سنوات الكارثة: حلقة الزمن الفصل 1 — البداية

اقرأ سنوات الكارثة: حلقة الزمن الفصل 1 — البداية باللغة العربية على مانجا تايم.

استيقظت ميريان مفزوعة، ثم رقدت مكانها تحاول تبين السبب. نهضت برعب كأنها سمعت صرخات أحدهم أو كأنها خاضت كابوساً جلياً. بيد أنها عجزت عن تذكر الحلم، وانتابها شعور مروع بالفقد خطف أنفاسها، لتجد نفسها تبكي بلا ادراك للسبب. كفى هذا النشيج الخافت لايقاظ رفيقتها في الغرفة، ليلي.

تمتمت من السرير المجاور: "ميريان؟ هل أنت بخير؟"

ابتلعت ميريان شهقتها بصعوبة، لكن الشعور أخذ ينقشع أخيراً.

كذبت قائلة: "نعم، يا له من أمر، معذرة. أعتقد أنه كابوس أو ما شابه."

حينئذ اصطدمت بها قطرة ماء استقرت على صدرها مباشرة فبللت ثياب نومها. كان المطر ينهمر في الخارج، واستطاعت سماع خريره الرقيق بنغمته المهدئة. لكن إن كان الماء يتسرب إلى غرفة نومها، فما عاد مهدئاً البتة. تفحصت السقف، لتتأكد من الأمر: قطرة أخرى أصابتها في وجهها تماماً. رفعت نظرها فوجدت ثقباً في السقف. أشبه ما يكون بثقب رصاصة، لولا أنه اخترق ثلاثة طوابق وسقفا لتصل إليها من دون أن يتسع قط.

وطبعاً لم تتعرض لإطلاق نار أو ما شابه. لم تلمح سوى ضوء خافت ينبعث من السماء الغائمة حين ضبطت وضعية رأسها بدقة. تفحصت الأغطية. اللعنة، لقد اخترق اللحاف أيضاً! لكن حين تفقدت صدرها لم تجد أثراً لأي ثقب. حسنا، لِيُحمد المَلِك على ذلك.

قالت ليلي وعيناها مفتوحتان حقا الآن ونعاسها خفيف: "ما الأمر؟"

بدا شعر ليلي الاصفر متشابكا كعادته الصباحية، لكنها كانت ترتدي نظارتها السميكة بالفعل. كانت عمياء من دونها بمعزل عن المجاز. تواصلت النقوش الصغيرة على جانبي الإطار بالعدسات الكريستالية لتتمكن من الابصار.

قالت ميريان: "هناك ثقب. وهو يتسرب."

"اوه، رائع. انتظري، ماذا؟ نحن في الطابق الأول."

اقتربت وحدقت ناظرة إليه بتمعن.

تمتمت قائلة: "كيف بحق الجحيم حدث هذا؟"

قالت ميريان بلا تدبر: "لا أدري."

ثم أطلقت زفرة مدوية.

"هذا ما كان ينقصني، شيء آخر أقلق بشأنه."

أومأت ليلي بتعاطف.

"أليس لديك امتحان تعاويذ اليوم؟"

وضعت ميريان رأسها بين كفيها.

"نعم."

"وتلك العرض التقديمي في محاضرة الصنعة؟"

كان مكعب الصلصال المغطى بالنقوش مستقرا على مكتبها. وكان يؤدي الغرض غالبا.

"وكذلك نعم."

منحتها ليلي عناقا جانبيا خاطفا، ثم جلست بجانبها على السرير. تبددت اللحظة حين هوت قطرة أخرى ورشتهما معا، متناثرة قطرات على الجانب الداخلي من نظارة ليلي.

وبينما كانت تمسحها، قالت: "اسمعي، يمكنني محادثة مسؤولي السكن اليوم. بوسعي تفويت محاضرة علم النبات هذا الصباح، انها مجرد مراجعة، وسيعذرني الأستاذ."

قالت ميريان: "أنت الأفضل. أنا مدینة لك."

أجابت: "كلا، هذه المرة مجانا."

بدا أنه لا أحد في الغرف التي تعلوهم، لذا التقطت ميريان حاوية صفيحية من تحت سريرها ووضعته فوق الأغطية لجمع الماء. وبعد ذلك، أزعجها صوت قطرة الماء المستمر بينما كانت تستعد لمعاركها الأكاديمية. تعد أكاديمية تورفيول واحدة من أقدم جامعات السحر في باراكول. ويعني هذا أنها تحمل عبئا تاريخيا يمتد لقرون، وأحد مظاهره قواعد الزي. يرتدي كل طالب زي تورفيول الذي يشبه الزي العسكري للجيش.

يرتدي الطلاب تركيبات ألوان مختلفة اعتمادا على سنتهم الدراسية. والألوان الخاصة بسنتها هي الأسود والأبيض مع حواف برتقالية، إضافة إلى أزرار نحاسية تصطف في منتصف المعطف. ووفقا للتقاليد الرجعية ذاتها، ترتدي النساء التنانير بينما يرتدي الفتيان السراويل، رغم أن الأكاديمية رضخت أخيرا للشكاوى وسمحت للنساء بارتداء السراويل أثناء الرياضة أيضا، فَلْيُحمد المَلِك على ذلك. يضع الطلاب شراريب مختلفة على وسائد كتف زيهم حسب سنتهم الدراسية.

كانت ترتدي خيوط الذهب الخاصة بطالبة في السنة النهائية. أعني السنة النهائية، هذا إن أمكنها التخرج. لم تكن متأكدة قط من قدرتها على التخرج. يقضي الطلاب ست سنوات صارمة في الأكاديمية، وعانت ميريان طوال سنواتها كلها. والدروس الوحيدة التي لم تعان فيها هي تصميم الصنعة والرياضيات الأسرارية. وكل ما عدا ذلك شهد دراستها لليالي متأخرة في المكتبة، ومع ذلك تجد نفسها تحصل على درجات اقل من أقرانها في الامتحانات.

كل ما أرادته حقا هو أن يتوقف الزمن لتستريح لأيام قليلة، وتلم شتات نفسها، ثم تستدرك ما فاتها من دراسات وصفوف. ولأن ذلك لن يحدث على الأرجح، فعلت ما اعتادت فعله دائما: تحملت إرهاقها وأخبرت نفسها بأنها تستطيع الاستراحة عندما تموت. كان درسها الأول في اليوم هو الخيمياء أربعمائة واثنين، وهو أحد الدروس المخيفة أسطوريا والمطلوبة لتخصص الصنعة. كانت الأستاذة سينيكا معلمة كفؤة، لكن طاقتها محدودة في تبسيط مجال شديد التعقيد.

غالبا ما يستأجر الطلاب الآخرين لمعاونتهم، أو يستعين بعضهم ببعض، لكن ميريان لا تملك المال الكافي لذلك. كانت تدير فضاتها بحذر، لكن والديها لا يملكان سوى إرسال القليل لها. وكان هذا أحد أسباب سعيها وراء الصنعة: قد تتمكن أخيرا من انتشال عائلتها من الفقر إلى الراحة الحقيقية. كان البيت القديم المتهالك في مقاطعتها الأصلية بحاجة ماسة للإصلاحات. ويبدو أن شقيقها الأصغر قد غرز قدمه في لوح خشبي متعفن، لكن والديها إما أن يدفعا ثمن المعالج أو يصلحا الثقب، وكان الخيار واضحا.

تناولت ميريان إفطارا بسيطا من التوت والعصيدة، طخته سريعا في مطبخ السكن المشترك، ثم ابتلعته بالسرعة ذاتها. ثم توجهت إلى صفها، مرتدية عباءتها المسحورة لتبقي الجزء الأكبر من المطر بعيدا عنها. وأثناء سيرها، عاد عقلها إلى الثقب في السقف. كان غريبا حقا. كيف يمكن لشيء أن يحدث ثقبا بهذا القدر من السلاسة؟ حتى تعويذة القوة ستترك آثارا متناثرة. كانت مسيرتها إلى حرم الأكاديمية ذات مناظر خلابة.

تحيط مساكن الطلاب بالحرم الجامعي على طول التل الهلالي المنخفض الذي يشرف على المباني الأكاديمية. كانت المنطقة ذات أشجار خفيفة، رغم أن بستانيي أكاديمية تورفيول يحافظون على تشذيب الأشجار والشجيرات بعناية فائقة وري الزهور الساطعة بانتظام. طنّت نحل الرموز حول الزهور، نابضة ببطون مخططة بضوء خفيف كلما حطت لامتصاص الرحيق. حين خرج الممر المرصوف من ظل الأشجار، تجلت أكاديمية تورفيول بكل روعتها.

لم يتوقف المطر، لكن في هذه الساعة المبكرة، كانت الشمس لتوها تطل فوق الأفق، فضاء شريط السماء الواقع تحت طبقة السحب المنخفضة بإشراق شروق برتقالي وبنفسجي. أبرز شروق الشمس المضيء ظلال القباب والقمم، لتلمع هنا وهناك ببريق خاطف حين يلتقط الضوء نافذة مزخرفة بالزجاج الملون أو القمة الكريستالية لأحد البرج العالي. مثلت الأكاديمية مزيجا غريبا من الطرز المعمارية التي تعود جذورها إلى العصور القديمة، رغم أن معظم الهياكل العتيقة حقا مدفونة تحت الأرض.

أحاطت المباني الأكثر بروزا بالساحة الكبيرة في المنتصف. ومن بينها قبة كيروشنت، وهي مبنى هائل من الرخام والطوب المتأثر بالعوامل الجوية استغل الجانب الشرقي بأكمله من الساحة. لقد كان المبنى معبدا في مرحلة ما، لكن مع تأسيس الأكاديمية، أصبح المركز الأساسي للاحتفالات الأكاديمية. وعلى الجانب الغربي من الساحة تقع برج توريان، التي علمت ميريان أنها كانت أطول مبنى في العالم قبل بضعة قرون خلت.

وكان تصديق ذلك يسرا؛ إذ يمكن رؤية البرج من أميال محيطة، ولا يقترب منه أي شيء آخر. وحتى قلعة باينروز، الحصن القروسطي الدائري الذي ساعد يوما في حماية الأكاديمية من الغزاة والوحوش، لم تبلغ سوى ثلث ارتفاعها. وازدادت المباني تنوعا وانتقائية من هناك. فوسط الهياكل القديمة والقروسطية قامت مبانٍ من الطوب الملون وهياكل أحدث من الخرسانة والزجاج بدت مألوفة بما يكفي في مدينة حديثة، لكنها غريبة تماما وسط كل المباني التاريخية.

كما افتقرت المباني الأحدث إلى قدر معين من العناية والفنية التي امتازت بها المباني القديمة. وتحت الممرات المرصوفة بالحصى والشوارع الجديدة تكمن هياكل أقدم حتى. فقد احتلت المنطقة التي بنيت عليها أكاديمية تورفيول لآلاف السنين. بُنيت بلدات، وأُحرقت، وأُعيد بناؤها، وأُحرقت مرة أخرى، وغمرتها المياه، وأُعيد بناؤها لا يعد ولا يحصى. في مرحلة ما، بدت تورفيول مدينة أكبر بكثير فيما يبدو؛

غير أن ميريان لم تكن تعير درو التاريخ الكثير من الاهتمام، لذا لم تكن متأكدة تماما من موعد ذلك. وعنى هذا أن الأكاديمية تملك ثلاثة مستويات كاملة من الأسراب تحت الأرض، وتجري الشائعات بأن هناك أشياء أقدم حتى تحت ذلك. وحين كانت ميريان تفكر في الأمر، انتابتها حكة متحمسة لاستكشاف أي أسرار قديمة ترقد في الأسفل، لكن الجزء الأقل مغامرة من عقلها ذكّرها بأن درجاتها تأتي أولا.

لقد اقتربت نهاية الفصل الدراسي، لذا هرع عدد كبير من الطلاب الآخرين في الحرم الجامعي للمراجعة في اللحظة الأخيرة، أو في طريقهم إلى الصفوف المبكرة مثلما كانت هي. كانت طالبة فقيرة في السنة الأولى، يتبين ذلك بوضوح من معطفها الأبيض وتطريزها البرونزي، جالسة على مقعد أمام قلعة باينروز تبكي. أجل، تفهمت ميريان حالتها تماما. غير أنها لم تملك وقتا للبكاء. في طريقها إلى مبنى الخيمياء، وهو مبنى أحدث نظرا لاحتراق القديم في حريق كارثي تام أسفر عن مقتل ثلاثة طلاب وحارس، جعلها صوت فوقها تتوقف.

رفعت بصرها، لتلمح شخصا داكنا يقفز عبر الفجوة بين مبنيين. وبدا أن الشخص شعر بأنه مراقَب، فالتفت من فوق السقف ناظرا إلى ميريان. لم تستطع رؤية أي شيء من وجه الشخص المغطى. تساءلت في البداية إن كان طالبا، مصمما على مقلب أو رهان مجنون كليا، لكن الشخص لم يكن يرتدي أيا من ألوان تورفيول أو شراريبها. فتحت فمها لتقول شيئا، لكن الشخص اختفى حينئذ، مبتعدا عن حافة السقف المستوي بلا أثر.

تلفتت حولها، لكن لم يبدو أن أحدا غيرها قد لاحظه. غلب عليهم إبقاء رؤوسهم منخفضة لكي لا يبللهم المطر. لم تستطع ميريان تفسير سبب شعورها بأن ذلك الشخص المتسلل كان مريبا إلى هذا الحد، لكن الشعور تملكها ورفض مفارقتها.