بدأت معركة نهر سيتاراب في المنتصف بين أوروباندار وألاتيشاد. تابعت ميريان المناوشات الأولى من علٍ. احترقت القرى والأراضي الزراعية المحاذية لنهر سيتاراب قبل دخول قوات أكانانا في مدى النيران بكثير، إذ أُخليت قبل أيام وفُجِّرت شحنات السحر في المواقع الأكثر أهمية. لم تكن الغاية حرمانهم من الحبوب—إذ لم تكن معظم الحقول جاهزة للحصاد—بل خلق ستارة دخانية تحملها الرياح السائدة غرباً لتحجب الرؤية عن القوة المتقدمة.
أفرزت أكانانا في الوسط زوارق حربية لتقصف ما بدأ الناس يطلقون عليه "جيش العوميني".
صنع نجارو ورسامو بيرساما مئات المواقع الوهمية. سقطت قنابل السحر على تلك المواقع الفارغة اولاً، بينما احتمت مشاة زيغوان الانضباطية منتظرة الاقتراب. افترضت أكانانا سيطرتها على الجو، وتفوقَت على جيش العوميني عدداً ونوعية في سفنها الطائرة. لذا سيطرت ميريان وژوان على الأرض معتمدتين على الخبرة الواسعة في سحر البلورات بزيغوان. أُنشئت الخنادق والهنى الهيكلية والأبنية المعززة اللازمة لمنظم خطوط الطاقة في مايات شادر بجهد فرق من خبراء الأرض وسحر البلورات.
تطلب الأمر أشهراً من العمل، ولم يحتاجوا سوى لعدد قليل من السحرة رفيعي المرتبة لإنهاء إنبات بلورات التوصيل الأساسية. كانت ميريان تعلم أنها مراقبة، لكن ژوان استأصلت كل آثار شبكة التجسس الأكانانية في وطنها. سمح لها ذلك بتطوير قدراتها ونشرها في سرية. وبمجرد تأكيد الحشد الأكاناني في أوروباندار—وهو أمر تافه الملاحظة مع توجه هذا الكم من السفن إلى هناك—حفرت أفواج كاملة من سحرة الأركون تحت الأرض، فأنشأت أميالاً من الأنفاق والملاجئ المعززة.
انتشر الجهد والخبرة اللازمين لهذا المسعى في كل مكان، فالتعدين كان أحد أهم الأنشطة الاقتصادية لبيرساما لقرون. أتى البروفيسور هولفاتي، معلم جيومورفولوجيا ميريان القديم، برفوف كاملة من الخرائط الجيولوجية للمنطقة. انتظرت فرق النار الزيغوانية حتى أصبحت الزوارق الأكانانية فوقهم مباشرة ودخلت عربات السحر الأكانانية في المدى، قبل أن يزيح سحرة الأركون سدادات الحجارة المموهة للملاجئ وتنطلق المدفعية.
تمنَت ميريان لو أن جواسيس غابرييل استمتعوا بعبارتها "لن نستخدم الكمائن".
اشتعلت محركات الدروع للحياة حين انفجرت قذائف السحر عبر السماء وهزت الانفجارات الأرض، مثيرة الغبار ودافعة الأكانانيين للاحتماء. بدلت ميريان أنواع الضوء التي تلتقطها مصفوفة عدساتها السحرية لترصد بوضوح أفضل عبر الغبار والدخان. أُعطبت دروع سفينتين على الأقل فهويتا من السماء تحترقان، بينما تراجع الباقي. اضطر المشاة المتقدمون للبحث عن غطاء—وهو شحيح بما يكفي في وادي النهر.
كانت فرق زيغوان تطلق النار من مواقعها لبضع دقائق، ثم تغلق الفتحة مجدداً بينما تجر سلاحف ماروسور ذات تعاويذ الصمت حول آذانها المدفعية عبر الأنفاق الضيقة إلى موقع إطلاق جديد. بدت الأنفاق على خط الاتصال الأول شحيحة، لكنها احتوت مع ذلك على قوة نيران كافية لتهديد تحركات القوات. وكلما تقدم الأكانانيون شرقاً، وجدوا المزيد—لا قرب سيتاراب فحسب، بل موزعة على التلال الصخرية والأراضي التي شقتهال وديان والقمم المسننة.
امتلأت المنطقة القريبة من ماهاتان بالكهوف مسبقاً، كما عرف غابرييل من بحثهما عن البوابة، وغصت الصحراء الجنوبية قرب جياندهي بالوديان الساققة والمنحدرات الخطرة. كانت التضاريس الأسهل عبر حوض نهر سيتاراب—لكن إن حشد الأكانانيون قواتهم لاختراق الخط دون تأمين جوانبهم، فسيواجهون كابوساً أثناء محاولة السيطرة على ألاتيشاد بينما ينزف جيشهم من كلا الجانبين. وإن سار كل شيء حسب الخطة، فإن الهجوم الأكاناني محكوم بوقت: فقطر الوقود محدود لديهم.
وإن انحرفوا شمالاً لمحاولة الاستحواذ على محاجر الميرفايت المتحجرة، فسيوؤخرون هجومهم ويغرقون في تضاريس ملائمة لقوات حرب العصابات والكمائن؛ ولن تجد لوجستياتهم راحة. وإن رفضوا التخلف، فسيضطرون لاتخاذ خيارات صعبة حول ما إذا كانت عربات السحر أو الدروع أو الزوارق هي التي تحظى بالوقود. فكرت بندم أن الأمر كان يمكن أن يتم بلا دماء. لكن إن كانت الحرب هي سبيلهم لإنقاذ إنتيريا، فسيحفظ ليوان وغابرييل جيداً مدى براعة ميريان فيها.
بقية المشكلة كانت في المدرعات؛ فباستخدام دافعات خطوط الطاقة، يمكنها البقاء محلقة ومزودة بالطاقة بلا وقود أحفوري. وإن قربها ليوان أكثر من ماهاتان، فلدى ميريان وسيبيا يان مفاجأة جاهزة للنشر. غير أنها على الأرجح فطنت لما حدث قرب تلاخوآكو ولن تكرر الخطأ ذاته. ومع ذلك، إن رفضت الساحرة احتلال ماهاتان، فسيترك ذلك مدينة حصينة تحد من مدى تقدم الأكانانيين شمالاً وتبقي خنجراً مسلطاً على خاصرتهم.
تصاعد الغبار والدخان على جبهة واسعة تمتد أميالاً بينما تواصل الجيش المتقدم مع المدافعين ساعة بساعة. بدا واضحاً أن الإشارات الأكانانية تطورت بشكل كافٍ. نُشرت سرايا أكانانا المتأخرة للقتال بالفعل، مع نشر محركات الدروع لتغطية الفرق المتقدمة بينما تثبت أقدامها مستخدمة خبراء الأرض لشق الخنادق وتشكيل حواجز حجرية تحتمي تحتها المشاة والمدافع. وفي غضون ذلك، اتخذت المدرعات الأربع موقعاً عالي الجهد وبدأت تقصف أي مكان حدده المنجمون كموقع للمدافع.
من الناحية المثالية، كانت كل فرق الإطلاق قد أعادت ضبط مواقعها بالفعل، وستتسبب قذائف مهزات الأرض في انهيار الممرات الفارغة فحسب، لكن ميريان أدرى من أن تظن أن كل فرقة نفذت مهامها بلا عيوب. هناك إصابات دائماً. دائماً موت. ويبك لأجل ذلك كله العوميني. شعرت ميريان برغبة في الانضمام للقتال لكنها علمت حماقة ذلك. لو انغمست برأسها بين الأكانانيين، لأحدثت دماراً ساحقاً، وحطمت القوات المحلية، وتسببت في فرارها—لكنها خاطرت بكمين من سرية سادة السحر والنخبة من السحرة.
لقد استنزفت غاراتها عبر بحر الرف مرة أخرى هالتها، وهي بحاجة لتوليد ما يكفي من المانا خلال الأيام القادمة لتتمكن من تنفيذ أي إجراء طارئ تحتاجه في أي وقت. إن استنزفت هالتها، فلن تعد قادرة على تطبيق خطط الطوارئ في ماهاتان أو لومين. قد يبدو الانغماس برأسك في المعركة بمنطقة ما مريحاً، لكنه قد يسمح بخرق كارثي في منطقة أخرى. كانت البنية التحتية للقيادة والسيطرة لجيش العوميني قاصرة؛
فلم تكن تملك ترحيلات الصوت عن بعد أو طاقم السحرة المدربين الذين امتلكتهم أكانانا. تمتلك كل كتيبة قدرات اتصال مرتبطة بالكتائب المجاورة، ولكن بينما يحافظ ذلك على تماسك اللواء، يبقى كل لواء أعمى جوهرياً عن الصورة الاستراتيجية الأوسع. ولتصحيح هذا، ابتكرت ميريان ونشرت عدة أجهزة قادرة على التقاط نوع من الضوء طويل الموجة وتحويله مرة أخرى إلى إشارات لونية مرئية—وهو الضوء طويل ذاته الذي استخدمته في التنجيم عن بعد في رحلتها الأولى إلى لومين—ولكن من الواضح أن معظم الصناع وأحبار الرموز لا يزالون مقيدين بإنتاج منظم خطوط الطاقة.
لم يُنشر سوى عدد قليل من الأجهزة، وعدد أقل من سحرة الأركون تدربوا على تعاويذ الضوء الموجه طويل الموجة. كما أن تعاويذ الإشارة اللونية طويلة الموجة تلك لا تتحرك بشكل صحيح إلا عبر الهواء، مما يعني وجوب كشف الساحر لنفسه على تل لإرسال رسالة أو المخاطرة بعدم وصولها. وما لم يمتلكوا جهاز تحويل خاصاً بهم، فلن يكون بمكانهم إجراء اتصال ثنائي الاتجاه. كانت تلك واحدة من مشاكل تقنية لا تحصى أيقنت ميريان قدرتها على حلها لو لم تستدعي حالة شيكاتل الاستعجال.
تمثل حل ميريان في التحليق على ارتفاع أميال قليلة فوق ساحة المعركة لتكون مركزاً للمراقبة والاتصال معاً. وإن أراد الأكانانيون الخروج في نيران مدفعية ثقيلة لمواجهتها، فمرحباً بهم لمحاولة ذلك. في الأسفل، تلألأت ساحة المعركة بالبرق والجمر. لم يكن مجرد النظر إلى أجزاء مختلفة من الطيف كافياً لمنع احتجاب أجزاء من ساحة المعركة. ومع ذلك، رأت التحركات الكبرى. بعيداً في الشمال، ميزت عربات سحر أكانانية تحاول المرور عبر قطعة مسطحة نسبياً من الصحراء.
راجعت خريطتها لتتذكر أسماء الألوية والإشارات اللونية.
"اللواء الثاني والأربعون، عدو ميكانيكي يتقدم جنوب موقعك. هجوم مشاة سريع على خاصرته لدعم الرابع والأربعين"، أرسلت.
على الأرجح ظن قائد أكاناني متهور قدرته على بدء مناورة التفافية قد تقود التطويق. استخدمت العقيدة الأكانانية التنجيم بالأشعة تحت الحمراء وفحوصات الرموز القياسية للمساعدة في تحديد مكان المشاة، لكن بنادق ژوان استخدمت مصفوفات رموز غير قياسية وعانت الأشعة تحت الحمراء أمام كمية الغطاء والحرارة الموجودة في صحراء بيرساما. قاد القائد عربات السحر الخاصة به متجاوزاً مشاتها المختبئين.
وحين واجهت عربات السحر الأولى خندق مكافحة المركبات المغطى بالوهم، تعرضت لنيران البنادق والهاون من شمالها. تحول انتباهها إلى الجنوب البعيد، حيث حاول الأكانانيون المرور عبر الطريق الأسهل في التضاريس الصخرية. وتعرضوا لنيران مدفعية حددت مواقع القصف مسبقاً. ستجعل الوديان الملتوية والعمودية الشديدة لتلك المنطقة عربات السحر عديمة الفائدة تقريباً. سيكون أي قتال للمشاة متكافئاً، وذاك الموقع بعيد بالقدر الكافي عن المدرعات مما سيجبر الأكانانيين على الزج بسحرة قادرين على التحليق أو زوارق، وكلاهما يسهل عليها رؤيته والرد عليه.
في الوقت الحالي، بدا أن كلا الجيشين يبقيان وحدات النخبة في الاحتياط، مستعدتين للتعامل مع أي أزمة. ستندلع تلك الأزمة غالباً على طول نهر سيتاراب نفسه. فالأراضي الزراعية المسطحة شكلت أرضية مثالية لتقدم أي شيء بعجلات، ومن الواضح أن المارشال سيرسيا توقعت أنه مع الدعم الجوي، يمكن لوحدات الوسط الاختراق ثم تطويق بقية جيشها. أمر متوقع أكثر من اللازم. ظنّت ميريان بصدق أنها ستقدم أداءً أفضل.
وإن الحق يقال، فقد درست سيرسيا ميريان لأشهر قليلة. عرفت ميريان خصمها لقرن من الزمان. حين تدحرجت عربات السحر الأكانانية للأمام على طول النهر، وجدت المفاجأة التالية—الحفر الانهيارية. تعاون صُنّاع الماء البيرساميون مع فرق خبراء الأرض ذاتها التي صممت الأنفاق الدفاعية لخلق عوائق أمام الحركة. استخدموا وسائل سرية—مدعومة بآثار الشيوخ القادرة على خلق حمض قوي—لإذابة أو نحت كميات كبيرة من الحجر الجيري في المنطقة، مبقين ما يكفي من طبقة السطح سليمة لتتسبب عربة سحر مارّة فوقها في انهيار.
دأبت فرق التنجيم الأكانانية على البحث عن قنابل سحرية مدفونة وفخاخ سرية. وأهملت البحث عن الكهوف العادية. ستظهر تلك الكهوف ذاتها بجانب الكهوف الطبيعية في تعاويذ كشف الكهوف، مما زاد صعوبة تحديد مكان اختباء قوات جيش العوميني. ساعدت تعديلات التضاريس عندها في توجيه الأكانانيين إلى مسارات تستطيع قوات الدفاع قصفها. امتدت جسور القوة الأكانانية لما يقارب عشرة أمتار افتراضياً، لذا مُنحت الحفر الانهيارية أقطاراً بخمسة عشر متراً.
امتلكت فرق التنجيم قائمة محددة من سلاسل الرموز التي تبحث عنها لتحديد مكان العدو، لذا استهدفت أجهزة الحماية تلك التعاويذ تحديداً بينما دفن العمال أجهزة في مواقع عشوائية تحمل سلاسل الرموز تلك ليحصل الأكانانيون على إشارات إيجابية كاذبة باستمرار. وفي نفس الوقت، تُمّررت تعليمات إلى داخل أوروباندار تعلم المواطنين المتعاطفين كيفية مقاومة الاحتلال الأكاناني بمجرد بدء التقدم.
ستتراكم المشاكل تدريجياً لترفع قدر الاحتكاك الذي يواجهه الجيش الأكاناني—حتى يتوقف تماماً. لاحظت ميريان انخفاض معدل إطلاق النار في الجبهة الوسطى.
"كل مدفعية المؤخرة على سيتاراب: واصلوا الإطلاق نحو المناطق المحددة مسبقاً. الأكانانيون يتكبدون خسائر فادحة"، أرسلت.
إن كانوا يبطئون معدل إطلاق النار لاحتجاب ساحة المعركة، فسيساعد ذلك. وإن لم يكن، فهو دفعة للمعروف. واصلت عيناها مسح ساحة المعركة. ورغم العقبات، لا زال الأكانانيون يحققون تقدماً، لكن عبر الاعتماد الكثيف على محركات الدروع فقط. وحالما تتعطل تلك بضربات متكررة أو نفاد الوقود الأحفوري، سيضطرون للتوقف والتحتمام. ومن الآن، رأت أماكن احتمى فيها مشاة أكانان يائسون معرضون لنيران القذائف والأسلحة الخفيفة على الأرض وبدأوا بالحفر بالمجاريف والتعاويذ.
لا توجد أوامر قادرة على منع غريزة البقاء البدائية العاملة هناك. ومع تفوق الأكانانيين عدداً على جيش العوميني، كان معظم جنودهم مجندين جدد بقليل من التدريب وبلا خبرة في ساحات المعركة؛ ومثل هذه القوات تفتقر للكفاءة في دفع الهجوم، وهو ما بدأ يظهر الآن. أعادت ميريان وضع عدسة سحرية لتتمتع برؤية أفضل للنهر.
"اللواء الخامس والتسعون، فرقطان تدعمهما زوارق حربية تتحرك صعوداً نحو موقعك مستخدمة محركاً وهمياً لإخفاء التقدم؛ لا تثقوا بالمرئيات".
أمطرت المدرعات نيراناً كثيفة على شمال سيتاراب بمسافة ميل. ورأت زوارق أكانانية تتجمع لجولة إطلاق نار. ألقت نظرة على خريطتها. كان من المفترض أن يكون اللواء 109 هناك، لكن حدثت مشكلة لوجستية ما وملاحظاتها خاطئة. لم تستطع تذكر من يتموضع هناك الآن.
شتمت ذاكرتها الخسيسة وأرسلت إشارة على أي حال: "طائرات عدو تجهز قرب موقعكم. جهزوا نيران الدفاع الجوي على طول الشبكة الرابعة والأربعين".
ومع مرور الساعات، أمرت ميريان بالمزيد من الانسحابات، خصوصاً من الجبهة الوسطى. ومع حلول المساء، ضاقت عيناها. كان التقدم الأكاناني يتباطأ في كل مكان، لكنها أدركت تخطيط سيرسيا لاختراق فوري. كانت المدرعات تنجرف ببطء أقرب إلى قلب القتال، وإحداهن تحديداً كانت تتقدم بميلين على الأقل عن الباقيات. انسحبت عدة زوارق أكانانية من غارتها الثانية، مردوعة بنيران كثيفة، لكنها أعادت التجمع والتزود بالوقود وشن الهجوم مجدداً.
ألقت تمويه التغطية التامة وطارت باتجاه المنطقة. إن ظنت سيرسيا أو ليوان قدرتهما على دفع قوات نخبتهم إلى خط الاتصال، فستريها ميريان سبب كون تلك فكرة سيئة. في الأسفل، واصلت فرقطتان أكانانيتان التحرك صعوداً، تحفهما زوارق حربية. في الأعلى، عكست الزوارق التقدم متخذة تشكيلاً مع المدرعة. تلألأت صفائح الأوريكالكوم الخاصة بالسفينة الطائرة بضوء المساء، مشوهة الانعكاسات بطريقة غريبة اعتادت عليها المادة المشبعة بالمانيا.
ظل الأكانانيون يحددون أهدافاً لمهام القذائف طوال الصباح. وبينما هطلت قذائفهم ممطرة على ساحة المعركة المثقبة الآن، لم تملك ميريان سوى الأمل في انسحاب قواتها في الوقت المناسب. بحينها، حفر معظم أكانان خط الاتصال أنفسهم بالأرض، مستلقين في خنادق ضحلة أو محتمين بخلفية عربات سحر محترقة. ومع دفع المدرعة الأكانانية لتجاوز ذلك الخط، علت هتافات في الصفوف الأكانانية. بدأت مجموعات صغيرة من المشاة، مدعومة باستعراض القوة، تزحف للأمام مستخدمة الحفر والتراب المقلوب كأغطية.
دوت ساحة المعركة بمدافع البحرية والسفن الطائرة مجتمعة. أرسلت ميريان تعاويذ تنجيم سريعة باحثة عن أصول خفية بينما قدرت مدى إطلاق النار سريعاً. ومع خروج المدرعات الثلاث الأخرى عن المدى والسفينة الطائرة المهاجمة خارج نيران تغطية المدفعية المتقدمة، ارتكبت سيرسيا خطأً قاتلاً. فكرت إنها عدوانية دائماً. احتاجت ميريان لكثير من المانا لأجل ما ستفعله، وراغبة في تقليل قدر ما يأتي منه من هالتها.
لحسن الحظ، زودتها المارشال البارعة بما تحتاج. انقضت مستبدلة تمويهها بدرع أسود. ترددت أصداء صرخات الذعر عبر الماء. انطلقت شعلة مضيئة. أولاً، سحرة الهالة. ربطت ميريان أرواح أهدافها في سيفونات، ثم أطلقت وابلاً من تعاويذ الخط الأسود، دافعة ما بدا كضوء معكوس عبر سطح الفرقطة. اندلعت الصرخات بينما هوى سحرة الهالة على متنها نحو السطح. ثانياً، المانا. لم تستطع دروع الفرقطة فعل شيء أمام سحر الأرواح، وقساوسة الكنيسة على متنها افتقروا ببساطة للتدريب لقتال نكرر حقيقي.
انسكبت تعاويذ ميريان فوق الطاقم بلا توقف كفيضان يكتسح السهول. ربط جماعي. سيفون جماعي. موت جماعي. توقفت الصرخات. وتدفقت الأرواح والمانيا نحوها. أظلمت ضربة مدفعية درعها—لكن متأخراً. حصلت على مادتها من المانا. والآن، الدروع. احتاجت تلك الفرقطة، وستعيق الدروع سحر قوتها. يمكن للزوارق الحربية استنزاف ذلك. رفعت الزوارق واحداً تلو الآخر مستخدمة الربط الجماعي على الطواقم قبل قذف الزورق بالفرقطة.
تحطمت الدروع واحداً تلو الآخر ومحركات تشغيلها تتطاير دخاناً مع احتراق رموزها وانشداع بلورات التوصيل. تدفقت طاقة سرية إضافية نحوها. لم تستطع دمجها في هالتها لكن بوسعها استخدامها. هناك تعويذة مارستها ميريان حتى قبل الحلقة؛ وعرفتھا كأي أحد آخر. ولم تودع الفرقطة بصفائح جديدة ملائمة. ألقت تعويذة رفع الأشياء. ارتفعت الفرقطة الأكانانية في الهواء. سُمع صرير وأنين الفولاذ مع تعرض الهيكل لقوى لم يُصمم لأجلها أبداً.
تلاطم نهر سيتاراب بأمواج مع صعود الفرقطة. عبر ساحة المعركة، تجمد الجنود في مكانهم فاغري الأفواه للمشهد. وجرفتها تعاويذ موتها لمن كان سيئ الحظ باقترابه من ميريان بينما استنزفت المزيد والمزيد من المانا من طاقة أرواحهم—وما زالت الفرقطة ترتفع. واصلت ميريان المناورة عبر الهواء، متوسطة الفولاذ الصلب للفرقطة بينها وبين ضخامة النيران الأكانانية. انفجرت قذائف انفجار اللهب وتحطم العاصفة في الهواء حولها، لكن معظمها اصطدم بكتلة السفينة الصلبة وحافظ درعها على البقية.
ولم تدرك السفن الطائرة ما سيحدث إلا مع استمرار الفرقطة في الارتفاع جواً. استدارت الزوارق وسارعت، لكن المدرعة الأكانانية الضخمة لم تستطع مجاراة قدرتها على المناورة وسرعتها. احترقت طاقة الأرواح حولها كجنازة. وللحظة، صمتت المدافع القريبة عبر ساحة المعركة بينما التفتت عشرات آلاف العيون إلى السماء بذهول ورعب. بدفعة من القوة، أرتتهم ميريان ما يمكن لقوة سحرية تفوق 200 مير فعله.
تنفست طاقة سرية فائضة من درعها بوهج منشوري، واستُخدمت طاقة ضخمة لدرجة أن سحر القوة الرافع للفرقطة أطلق خيوط ضوء بنفسجي وبرتقالي أيضاً، بذات لون الانفجارات السرية. قوست الفرقطة طريقها في الهواء واصطدمت بالمدرعة الطائرة. كان الصوت كارثياً—رعد اصطدام جسمين هائلين، وصرير المعدن، والارتداد المرتد لتناثر الحطام عبر ساحة المعركة. لم يسمع الأنبياء الحاضرون مثيله إلا مع خطوط الطاقة؛
وبالنسبة للجميع، بدت المدفعية التي سمعوها منذ بداية اليوم مجرد همسات قبل هذا. مالت المدرعة الأكانانية لجانب واحد، مائلة بأنفها نحو الأرض بينما تقذف مئات النيران شرارات ملونة ودخاناً متصاعداً. وهوى هيكل الفرقطة الفولاذي معها. ساد صمت إضافي عبر ساحة المعركة بينما هوت السفينتان من السماء معاً. لكن للحظة فقط. ثم اصطدمن بالأرض واندلع زئير كارثي آخر مهتزاً بالأرض. حدثت انهيارات أرضية على طول ضفة سيتاراب.
وتصاعدت أعمدة ضخمة من التراب إلى الهواء. كانت ميريان تنسحب بالفعل، عائدة لمراقبتها فوق ساحة المعركة. وفي الوسط، حدث انسحاب واسع بين المشاة. حولت الفرقطة المتبقية في الأسفل محركات قوتها نحو العكس تماماً، وأطلقت كل مدفعية قذائف انفجار جوي بيأس وهي تفعل. حين نظرت خلفها، التقطت عدساتها ما يقارب مائة شخصية محلقة في تشكيل نحو مكانها، بعدما نُشرت من على أسطح مدرعتين. كان الوقت أبعد من رؤية وميض الأدامانتيوم، لكنها علمت بارتدائهن له.
ومع التقاط تنجيمهم الخاص لانسحابها، توقف سحرة أكانانا. لم يرغبوا بمطاردتها في غابة مدفعيتها أكثر من رغبتها في قتالهم بشروط مماثلة. سيعود الجمود—للآن. ومع حلول الغسق عبر ساحة المعركة، استأنفت ومضات المدفعية، مضاءً ساحة المعركة بأقواس جميلة من البرق وبراعم اللهب. لم يتفوق أي منها، مع ذلك، على جنازة المدرعة مع استمرارها في الاحتراق.