ما إن انتهتا من الشؤون الملحة للحلقة الجديدة وتأكدتا من امتلاك الجميع لمراكز طاقاتهم، حتى اجتمعن لعقد المجلس الأول في الحلقة المئوية الثانية والثسمين. وكالمعتاد، التتقين في عالم الأحلام، في قاعة العرش الفسيحة داخل الضريح، حيث يجلس الكائن العونيّ صامتاً في كرسيه العظيم لا يتحرك. بدأ الأمر على النحو الذي توقعته ميريان.
سألتها ميريان عبر الخاطر: "ما الذي فعلته يا ميريان؟"
أجابتها ميريان متصلة بها: "وكيف عرفت أنه أنا؟"
أرسل إبراهيم فكرة «تقليب العيون»
إلى المجموعة، وقال: "كنت أنت بالطبع".
فكرت ميريان في أعذار قد ترضي الأنبياء الآخرين ولا تدينها. لم يكن أي منها مقنعاً. فكرت في القول إنها جربت تشكيلة بديلة للبوابات — ولم يكن ذلك كذبًا بالمعنى الحرفي — وإن ذلك أدى إلى كارثة. لكن البوابات ظلت على حالها المعتاد طوال معظم الحلقة الماضية، كما كان الآخرون يعلمون، وسيؤدي ذلك حتماً إلى سؤالها عما غيرته بالضبط. لذا ابتكرت كذبة أكثر إقناعاً: أنها دمرت بوابة تورفيول بالخطأ أثناء دراستها.
غير أن تدمير بوابة تورفيول يطلق ثوراناً مميزاً لخطوط الطاقة يمتد حتى سلسلة كاسنيفار ويحفز انفجاراً قوياً بما يكفي لمحو معظم الرموز في باليندوريو. لو كان أحد الآخرين يراقب لعرف أن الأمر لم يكن كذلك. وهناك مؤشرات دقيقة أخرى في بيانات خطوط الطاقة، ولو أن أياً منهم أخذ قياساتها لعلم بالأمر. الكذب هنا قد يقضي على الثقة بينها وبين الآخرين. لقد فكرت في ردة فعلها لو اكتشفت خداعاً بهذا الحجم.
لقد كذبت بما فيه الكفاية. لذا حسمت أمرها واختارت الحقيقة.
وقالت: "ربطت بوابة تورفيول بديفير. لقد دمر ذلك الحقل الذي يثبت القمر. ظننت أن بإمكاننا بناء شيء يشبه ما صنعه الأكانانيون بسفنهم الهوائية لنثبت ديفير بأنفسنا، لكن الأمر لم ينجح. طريق مسدود آخر".
شعرت ميريان بالصدمة تسري عبر هالاتهم المتصلة، ولم تكن كلها منقولة عن قصد.
سألت جيريكا: "انتظري، ماذا؟ وكيف...؟"
كررت ميريان: "إنه طريق مسدود. علينا تمديد الدورة لا تقصيرها".
قالت ليوان: "ظنتك تعملين على بلوغ لومين لا ديفير".
قالت جيريكا: "أنا أفعل".
ردت ليوان بضيق: "لسنت أنت".
"كان هذا مشروعاً جانبياً. مشروعي الأساسي لم يتغير".
هتفت جيريكا: "مشروع جانبي!"
قال إبراهيم: "إذن رأيت العونيّ. حدثينا عن نبيّ السيّد".
هذا ما كانت ميريان تحبه وتكرهه في إبراهيم على حد سواء. فهو لا يدور حول الموضوعات. ولا يناور سياسياً. بل يدخل في صلب الأمر مباشرة.
"إنه مصاب. ومحتضر على ما أظن. لكني لم استطع الاقتراب منه. يشبه الأمر محاولة المشي في حقل إنتروبي".
قال إبراهيم: "يمكن شفاء الجراح. لعل هذا هو الحل الذي قُدّر لنا أن نجده طوال الوقت. إن حاول الثلاثي شفاء العونيّ وفشلوا، فلعل من واجبنا تصحيح الأمور".
هذا... لم يكن غير معقول. لكنه تطلب مرة أخرى سحراً يفوق فهمهم بكثير. لو أن العونيّ أرسل أحلاماً بالشفاء والترميم، لربما صدقت أن هذا ما يبتغيه. لكن ما أرسله لم يكن كذلك. بل كان مشبعاً بتيه لا ينتهي. وكآبة عميقة. وشعور بالحداد. وتحذير، لا التماس.
"استناداً إلى ما أعدت بناءه من دائرته الطقسية، استخدم الثلاثي التضحية الجماعية ليهدوا طاقة الروح مجدداً إلى العونيّ ويشفوه. لقد فاق فهمهم لسحر الأرواح والشعوذة فهمنا، إن لم يكن في كل المجالات، ففي معظمها بالتأكيد. لم تستطع طاقة الروح وأفضل سحر للرونيات شفاء العونيّ. فما الذي سنفعله نحن بشكل مختلف؟ وكيف سنحسب حساب الحقل الثلاثي أو حقل مقاومة السحر الإنتروبي؟"
سخرت ليوان قائلة: "أظن أن أعظم عقول أكانان قادرة على فعل ما هو أفضل قليلاً من البيرساميين القدامى".
قال إبراهيم وقد انتشرت طرافته اللاذعة من هالته: "أحقاً؟ وكم من هؤلاء الصناعيين العظماء يعرف ألف باء سحر الأرواح؟"
توقف لبرهة مستمتعاً بوضوح بضيق ليوان الذي عجزت عن كبحه.
"أم لعلّك تشير إلى شعبة المخابرات الجمهورية؟ أهؤلاء هم العباقرة أنفسهم الذين استطاعوا لعن جيريكا حتى فقدت وعيها ولكنهم عجزوا عن شفائها؟ أولئك الذين يتجولون بعصي لعنات ذات غرض واحد وأقفاص فيها فئران عظام حية لأنهم لا يعلمون شيئاً حتى عن سحر مستودع الأرواح التابع للكنيسة؟ أم لعلّك تشير إلى الكنيسة التي لا تتذكر أن شفاءها يستخدم نفس قيود الشعوذة بسبب بقعة عمياء متأصلة في مؤسستها؟ ذكريني... من الذي كسر لعنة جيريكا أصلاً؟"
حقيقة أنه «بيرسامي قديم»
— أو ما يقاربه — لم تفلت من أحد في الغرفة.
حتى كسيكاتل وژوان كانتا تعلمتان بذلك في هذه المرحلة. وربما كانت سيلين تعلم، لكنها لم تنجح بعد في معرفة ما يكفي عن مراكز الطاقات السماوية لتنضم إليهن في الحلم. لم يطيل إبراهيم الوقوف عند هذه النقطة.
"أود أن أرى جرح العونيّ هذا لكي أدْرسه. إن استطعنا معرفة الخطأ الذي ارتكبه الثلاثي، فقد يرشدنا ذلك إلى حل سليم".
قبل أن يصبح أمير حرب ثورياً، درس إبراهيم التاريخ وعلم الآثار في جامعة أوروباندار. وقضى في أنقاض مايات شادرا وقتاً أطول مما قضته ميريان. لم تكن ميريان تريده صاعداً إلى هناك. لكن كان بإمكانها التأكد من اعتنائها بصولجان الثلاثي ودرعهم أولاً. وفي الواقع، كان بإمكانها فعل ذلك بشكل نهائي في هذه الدورة.
"في الدورة القادمة، أو التي تليها ربما. لقد دمرت القوى العاملة هناك كل أجهزتي، لذا أود إجراء دراسة أكثر متانة. لكن قبل أن أعود، يلزميني مزيد من البحث أولاً. سيعطيكم ذلك وقتاً للتحضير أيضاً. وإن أجرينا أبحاثنا في نهاية الدورة فلن نقتطع من الوقت المخصص لمشاريعنا الأخرى. ألن ننتقل إلى التقارير؟"
عندما أرسل إبراهيم فكرة الكتف المرفوعة، ظنّت ميريان أنها نجحت تماماً في تحويل دفة الحديث بعيداً عن المعلومات الحساسة. ثم شعرت بوميض عابر لانعدام الثقة يمر عبر هالة أحدهم، رغم عجزها عن تحديد صاحبه.
سأل غبريال وهو يشير إلى الإبرتين البارزتين من الهيئة البشرية للعونيّ في العرش المهيمن فوقهم: "إذن... تلك «المراسي الزمنية» موجودة... هناك. معهم. أليس كذلك؟"
قالت ميريان غير قادرة على إخفاء ضيقها: "إن أردت رؤيتها فيمكننا الذهاب في رحلة معا. ربما تستطيع إدراكها. لن تقدر على الاقتراب منها. فالحقل المحيط بالعونيّ مباشرة أقوى حتى من الحقل الإنتروبي".
لعلي بذلك أحسم المسألة. ولن يستطيعوا اتهامها بأخذ المراسي الزمنية سراً لأن الجميع يمتلكون حق الوصول إلى عالم الأحلام ويمكنهم رؤيتها وهي في مكانها.
ولمفاجأة ميريان، قالت ليوان: "أهلنا للمضي قدماً؟"
قال غبريال: "بالتأكيد".
أدركت ميريان شعور الفخر الذي ينبعث من كسيكاتل وهي تتقدم للأمام.
وقالت: "لقد حددت موقع بوابة تلاكسواكان. إنها قرب أوكسالاخ. ظلت مختبئة تحت أقدامنا طوال الوقت، أعمق بكثير مما فكر أي شخص في البحث تحته".
سألت ژوان: "ممتاز. وبأي سرعة يمكن لعمالك استخراجها؟"
"مسألة أيام، الآن بعد أن عرفنا المكان المحدد. المشكلة هي أنها قرب مدخل المتاهة. مدخل نادر يؤدي مباشرة إلى أحد المستويات السفلى. هناك تدفق مستمر للميرفيتات والفظائع في المنطقة، وهي قوية بما يكفي لتجبرني على تخصيص عدد ليس بالقليل من النَّاغوال لحراستها".
كان ذلك مقلقاً، فكسيكاتل وتلاكسواكو كانتا عرضة أصلاً لمخاطر أكانان برايديار، والآن سينشغل بعض من أفضل مقاتليها. وفكرت ميريان أنه بات أهم من أي وقت مضى أن تبقي ليوان أكانان برايديار مقيدة بسلسلة. كانت قد أجرت الحسابات بالفعل حول الطريقة الأكثر كفاءة لتشتيت طاقة خطوط الطاقة، وشرحت لأنماط البوابات الأخرى. سيظل باليندوريو متصلاً بجيانغتشي، بينما سيتصل ماهاتان بتورفيول أولاً، ثم بتلاكسواكو لاحقاً مع تحرك الطاقة، لترتبط ألكازاريا بعد ذلك بتورفيول.
بالطبع، افترض هذا أن النظام ظل على حاله من الناحية النوعية رغم التغييرات.
أنهت ميريان حديثها قائلة: "أقدر أن تمتد الدورة إلى ثمانية أشهر بهذا التكوين".
قالت ليوان: "سيستغرق الاعتياد على ذلك بعض الوقت".
أرسلت جيريكا فكرة الإيماء بالموافقة عبر هالتها.
"سيتعين عليّ تغيير الكثير من الأمور من حولي. لكن ذلك سيكون مفيداً للغاية في مشروع بلوغ لومين. تلك المصانع ليست سريعة جداً في تكييف تصنيعها. وهناك أيضاً الكثير لتعليمه لكل هؤلاء الصناع حول تشكيل الفولاذ... لكني أعتقد أنني توصلت إلى طريقة لجعل نقابة بناة السفن في ميركان توفر لي معظم ما أحتاج إليه. ثم هناك مسألة تخزين ما يكفي من الهواء والماء".
استمرت التقارير.
أبقت ژوان تقريرها غامضاً، ولم يكن لدى كسيكاتل الكثير لتضيفه حول الكائنات الروحية سوى ما قالته بالفعل، رغم أنها اقترحت دمج ميرفيتات نباتية مختلفة في تصميم «سفينة الفراغ»
الخاص بجيريكا مما قد يساعد في إبقاء الهواء قابلاً للتنفس. شعرت ميريان بالارتياح حين انتهى المجلس. كانت تعلم أهميتها في التنسيق وبناء الثقة بين الأنبياء، لكنها باتت تجدها مملة ومضجرة الآن. كانت كسيكاتل تجري أبحاثاً في مجالات لا تلم بها ميريان تماماً بعد، لكن أحداً غيرها لم يفعل. كانوا جميعاً يكتفون بتحريك القطع على رقعة الشطرنج، بينما كانت هي تكتشف قواعد جديدة للعبة ذاتها.
وما إن تفرقوا حتى شرعت ميريان في العمل. لقد حصلت أخيرًا على آخر المواد التي تحتاجها لدرع منظم خطوط الطاقة الخاص بها. وأجرت تعديلاتها الأخيرة على التصميم. وخططت لمسارها. لقد حان الوقت أخيرًا.
* * *
المتاهة، المستوى الخامس، شرق ألاتيشاد — صولم 14
اندفع نحو ميريان أحد الغولمانات المقاومة للتعاويذ. غلّفت تعاويذ الانفجار القسري بطاقة الروح ونسفت أطرافه. أطلق صريراً مرعباً، لكنها صدمته بالجدار واستخدمت تشكيل المعدن لتحويل قطعه التي فجّرتها للتو إلى قيود ربطته بها إلى الجدار. ثم مضت، ترفع بسرعة جناح وايفرن، وذيل مانتيكور، وكبد دريك إلى ثلاث عقد مختلفة في الغرفة. انفتح الباب التالي، وكانت قد بدأت بالفعل في استخدام الدفع القسري لضرب المفاتيح الخفية التي ستفتح الغرفة القادمة.
هبط غولمانان إضافيان من السقف واندفعا نحوها، لكنها حطمتهما هما أيضاً، ثم ثنت جسديهما ليتباينا تشابكاً. إعاقتهما ستبقيهما منشغلين لفترة أطول من تدميرهما، إذ إن المتاهة يسعدها إيداع غولمانات جديدة إن شعرت بأن أحدها دُمّر بالكامل. طفت عبر المتاهة، تقلب المفاتيح، وتودع المواد، وتطحن كل ما اعترض طريقها. دمرت الكائن الفراغي في الغرفة التاسعة قبل أن يتسنى له حتى تجريد الهواء من حول رأسها، ثم أرسلت شعاع تفتيت نحو الكوستر الذي كان يختبئ في الزاوية.
الممر الأخير احتوى على محطم الصدفات، لكنها حطمت دفاعاته بسهولة بتعاويذ القوة قبل أن تقطعه إرباً. ثم أصبحت الخزنة ملكاً لها. طفت إلى الأمام، تحرك االقرامص على الباب بالتحكم في الأشياء قبل أن تنتهي حتى من عبور الغرفة. انفتح باب الخزنة بجلجلة.
* * *
المتاهة، المستوى السادس، خارج أوروشاندار مباشرة — صولم 18
بدأ السنتيسيرات بالتحرك نحوها، لافاً جسده الشبيه بذات الألف قدم عبر البعد الرابع حتى ظهرت أجزاء منه فجأة خلفها. كانت ميريان تعرف مسبقاً أفضل مسار للهروب، واستخدمت الوميض لتتسلل عبر فجوة في الحلقات. استخدمت السحق القسري لتصدع درعه، ثم غذت الفجوة بلهب محرق حتى تفحّم اللحم لدرجة تفكك الجزء تماماً. ثم أشعلته ببرق متفرقع، وتوثبت الصواعق على طول الجسد حتى استقر ساكناً.
طارت عبر الممر التالي، متجاهلة سرب الأهوال، ثم استخدمت شفرات القوة لتمزيق هول أعظم اعترض الباب البعيد. تسللت عبر الممرات الضيقة أسرع من عدو الإكسيمونتار، وتطايرت تعاويذ القوة والبرق في كل اتجاه بينما كانت تحطم أي شيء يمثل تهديداً. وحين بلغت باب الخزنة، سمعت صخب أقدام تشبه الإبر على الحجر خلفها. تجاهلتهم، وحركت الرموز على الباب إلى تسلسلها الصحيح، فانفتح الباب. خزنة أخرى لغزوها.
هذه كان بانتظارها فيها مكعبان من الآثار. أغمضت ميريان عينيها برهة وتفقدت هالتها. هنا، حيث كان المانا المحيط كثيفاً، استشعرت هالتها تتعافى سلفاً، مستخدمة أنماط التدفق لاحتجاز ثم دمج الطاقة السحرية المتبددة على نحو عجز عنه قلة من السحرة الآخرين. مع ذلك، تجرعت بسرعة أحد إكسيرات المانا عند حزامها، مغمضة عينيها لحظة للتأكد من اندماج المانا الدخيلة بسلاسة في هالتها. بلا دوامات ولا شذوذ.
كان هذا جيداً. وما كانت قد بدأت للتو.
* * *
المتاهة، المستوى الرابع، شمال أوروشاندار — صولم 20
تدفق موجة أخرى من أهوال المتاهة عبر الأبواب، متحركة كظلال زيتية. كانت ميريان تحت هيئة الرماح قاطع الماء، وهكذا حين أقبلت، انسابت عبر الغرفة، وإيكليبس بيدها، مستخدمة طعنات دقيقة وضربات سريعة لفرم المخلوقات الصغيرة الرهيبة. جعلت الهيئة الحركة تبدو بلا تفكير؛ تحركت كالموجة، تنساب من جزء من الغرفة إلى آخر، ومع كل ضربة، كانت تفصل الأطراف وتُقطّع الأجساد. في غضون دقائق معدودة، مات السرب، وانفتح الباب.
بطأ تنفس ميريان، وهدأت دقات قلبها. خرجت ميريان من مجال قمع مضاد السحر وشقت طريقها نحو خزنة أخرى.
* * *
الركام الثاني، نقابة إينيكوس — دوالا 5
دلف نيكولوس ساكريستار إلى قاعة نقابة إينيكوس وهو يعتليه قلق عارم، لكن إنْ كان هناك شيء واحد تعلّمه في نشأته بوصفه ساكريستارياً، فهو كيف يخفي أيّ رهبة. تعرّف ببطولة على المرأة التي تعمل خلف المكتب. سيلفيرا، هكذا قال ميريان. ألقى نيكولوس نظرة خاطفة على الملاحظات التي يحتفظ بها ميريان الآن في كتاب تعاويذه، وكان واثقاً تماماً من أن الكلمات لا يمكن قراءتها إلا بتعويذة عدسة.
وكل صفحة رآها كانت ممتلئة عن آخرها بذلك الخط الدقيق، باستثناء واحدة تضمّنت رسماً تخطيطياً معقّداً لدرجة أنه أُصيب بصداع لمجرد الاقتراب من ذلك اللعين. في طريقه إلى الركام الثاني، ظلّ يفكر، يا ترى كم حفرة زمنية اجتازت؟ بدت سيلفيرا متفاجئة قليلاً.
قالت: "آه، نيكولوس. لم يكن السيد إينيكوس يتوقعك... أعني، كنا نتوقع ممثلاً عن آل ساكريستار، لا..."
وتنحنحت.
"لقد تأخر الاجتماع قليلاً، فلا تتردد في الجلوس".
"سيلفيرا! تبدين في أفضل حال. قولي لي، أعني، أنا أدرك أن السيد إينيكوس يفضل استعراض قائمة الحيل المعتادة للمفاوضات، لكنني فكرت في أن نتخطى ذلك، أتعلمين؟ أنا لا أقلق أثناء الانتظار، بل أشعر بالملل فحسب".
احمرّ وجه سكرتيرة إينيكوس، التي عادة ما تكون متماسكة، قليلاً.
وقالت: "ليس هذا هو—"
لوّح نيكولوس بيده مستخفاً.
"لا بأس، أنا أحترم من يواظب على أفضل ممارسات التكتيكات. الأمر وما فيه، أنني حصلت على ومضة بصر حول الوضع المالي لنقابة إينيكوس".
وعندما اتسعت عيناها قليلاً، أردف: "لا تقلقي، لم تكن كاليستو. فهي أداهى من ذلك بكثير. حسناً؟"
كانت المحادثة عرضاً تمثيلياً وُجّه لأكثر من سيلفيرا وحدها، إذ عرف نيكولوس بوجود تعويذة استماع عن بُعد ينصت عبرها كاين إينيكوس. انتظر بصبر.
استعادت السكرتيرة هدوءها وقالت: "دعني أرى إن كانت الأمور جاهزة".
تسللت عبر الأبواب الفخمة المفضية إلى غرفة الاجتماعات، ثم عادت بعد لحظة.
"نعم، سيقابلك الآن. ألم تصطحب أي مساعدين؟"
لم يفعل.
"كلا. هذه مجرد مسألة عقود اعتيادية".
عندما دخل الغرفة، رأى كاين إينيكوس يبدو شاحباً ومنهكاً بدرجة أكبر بكثير مقارنة بآخر مرة رآها فيها نيكولوس. في الواقع، كان ذلك مديحاً مبالغاً فيه. لقد بدا وكأنه حثالة. بدأ بالإطراء، هكذا فكر.
"السيد إينيكوس! يسرني لقاؤك. ويجب أن أقول، تلك السترة تبدو رائعة عليك. أهي من حرير زايغوان؟ أزجي تحياتي للخياط".
كان نيكولوس يتصرف بعفوية، لكنه كان يراقب عن كثب رد فعل كاين. لقد أدت الكلمات إلى تجريد بطريرك إينيكوس من سلاحه لحظياً.
"آه. شكراً لك، سيد ساكريستار. ويسرني لقاؤك أيضاً. تفضل بالجلوس، من فضلك".
تاليا، العرض والإغراء بالجطمع. جلس نيكولوس بلا تكلف على أحد المقاعد الوثيرة. لاحظ بقعة على أحد المسندين. ولاحظ أن عتبة النافذة لم يُنفض عنها الغبار.
قال نيكولوس: "هناك فرصة تجارية جديدة. طريقة لتجاوز آل أكانان. نحن نُعدّ الترتيبات الأساسية بالفعل. وكجزء من ذلك، تحتاج عائلة ساكريستار إلى أجزاء الميرفايت. الكثير منها. لتُشحن إلى ألكازاريا، بدءاً من شهرين. في ذلك الوقت، سنشتري عدة مواد كيميائية سحرية، وسيكون هناك ارتفاع في أسعار الثيروميراديد والأسترامولوفيت، فضلاً عن نقص في أجزاء المانتيكور. لذا أريد منك أن تعلم، هناك جزآن لهذه الصفقة: العقد الذي نتفاوض بشأنه، ومعلومات السوق المبكرة".
أجل، كان كاين مهتماً. استطاع أن يرى عضلات رقبته تتوتر. بعد ذلك، أدعه يمرر بعض العبارات التي تبدو غير ضارة في العقد مقابل شحنة أولية أكبر. انتظر رد كاين. كان الرجل يمحص العقد بعناية باحثاً عن أي فخاخ قانونية. ومع ذلك، كان يعرف مسبقاً ما ستكون عليه إجابة كاين. يا للبؤس، هذا ممتع حقاً. أتراك تشعر بالملل يوماً من إحساس السوة الذي تمنحه لك هذه الألعوبة؟ ومع سير المفاوضات قدماً، بدا وكأن كاين يرقص على خيوط، يا له منغشوم طماع.
كان كل شيء يسير تماماً بالطريقة التي أخبره بها ميريان.
* * *
مخبأ أتراه كسيدي، جنوب فالجيمالي - دولا 19
أطبقت ترينيا على فكّيها. حاولت ألا تبدي قلقها وهي تراقب فوران. لم ترَ القائد الأوّل قط على هذه الحال. كان قلقاً، إلى الحدّ الذي تحوّل فيه الخوف غضباً، وكان ذلك الغضب يغلي تحت مظهره الصارم.
قال أحد الحراس السحريّين الآخرين مجدّداً: "كانت استخباراتنا سليمة".
وسأل آخر: "وماذا لو كان قسم الأعماق يتلاعب بنا؟".
سمعت ترينيا عن نزاع سياسيّ يحتدم بين مختلف فروع الحرس الملكيّ، لكنّها لم تظنّ قطّ أنّه قد يعرقل عمليّة بهذه الأهميّة.
"تحقّقنا بأنفسنا. رجالنا أنفسهم، ودون الاعتماد على عملاء الأعماق البتّة. كانت الاستخبارات سليمة. إنّه يلتزم بجدول زمنيّ. أمتأكّدون من أننا فتّشنا الممرات كلّها؟".
لقد فعلوا. مشطوا المكان، ثمّ ألقوا كلّ تعويذة استبصار في كتبهم. أبقت ترينيا عينيها على فوران الذي ظلّ صامتاً مع استمرار الحديث. ما زالت المفكّرة تدور في ذهنه. عِلمها بما كان يتدبّره لم يخفَ عليها: أكان أتروكسيدي يعلم بقدومنا؟ والأهمّ من ذلك، إن كان يعلم، فكيف؟ كان عليه الاستعداد للأسئلة كافة. أمور كثيرة على المحكّ هنا. إن كان التجسّس قد تسلّل من الحراس السحريّين فالأمور بالغة الخطورة.
وإن كانت مجرد مناورات من الأعماق، فسيتوجّب عليهم استدعاء معارفهم في البرلمان لإجراء تحقيق دقيق في شأن القسم. لقد تمادى الأمر كثيراً. غير أنّ الساحر المظلم إن كان يعلم بقدومهم، فلماذا ترك جيشه من الموتى الأحياء؟ على الأقلّ يمكننا تفكيكه. لكن يا للسماء، كيف صنعهم جميعا؟ لا بدّ من وجود أكثر من ألف من هذه الكائنات. وقفت جنود المومياوات في تجاويف مقابرهم بشكل ينذر بالشرّ.
لم تكن أيّ من ريُّ كفّين الظلام مرئيّة. أحبّ أتروكسيدي حفرها مباشرة على العظام. كان مرعباً أن يمتلك رجل واحد كلّ هذه القوة. خطر لا يهدّد جمهورية باراكويل وحدها، بل يهدّد فكرة الجمهورية ذاتها.
رفع فوران يده وقال: "توقفوا".
توقف الحراس عن الكلام.
"علينا التأكد من أن هذا ليس كميناً. وعلينا ضمان ألا يمنح هدفنا الوقت الكافي للاختباء إن كان هذا ما فعله. لديه منشأة أخرى قريبة. ظننتها مهجورة، لكن لعلّ الأمر ليس كذلك. سنجري مسحاً استبصاريّاً خارج الهضبة، ثم نتجه إلى هناك. يمكننا دائماً العودة إلى هنا لتدمير هذه الأرجاس لاحقاً. تشكيلات".
اتخذت ترينيا موقعها، وبدأوا بالمسير عائدين نحو مدخل المجمع. كان الخطّ الأوّل من الحراس يشقّ طريقه عبر الكهف حين عمّ الظلام فجأة ووجدت ترينيا نفسها مقذوفة إلى الخلف نحو ساحر آخر. كانت أذناها تطنان، وسعلت مختنقة بالغبار. ظهرت تعويذة ضوء خلفها، لكن استغرقها الأمر لحظة لتدري ما حدث للتو. انهار سقف الممرّ. تسارعت دقات قلب ترينيا. سحق خمسة من رجالهم في توقيت واحد. وبقي الباقون محاصرين لحين تمكّنهم من حفر طريقهم عبر الصخور.
لن يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، لكنّ الأسقف الصخريّة الصلبة لا تنهار هكذا عن طريق الصدفة. ثم سمعت صوتاً يتردد صداه في الكهف المظلم.
"يا فوران، أريدك أن تعلم أن الدماء التي ستُسفك قريباً هي في رقبتك. كان بإمكانك تجنب هذا كله لو لم تقتل زوجتي وتسرق طفلي".
التفتت ترينيا بجنون باحثة عن مصدر الصوت، قبل أن تدرك أنه صادر من محرك تعويذات بسيط مثبّت في السقف.
"الأمر المحبط الوحيد هو أنه أخبرني بأن موتك لن يدوم. لكن يجب أن أقول، ستكون هذه نهاية مناسبة لك. محاصراً داخل منزل اقتحمته، لتشعر هذه المرة بما يعنيه الخوف على حياتك. إنه لأمر مرضٍ تماماً أن تعرف النتيجة يقيناً".
عن أيّ خمس جحيمات يتحدث؟ فكرت ترينيا، لكنها لم تكن حمقاء أيضاً.
نادت: "دروع!"، وهي تسحب عصايها السحريّتين.
وحتى مع ظهور الدروع المتداخلة حولهم، رأت أن فوران لم يسحب عصاه. كان واقفاً هناك فحسب.
قال بهدوء: "تباً".
وعندها بدأت جنود المومياوات كافة بالتحرك. خرجت من تجاويفها دفعة واحدة والتفتت نحو الحراس. كمين. لقد كان كميناً ملعوناً. خفق قلب ترينيا في صدرها بقوة. هجم الموتى الأحياء.