهة التي تنمو قرب المدخل: "زهور النتنة. رائحتها كريهة ومذاقها أسوأ، لذا فهي تحجب أي رائحة طبخ تفوتها التعاويذ. لكنك ستتأكدين من أن التعاويذ تعمل بكفاءة، أليس كذلك أيتها الآنسة مريان؟"
قالت: "بالتأكيد".
كان المدخل مغطى بباب من الخيزران المنسوج وآلية بسيطة فتحها فين. كان الكهف صغيراً ومعزولاً، ينتهي بطريق مسدود بعد بضع عشرات الأمتار. نُحتت التكوينات الحجرية على شكل منصات ملساء لفرش النوم. معظم التعاويذ القريبة كانت قديمة، لكنها قابلة للتشغيل. إحدى تعاويذ جمع الروائح حملت نقشاً متصدعاً، فأعادت مريان صياغتها. ووجدت عيوباً أيضاً في بلورات التوصيل؛ فوجهت جي لإصلاحها بهدف رفع كفاءة التعاويذ.
ثم جمعت كاشف خطوط الطاقة الخاص بها.
فكرت بغرابة: "أهذه هي القراءات ذاتها التي تلقيتها؟"
سالت غابرييل عندما اقترب هائماً.
"نجل، لا شيء. هه. أفعُلتها بشكل صحيح إذن؟"
تفحصت مريان كاشفها.
"يبدو ذلك".
لم يكن الكاشف يقرأ نشاطاً ضعيفاً لخطوط الطاقة، مثلما كان الحال قرب تلاكسهواكو. كان يقرأ انعداماً تامّاً لنشاط خطوط الطاقة. بتاتاً. إما أن نشاط خطوط الطاقة كان ضعيفاً لدرجة عجز كاشفها عن التقاطه، أو… أو ماذا؟ لم تكن مريان متأكدة ممّا يجري. ركزت على هالتها، مستشعرة المانا المحيطة بهم. بدت طبيعية بما يكفي بالنسبة لها، لكنها افتقرت إلى خط أساس تقيس وفقه. توجهت لتحدث أباها.
"ألديك أي معرفة بنشاط خطوط الطاقة أو مستويات المانا المحيطة في جيانغزي؟"
أمعن غايوس التفكير في سؤالها. التزم الصمت، مرجحاً أنه يفحص هالته الخاصة وضغط المانا حولها.
"تبدو المانا المحيطة أقل ممّا أتذكر. لكن ذلك كان قبل زمن طويل".
أمر مثير للاهتمام.
"قلتَ إن ثمة منطقة تعج… بآثار غريبة. أين كانت تلك؟"
"أبعد بكثير نحو الشرق. لا توجد طرق تجارية تمر في أي مكان قريب منها. نشاط الحشرات القاتلة أعلى بكثير هناك".
انسحبت مريان إلى زاوية هادئة من الكهف لتفكر، بعيداً عن ثرثرة التجار الهادئة. قاطعت تفكيرها أصوات عالية.
كان غابرييل يقول لإبراهيم، الذي بدت على وجهه ملامح تكشيرة غاضبة: "—نضج طفل. أنت منغمس للغاية في قصتك الخاصة لدرجة أنك لا تمتلك أدنى فكرة عن أي شخص آخر. أتظن أن حياتي كانت استنشاق ورود ومرحاً في المروج إلى أن قررت ارتكاب جريمة قتل عرضية؟ تبا لك!"
كان صوت إبراهيم أخفض، لذا لم تلتقط مريان سوى عبارة "قاتل أطفال"
عندما نهضت وبدأت بالتحرك باتجاههما.
"نجل، تظن أنك تعرف كل شيء، يا محب الفئران. حسناً، خذ ما يفيدك! أنا من قتل غيراد ألدوورث".
تجمد إبراهيم.
"هذا صحيح. سلام الفجر لم يرتكبها. لقد قُبض على وكلائكم جميعاً، لأنهم كانوا حمقى أغبياء. أنا من قتله. تلك كانت هديتي الوداعية لفرقة الاستخبارات الجمهورية".
ألدوورث؟ توقف مريان في منتصف الكهف. استغرقها الأمر لحظة لاسترجاع الاسم. إنه أحد عملاء فرقة الاستخبارات الجمهورية العاملين عن كثب مع ويسترون في مشروع السلاخ وسحر تعديل الذاكرة. غوينا ألدوورث. أَيُعَدّ غيراد قريباً لها؟ قال إبراهيم شيئاً آخر، وكان أخفض من أن تتمكن من تمييزه.
"ذلك لأنني لست غبياً. عندما مات، تلقى الجميع الرسالة. لو أنني تبنيت الفضل في ذلك، لكنت ميتاً أنا الآخر. انظر، هذه هي المشكلة برمتها في فلسفتكم اللعينة! الغزو بالسيف ليس دموياً فحسب، بل غبيّ أيضاً. حتى مجلس الشيوخ اللعين أدرك أن الحاكم البديل أفضل من الاحتلال، وكل ما احتجوا فعله هو التنازل عن حصة ضئيلة من الأرباح. عندما تبني برجك نحيلاً ليصبح أطول، فكل ما تفعله هو ضمان سقوطه بشكل أسرع. أيها الأحمق اللعين!"
ثم غادر غابرييل غاضباً بخطوات واسعة، وإن لم يبتعد كثيراً، لأن الكهف لم يكن واسعاً بما يكفي ببساطة. كان مرشدو التجارة على حافة الأعصاب. رمق فين غابرييل بنظرة قاتلة، مرجحاً أن ذلك بسبب علو صوته. لم يرغب أحد في جذب غضب الحشرات القاتلة القريبة. كان باب الخيزران المغطي للكهف رادعاً، لا حاجزاً فعلياً. سيتمكن شيطان البتلات أو آكل الضوء من تحطيمه وكأنها ورقة. إما أن إبراهيم أخفى غضبه، أو أنه تلاشى بالفعل.
التزم الصمت جافاً وهو يجلس في الجانب المعاكس للكهف عن غابرييل. نظرت مريان إلى كليهما، لكن الشجار بدا وكأنه انتهى بالسرعة التي بدأ بها. غيراد ألدوورث. أهو المسؤول عن المجازر في ماهاتان؟ في مرحلة ما، سيتعين عليها إيجاد سريقة للوصول إلى سجلات وتاريخ وزارة الأمن العام وقسم الاستخبارات الجمهورية. بدا كلا الجهازين حاملين لتاريخ مظلم متشابك مع سياسة الأزمات والحاضر. نظرت إلى غابرييل مجدداً.
عادةً، كان هادئاً لا يتزعزع. طالما عكس شعوراً مبالغاً بالاستخفاف والمرح تجاه العالم. لكن ليس مع إبراهيم. لم تكن مريان متأكدة كيف تتعامل مع الاثنان. لودّت إبقائهما منفصلين، لكنهما كانا من الأنبياء جميعاً. تطلب الأمر منهما العمل معاً. تطلعت إليهما معاً. التقى إبراهيم عينيها، ثم هزّ كتفيه. توجه نحو الطاهي وكأن شيئاً لم يكن. كان غابرييل جائعاً في الزاوية ورأسه بين يديه، ساكناً تماماً.
لم يتصالحا. لكن شيئاً ما قد تغير. أملت ألا يكون التغير نحو الأسوأ. تلك الليلة، حلمت بالضريح مجدداً. مرة أخرى، وجدت نفسها تتحرك عبر أروقته المألوفة. هذه المرة، مع ذلك، كانت تفكر في زيلاترفيا. كان الملك العجوز ممتداً عبر وادي بأكمله، وجسده منجم يُستخرج منذ قرون، ورغم ذلك ما زال ضخماً. جلس الأوميني على عرشه، هائلاً، ورغم ذلك، لم يكن بالحجم ذاته. ما زال مرساة زمنيتان مدفونتين في جسده الصخري، مرساة ترويتين، والمرساة الغامضة.
أرادت مريان العودة إلى المنطقة الواقعة خارج الضريح ودراسة ما تستطيع من الآثار والرُّنَى المخلفة من طقوس الثالوث الرهيبة، لكنها لم تستطع كف التفكير في جثة زيلاترفيا. حجمها. وحقيقة أنها سقطت سليمة. ثمة شيء مختلف هنا. بينما تجولت عيناها في الأروقة، نظرت إلى منحوتات المخلوقات العجوز والأشياء البشعة. غدت تتعرف الآن على مهشم الأصداف في أحد الأروقة البعيدة، وعثرت على تمثيل صغير اعتقدت أنه قد يبدو عليه كائن فراغ سليم.
بدا كل رواق مألوفاً للغاية، وقد ربطت ملامح وأماكن مختلفة بالذكريات بأفضل ما تستطيع. بينما ألقت عيناها بنظراتها في الممرات أو نحو السقف المقبب العالي، لم تستطع منع نفسها من التذكر؛ كان هناك عدد هائل من الأسماء، وعدد هائل من الأماكن، وعدد هائل من الأشياء التي لن يتذكرها سواها. بعضها جميل. وبعضها مؤلم. قبلتها الأولى مع نيكولاس. شعور الندم عندما أدركت أن مشاعرها تجاهه تلاشت.
لقاءها الأول بأبيها. لقاءها الثاني، والنظرة في عينيه عندما أدرك أن هذا قد حدث من قبل. رعب الفرار من جنود أكانان. والانفصال الغريب لمشاهدة سفنهم الهوائية تحترق. امتزج كل ذلك معاً. لفترة طويلة، رأت الذكريات، وتوقفت عن رؤية المكان. الآن، نظرت عن كثب إلى الحجر الخالي من الوصلات. عادت إلى القاعة الكبرى ذات العرش. جلس الأوميني، بلا حركة. أميت؟ أم يحتضر؟ أيموتان في مسار زمني واحد، ثم آخر، أم أن ذلك أمر يحدث بآن واحد؟
أأرى جميعهم؟ كم هو خفيّ في البعد الخفي؟ كم منهم ممتد عبر مسارات الزمن? قضت وقتاً طويلاً هائمة في إنثريا، بمفردها، وفي أحلامها، معهم معاً. خطر ببالها خاطر. لم تكن هناك وصلات في الحجر. بدا مستبعداً أن يُنحت هيكل بهذه الضخامة من قطعة صخر واحدة. كان العمل مثالياً لدرجة يفوق قدرات البشر. البناؤون—العاديون منهم والسحرة—ما زالوا يرتكبون أخطاء. وكان العمل رباعي الأبعاد، لذا فمن الواضح أن البشر لم يصنعوا هذا.
في هذا الهيكل عشرات الآلاف من الوحوش المختلفة. أشياء تشبه اللفياثان. أشياء تشبه حتى أبوفاغورغا. مخلوقات العالم الذي يكترث له الأوميني. وماذا لو…؟ اقتربت من العرش، باحثةً عن الوصلات بين الأوميني والضريح. أي مؤشر على أن الجسد الجالس على العرش والعرش نفسه منفصلان. لم يكن هناك شيء. سرت قشعريرة في جسدها، رغم أنها بلا جسد في هذا الحلم. لقد كنت أنظر إلى الأوميني كشخص. لكن الملوك العجوز أسمى من ذلك.
الجسد والشكل لا يعنيان شيئاً بالنسبة لهم. فهما مجرد وسائل راحة بالنسبة لنا. أيكون الضريح جزءاً من الأوميني؟ سيشرح ذلك التفاوت في الحجم بينها وبين زيلاترفيا. وكيف يرتبط ذلك بالانفجار مع سقوط القمر؟ بينما دارت الأفكار في ذهنها، تجولت في القاعة الرئيسية، نحو الخارج. ثم التقطت حركة عينها. هيئة بشرية، ترتدي رداءً بقلنسوة عميقة. توقفت، مطيلة النظر. ليس رداءً، أدركت الآن. ظلال تلتف حول روح عارية.
لم ترَ الهيئات في هذا المكان سوى مرتين. المرة الأولى كانت قبل زمن بعيد؛ رأت الأنبياء الآخرين يركعون معها. أكدت ليوان أنها كانت في ذلك الحلم أيضاً. المرة الثانية، كانت عندما فتحت باب الخارج أخيراً. بدا ذلك الحضور مختلفاً عن هذا الحضور، مع ذلك. من أنتِ؟ حاولت سؤال الظل الآخر. استدار الظل لينظر إليها، ثم تلاشى. غريب، فكرت. ربما رآني أحد الأنبياء الآخرين.
* * *
استيقظت فتحدثت مع غابرييل وإبراهيم كلاً على حدة. لم يحلم أي منهما بالضريح.
قال غابرييل: "لا أدري. إنها أحلام غريبة. أحاول ألا أفكّر فيها كثيراً".
بدا لها غير مهتم البتّة.
قال إبراهيم: "أقضي وقتي أمام نبيّ السيّد متأملاً"، مشيراً إلى اعتقاد الإشير بأن الأومينيّ كان نبيّاً لسيّد لا يُسبر غوره ويترفع حتى عن الشيوخ.
لم يمتلك كلاهما ما يقال، لذا تحدثت ميريان عن الحلم مع جِي بينما كان موكب الماروصورات والتجار يشقّ طريقه عبر الأدغال.
سأل أستاذها القديم: "هل يتدفق الزمن هناك بصورة خطية؟"
قالت وهي تستحضر علامات الشيخوخة على الجثث التي رأتْها: "في الضريح؟ نعم".
ثم أردفت وهي تتذكر المرّة التي رأت فيها العشرات غيرها هناك معها: "حسناً، ربما لا".
وتابعت: "الأحلام الأخرى... أشبه بذكريات يمتلكها الأومينيّ. أو محاولات للتواصل على ما أظن، كحلم المراسيم الممطرة أو الشجرة المحترقة".
صمتت جِي لبرهة وبدت مفكرة.
"إن كانت خطية، فهذا يعني أن الشخص الآخر الذي رأيته كان نائماً في الوقت ذاته، وأسقط نفسه هناك أيضاً. وبالنظر إلى هذين العاملين اللذين يجب أن يتوافقا، سيساعد هذا في تفسير سبب كون هذا الأمر نادراً نسبياً. ولعل هذا يتفاقم بسبب حقيقة أن العديد من الأنبياء قد يمتلكون جدول نوم مختلفاً نظراً لفروق التوقيت الناتجة عن انتشارهم عبر القارات. أما إذا كان الزمن لا يتدفق هناك بصورة خطية، فلا أمل يذكر في رؤية المزيد سوى الصدف".
أومأت ميريان برأسها متفقّة بينما استمرا في المشي وسط الأدغال.
"كان الظهور الأول استثنائياً. وغير مرجح. خمسة وعشرون نبياً، أكلهم النوم وحلموا بالشيء ذاته في الوقت نفسه؟ ولكن ماذا لو... امم. هل يتحكم الأومينيّ بأحلامنا طوال الوقت، أم طوال بعض الوقت فحسب؟"
قطّبت جِي حاجبيها.
"هذا ما لا أستوعبه. لماذا يُخصص المضيئون نطاقات مختلفة للسيّد... الشيوخ؟ أليسوا أساساً الكائنات ذاتها؟ ألا يُفترض بهم القدرة على أداء المهام نفسها متى تعلموها؟"
فتحت ميريان فمها لتبدأ الشرح ثم أغلقتْه. وُجِدت نصوص مقدسة فصّلت ما فعله ملوك الشيوخ من أجل إنْتريا والبشرية؛ سفينة الكروم الخاصة بكسيلاترڤيا. باب ألتروكيست العظيم. التركيزات، هكذا فكرت. يتماشى كل منها مع نوع معين من سحر الأرواح. ذهبت أفكارها في اتجاه آخر.
"لا أظن بمقدورنا تفسير سبب ذلك. سيقصد ذلك فهم ملوك الشيوخ بطرائق لست متأكدة من إمكاناتها. لكن بمقدورنا تفسير الأثر، حتى وإن عجزنا عن تفسير السبب. وربما... يافيرونان هو من يمتلك نطاق الأحلام والنور والزمن".
استحوذت على فكرة ميريان تمثال قبة كيروسينت، المكان الذي ماتت فيه للمرة الأولى. النجمة، المطرقة، العجلة، الساعة الرملية.
قالت جِي: "ليست إجابة شافية".
"لا. لكن... امم. كيف تبدو التركيزات في زيغوا؟"
سألت.
"أيها؟ تلك الخاصة بالشفاء التي تُكرس لاستخدامها؟ رمادية، تماماً كتلك التي في باراكيل".
"وماذا عن البقية؟ أيّ من تلك ذات اللون اليشمي؟"
"لا".
بدا ذلك منطقياً. فلم تكن زيغوا تتاجر كثيراً مع تلاخوآكو.
"السوداء؟"
"إن امتلك أحدهم تركيزاً أسود، فهو ساحر ظلام. يُدمر الاثنان".
مثير لاهتمام. فكرت أن المحظور المفروض على سحر الظلام قوي بالقدر ذاته هناك. تذكّرت تركيز ليكني، ذاك الذي ظنت الآن أنه انتُزع من جثة زومالاتور.
"الأبيض والأحمر؟"
"لم أسمع بها قط. إن وجدت، فهي نادرة".
"أهذا كل شيء؟"
هزت جِي رأسها.
"كانت جدتي كاهنة أحلام".
وإذ لاحظت أن الكلمة الآداميّة كانت مجهولة لميريان، وضّحت قائلة: "راهبة أحلام".
"تُعلّم أكاديمية تورّفيول أن ذلك مجرد... آه، خرافة".
"نعم، أعلم. لقد دخلت في نقاشات عديدة مع السحرة هناك. أنا أشد الكراهية لطريقتهم في نبذ الظواهر دون جمع الأدلة".
"ما لون تلك التركيزات؟"
"بنفسجية، مرقطة بالذهب. إنها ثمينة للغاية".
قالت ميريان: "مم"، وهي تفكر فيما تعلمته عن ملوك الشيوخ.
قيل إن يافيرونان كان شبه ميت. وربما سقط جزء منه فحسب. من ناحية أخرى، لم تسمع قط بموت كسيلاترڤيا في حرب الملوك، لذا بغض النظر عن الحقيقة الفعلية، كانت على يقين من عدم امتلاك أي شخص للصورة الكاملة. توقف الموكب وانبطحت الماروصورات. رأت ميريان يد فينغ مرفوعة. لقد تحسنت في تمييز التهديدات المختلفة داخل الأدغال. غير أن ما كان يراه تاجر القوافل المخضرم ظل مجهولاً لها. بدا الأمر وكأن الأدغال تنفرج عن مساحة صافية، مع ضوء شمس مرحب به يتدفق ليضيء طبقة كثيفة من الطحالب.
بل ووقف أيل كيو في منتصفها، يقرض بعضاً من تلك الطحالب. أكان فينغ يحرص فقط على ألا يفزعوه؟ كان لحم الكيو قيّماً، وسيشكل إضافة مرحب بها إلى وجباتهم. ثم أدركت ما كان خاطئاً. كانت الطحالب مثالية أكثر من اللازم. كان يفترض أن تكون ممزقة بفعل أقدام الماروصورات. تسلل غابرييل نحوها.
"إنه سراب أخضر. أتعلمين، فطر الميرفايت الذي يصنع أوهاماً لاستدراج الفريسة ثم التهامها؟"
فكرت: أوه، هذا سيء للغاية. إذن الأيل مجرد جزء من الوهم؟ كان السراب الأخضر أمامهم كبيراً، ولم يقتصر على تغطية الدرب بأكمله فحسب، بل شمل مساحة واسعة حوله. ولم يكن ذلك سوى الجزء الواضح -إذ بقدرته على خلق مثل هذه الأوهام الحية، تعذر الجزم عما إذا كان ينتهي حيث تنتهي المساحة الصافية حقاً.
قال غابرييل وهو يرى تعبير وجهها: "أجل. إذن، هنا تبدأ الأمور تسير على نحو خاطئ".