سنوات الكارثة: حلقة الزمن الفصل 46 — ذكريات

اقرأ سنوات الكارثة: حلقة الزمن الفصل 46 — ذكريات باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت في الرابعة من عمرها. كانت تركض في أرجاء منزلها مغتبطةً بحركة جسدها. هبّ هواء الصحراء الدافئ بين أعمدة الحجر الرملي في القاعة المفتوحة. وخلفها امتدت حديقة من نباتات الصحراء القاسية. لم تحبها بقدر ما أحبت حديقة الفناء الداخلي، تلك التي تضم بركة الماء وكل أزهار اللوتس الجميلة. كانت الزهرات السوداء مفضّلة لديها، إذ تألقت البتلات ببريق قوس قزح. سمعت صوتاً فالتفتت برأسها لتنظر.

لمحت الجبال البعيدة في الشمال، تلك ذات الاسم الطويل العريض الذي عجزت عن نطق حروفه. ثم وجدت نفسها ممددة على الأرض. تعثرت فوقع ركبتها ضحية لارضية الحجر الرملي التي مزقتها. وأخذت تصرخ وتبكي.

قال أبوها بصوت ودي: "زهرتي الصغيرة".

فواصلت البحيب والنحيب.

وقالت وهي تكتم ركبتها: "أبي!".

كانت مجروحة لكن الإصابة لم تكن بالسوء ذاك. ومع ذلك، تسرب الدم ووخزها الجرح. طبع قُبلة على جبهتها.

وقالت بين شهقاتها: "اشفِها يا أبي!".

"تستطيعين فعل ذلك. ألم تذكري؟ تمسّكي بهذا".

أمسكت بإصبعه لتشعر بالخاتم تحته. كان كلّ من الخاتم وإصبعه باردين.

وصرخت: "لكنه يؤلمني!".

فقال: "أغمضي عينيك وشعري بها يا زهرتي الصغيرة".

أطبقت جفنيها بقوة.

"خدي نفساً وأخرجيه. مرة أخرى. ثم أخرجيه. شعري بكيانك الداخلي. ابحثي عن الجزء الذي يؤلمك. ينبغي أن يكون إدراكه سهلاً".

أقرت متذمرة: "أنا أشعر به".

"حافظي على انتظام تنفسك. تنفسي ببطء تماماً مثلي. وأخرجيه ببطء. جيد. تذكري الآن، ادفعي بقية كيانك داخل ذلك الألم. شعري به يتحرك بالطريقة التي تشتهينها. كأنك تراقبين تموجات البركة وهي تهدأ".

فعلت ذلك مراراً. لكن الأمر بدا صعباً حين يشتد الألم.

همست: "أنا افعلها".

قال أبوها: "بلى تفعلينها يا عزيزتي".

وبومضة من إصبعه، انسلّ خيط ماء من إحدى الجرار القريبة وغسل الدم. ثم انحنى وطبع قبلة على الركبة الملتئمة. كانت شفتاه جافتين.

وأردف: "أصبحت أفضل حالاً".

ضحكت بقهقهة قصيرة.

وسأل: "وماذا تعلمتِ؟"

أطلقت أنيناً مستاءً. كان يسأل دائماً نفس السؤال.

فقالت مظهرة تبرمها بجميع تفاصيل جسدها كما تفعل طفلات سنّها: "احذر عند الركض".

وقال رامشاً بعينه: "لكن واصلي الركض".

* * *

كانت تقف في حديقة الفناء الداخلي بينما كان أبوها يعتني بزهرات اللوتس المرصعة بالجواهر، ممسكة بيد أمها. سمعت مواء خافتاً، وظهر ميو حاملاً فأراً عظمياً آخر.

قالت أمها مخاطبة إياه: "أوه، أيها القط الطيب. يا غايوس، لقد عثر القط على واحد آخر. ظننتك نقيت الحقول منها".

تنهد أبوها.

وقال: "لقد فعلتِ يا حبيبتي، لكن في هذا العالم ثابتين: الحرب والفئران العظمية. يمكننا تجنب أحدهما أو الآخر".

تنهدت أمها. وبقدرة التحريك عن بُعد، فككت الهيكل العظمي للفار. راح ميو يخطو بحماس حتى سقط جُثمان الفار العظمي على الأرض مجدداً، لينهش فيه قطّ الرعب الصغير مباشرة.

صرخت: "مشمئز!".

لكنها واتفت متابعة القط. لاحقاً، وجدته جاثماً على الشرفة يلعق مخالبه بين تفقد مملكته. أمكنها رؤية المزرعة. وحيثما التفتت، رصدت الحراس المومياوات المنتشرين حول الحقل ومحيط المنزل. بدوا مرعبين، لكنها علمت يقيناً أنهم لن يلحقوا بها أذى. مررت أصابعها على فرو ميو المرقط.

وقالت: "قط طيب".

في الأفق البعيد، استوقف شيء بصرها. وهج ضوئي بعيد في قلب الصحراء. بنفسجي وبرتقالي. بدا جميلاً.

وسألت القط: "ما هذا؟"

أصدر القط صوت مواء معبراً عن انزعاج لتوقفها عن التربيت عليه. فعادت لمداعبته.

* * *

جلست قبالة أمها على المائدة. وأمسكت كلّ منهما بمعداد. حركت أمها حاجبيها بحركة أضحكتها كالمعتاد.

"جاهزة لجولة أخرى يا زهرتي؟"

صاحت: "نقلت!"

"حسناً".

قلبت لوحاً من الصلصال خطت عليه معادلة رياضية.

"ابدئي!".

تجمدت محاولة تذكر معاني الرموز المكتوبة على اللوح. وبدأت أمها تحرك الخرزات، مما يعني وجوب الإسراع.

تهجت بحذر: "اثنا عشر".

وشرعت تدفع الخرزات.

"وأربع!".

وعلت أصوات الخرزات وهي تتحرك لتشرع في عدّها.

هتفت بابتهاج: "خمسة عشر!".

"عُدي مرة أخرى يا حلوتي".

كست وجهها تجاعيد التركيز وهي تلمس كل خرزة.

"ست... عشر؟"

قالت أمها: "عمل رائع!".

صاحت: "رائع!".

وركضت في الغرفة محققة دورة نصر قبل العودة إلى المائدة. كانت أمها مسرعة لتوها في تسوية الصلصال لتكتب أرقاماً جديدة.

"مرة أخرى!".

* * *

وقفت عند الباب الأمامي وأطلقت صرخة. كان ميو هناك، بفرو شديد الحمرة، شاقاً طريقه عبر عتبة الباب. وتخلف عنه أثر من الدم.

"ميو! لا!".

هرعت إلى الأمام. وسمعت أباها يأمرها بإبطاء تنفسها. لكنها احتياجت إلى خاتمه. لم تستطيع شفاء ميو دونه.

صرخت: "أمممممي!".

وشرعت تداعب القط بحرص شديد لضمان رفقها به. أقبلت أمها مهرولة، لكن الأوان كان قد فات بوصولها.

"آسفة يا زهرتي الصغيرة. حين يعود أبوك ربما نتمكن من فعل شيء، لكنه رحيل".

احتمت بصدر أمها، باخية لفترة طويلة. وحين جفت دموعها من كثرة البكاء، خرجتا لاستكشاف الحقل. شبكت أصابعها بيد أمها بإحكام. ترامت ثلاثة جثامين لفئران عظمية حول الشجيرة.

قالت أمها: "حسنًا، لقد قاوم بشراسة حقاً".

خفف ذلك من وطأة حزنها قليلاً.

* * *

قال أبوها: "ركزي يا نالوري. يجب أن يسري التدفق عبر محيط الخاتم. فالنقوش تقوم بالمهمة الصعبة. وأنت تسيطرين على التدفق فحسب".

حدقت نالوري شطراً عاقدة حاجبيها، وممسكة بيدها. تملكتها حالة من الإحباط مراراً من قبل، وتركها أبوها تركض وتفرغ إحباطها ريثما تعود للتدريب.

قال: "تلك هي لوتستي العنيدة".

ثم ألبسها الخاتم الأسود اللامع في إصبعها حيث انضبط تلقائياً ليلائمها بإحكام. وسمحت نالوري لإبهامها بتتبع الأحرف الأولى المنقوشة عليه: غ.ن. غايوس نيزار، وهو اسمها الذي عرفته، اسم أبيها الحقيقي. الاسم الذي يستعمله في المنزل وحده. وقال إن العالم نسيه. وكان الأبي يقول كثيراً من الأشياء الغريبة. وكانت الأم تدأب على تذكيره بذلك بطريقتها المرحة المعتادة.

كرر أبوها: "شعري بالتدفق".

أطبقت نالوري جفنيها بإحكام تام. وتخيلت روحها نهراً من ضوء، تماماً كما علمها. وكفتها قطرة ضئيلة لتتسلل عبر الخاتم، كخيط يمر عبر ثقب إبرة. إلا أن الأمر اتسم بالإحباط كإدخال خيط في الإبرة. صكت أسنانها. ها هو ذا! خيط ضئيل. دفعته بقوة. التقطت أنفاسها شهيقاً.

"أبي! أبي لقد نجح الأمر! أعتقد أنه نجح!".

قال وبسمة عريضة ترتسم على وجهه وعيناه الرماديتا تتألقان بفخر: "إذن فقد نجح".

وتحت ناظريهما، تحرك جثمان ميو، الذي اعتمر طوقاً منقوشاً بالرموز، ونهض جالساً.

هتفت بحماس: "ميو!".

وقالت: "أوه يا أبي، شكراً لك"، وعانقت ساقه.

قال أبوها وهو يربت على شعرها: "طبعاً يا زهرتي الصغيرة".

أمضت نالوري ساعات في اللعب مع قطها العائد من الموت، مستخدمة الخاتم لإصدار الأوامر إليه.

وحين توجها إلى القرية، استبقاها جانباً ليقول: "حين نذهب إلى القرية، لا تذكري أمر القط أبداً. إطلاقاً. أتفهمين؟"

أجابت بجدية: "نعم".

أدركت أنهما ما زالا متخفيين. وتكرر الأمر بما فيه الكفاية. وبحسب علم القرية التي يزورونها، فهما مزارعان. ومن الأفضل ألا يعلم أحد بمدى بُعد تلك المزرعة، ولا بطبيعة ما يحرس الحقول. وحين وصلا القرية ورأت الأطفال الآخرين يلعبون، التفتت إلى أبيها.

كان يرتدي «وجه التنكر»

كما أسماه. سحر الوهم. فأومأ لها برأسه، وانطلقت نالوري عاضة على الشوق للعب. كانت مطيعة. ولم تذكر القط بكلمة قط. مما جلب لها مكيالاً من الحلوى عند زيارة السوق لاحقاً.

* * *

استيقظت نالوري من قيلولة ما بعد العشاء، لتسمع أمها وأباها يتحاوران بهمسات حادة. وتلك العلامة دلتها على أنهما يتحدثان في أمر بالغ الأهمية.

"انتهاك آخر للمعاهدة. ما يفعلونه بفاليمالي—لا أستطيع الوقوف مكتوف الأيدي والاكتفاء بالمشاهدة".

حذرت أمها بصوتها: "غايوس".

"لقد رأيت هذا النمط يتكرر من قبل. لا يستطيعون ترك الأمور بسلام. ليتك ترين كتب التاريخ التي يكتبونها عن الحرب الآن. لا، أتراجع عن كلامي، لا ينبغي لك ذلك. كأن أيديهما لم تكن ملوثة بالدماء أيضاً".

بدا الأبي غاضباً. وكان مخيفاً حين يغضب. لكنها لم تدرك كنه ما يغضبه. كانت أمها تنقر على المائدة، إشارة إلى توترها.

فقالت أخيراً: "كن عاقلاً. لكن—"

فقال أبوها: "إنها مستيقظة".

وما زالت تجهل كيف يتسنى له رؤيتها من خلف الجدران، لكنها أدركت أنه تصرف غير عادل البتة حين تحاول التسلل خفية.

"تعالي إلى هنا يا عزيزتي. هل أخذت قيلولة طيبة؟"

أجابت: "نعم. عَمَّ كنتما تتحدثان؟ هل أُصيب أحد بأذى؟"

تنهدت أمها: "كثيرون يا نالوري. لكن لا تقلقي. سنخبرك بكل شيء حين تكبرين".

* * *

كانت في الخامسة. ذهب الأبي في إحدى رحلاته مجدداً، لكنها الحت عليه بما يكفي حتى سمح لها استعارة خاتمه للعب. وأمضت وقتاً في ألعاب الحساب مع أمها ومزيداً من الوقت في المغامرة في أرجاء المزرعة.

كانت تصرخ: "أيها الفأر العظمي. خذه!".

وإن وجّهت طاقتها في الموضع الصحيح من الخاتم، انطلق ميو كالبرق لإحضاره. ثم تتخيل نفسها داخل مكتبة.

وقالت لجدار تخيلته رفا للكتب: "سأصبح مؤرخة، مثل أبي!".

والتقطت صخرة.

"هممم، هذا الكتاب يخفي أسراراً! سأكتشفها ككككلها".

وفي المساء، على العشاء، سألت: "متى يعود أبي إلى المنزل؟"

أجابت أمها وهي تبعد خصلة من شعر داكن عن وجهها: "خلال يومين".

قالت نالوري: "حسناً. أيمكننا الذهاب إلى القرية؟ أريد اللعب هناك".

"لا".

"أرجوك؟"

"لا. يمكنك اللعب مع ميو. أو يمكننا لعب لعبة معاً".

تذمرت، لكنهما انتهيا بلعب لعبة معاً، تلك الخاصة بالحروف والمكعبات. في تلك الليلة، استيقظت نالوري على صوت عالٍ. خطفت الخاتم من طاولة السرير ليكون لديها ما تتمسك به.

وسألت: "أمي؟"

صوت عالٍ آخر. ثم آخر. ثم صرخة. أمها.

صرخت: "أمي!"، وراحت ترض نحوها.

احتاجت الوصول إليها. فستشعر بالأمان بقربها. رأت أمها في الرواق. وخلفها جمع من البشر. أغراب. لكن الأمر لم يكن صحيحاً. فالغرباء لا يزورون منزلهم قط. تراءت ومضات مرعبة من التعاويذ، فتجمدت نالوري مستعدة للاختباء. ثم صوت مروع، رطب ومقزز، فانهارت أمها. ركضت نالوري نحوها. صرخ أحدهم في وجه البقية، ثم بدأ بالتقدم نحوها. رجل غريب. كانت المشاعر أطغى من أن تتحملها. غمرها الرعب، لكنها أمها.

قال الرجل شيئاً. ومع اقترابه، تسمرت نالوري في مكانها، منكمشة من شدة الخوف عن الحراك. وأدركت دفء أمها تحت يدها اليسرى. وكانت يدها اليمنى مطبقة بإحكام حول الخاتم. صوت أجش آخر. ضوء ساطع. بدا الرجل شاهقاً فوقها. لم تتعرف عليه حينها، لكنها عرفته الآن. رأته مرات عديدة. بدا أصغر سناً في ذاكرتها، وأضخم جسداً، لكنه احتفظ بملامح مميزة. فوران. وأصبح الآن البريتوري الأول. لفها بملاءة داكنة غطت وجهها، وحملها كشوال طحين.

ركلت وصرخت حينها بلا جدوى. ونادت باسم ميو بيأس.

* * *

ثم ضباب من الذكريات. التنقل المستمر. كثرة الأغرباء المتحدثين إليها. وفي أغلب الأحيان، كان الخوف يسيطر عليها. وأحياناً، يثور الخوف لتتولد بداخلها نوبة غضب. كرة صغيرة من الغضب العاجز. ثم ظهر الطبيب ويسترون. متحدثاً إليها بتهدئة بالغة. ومساعدتها على نسيان خوفها. وفي أحد الأيام، وضعت الخاتم الذي احتفظت به مطولاً، وأخفته طويلاً، في درج ونسيت وجوده برمته. صار استرجاع أي شيء عسيراً.

وحين يداهمها الغضب أحياناً، عجزت عن إدراك مصدره. تذكرت لقاء أبيها الجديد. وأمها الجديدة. كانا لطيفين معها. ومنحاها الحلويات. وساعداها على تذكر التنفس حين تغضب. أحبتهما، حتى وإن عجزت عن البوح بذلك في بعض الأيام. لكن جرحاً استقر بداخلها، ولم يلتئم قط. اكتفى بالتواري خلف الغطاء.

* * *

كررت ميريان: "أبي"، وتدفقت الدموع بغزارة.

نالوري. كان اسمها نالوري نيزار. استدعى عقلها بطريقة ما ذلك الاسم من طيات ذاكرتها حين كانت تبحث عن الأسماء المستعارة، بخطأ أولاً، ثم بالاسم المضبوط تماماً. وجدت نفسها محتضنة بين ذراعيه. بدا نحيلاً وعظمياً، لكنه تمسك بها بيأس.

"زهرتي الصغيرة. لقد عُدتِ. لقد عُدتِ".

وبقيا على تلك الحال برهة. وأدركت أن جسده بارد. مسحت ميريان عينيها وتراجعت خطوة.

قال أبوها: "دعيني أراك".

ثم طال بصره قلبها، واتسعت عيناه.

"يا للآلهة العلوية. أنتِ نبية".

أجابت: "أنا كذلك. يا للهول، هناك الكثير للقول. من أين أبدأ حتى؟ هناك نبية آخر في طريقه إلى هنا. إبراهيم كاليساه. ظل يستعملك في كل دورة من أجل جيشك. لغاية وهدف أجهلهما—إنه مهووس بتدمير باراكويل، لكنه عبث، لأن العالم ينتهي في الخامس من دويلا على أبعد تقدير".

"ممم. أعرف سمعته وسلام الفجر. وربما لهذا السبب... لكن العالم ينتهي؟ الأمر إذن أسوأ مما ظنه أي كان".

ابتسم.

"لكن الأوميني لم يكن ليحسن الاختيار أفضل من هذا".

أخذت ميريان تضحك.

"لقد... لقد أهدرت وقتاً طويلاً. ظننت—وقلقت—لكن طوال هذا الوقت... لأنني لم أتذكر. القدر... يا له من درب غريب ساقني إليه".

"أرجو ألا وجود لمثل هذا الشيء المسمى بالقدر، فلو وُجد، لكان أمراً قاسياً. ماذا حل بكِ؟ إلى أين أخذوكِ؟"

"طور الطبيب ويسترون — وهو عميل للأعماق — لعنة للذاكرة. وتربيت في عائلة بالتبني في أريروبا. ومنحاني اسم ميريان. ولم أشرع في تجميع قطع غير مترابطة إلا بعد بدء حلقة الزمن. ورؤيتك... لابد أنها حفّزت روابط كثيرة في آن واحد".

"أريروبا. لقد بحثت هناك. بحثت في نصف القارة الشرقية".

بدأت خيوط عدة تتقاطع في ذهن ميريان.

"أخذني ديليا وجيرون في رحلة حين كنت صغيرة. في السادسة، أعتقد، أو ربما السابعة. لحصولهما على بعض المال... يا للهول. كم من حياتي جرى التلاعب به؟"

كان فك المشعوذ مطبقاً بإحكام.

"سيدفعان ثمن ما فعلاه".

أومأت ميريان — أو هل عليها اعتبار نفسها نالوري الآن؟ لكن ذلك لم يبدو صحيحاً تماماً — برأسها.

"سيفعلان. ليس الآن فحسب. علينا إنقاذ إنتيريا أولاً".

نظرت إلى أتراه كسيدي — غايوس نيزار، وتفحصت روحه. لم تبدُ ساطعة بالقدر المتوقع. تداخلت الخطوط فيما بينها، وانسحبت، كأنها تسري مع العظام لا اللحم.

وكان جلده رطباً وبارداً، وفي منتصف صدره— أدركت قائلة: "لديك مرساة. لكن... لست جزءاً من الحلقة".

"إبرة غورية. تختلف تماماً عن الإبرة الزمنية. تربط روحي بجسدي، وإلا لكنت متّ منذ أمد بعيد. علينا الجلوس في مكان أنسب. صممت سراديب الحرب لتكون عملية، لا جميلة"، قال مشيراً إلى الغرفة.

عبرا الباب البعيد صعوداً على درج. وبدت الغرفة مألوفة.

قالت ميريان: "غرفة طعامنا القديمة. لقد أعدت بناءها".

صار الطاولة من الحجر الرملي عوضاً عن الخشب الآن، وعوضاً عن إطلالتها على المزرعة، صارت النوافذ تطل على جدار أصلع.

قال: "فعلت"، وألقى تعويذة.

وأدركت أن رموزاً نقشت في ردائه، وأنه يلقي السحر من خلالها. وكان ذلك... براعة حقيقية حقاً.

امتلت الغرفة نوراً، ثم غطى وهم كبير الجدار في الجهة المقابلة لـ «النوافذ».

وأمكنها رؤية النطاق الجنوبي وبقية المنزل، تماماً كما تذكرهته. وفي الغرفة الأخرى، سمعت خريراً لنافورة. وكان غايوس ينقب في الخزائن. جلس أبوها المشعوذ — وما زالت الفكرة غريبة، حديثة وقديمة في آن بذهنها — وناولها كوب شاي ساخناً.

"كم من الوقت بحوزتنا قبل وصول النبي الآخر؟"

"نصف ساعة، ربما. أو أقل بقليل إن هو—"

رفع غايوس بصره فجأة، مسدداً نظره نحو الباب.

"لا بأس. لقد وصل. لقد قتل ليزي للتو".

"ليزي...؟"

"التنين".

"تعلم، بدا لي ذلك أسوأ طريقة لبدء حديث دبلوماسي. أن تقتل أليف أحدهم في طريق قدومك؟"

وأعقب ذلك دوي تحطم تردد صداه في أرجاء القاعات. لقد حطم الباب أيضاً.

"إن عدلناها، فلن تكون المرة الأولى التي تموت فيها. والآن، أرجو أن تكون لديك خطة".