قذفت ميريان الكتاب عبر الغرفة وصعقته بشعاع ناري.
صاحت به وهي يحترق ويصير رماداً: "هراء!".
غابرييل الذي كان جالساً على طاولة أخرى في أَرْشِيف قصر ماهاتان رفع حاجباً نحوهـا.
وقال: "ظننتك ممن يستهويهنّ القراءة".
وكان يأكل كاري الخضار الأحمر وقد لوّث الصلصة بكل كتاب لمسه حتى الآن.
قالت: "سيعود في الدورة القادمة. إن لم يرغب ذلك الكاتب في احتراق كتابه، فما كان عليه أن ينسخ مصادر مجهولة من الألفية الثالثة ثم يدّعي قيامه بالبحث الأثري. لعلّي أحرقها جميعاً في أية دورة تكون الأخيرة. إنهضيّع مطلق لوقت أي قارئ".
لعق غابرييل الكاري عن أصابعه الواحد تلو الآخر ثم قلب صفحة أخرى في كتابه فأخرى متصفّحاً إياه على عادته.
وقال: "لهذا تحتاجين إلى قضاء وقت أطول في الاسترخاء".
كانت هذه زيارتهما الثالثة لماهاتان معاً. لقد مضت الدورة المئتان دون تعليق يُذكر، مع أن غابرييل أصرّ على أن يشربا نوعاً من كحول الأرز الكريه المستورد من جيغوا. كانت ميريان تفضل النبيذ إن اضطرت للشرب، لكن ما تفضله حقاً هو ألا تشرب أبداً. لشهْرين ونصف الشهر الآن، وهما يمشطان الأرشيف بحثاً عن أي أثر للبوابة. لقد وجدا إشارات إلى بوابة نار في مكان يشبه المدينة، لكن الآثار لم تكشف عما هو أكثر مما تعرفه سلفاً عن ماهاتان.
فقد هُجرت منذ نحو ألف عام على الأقل، ثم أُعيد استيطان الرُّكام. لم يكن لدى أحد ما يَقُولُه عن آلية أصلية ضخمة أو عن أسرار عميقة مدفونة تحتها. كان الكتّاب الأكثر غزارة هم علماء ثُلاثيَّة بيرسامان. ضمّت المكتبات هنا آلاف المجلدات التي تراوحت بين الرسائل المهمة والأمور الأكثر دناءة وتفاهة مما يمكن تصوّره. في البداية، ظنت ميريان المكان جنة للباحثين. ثم شرعت تظنه جحيم الباحثين.
كانت تدرك شيئاً فشيئاً أن هناك ما يُسمى بالمعلومات المفرطة. فالعلماء الصغار الساعون إلى تعزيز مسيرتهم المهنية إما نسخوا أو أعادوا صياغة النصوص ذاتها مئات المرات. وبدلاً من كشف الحقيقة، طمسوها. استندت ميريان إلى الخلف في مقعدها.
وسألت: "إذن أي سحر للأرواح تعرف؟".
قال: "ميريان يا عزيزتي، حقّاً تحتاجين إلى تعلّم كيفية إجراء محادثة طبيعية".
"لا أرى أن ذلك سيفيدنا. نحن انحرافات عن المألوف، بعيدون جداً عن الحياة العادية لدرجة لن يُفهمنا أحد قط. وجدت كتابات نبيّ قديم كما تعلمين. رسالة مخبوءة بين صفحات كتاب منسيّ منذ أمد بعيد. هم أيضاً صرخوا طلباً للفهم. لكن أي مهمة أُلقيت على عواتقهم؟ وهل أخفقوا أم نجحوا؟".
قال غابرييل وكأنّه يحبّ المشاكسة: "هذا تماماً ما كنت أتحدث عنه".
ثم استطرد بدبلوماسية أكبر: "أنتِ محقّة إلى حدّ ما. لكنكِ مخطئة في القلق. ما جرى قد جرى. سواء أأخفق الأنبياء القدامى أم نجحوا، فالأمر سيّان تماماً مثلما لا يعيننا أن نهتم بما إذا كان الملوك والقادة القدامى قد أخفقوا في أي شيء من اللعنات التي حاولوا فعلها. السبیل الوحيد أمامنا هو أفعالنا في هذه اللحظة. لا جدوى من رثاء ما كان يمكن أن يكون إلى ما لا نهاية".
أخذت ميريان نفساً عميقاً وأغمضت عينيها.
"لكن ما كان يمكن أن يكون... كلما قرأت هذه التواريخ، وكلما تعلمت أكثر، كلما ظننت أن الوجود البشري سلسلة طويلة من المآسي. الكثير من الموت والمعاناة. وبعد أن خبرنا كل هذا القدر منه، فهل سنرغب يوماً في العودة إليه؟ أم أن ضريح أومينيان العظيم سيجذبنا لنستريح في مكان يسوده الصمت، بعيداً عن هذا كله؟".
"اسمعي، أعرف بعض الأشخاص الرائعين الذين يمكنك مضاجعتهم. ستنسين كل هذا الهراء، لدقائق معدودات على الأقل. إنه أمر رائع لتخفيف التوتر".
"أعرف بعضهم أيضاً. ليس هذه هي المشكلة. المشكلة هي أن أي شيء يجمعني بهم لن يُشارك أبداً. هكذا لم يُخلق البشر ليعيشوا. أن تكون وحيداً يعني أن تعيش وجوداً نقيضاً للإنسانية".
وفكرت: وإن أردت أن يقع شخص في حبك، فلن يحدث ذلك أبداً، مهما قضيت من وقت معه. لأنهم ينسون.
"لا توجد طريقة صحيحة لتكون بشرياً. أنتِ على قيد الحياة كل يوم. تعيشين. هكذا تظلّين بشريّة. هذا كل ما في الأمر".
فكرت أن في ذلك حكمة، لكنه لم يكن ما تشعر به. ربما كان احتمال الفهم الذي يقدمه ليوان وغابرييل عذاباً أسوأ من سائر غير الأنبياء. لم تكن تتوقع شيئاً من البشر العاديين. فهم أبرياء؛ شبه آليين بحكم عجزهم عن تغيير مصيرهم. أما الأنبياء الآخرون، فينبغي أن يكون بمقدورهم فهمها. وينبغي أن تكون قادرة على الثقة بهم. لكنها لم تستطع حمل نفسها على الانفتاح. كانت خائفة. فلعنة شبيهة بتلك التي على جيريكا لا تزال قادرة على إبطال قواها.
وكان هناك الكثير على المحك.
قالت فجأة بلا تدبّر: "كنت في رِد، أليس كذلك؟".
نظر إليها غابرييل، ثم أغلق الكتاب الذي كان يتصفحه. تنهّد.
وقال: "نعم. سابقاً. لكن بعض أجزائه لا تفارقك أبداً".
"إذن حقاً لا سبيل لفكّ لعنات العقل التي تفرضها رِد والأعماق على الناس؟".
أصدر همهمة موافقة.
"أعلى علاقة طيبة بوسترون؟".
قال: "لا. أتحاولين الحديث معه؟ إنه يهنأ بامتلاك الأسرار. يستخدمها ليحظى بسلطة على الناس، ثم يماطلهم إلى الأبد. لا تضيعي وقتك".
إذن لقد زار أكانا.
"لم أفعل. ليس كثيراً على الأقل. فما الذي يحاول أكانا بريديار فعله هنا؟".
"الشيء نفسه الذي حاولت فعله كل قوة عظمى أخرى منذ الأزل. الهيمنة قدر المستطاع. أتريدين حكايتي الحزينة؟ نشأت في أكانا وأنا صبيّ. ثم جرى نشر والدتي هنا. أحببت أوروباندار، لكنني كرهت تخلفها. عندما كبرت، ظننت أن أكانا ستجلب كل مثلها العليا حول الحكومة والتقدم إلى هنا. ظننت أن بإمكاننا الإطاحة بكل أولئك اللصوص الفاسدين الذين يرتدون تمائم المقام هنا، ونحوّلهم إلى رماد، ثم نبني بيرسامة جديدة. أما نبلاء أكانا الذين أتوا إلى هنا فلم يستطيعوا أبداً رؤيتي كواحد منهم. انظري، كانت والدتي أكانانية، لكن والدي كان بيرسامانياً. لم يعاملوني يوماً كنداٍّ لهم. رغم أنني استطعت ابتلاع ذلك. يتطلب الأمر الكثير ليضايقني. ثم شاهدت أكانا وهي ترفع رجلاً حقيراً وضيعاً بلا دم يُدعى اللورد سايال. شاهدت كل الكلاب المطيعة التي تتبعُه وهي تلحس قدميه، وشاهدت كيف تحول كل ما عملت من أجله إلى البيرسامة ذاتها التي عرفتها، تلك المملوءة بأمراء الحرب وتجار الأمراء المهيمنين على أرض من البؤس. لذا استقلت. بيد أن الإمبراطوريات لا تحب حين تقول لها لا. لكن السخرية انقلبت عليهم، لأن أومينيان اختارني".
استنبطت ميريان: "إذن ساعدت في مطاردة سلام الفجر؟".
أصدر غابرييل همهمة موافقة أخرى.
"انتهينا الآن من هذا الموضوع. رغم أنه إن رغبتِ في مشاركة تعاويذك وبراعتك في سحر الأرواح، فيمكننا التبادل. لكن لا داعي لأن تختلقي أعذاراً لعدم فعل ذلك. أرى أنك لا تزالين لا تثقين بي. لا يزعجني الأمر. أنا أيضاً لا أثق بي. والآن، إن كنا سنعمل فلنعد إلى العمل".
أومأت ميريان برأسها. وعادا إلى العمل.
* * *
في الدورة المئتين والثالثة، شرعا في استقصاء الكثبان المحيطة بماهاتان. وفي الدورة المئتين والرابعة، بدأت ميريان تقلق. فقد أولت اهتماماً دقيقاً للوقت الذي غيّر فيه إبراهيم تكتيكاته عندما كانت تستعد لأبوفاجورغا، وبدأت تخشى لعلّه يلاحظ أنها غيّرت تكتيكاتها.
قال لها غابرييل عندما طرحت الأمر: "استرخي. إنه ليس أحادي التفكير، لكنه مشغول للغاية أيضاً".
تدريجياً، توسعت دائرتهما التنجيمية إلى الخارج، مبتعدة حلزونياً عن ماهاتان. ومرة أخرى، وُجد الكثير من المقابر والكهوف، لكن لم يكن هناك أي أثر للبوابة البتة. في الدورة المئتين والخامسة، أدت مسافتهما عن ماهاتان في النهاية إلى احتكاكهما بقطاع طرق.
قال غابرييل بينما اقترب قطاع الطرق سيراً على الأقدام: "لا بد أن لديهم معارف في المدينة. لعلهم جزء من عملية تهريب".
حجب كُثيب ضخم رؤية المدينة عنهم، بينما أخفت شبكة كهوف ضحلة قطاع الطرق حتى صاروا فوقهم مباشرة.
قالت ميريان: "ربما هناك دليل في ذلك الكهف الذي خرجوا منه للتو".
رفع غابرييل حاجباً.
وقال: "ألن نفرّ؟".
"لا. لكن يمكننا محاولة التحدث إليهم أولاً. أنت المتلاعب الأفضل، أليس كذلك؟ ابدأ أنت".
هزّ النبي الآخر كتفيه.
"بالطبع. لكن كلمة السر لو حان وقت الهجوم ستكون «مُغير»".
أومأت ميريان. كان هناك اثنا عشر قاطع طريق. حمل تسعة منهم بنادق، واثنان عصاً سحرية، والأخير كتاب تعاويذ. وكان الرجل الذي يحمل كتاب التعاويذ يرتدي سوارين من الذهب، من النوع الذي يحفظ الثروة جيداً لكنه لا يصدّ النصال. خمنت ميريان أنه الزعيم. لم تكن بنادق قطاع الطرق مرفوعة، لكنها كانت محشوة، والرموز تتألق. كان بإمكانها قتلهم جميعاً بسهولة، لكن بدا أن غابرييل لا يستطيع.
كانت هذه فرصة جيدة لترى ما هو قادر عليه. أو ربما أراد إخفاء قدراته الخاصة هو الآخر. تقدّم غابرييل بخطى واسعة.
وقال ملوحاً بكيسه: "يا سادة! كنت هنا للتو أحاول توصيل هذه الفضة التي وجدتُها إلى صاحبها الشرعي".
وقذف به نحو أحد قطاع الطرق الذي فتحه ليعدّ النقود. كان باستطاعة الزعيم رؤية عصا غابرييل السحرية وكتاب تعاويذ ميريان بوضوح. لقد كان مموهاً ليبدو مثل كتاب التعاويذ العادي الذي قد يملكه ساحر عامل، لكنه ظلّ كتاب تعاويذ جلياً. لسوء الحظ، كانت تلك الأشياء باهظة الثمن.
قال الرجل الذي عدّ القطع المعدنية كلاماً لساحر قطاع الطرق، فأعلن الأخير بصوت عالٍ: "لقد أصبت حين أرددت المال يا صديقي، لكن للأسف توجد رسوم جديدة مفروضة على عابري هذه المنطقة. أخشى أن عملاً صالحاً واحداً لا يكفي لإعفائك منها".
سأل غابرييل بصوت خفيض: "أعندكم أي شيء؟".
"إنه في النزل".
قال بصوت خفيض: "ما احتمالية أنهم يستخدمون ذخيرة خارقة للدروع؟".
ثم رفع صوته وقال: "معذرة، يمكنني دائماً العودة بالرسوم، لكن أدوات مهنتنا هي كل ما نملكه بحوزتنا. وبعض التعاويذ الدفاعية بالطبع. هناك شائعات عن قطاع طرق في هذه المنطقة، رغم أننا لم نرَ أحداً بعد".
هزّ ساحر قطاع الطرق رأسه.
وقال: "أنت مخطئ يا صديقي. نحن نُسيّر دوريات في هذه المناطق ونبقيها خالية من اللصوص".
وابتسم أحد السحرة من خلفه.
"أمتأكد؟ رأى أحد أصدقائي عصابة من المغيرين للتو فوق الـ..."
كان كتاب تعاويذ ميريان مفتوحاً والدرع المغناطيسي منشطاً أسرع مما استطاع قطاع الطرق رفع بنادقهم. دوى إطلاق النار، لكنها جمّدت الرصاصات داخل القشرة المغناطيسية. أخرج غابرييل عصاه المحرقة وأرسل عموداً من اللهب نحو السحرة، ثم شرع يركض نحو سواتر كومة من الرمل. كان قد أخرج عصا درع القوة بيده الأخرى وكان يتعوذ. فكرت ميريان بغباء: إنه يترك حماية درعها. فالرصاص يتسلل عبر دروع القوة طوال الوقت.
كان الساحر قد رفع درع نار - ومن المحتمل أن أحدهم أجرى بعض التنجيم الموجز لمعرفة الرموز التي تحويها عصا غابرييل - لذا ورغم أن النار الحارقة قد أحرقتْه، إلا أنها لم تفعله بالقدر الكافي لإبطاله. أضافت ميريان درع قوة إلى دفاعها الخاص، ثم استخدمت نصال القوة لقطع رأس الساحر. ضجّ الكثير من الصراخ. أطلق غابرييل ناراً حارقة أخرى بينما غطّس نحو ساتر، وانفجرت تعذيبة مقذوفات قوة على درعه.
وتخذ عدة قطاع طرق سواتر أيضاً. وضع أحد السحرة ثلاثة دروع دفاعية فوق نفسه، لكنه أغفل حماية الصواعق. فألقت تعويذة صاعقة متسلسلة قوية بما يكفي لاختراق درع قوته. وصعقت الصاعقة المرتدة ذلك الذي كان يضايق غابرييل بمقذوفات القوة وأحد الرماة. إذن فالتهديد الوحيد المتبقي كان الساحر الأخير. فأرسل كرة نار مباشرة نحو ميريان التي انفجرت على درع قوتها ودفعتها متعثرة إلى الوراء.
شعرت بلسعة الحرارة على جلدها، فتحولت من موجات الغسق إلى الصنوبر الوحيد، ثم ألقت درع حرارة ملائماً كي لا يتكرر ذلك. وبينما كانت تمسك الدروع الثلاثة، دورت طاقة الروح من مخزن كتاب تعاويذها لتعالج الحروق. أطلق العديد من المسلحين وابلًا آخر على ميريان، ثم بدا أنهم أدركوا أن عدم اصطدام الوابل الأول بها لم يكن محض صدفة بجنون. وفي غضون ذلك، كان غابرييل يطلق أشعة حارقة بجنون بعصاه، رافعاً إياها من خلف كومة الرمل التي كان يختبئ ورائها كي لا يضطر لمغادرة الساتر.
كانت داقته مقبولة، وقدرت أنه ينتج طاقة تعويذات بنحو خمسة وسبعين ميراً بانتظام. وهي أعلى بكثير من المتوسط، لكنها بعيدة كل البعد عن الساحر الأعظم. إنه قدر محترم من القوة تجلبه لمعركة؛ إذ يمكنه بسهولة قتل أي شخص غير محمي، وسيجد المقاتلون الأضعف أن تعويذاتهم الدفاعية ليست بالفاعلية ذاتها. اصطدمت كرة نار أخرى بدرعها، رغم أنها كانت تملك درع الحرارة هذه المرة فلم تحدث ضرراً يُذكر.
شرعت ميريان في قطع رؤوس قطاع الطرق الواحد تلو الآخر بنصال القوة. حاول كلا الساحرين مهاجمتها معاً، لكن التعويذات الهجومية الوحيدة التي امتلكاها كانت مبنية على القوة والنار، ولم تستطعا ببساطة اختراق درعها.
نادت غابرييل: "أتريد أي أسرى؟".
فصاح مجيباً: "ماذا؟! لا!".
وعندئذ شرع قطاع الطرق الباقون في الهرب. كان غابرييل قد قتل ثلاثة على الأقل من الرماة، بينما قتلت ميريان بهدوء آخرهم. نظرت إلى غابرييل الذي كان يتنفس بصعوبة. وذكّرها ذلك بكيفية قتالها في نهاية العام الثاني، عندما كانت تغير على مناطيد أكانا. إذن فهو مخضرم في القتال، لكنه لم يفقد حسّه تجاهه.
أقسم غابرييل: "دماء الملوك. أنتِ وحش بحق، أليس كذلك؟ ظننت يقيناً أنك ستملكين بضع ثقوب جديدة حين قررت الوقوف هكذا وحسب. لكن كلا. كم تعويذة كنتِ تمسكين بها متزامنة؟ ثلاث؟".
اعترفت: "أربع"، ولم تذكر أنها تستطيع تجاوز ذلك.
"أنا مندهشة لأنك لم تبلد تجاه القتال".
قال: "إن كنت في معركة فهذا يعني أنني أفسدت الأمر. أحاول تجنب ذلك".
"عندما حاولت اجتياز المتاهة، أأنت وحدك فعلتها؟".
"أه، ألا يمكننا التوقف عن الاستجواب في هذه اللحظة بالذات؟ قد يكون هناك المزيد منهم".
ألقت ميريان تعويذة كشف البشر. كان براز قطاع الطرق قابلاً للاكتشاف في كهف مجاور. وأظهر كشف الحياة، المعزز للمسافات، بعض مخلوقات الصحراء، لكن لا شيء بحجم البشر.
"ليس هناك أحد".
تنهّد غابرييل بصوت عالٍ.
"ألنذهب لاستقصاء كهفهم؟ ربما يؤدي إلى بوابتك هذه".
"على الأغلب لا".
وهبطا إلى الكهف على أي حال. كان الكهف نتناً إلى أقصى حد. كان مزيجاً من رائحة الجسم، والفضلات، والطعام الفاسد، وكلها مخبوزة في شيء كريه حقاً بسبب درجات الحرارة المرتفعة. بدا مدخل الكهف مموهاً عادة بعشرات القطع القماشية الممتدة المغطاة بالرمل، رغم أن قطاع الطرق قد تركوا القماش ملفوفاً والمدخل مفتوحاً عندما أتوا لسرقتهما. أما داخل الكهوف فكان أبرد قليلاً. ومما يثير الاهتمام أن الممرات بدت أشبه بردهات لكونها مستطيلة.
وكانت الممرات كبيرة بما يكفي لكي يستخدمها قطاع الطرق للتخزين، لكنها ظلت تحوي مساحة وفيرة للمشي. وهناك غرف منتظمة أيضاً. لم تكن هناك صواعد، ولم تكن الصخرة بركانية لذا لم تكن أنبوب حمم. وبينما كانا يستكشفان، شرعت ميريان تتساءل. أيكون البروفيسور هولفاتي هو الشخص التالي الذي سأحتاج إلى إحضاره إلى هنا؟
"هذا ليس تكويناً كهفياً طبيعياً. لكني لا أستطيع تخيل أن مجموعة صغيرة من العارفين نجحت في نحت كل هذا".
دخلا غرفة، وشرع غابرييل يفرز الممتلكات جانباً مطيحاً بأغلبها. ثم نظر إلى الجدران مرة أخرى.
وقال: "لدي نظرية. جغرافية متاهية".
فكرت ميريان في الأمر. كان أمراً مثيراً للاهتمام. وقد يفسر الكثير أيضاً.
فقالت: "أخبرني بالمزيد".
"المتاهة تتحرك دوماً، وتُعيد ضبط نفسها، وتتغير. نحن نعلم أنها تتفاعل مع السطح، نادراً، لكن بالقدر الكافي لكي نتمكن من إرسال مستكشفين إلى هناك. نادراً ما يختفي مرور نحو الأسفل. لكن كيف سيبدو الأمر لو فعل؟"
أشار النبي الآخر إلى الجدران.
"ممرات وغرف مستطيلة. كبيرة بما يكفي ليتسع لها ممر متاهة، مع مساحة للجدار".
قيس المسافة بخطواته.
"إنه ليس دقيقاً، لكن التعرية والنشاط البشري سيقومان بالباقي. أعلّمتكِ دروسُك عن دورات التغذية الراجعة؟".
كان على ميريان أن تفكر.
"نعم، فيريديان. أظنه كان يتحدث عن كيف أدى فقدان زنبق المستنقعات في مستنقع إلى القضاء على ثلاث جماعات سكانية أخرى. الفكرة الأساسية هي أن مخرجات النظام تصبح مدخلات جديدة، والتي قد تضمحل أو تحتدم. إنه نوع الأمور الذي تتجنبه عموماً في الصنعة".
"أعتقد أن للمتاهة غاية. لقد أجريت قدراً لا بأس به من البحث. ظلت هيدرولوجيا بيرسامة متسقة بشكل ملحوظ على مدى آلاف السنين. ألم يكن ينبغي للتعرية داخل الأنهار الجوفية المغذية لواحة ماهاتان أن تتسبب في انهيارات في الأرض بالاعلى؟ لكنها لم تفعل. أعلم من الدورة أن إعادة ترتيب المتاهة ليست عشوائية. لذا فربما يكون لها غاية في تنظيم دورات التغذية الراجعة. مجرد نظرية".
أخذت ميريان تفكر في بحيرة تورفيول. لقد وضعها علو تورفيول أعلى بكثير من البحيرة، لكن الأطلال والكهوف تحت البلدة كانت عميقة بما يكفي لتنزل أبعد بكثير من مستوى الماء. فلماذا لم تغرق؟ ولكن إن كانت المتاهة هناك، تحتها... فكم من الماء تستطيع المتاهة احتواؤه؟ أستسمح لنفسها بالغرق أصلاً؟ كانت هذه هي الممرات ذاتها التي تعرف بطريقة ما تفادي نفق تعدين يسعى لملامستها. استرجعت أول استكشاف هبطت إليه برفقة بياتريس.
لقد فعّلا محرك تعاويذ لإغلاق ممر. وتفاعلت المتاهة برعب أعظم. وفي مرة أخرى، اكتشف مقياس مانا الخاص بها مانا مرتفعة تتحرك عبره. وكان ذلك بعد الثوران الشمالي الذي أرسل الميرفايت تتدافع عبر بوابة أرض الصقيع. كيف سيبدو الأمر إن استمرت مستويات المانا تلك في الارتفاع، قل مثلاً، كلما تعمّق المرء أكثر؟ وفي أي نقطة ستدفق مانا كافية عبر النظام لكي تُعتبر خط طاقة أرضي؟
تأملت قائلة: "علينا فهم المتاهة بشكل أفضل".
إن كان خط التفكير هذا صحيحاً، فالسبيل الوحيد للوصول إلى خطوط الطاقة الأرضية هو التعمق بالقدر الكافي. لكن المتاهة تتفاعل معنا. ماذا لو وُجدت طريقة للتحكم بها بناءً على ذلك؟ كانت لا تزال جاهلة بما تفعله بعض الأدوات في قبو أرض الصقيع.
وسألت: "أوجدتَ أي أقبية؟".
هزّ غابرييل كتفيه.
وقال: "واحداً".
كان ذلك مثيراً للإعجاب. لقد فعل ذلك بقرابة خمسة وسبعين ميراً فقط، وبدون سيف مثل الكسوف. ربما كانت تحديات القبو مختلفة تماماً.
"أبلغت النهاية؟".
"بلغتُها".
"هاه. وماذا وجدت؟".
"حزمة من الأشياء الغريبة ذات الخصائص الغريبة. كان أحدها مفيداً لتشكيل أي معدن مشبّع بغير المانا. لم يستطيع لمس الأوريشالكوم، لكنه استطاع إعادة تشكيل الفولاذ المقسى كأنه نصل عشب. وآخر يغير ألوانه بحسب الرموز التي يكون قربها. واستطاع أحدهم امتصاص الكهرباء - يبدو وكأنه أكل تلك اللعينة. دخلت الكهرباء، لكني لم أكتشف قط تغيراً في درجات الحرارة. أغلب الأشياء لم أستطع فهم بدايتها من نهايتها، مثل ذلك المكعب الممتلئ بسائل متعدد الألوان".
قالت ميريان محاولة إبقاء قلبها ثابتاً ونبرتها مستوية: "مثير للاهتمام".
وأدركت أنه عثر على مستودع الآثار.
"وجدت أدوات مشابهة في قبو. ما زلت لا أفهَم ما يفعله أغلبها، لكن تلك التي تستطيع تنمية البلورات قد تكون قيّمة لصنع موصلات مثالية. سيتعين عليك إرشادي يوماً إلى ذلك القبو. بمجرد أن نفتتح بوابة ماهاتان، يمكننا نقل الأساتذة والخبراء من شتى أرجاء العالم. معاً، سيكتشف أحدهم شيئاً ما".
وفكرت: وأُبقيك بعيداً عن كهنة لومينات الذين يعرفون ما هو مستودع الآثار. واصلا التفتيش في الكهوف. لم يملك قطاع الطرق ما يذكر من القيمة. وإن كانت المتاهة قد خلقت الممرات، فلم تترك أي روابط عميقة. توقفت الكهوف عند نحو مئة قدم تحت الكثبان ثم توقفت. ولم يكشف التنجيم عن أي ممرات مسدودة. توقف غابرييل عن الكلام. وكان يتوقف بين الحين والآخر، كأنه ينظر إلى جزء من السقف، أو يُسند اثنين من أصابعه على ذقنه.
وبينما بلغا السطح، طقطق بأصابع يديه فجأة.
"هاه! لقد عرفتُها".
"ممم؟".
ابتسامة عريضة شقّت وجه غابرييل. وكانت تنمّ عن تهديد جلي.
وقال: "أنا أعرف أين تقع بوابة ماهاتان".