تجمدت زيكاتل في مكانها حين رأت ميريان بعد ذلك.
"أشعر باتحادك مع سيبا يان... لكنني أوشكت ألا أصدق ذلك. هل هو ارتقاء روحك الرابع؟"
أومأت ميريان برأسها.
"إذن، أحرى بي أن أقدم لك التهنئة. أحسدك في بعض الأيام لأنك قادرة على توجيه روحك بنفسك."
ونظرت إلى الشجرة المقدسة.
"لكنني أعلم أيضاً أنني لن أتخلى عما أملكه. إنه رباط جميل."
وافقتها ميريان: "إنه كذلك."
بات صعباً عليها طوال الأيام القليلة التالية أن تعيد تركيزها إلى المسائل الدنيوية. شعرت بأن عقلها يداعب لغة الرموز والنقوش لشرح ما شعرت به، إذ بدت الكلمات عاجزة تماماً. أجراءت محادثة فعلية مع زيكاتل في النهاية. جلستا على أحد الشرفات وتطلعتا إلى المدينة عند الغسيل. شرعت ميريان في وضع فهرس ذهني لغروب الشمس المفضل لديها. كان هذا الغروب جميلاً، لكنه لم يبلغ حتى المراكز العشرة الأولى.
قالت للملِك: "لا داعي لوجودي هنا. الأمور تحت سيطرتك. بإمكان جيريكا تولّي الاتصالات بين المجلس وبينك، فضلاً عن تبادل المعرفة."
لم تقل زيكاتل شيئاً، لكنها أومأت.
"توقعت هذا. لست ممن يستقرون في مكان واحد."
"أظنني لم أعد كذلك. سأقضي دورة أو دورَتَين في تورفيول، ثم أرى إن كان بإمكاني معرفة ما يدور في زيهجوا. من الواضح أن غابرييل لن يبلغها بنفسه في أي وقت قريب."
"حسناً. سيبا يان ستفتقدك."
ابتسمت ميريان لهذا.
* * *
انخفض وقت تحضير ميريان بشكل كبير مع تولي جيريكا البعثات إلى تلاخواكو. استغرق فتح بوابة الشيوخ إلى ماهاتان واستعادة أزهار اللوتس التي تحتاجها أقل من ساعة. وبما أنها لم تكن بحاجة لإحضار مؤونة أو أشخاص معها إلى الجنوب، استطاعت استخدام الطفو المتسارع لتطير مباشرة إلى كيرنماوث، ثم تستقل قطراً إلى باليندوريو. تطلب الحفر تحت النهر طاقة مانا هائلة، لكنه لم يكن عسيراً. تمثلت الخطوة الأكثر استهلاكا للوقت في فتح تلك البوابة في توفير الكيمياء السحرية والعناصر اللازمة لإنبات بلورات التوصيل المطلوبة.
ظل الموصل ثابتاً على الالتزام بالقواعد. مع ذلك، كان يمكن إنجاز هذا التجهيز في يوم واحد. ثم صار الأمر متعلقاً بإعداد الأبحاث التي تحتاج إلى إنجازها. سيتولى فيريديان وسينيكا استخراج واختبار مختلف مواد الكيمياء السحرية. وسيكون جيه مسؤولاً عن خلق بلورات التوصيل، بينما سيساعد توريس وفريقه في صنع أي أدوات جديدة لازمة للاختبارات أو التجارب. سيعمل أندريسن مع جيه لتحسين قنوات المانا من أجل بلوغ أقصى سعة.
سيعمل أندريسن أيضاً مع فيريديان للتحقيق في مسألة المانا المهدرة. وبدلاً من استخدام كواشف برج توريان، سيخلقان بنية روحية مصغرة يمكن لفيريديان التواصل معها. استغرق ذلك أسبوعاً، وانقضى جله في إعداد الروح داخل دفيئة فيريديان وتدريبه على التقنيات التي سحتاج إليها. وتطلب الأمر أيّاماً إضافية لتجديد عدة غرف في دراسات ميرفايت لتستوعب اختباراتها لبنى روح لوتس الجواهر. أدركت في النهاية أنها ارتكبت أخطاء في العملية كان يمكن تصحيحها لزيادة الكفاءة.
دونت ملاحظة في كتاب تعويذاتها المرتبط بروحها لتوظيف حرفيي تورفيول بشكل أفضل. كتبت: جندوا المزيد من البنائين والنجارين. عمل معظمهم لدى الأكاديمية من قبل، لذا فهم يعرفون المعايير الدقيقة اللازمة للمشاريع الأكثر دقة. وكتبت بجانب تلك الملاحظة: هل يمكن تدريب المزيد؟ غير أن ذلك لم يكن سوى أعمال التحضير. وما أرادت رؤيته حقاً هو الموارد التي تملك إمكانية الوصول إليها تحت قدميها مباشرة.
* * *
كان الوصول إلى المتاهة تحت تورفيول مزعجاً. استغرقها الأمر ما يقرب من أسبوع من استكشاف أنفاق تورفيول للعثور عليها في المرة الأولى، رغم أنها لم تكن تدرك ما تبحث عنه آنذاك. استغرقها الأمر يومين هذه المرة. كانت قد دونت معلومات عن الممر في الحلقة المائة والثامنة والتمانين، لكن ذلك مضى عليه أكثر من أربع سنوات، لذا استغرق الأمر بعض الوقت لإعادة اكتشافه. أول ما فعلته هو حفر ممر مستقيم نحو الأعلى لترقب مكان وجودها.
واتضح أن الإجابة هي: "تحت بحيرة تورفيول".
غمرت المياه ميريان التي تفاجأت بالتدفق، لكنها استطاعت استخدام حاجز قوة لصد المياه بينما رممت طبقة الحجر غير المنفذة التي اخترقتها. لحسن الحظ، كانت نقطة ضحلة نسبياً من البحيرة، وإلا لكان ضغط المياه قد أسفر عما هو أسوأ بكثير. همست بينما كانت تفرغ من تعزيز السقف بحجر الشكل: كانت ستلك نهاية مخزية لحلقة. مع ذلك، فإن القدرة على تخطيط الإحداثيات الدقيقة للموقع على السطح ستوفر عليها وقتاً عند دخول المتاهة مجدداً.
هممم. إنها قرب ذلك البرج القديم الذي أحب نيكولاس الجلوس عنده. استرجعت ذكريات الوقت الذي تقاسماه هناك لفترة وجيزة. وما زال يحب الجلوس عنده، هكذا صححت لنفسها. يا للخيبة، فهما لا يتغيران أبداً. أفضت الأفكار عما تقاسمته مع نيكولاس إلى التفكير في جيه. لا شك أنها كانت تدفع نفسها لأقصى حدود طاقتها، لكن حتى عبقريتها بدت وكأنها خمدت. لم يكن ذنبها أن ميريان اضطرت لشرح المفاهيم نفسها مراراً وتكراراً.
كان منطقياً أنها ما زالت ترى ميريان معلمتها. وحتى لو استطاعت قبول ذلك منطقياً بأنه لم يعد صحيحاً، فإن الحقائق العاطفية غالباً ما تكون أصعب تغييراً. أوضحت جيه بجلاء أنها ستفعل أي شيء تريده ميريان، لكن الطاعة لم تكن ما تشتهيه ميريان. بل ندّاً. فكرت، وليست هذه مرتها الأولى: أن تكون مسافراً عبر الزمن معناه أن تكون وحيداً. ثم صفّت ذهنها وطارت عائدة إلى البلدة لجمع حقيبة ومؤونة.
كان جل ما أحضرته طعاماً وماءً، رغم أنها حزمت بعض مواد الكيمياء السحرية وجهاز تخطيط استعجلته من برج الصنّاع. تذكرت ميريان هبوطها الأول إلى المتاهة. كم كانت متوترة. أما الآن، فلا شيء يثير خوفها. شقت طريقها ببرود عبر أي أهوال متاهية اعترضت طريقها. وحين حاول سرب متلوٍّ نصب كمين لها، سحقته إلى رماد واستلت روحه من أجل المانا. عثرت في غضون بضع ساعات على درج يؤدي إلى المستوى التالي.
هبطت هبوطاً عائماً. انتظرها هول متاهي أعظم، فانتصب ناخساً أذرعه الشوكية. قطّعت ميريان الكائن إلى أجزاء، ثم بصقت مخروط لهب لتحرقها. ومضت قدماً. كانت الممرات الشبيهة بالمتاهة تسد الطرق باستمرار، مما يعني أن ميريان قضت وقتاً طويلاً في العودة أدراجها. غير أن المستويين الأولين كانا كما كانا في بوابة أرض الصقيع — سهلي التنقل. وحسب ما سمعت من ليوان وغابرييل، تصبح الأمور أكثر صعوبة في المستويات السفلى.
ومع ذلك، بدا أيضاً أن ليس كل خزانة بقسوة تلك التي عبرت فيها شمالاً. كانت تعلم أن غابرييل ما كان ليتحمل خزانة إن تطلبت مسار القمع السحري الطويل الذي سلكته عبر هائلَين من الأهوال أو مسار العقبات. على الرغم من التبجح الذي يظهره، لم يكن غابرييل يحب الموت المؤلم. ولهذا توقف عن النزول تحت الطابق الرابع في المتاهة. ولهذا السبب بدا واضحاً أنه انتهى من محاولة الانتقال إلى زيهجوا، وبات يماطل.
أما ميريان، من جهة أخرى، فقد تجاوزت الموت المؤلم. غالباً. بعد ست ساعات، عادت إلى السطح، ونامت، ثم توجهت نزولاً بمجرد أن أخذت قسطاً من الراحة. مع ارتقائها الجديد، كان امتصاص المانا ودمجها في هالتها أمراً سهلاً. استطاعت معالجة قدر كبير من زعزعة استقرار الروح قبل أن تتحول إلى مشكلة. بعد أيام قليلة من الاستكشاف، كانت قد رسمت خريطة دقيقة للطابق الثالث من المتاهة. لم تكن تحوي أي خزانة على مساحة أميال مربعة عدة، فمضت قدماً.
وعثرت على درجين يؤديان إلى الطابق الرابع. اختارت أحد الدرجين وهبطت مجدداً. هنا، ستبدأ في مقاتلة وحوش حقيقية. عند قاعدة الدرج، اصطدمت ميريان بقامع متاهة.
وحين تحدث غابرييل آخر مرة عن حوادثه الخاصة في المتاهة، وصف تلك المخلوقات بأنها: "السبب الذي يجعلني أشرب."
وحين طُلب منه التوضيح، قال: "إنهم أولاد لُعناء يبصقون الحمض، ويحولون درع القوة إلى طاقة حرارية بحيث يعجز المرء حتى عن صده."
كانت ميريان مستعدة. أرسلت تعاويذ عصف ريح مكثفة باتجاه القامع لتدفع بصاق الحمض عائدة نحو الكائن. وحين استطاع الكائن تدمير التعويذة، كانت هي قد بدأت بالفعل في إلقاء تعويذة جديدة. ثم أرسلت شعاع برق أعظم اخترقه مباشرة. كان الأمر سهلاً، لكنها لم ترتخِ حذرها. حسب ما سمعت، بدأت الممرات والغرف في الطابق الرابع تحوي فخاخها وتحدياتها الخاصة. فضلاً عن ذلك، قد يختبئ مقتصد في أي مكان بالداخل ليبصق الميرفايت.
في الغرفة التالية، انقسم الممر إلى ثلاثة اتجاهات. بحذر، أرسلت تعويذة مسبار فخ. كانت هذه تعويذة ثلاثية الروابط تجمع شظية صغيرة من طاقة الروح مع كرة تصدر ضوءاً، وتمتمات صوت، وقليلاً من الحرارة. بعد سماعها عن لقاءات غابرييل — وقليل مما رأته ليوان — كانت ترسم أفكاراً حول كيفية هزيمة فخاخ المتاهة المختلفة. كانت هناك فخاخ في المتاهة، وتنطلق فور رصدها لشيء ما. تضمنت تعويذة مسبار الفخ معظم ما ينتجه الكائن الحي، ولكن بكميات أصغر.
تكللت بصيرة ميريان بالنجاح حين انطبق باب حجري بقوة في الممر الأيسر. وسمعت من خلف الباب صوتاً نوحاً رهيباً ثم شيئاً يصطدم بالحجر مراراً وتكراراً. صدر صرخ صوتي آخر غير بشري، ثم عاد الباب ليرتج مفتوحاً كاشفاً عن ممر فارغ. رمقت الممر بنظرة مريبة. الأسوأ من ذلك أن هذا الممر قد يتبين في النهاية أنه الاتجاه الأفضل للسلوك. في السابق، كانت تقتحم الغرف باجتياح خاطف. أما الآن، فقد حان وقت الحذر.
لم تطلق مسباراتها التي توغلت في الممر الأوسط والأيمن أي شيء — لكن ذلك لم يَعنِ بتاتاً أنها آمنة. أبقت ميريان كتاب تعويذاتها مفتوحاً على صفحة القتال واستخدمت هيئة الدرويش التي سرّعت وقت رد فعلها. بحذر شديد، توجهت نحو الممر الأيمن. انبثق هائلان متاهيان من زوايا مظلمة. رفعت ميريان درعاً موشورياً سريعاً ثم أطلقت سلسلة صواعق عظمى. وحين سكنت الجثث، مضت. حاول سرب من الأهوال العادية نصب كمين لها بعد غرفتين.
تملّها التأمل في نتائج اختبارها. هل تستجيب عناصر المتاهة المختلفة بشكل مختلف، أم أنها تتعلم؟ كانت ترجو حقاً ألا يكون الأمر الأخير. بعد ثلاث غرف، هاجمها سرب أكبر بكثير من الأهوال. وقفت في مكانها لنصف ساعة كاملة، تسحق الأهوال المتاهية بشفرات قوة ملتهبة حتى توقفت. فكرت وهي تستخدم تكرار إلقاء دفعات القوة لكنس أكوام الجثث الكثيفة: من الجيد معرفة أن السرب ليس بلا نهاية.
وواصلت سيرها، بينما كانت مانا هالتها وفيرة. كانت مانا المحيط أكثف هنا، ولم يجعل ارتقاؤها الجديد امتصاص المانا من الميرفايت أسهل فحسب، بل ومن مانا المحيط أيضاً. دليل آخر على أن مانا المحيط تكثف في النهاية بما يكفي لتتجمع في خطوط طاقة. فشلت تعويذة مسبار فخ أخرى في إطلاق أي شيء، فتقدمت ميريان إلى الأمام. دخلت الغرفة — — وبدأت تفزع فجأة. لم تستطع التنفس. تطلعت حولها بوعي، فلم ترَ شيئاً.
ثم رأت شكلاً باهتاً، كأن هولاً بحجم فأر يحوم في الهواء في الزاوية. شست بيأس بشفرات قوة، لكن الشكل تلاشى في ومضة ضوء. أدركت أنه وهم. لكن كان هناك شيء في الغرفة معها. تحولت إلى هيئة الدرويش لصلب الصنوبر على الجبل لتحمل شح الهواء، ثم حاولت استخدام التلاعب بالغاز لتوجيه الهواء إلى رئتيها مباشرة. لسبب ما، اصطدم الهواء بحاجز فحسب. وبحسب ما استطاعت تمييزه، كانت هناك كرة حول رأسها لا يخترقها أي هواء.
شعرتا رئتاها وكأنهما تشتعلان، وبدأ بصارها يخفت. بيأس للتنفس، ألقَت ومضة، ثم التقطت أنفاساً عميقة وسط لهاثها. حبسته هذه المرة. بدا غريباً أن يحيط نقص الهواء برأسها مجدداً، وتلاشت أصوات الغرفة برمّتها. بغض النظر عن المكان الذي تحركت إليه، تبعها حاجز الفراغ. أياً كان الوحش الذي يفعل هذا، لم تستطع رؤيته. استدعت ميريان الكسوف، ثم استخدمت النصل لتقطع الحاجز. طقطق ضوء أبيض وطاقة روحية حين اختل حاجز الفراغ، لكنه أُعيد تشكيله بالسرعة ذاتها.
تطلعت حولها. لن يلتقط بصر الروح أي شيء لعدم امتلاك المخلوقات المتاهية أرواحاً. قلبت إلى صفحة خدمات في كتاب تعويذاتها وألقت سلسلة تعويذات بصرية تتيح لها رؤية الضوء في أجزاء أخرى من الطيف. رقص شكلان في زوايا متعاكسة. ومرة أخرى، انفجرا متناثرين بشرارات ضوء. أوهام إضافية. لمَ قد تكلف نفسها عناء صنع أوهام لا أستطيع رؤيتها بلا تعويذات خاصة، ما لم — ما لم تكن تلك مجرد إلهاءات.
ظهرت شخصيات أخرى، لكن ميريان استخدمت تعويذة تخطيط قائمة على الصوت لإصدار نغمة رادارية في المنطقة. وتكوّنت في ذهني صورة لغرفة فارغة. لم تكن تختبئ في أي من الأبعاد التقليدية. عادت ميريان بصفحاتها إلى تعويذات القتال، ورئتاها تجهدان. حاولت الوميض مجدداً، لكنه لم يفاجئ الوحش مرة أخرى. ما زالت تشعر بغياب الهواء حول رأسها. بدأ بصرها يضيق مجدداً. أغمضت عينيها. لم تستطيعا رؤية المكان الذي تحتاج لتوجيه ضربتها إليه.
أطلقت نبضة استبصار أخرى، رمت هذه المرة لتخطيط حدود البعد السحري في هذه الغرفة. جزّت على أسنانها وراحت تلوح بالنوع نفسه من التعويذات التي استخدمتها لمنع أبوفاجورغا من الاختفاء، فأرسلت براقاً قوياً، وشفرات، ونبضات محترقة في كل مكان بالغرفة. واجتاحها دفء. نفد مانا هالتها بسرعة بينما كانت تشن هجماتها. صدر صراخ حاد، وتدفقت أصوات الغرفة عائدة. التقطت ميريان أنفاسها لاهثة، لتتجرع الهواء بنهم، بينما نبض قلبها بقوة.
وفي زاوية الغرفة، تقاطر خيط رفيع من السائل اللمفاوي، بدا كأنه ينهمر من العدم. تساءلت ميريان وما زالت ترتجف: بحق الجحيم الخمسة، ما هذا؟ لقد قضت وقتاً طويلاً بلا تهديد حقيقي. هذا هو نوع الأشياء التي قد تقضي على بعثة بأكملها بمفردها. لا أهمية لقوة ساحر عظيم إن عجزت عن رؤية ما يهاجمك أو ضربه. ينبغي أن أكون أكثر دقة مع تعويذات الاستبصار الخاصة بي. أحتاج إلى تحكم أفضل بالبعد السحري.
شعرت فجأة وكأن أحداً يراقبها. استدارت ميريان برهبة، فرأت شخصية مغطاة بعباءة تقف في الرواق الذي جاءت منه لتوها. الشخصية نفسها التي رابتها من قبل حين نطقت بالاسم الحقيقي للأومينيان، الشخصية نفسها التي رابتها في حلم يقظتها على قمر ديفير. تمكنت هذه المرة من إلقاء نظرة أوضح عليها. تحت تلك القلنسوة، استطاعت رؤية شظايا من المعدن الداكن مغروسة في الجلد. وغابت العينان، والتئم اللحم فوقهما.
ولم يكن لها فك. وبدلاً من ذلك، كانت هناك أنابيب معدنية غريبة تمتد من الفك العلوي، نازلة عبر العنق، وحتى الجذع. وغطت رداء ثقيل بقية الشخصية.
همست ميريان: "ما أنتِ؟"
تلاشت الشخصية المغطاة بالعباءة. ألقت ميريان فوراً سلسلة من تعويذات الاستبصار. لا شيء. لا أثر. ولا حتى رائحة عالقة. أكان وهماً؟ لم تظن ذلك. لقد جعلها شيء ما تستدير. لقد تفاعل معها بطريقة ما. هالتي؟ روحي؟ ارتجفت. وتداعت في عقلها احتمالات شتى. ماذا لو كان هذا سيبور؟ لا، أنت تتسرعين في الاستنتاجات. لقد واجهت ذلك الكاهن الذي أثر فيه كاركافاكوم. قد يكون عميلاً له. أو قد ينتمي إلى فصيل مختلف تماماً، أو بعض الأنبياء الآخرين للآلهة.
ليس الأومينيان وحده من له أنبياء. لا بد أن هذه الأزمة تستقطب انتباه الملوك الأخرى. لكن لماذا الآن؟ ولأي غرض؟ ما هي الصلة؟ كانت هناك احتمالات أكثر من اللازم، ولم تملك شيئاً صلبًا ترتكز إليه. ما زالت ميريان مهتزة، فشقّت طريقها عائدة بسرعة إلى السطح.