وقف غايوس نزار في المطبخ وقد أحاط قدح الشاي بكفيه. وأعاد تفعيل الوهم ليبدو أحد الجدارين كمنزل طفولة ميريان.
سألت: "أين هذا المنزل؟"
قال: "على بعد عشرة أميال في الاتجاه الشمالي الشرقي تقريباً. ليس بعيداً جداً عن فاليجمالي. في عمق الصحراء بما يكفي لأظنّه آمناً. لكن أمّك كانت على حقّ. ما كان لي أن أترك أولئك الأوغاد من الباراكويلي يفلتون بانتهاكاتهم الأولى للمعاهدة. كل ما فعلوه هو تشجيعهم على الاستمرار في ذلك".
وتنهّد.
"ولكن من كان ليجدّد الحرب إلى جانبي؟ بحلول ذلك الوقت، كان جميع حلفائي أمواتاً. طحنهم الغبار بسبب الحرب أو الزمن".
كانت تمتلك أسئلة كثيرة.
"قلت إنك أخفيت اسمك الحقيقي. أكنت أتراح شيدي دائماً بالنسبة إليهم، أم كان لك اسم آخر قبل ذلك؟"
"أقرأت تواريخ حرب التوحيد؟"
"عديدة، حتى الآن. حسناً، تصفّحت معظمها".
"وما رأيك؟"
"لحرقت نصفها إن لم تكن ستعود في الحلقة القادمة على أي حال. إنها مليئة بالتناقضات، وما حققتُ فيه من مصادر لم يقل ما زعم المؤلّف أنه قاله. منحة دراسية فظيعة".
أومأ ساحر الظلام برأسه. أمسك بقدح الشاي لكنه لم يشرب منه. كانت ميريان متأكدة تماماً أنه لم يعد يأكل أو يشرب في الواقع، لكنه بدا مولعاً بطقوس الشاي. حدثت نفسها قائلة، سؤالاً تلو الآخر، مع أنها كانت تلتهب بأسئلة جمّة.
"قبل أن أكون أتراح شيدي، لم أكن أحداً. لم أحتج قط إلى اسم آخر. كان غايوس جيداً بما يكفي. كنت، طوال معظم حياتي، مؤرخاً. مؤرخاً خاض في سحر الظلام لا من أجل السلطة، بل من أجل الإجابات".
قالت ميريان، وقد سرى وخز في صدرها: "هذا صحيح. لديّ ذكرى بأنني قلت إنني أودّ أن أكون مؤرخة، مثلك تماماً".
إلا أن ويستورون قد سلبها ذلك. كم غيّر تحريف ذاكرتها منها؟ حدثت نفسها، لقد حافظت على حبّي للرياضيات على الأقل.
وقالت: "أريد أن أسمع قصتك".
ابتسم أبوها: "من الأفضل غالباً ألا تُروى القصة كاملة في جلسة واحدة".
"النسخة المختصرة الآن إذن".
أومأ: "سأحاول إبقاءها موجزة. إبراز الأجزاء المهمة، الأجزاء التي قد تكون مهمة لمهمتك. وُلدت، حسب ما أتذكره، في قرية صغيرة تقع أعلى النهر من ألاتيشاد".
وهزّ رأسه نافياً.
"لقد كانت مختلفة تماماً في ذلك الوقت. مختلفة بطرق لا يفهمها الناس، ولا يستطيعون فهمها بعد الآن. لم تكن هناك محركات تعويذات، وبالتالي لم تكن هناك حواجب تعويذات. كان كل رجل أو امرأة قادرين على حمل سلاح في القرية مُلزمين بأداء نوبات حراسة في أبراج المراقبة أو الصيانة حول السور الخشبي. ورغم الاحتياطات، كان الميرفايت يقتلون شخصاً ما مرة واحدة في الشهر على الأقل. عادة في المزارع على طول النهر، ولكن أحياناً كان زاحف النهر يخطف طفلاً من غرفة في الليل. والسحر... لم يكن على حاله اليوم. فهم يشحنون أجزاء الميرفايت حول إنتيريا الآن. كل حبر وعضو متاحان، والخيمياء تسهل الأمر كثيراً. في زمنِي، كانت كتب التعويذات أثمن من الذهب. كان جمع التعويذات عمق عمر كامل. وكان الحصول على المواد نصف المشكلة فقط. وكانت نقابات السحرة وأبراجهم تُبقي تعويذاتهم وطرق صنعهم سرّاً".
سألت ميريان: "كم عمرك؟"
"ثلاثمائة. تزيد قليلاً أو تنقص. لكني لا أشعر بأنني أكبر من مائتين وخمسين يوماً!"
وابتسم غايوس.
"أعلم أنه لمؤرخ فقير حقّاً ألا يعرف عمره بالضبط، ولكن دفاعاً عن نفسي، لم تحتفظ القرية التي وُلدت فيها قط بسجلات تعداد، ولم تكن لديها أي تقاليد على الإطلاق للاحتفال بأعياد الميلاد".
"إذن كيف أصبحت ساحر ظلام قوياً لدرجة أن باراكويل لا يزال يخافك؟"
أطلق سخريّة بأنفه: "لا يخافني بما يكفي، يبدو لي. سيتعين علينا تغيير ذلك. حسنًا، حدث ذلك ببطء. عندما كنت شاباً وغبياً، أدركت أنه يمكنني التسلل إلى الصحراء لزيارة أثار بيرسام القديمة المتبقية من الحكم الثلاثي، وأن السحرة الزائرين سيدفعون ثمناً باهظاً مقابل بعض الآثار. في النهاية، لاحظ ساحر أنني أملك موهبة في العثور على الأشياء الجيدة دون أن أقتل نفسي. فاستأجرتني للعمل في جمع الآثار القديمة لها بدوام كامل. أدركت في النهاية أن بعض المكتبات في ألاتيشاد تضم سجلات وخرائط بيرسامية قديمة، وإذا استخدمتها، فسيمكنني العثور سريعاً على أفضل الأشياء. في البداية، كنت مهتماً فقط بالآثار. شظايا معدات الخيمياء. عصي التعويذات القديمة. قطع الرسوم الرمزية المنطفئة. ولكن بعد ذلك، أصبحت مفتوناً بالتاريخ نفسه. بدأت أتساؤل، أولاً عن الحكم الثلاثي البيرسامي. كيف يمكن لإمبراطورية صمدت طويلاً أن تسقط هذا السقوط السحيق؟ أدركت سريعاً أن فهم سحر الظلام كان أمراً بالغ الأهمية لفهم التاريخ".
أومأت ميريان برأسها. كان ذلك هو الإجماع التاريخي.
خمنت قائلة: "لكنّك أردت معرفة الآلية".
"بالضبط. لقد اعتبروا من المسلّمات أن سحر الظلام كان فظيعاً لدرجة أن استخدامه دمر الحكم الثلاثي، لكن ذلك لم يفسر كيف استطاعت حضارة كهذه أن تعلو فوق جميع الممالك المحيطة بها، وتخضع نصف القارة، وتستمر لأكثر من ألف عام. وكل ذلك أثناء استخدام سحر الظلام".
"لذلك بدأت تتعلمه".
"بالفعل. لقد التقطت القليل من السحر الغامض من خدمة الساحر. ولكن في مايات شادر وجدت عصا تعويذات مدمجة بتركيز فيها. أصبحت مهووساً بتعلم كل ما أستطيع عن سحر الظلام. جوبت المكتبات بحثاً عن الكتب، وفتشت الأنقاض بحثاً عن اللفائف والألواح القديمة. وفي النهاية، بلغت أنباء ما أفعله إلى إحدى طوائف الترميم القديمة فجنّدوني، وصار لدي حينها معلمون حقيقيون".
"الترميزيّون؟"
"أرادوا عودة الحكم الثلاثي، بسحر الظلام وكل شيء. وقد أُبيدوا إلى حد كبير على يد الأمير فاريبا ونقاباتها العטيمة بعد مئة عام. انتقل معظمهم شمالاً للاختباء فيما سيصبح باراكويل، ثم طردهم المنيرون. على أي حال، كان ذلك كله قادماً. في ذلك الوقت، ظننا أن بإمكاننا مساعدة بعضنا البعض. مرت السنوات، وبدأت أفهم شيئاً عن طبيعة السقوط. وهنا حيث قد تكونين مهتمة. العُماني ميت، ومع ذلك، فهو حيّ. سعى آخر الحكام الثلاثة لإحيائه. مهما كان الطقوس التي أعدّوها، ومهما كانت الطريقة التي ظنوا أنهم فاعلوها بها، كل ما يمكنني قولة إنه تضمن تضحية جماعية على نطاق يجمّد الدم. ظنوا ربما، بوجود أرواح كافية، أنه يمكن القيام بذلك. إلا أن سحرة الظلام في ذلك الوقت ربما عرفوا عن تلك الروح أكثر مما نعرفه اليوم. لقد عرفوا أن الروح لا يمكن تبديلها ببساطة. فما من كمية من أرواح الصقور تستطيع بعث شخص ما".
وهز غايوس كتفيه.
"معظم السجلات حول ذلك الوقت، بما في ذلك سجلات السحر، دُمرت عمداً. ومهما فعل أولئك الحكام الثلاثة، فقد تسبب في رعب جماعي غيّر ثقافة الأرض لأجيال قادمة. نفي من سيصبحون المنيرين. صعود الإشير. التمرد الجماعي، والحرب، والتدمير شبه الكامل لسحر الظلام. لم أحل التاريخ تماماً قط، لأنني أصبحت مهووساً بسؤال آخر".
"مصير العُماني؟"
"ليس تماماً. السؤال الذي أردت معرفته هو: إلى أي مدى يمكنني تتبع تاريخ البشرية؟"
توقفت ميريان عند ذلك.
حتى قبل بضع سنوات، لكانت فكرت: "إلى الكارثة"، لأن الكثير قد دمر خلالها لدرجة يصعب معها قول الكثير.
لكنها رأت بعد ذلك تلك الشظايا الروحية تحت واحة ماهتان.
قالت: "توجد حكايات تروى في بقايا الأروح. حكايات في حجارة الأنقاض القديمة. حكايات في الأساطير".
"نعم. بدأت أتتبعها كلها. وكل ذلك أدى إلى مزيد من الأسئلة. إن مشاركة المخلوقات غير العتيقة في أسلاف مشتركة هي معرفة قديمة، توارثتها الأجيال كبداهة. ولكن من أين نشأت الفكرة؟ يمكن رؤية ذلك بسهولة في تنوع الطيور والزواحف، أو سمات الزهور. ولكن أين المخلوقات مثل البشر؟"
وجدت ميريان نفسها تومئ موافقة. فقد أثار الحديث عن أصل البشرية ذكريات قديمة.
"سفينة كسيلاتر فيا العظيمة. لقد نزلت من النجوم على قارب مصنوع من الكروم".
لقد ألقى الكاهن كير موعظة عنها سمعتها مرات عديدة في الدورات الأولى. وكانت هناك إشارة غريبة إلى ذلك في الحرم الأعظم. أغمضت عينيها محاولة التذكر. في هذا الرواق، في هذه الغرفة.
"كانت هناك طائفة لأتروكيست تمتلك غرفة سرية في الحرم الأعظم لباليندوريو. وتقول إن كسيلاتر فيا أبحرت بسفينتها عبر ثقب في صدر أتروكيست. ثم ظهرت من القمر. أغرب حكاية. تبدو خرافة للأطفال".
"رائع. لم أسمع بتلك، ولكن نعم، بدأت أتساؤل عن سفينة كسيلاتر فيا العظيمة. بدأت أتساؤل لماذا لم تحدد النصوص القديمة أبداً القمر الذي يتحدثون عنه. بدأت أجوب العالم باحثاً عن النصوص والأنقاض. كان تورفيول أحد تلك الأماكن التي قد تكونين مألوفة بها".
"بالفعل".
"ذات يوم، أودّ أن أخبرك بالنطاق الكامل لأبحاثي واكتشافاتي. لقد دمر البريتوريون بعض مجموعتي عندما اختطفوك، لكن ما زال لدي بعض النصوص والملاحظات. حسبك أن كل رحلاتي قادتني إلى مكان واحد: الجيانزهي".
"أرض الأبراج. المكان الوحيد الخطير بقدر المحيط المفتوح".
"نعم. عندما كنت أسافر، وغالباً ما كنت أفعل، كنت أعمل عادة كواحد من السحرة الذين يحرسون القافلة لكسب القليل من النقود، ولذا خضت الكثير من القتال. ولكن لعبور الأدغال خارج طرق التجارة، وجدت نفسي بحاجة إلى اكتساب القوة، ببساطة لأتمكن من النجاة في استكشافاتي. ومع مر السنين، بدأت أشعر بسني. فلجأت إلى سحر الظلام لإطالة عمري، الأمر الذي تطلب دراسات جديدة يمكنني تطبيقها على إتقاني للسحر الغامض. وأخيراً، اكتشفت شيئاً رائعاً. بعض الأبراج في الجيانزهي مصنوعة من الصخور البسيطة. والبعض الآخر من الفولاذ والحجارة المنحوتة".
اتسعت عيناها ميريان.
"هياكل من ما قبل الكارثة؟"
قال: "نعم. ولكن كان هناك شيء واحد لم أستطِع فهمه أبداً. إذا رسمت خريطة لتاريخ شيء ما، فلنقل الهندسة المعمارية للبناء، نظراً لأن هذا ما وجدته أكثر من غيره، فيمكنك رؤية التكرارات والتطورات. الهندسة المعمارية البيرسامية الحديثة مبنية على تصاميم الحُكام الثلاثة، والتي بنيت بدورها على دمج سبعة أنماط مميزة على الأقل ما قبل الحكم الثلاثي موجودة في الممالك المحيطة. ارجع إلى الوراء أكثر، ويمكنك أن ترى أن هذه الممالك كانت تتكيف بدورها مع الهندسة الزيغوانية للمواد المحلية، والتي تطور ببطء بعد ذلك إلى نمطها المميز الخاص. تجمع المعالم في ذلك العصر بين التقنيات العملية الرخيصة والممارسات التي تم استيرادها بوضوح. سافر إلى زيغوا، وسترى بعض الهياكل القديمة حقاً. ينسخ عدد منها تقنيات ما قبل الكارثة".
وتوقف لتأثير دراماتيكي ثم قال: "لم أتمكن من العثور على أي أمثلة لسلائف هياكل فياتيريا".
فكرت ميريان في ذلك.
"لقد دمرتهم الكارثة".
"هذا ما سيقوله معظم المؤرخين، إذا وضعتهم في الزاوية. لكنني لم أكن راضياً عن ذلك أبداً. هناك انقطاع في التاريخ. كان لدى الناس قبل الكارثة تكنولوجيا رائعة. وليست تكنولوجيا عتيقة أيضاً. كان أعظم اكتشاف لي مجموعة من الآثار، مخبأة في هيكل منهار في الجيانزهي. أتردد في تسمية ما وجدته 'سحر الظلام'، لأن ذلك يسيء إلى مدى دمجها الدقيق للعديد من الفنون. لم يكن سحر الروح والسحر الغامض فحسب، بل كان تقنية مذهلة تسخّر كميات صغيرة من الطاقة الكهربائية للقيام بأشياء لا أزال لا أفهمها. ووجدت أيضاً أكبر كنز من لغة فياتيريا -لوركاديا- تم اكتشافه حتى الآن. واستطعت حينها ترجمة التعليمات وفهم كيفية تشغيل العديد من هذه الأجهزة القديمة".
"رائع. وما زلت تحتفظ بها؟"
"اثنان منها. أما الآخر فتحطمه البريتوريون".
وأظلم وجه غايوس.
"أوغاد همجيون. لقد دمروا أشياء كثيرة في ذلك اليوم. وكلها لا تعوض".
جلس هناك، ومن خلال تقاسيم وجهه، استطاعت أن ترى الكراهية التي لا يزال يحملها. ثم غسل تلك المشاعر، وعاد صوته مستقراً من جديد.
"أعتقد أنه كان نوعاً من المرافق الطبية. فنون الشفاء التي امتلكوها -أكثر سحر الروح تقدماً الذي نملكه لا يزال لا يتفوق عليها. أحد الأجهزة، وهو الجهاز الذي حطمه البريتوريون، كان يستخدم للحفاظ على الأنسجة الحية في حالة جمود تام. مفيد، على سبيل المثال، للحفاظ على إبهام قُطع حتى يمكن إعادة ربطه، أو، إذا كانت نصوص لوركاديا تصدق، نقل قلب حي حتى يمكن إعطاؤه لآخر".
"لا أصدق أنني لم أسمع بمثل هذه الاكتشافات".
"آه، حسناً. كانت الحملة الصليبية ضد سحر الظلام إشكالية للغاية بالنسبة لي. لم أستطع قط جعل الناس يفهمون مدى قيمة سحر الظلام، ولم أستطع قط كبح لساني حول المنيرين أو الإشير عندما قالوا أكاذيب تاريخية صارخة. بعد فترة، تجاهلت أبراج السحرة والأكاديميين، وكان علي البقاء في الظلال حتى لا يطردني الكهنة والسحرة كما فعلوا مع العديد من سحرة الظلام الآخرين. كان هناك الكثير من الاختباء".
وقطّب حاجبيه.
"والقتل. لا أتذكر تلك السنوات بودّ".
"إذن أكانت الإبرة الجهنمية أحد تلك الآثار الفياتيريّة؟"
"لا، جاء ذلك لاحقاً. يجب أن أقول إن كل هذه الأمور استغرقت وقتاً طويلاً. استغرق السفر أعماراً في ذلك الوقت. لا قطارات ولا عربات تعويذات، يجب أن تتذكري، وكان الميرفايت يفترسون المسافرين على كل طريق. بحلول الوقت الذي عدت فيه من الجيانزهي، كنت في السبعين أو نحو ذلك، وبحلول الوقت الذي توقفت فيه عن التأثير على الأكاديمية وأخفيت نفسي في ألاتيشاد حيث يمكنني الاستقرار والقيام بأبحاثي بسلام، كنت أقترب من التسعين. حتى مع سحر الظلام، كنت أعلم أنني سأموت قريباً. لكن كان لدي الكثير من الأسئلة، مع ذلك. ناقش نص بيرسامي قديم جهازاً يمكنه إطالة العمر إلى ما بعد التعويذات البردة، لكنه لم يكن موجوداً إلا في مكان واحد: المتاهة".
رفعت ميريان حاجبها.
"لقد تدبرت أمر ذلك. بدون حلقة زمنية؟"
"فعلت ذلك حقاً. لم يكن لديهم عدادات ثلاثية النقاط في ذلك الوقت، لكنني أعتقد أنني يجب أن أكون ساحراً عظيماً بحلول ذلك الوقت. هناك ما يقال عن الدراسة الوسواسية. كانت الإبرة الجهنمية جائزتي من قبو عتيق"، وقال وهو ينقر على صدره.
"لقد حظيت بالحظ. كانت في القبو الثالث الذي فتحته".
"ملوك السماوات. هذا مثير للإعجاب. لقد مت كثيراً لمجرد فتح قبو واحد. هل تعرف مواقعها؟ بعد وقت كافي، يبدو أن الأقبية تجدد مخزونها. حسنًا، هكذا يقول نص واحد على الأقل".
"يمكنني إعطاؤك منطقتها العامة، رغم أن المتاهة لا شك تغيرت الآن. على أي حال، لم أكن قد رزقت بطفل في ذلك الوقت. لم أتزوج قط، ولم أستقر قط. حينها فقط، في نهاية حياتي، ندمت على ذلك فجأة. لذلك فتحت جهاز فياتيريا القديم الذي يمكنه الحفاظ على الأنسجة و..."
وتحنحن.
"حفظت عينة حية. لوقت لاحق. احتياطياً".
قالت ميريان: "يا الهول".
"كنت أعلم أنني لن أكون قادراً على فعل ذلك بعد أن ربطت روحي بالإبرة. استخدمت ما تعلمته من التقنيات على الجهاز للحفاظ على أكبر قدر ممكن من اللحم، لكنه مجرد محفوظ، وليس حياً. لكن الأمور سارت على ما يرام. هناك مئتا عام أخرى أو نحو ذلك في قصتي. المزيد من الدراسات. لقاء مزعج في الجيانزهي أقنعني بأنه لم يكن يستحق الاستمرار هناك. الوقوع في حب هذه الأرض وشعبها. اللقاء بالنبي السادس. تلك الحرب الفظيعة. كيف تقابلت مع لِيون. لكني أخبرتك بما أعتقد أنه الجزء الأهم بالنسبة لك كنبية لتكتشفيه -بطريقة ما، هذه الأشياء التي عثرت عليها في رحلتي- أنها مرتبطة بهذه اللحظة. فياتيريا ومعرفتهم. سحر الظلام للحكم الثلاثي البيرسامي. الأسرار التي لا تزال مخبأة في الجيانزهي. من الصعب وصف ذلك، لأنه حدس يعتمد على قرون من الدراسة، لكن لا بد أنها تؤدي إلى العُماني. إلى ضريحه المفقود. إلى قصة البشرية. إلى الكارثة. إلى الطريق الضيق حتى الشجرة المحترقة التي تحدث عنها النبي السادس -نفس الشجرة التي تحدثتِ عنها مع إبراهيم".
تسارع قلب ميريان عند ذلك. إنه يرى الشجرة أيضاً. أتساءل -هل احترقت بساطع مماثل عندما كان هناك الكثير من الوقت المتبقي قبل النهاية؟ أرادت معرفة كل شيء. كان لديها ألف سؤال بعد. تحنحن غايوس. وكان لا يزال مسكناً قدح الشاي الخاص به.
"سأكون صادقاً. أنا متعاطف جداً مع إبراهيم. أود قتل كل من شارك في اختطافك. أخذ جثثهم وإعادة إحيائها، ثم استعراضها في برلمان باليندوريو وتوضيح النص الدقيق للمعاهدة التي وقعها أسلافهم وما سأفعله إذا انتهكوها مرة أخرى".
مرّت قشعريرة في جسد ميريان. لقد قال ذلك بهدوء شديد، لكنها كانت تعلم أنه يعنى كل كلمة. إنه ودود معي لأنه أبي. لكنه وإبراهيم هما على الأرجح الشخصان الوحيدان في إنتيريا اللذان قتلا شخصياً أشخاصاً أكثر مما فعلت.
"سأحرص على أن تجدهم العدالة. يستخدم إبراهيم النصل. في الظروف العادية، سيكون الأداة المناسبة. ولكن مع الحلقة، هناك وقت. يمكنني استخدام مبضع. قطع الأورام. لا مزيد من الأرواح البريئة المهدرة".
قال وهو يشير إلى جدران الكهف: "أدعو أن تكوني على حق. أجد نفسي قلقاً. لا أخرج كثيراً كما كنت أفعل".
قالت ميريان: "أريد أن أتعلم كل شيء".
ابتسم غايوس. وضع قدح الشاي الخاص به، ولا يزال السائل يتصاعد منه البخار، ووقف.
"لقد أحببت دائماً تعليمك. إذن فلنأخذ درساً، لوتس الصغيرة. لنرَ أولاً ما تعرفينه".