مَلِك العصير
شهدت غرفة الاستراتيجيات الملكية اسم تشيلسي ويكس يتكرر في التقارير خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة أكثر ممّا فعلت معظم البيوتات النبيلة في عام كامل. جلس الملك جوس على رأس الطاولة البلوطية الطويلة وأمامه سجلات تجارية وملخصات نقابية وتقديرات ضريبية ومذكرات خاصة مبعثرة في كوم متباينة. تدفق ضوء الصباح عبر النوافذ الشرقية ساطعاً بما يكفي لجعل الغرفة تبدو أدفأ ممّا كانت عليه أثناء اجتماعهم المتأخر ليل البارحة بعد المأدبة.
لا تزال هناك مشاكل في كل تقرير بطبيعة الحال. لا تزال الطرق بحاجة إلى إصلاح ولا يزال التجار يتذمرون ولا يزال رؤساء النقابات يدافعون عن ميزانياتهم وما زال نصف النبلاء يعتقدون على ما يبدو أن الضرائب شيء يحدث لأناس آخرين. مع ذلك وجد الملك نفسه يقرأ الصفحات بشيء يقترب بخطورة من الأمل. لاحظت الملكة جوس ذلك قبل أي شخص آخر.
قالت ملاحظة: "أنت تبتسم لتقارير الميزانية".
نظر الملك جوس إلى الصفحة التي في يده وأطلق ضحكة متعبة لكنها صادقة.
"للمرة الأولى التقارير ليست سيئة للغاية".
جلس دوق فالكريست قرب النافذة ومعه كوب شاي ويبدو مسترخياً أكثر مما ينبغي لرجل دُعي لمناقشة أمور تهم الدولة. وقف القائد هايل قرب المدفأة كالعادة. كان بإمكان الملك جوس إحصاء المرات التي رأى فيها القائد جالساً على أصابع يد واحدة حتى لو كانت إحدى أصابعه ناقصة. كان الوزير كوروين فايل قد غطى قسمه من الطاولة مسبقاً بتقارير مرتبة بعناية يحمل كل منها ختماً نقابياً مختلفاً.
عدل فايل نظارته ونقر على الصفحة العليا.
"يتقرير نقاط الخياطين أن التوسع يؤكد نتائجه بالفعل. ست عشرة خياطة جُلبن وتسع متدربات أخِذن من الأحياء السفلى وعقد قماش جديد جرى تأمينه عبر شريك شحن لفالكريست من أجل... ماغي أورلان؟"
أثير انتباه دوق فالكريست.
"أي شريك؟"
"مارين وأولاده".
جعل هذا الدوق ينتصب في جلسته قليلاً.
"محل الفساتين الصغير ذاك؟ هل أمنت مارين وأولاده بطريقة ما؟"
صحح فايل: "تشيلسي ويكس هي من أمنتهم. وأورلان تنفذ العمل".
بدت الملكة جوس مهتمة الآن.
"أهذه صانعة الفساتين التي استثمرت فيها تشيلسي؟"
قال فايل: "نعم. ألف وثلاث مئة قطعة ذهبية بفائدة منخفضة وبشروط سداد كريمة بما يكفي لتشجيع النمو ومصممة بدقة بما يحافظ على انضباط المحل. منذ المأدبة تضاعفت عمولات أورلان من البيوتات النبيلة. يبدو أنه بمجرد أن رأى نصف البلاط تشيلسي ترتدي من عملها تبع ذلك الطلب".
أطلق دوق فالكريست ضحكة خافتة.
"ارتدت الفتاة فساتين فخلقت حدثاً نسيجياً بالخطأ".
قال وزير التجارة: "لا أظن الأمر عرضياً".
بقى تعبير القائد هايل متشككاً.
"أنتم متلهفون جداً لمدح شيطانة لجعل النساء الثريات يشترين الثياب. كيف يكون هذا مهماً؟"
قال الملك جوس وما زال يقلب التقرير: "لا. نحن نمتدحها لتحويلها محلاً شبه ناجح إلى أجور إضافية وفترات تدريب وعقود ونشاط ضريبي وطلب اجتماعي".
انتقل الوزير إلى التقرير التالي.
"شهدت نقابة المغامرين تحسناً ملحوظاً أيضاً. البلاغات المرتجعة انخفضت. الشكاوى بشأن الوظائف غير المتطابقة انخفضت. الإصابات البسيطة بين مغامري الفئتين إي ودي انخفضت بما يكفي لتتذمر نقابة المعالجين من قلة العمل. يتولى المزيد من المغامرين منخفضي الرتبة عملاً مناسباً وبدأ العديد من قادة الفرق بالوصول مبكراً خصيصاً لتتولى تشيلسي تعيين مهامهم".
مالت الملكة جوس إلى الأمام قليلاً.
"لا تزال تقرأ البلاغات بلا أجر؟"
أجاب فايل: "نعم. تدفع لها النقابة الأجر اليومي المتفق عليه لكنها تواصل التبرع بالمبلغ كاملاً للملجأ".
سألت الملكة: "ما زال بسرية؟"
"بالمعنى الرسمي نعم. بالمعنى العملي يعرف عدة كتبة ويعرف رئيس النقابة وتشتبه مديرة الملجأ وبدأت الشائعة تنتشر عبر الحي السفلي".
وضع الملك جوس الصفحة جانباً وأسند أصابعه عليها.
"هذه ليست أسوأ شائعة تنتشر في المدينة".
وافق دوق فالكريست: "صحيح. شيطانة تطعم الأيتام تخفف الصورة نوعاً ما".
رفع الدوق كوبه.
"لكن نوعاً ما فقط. تبقى شيطانة".
تجاهله فايل وتابع.
"ما يهمني أكثر هو كيف تتعامل مع طابور المهام. إنها لا تقرأ البلاغات فحسب. بل تطابق العمل مع تشكيلة الفريق والمزاج والرتبة والقدرة على السفر ونوع السحر وعلى ما يبدو ما إذا كان المغامرون يبدون أغبياء بما يكفي لقتل أنفسهم".
حدق فيه هايل.
"أهذا مكتوب في التقرير؟"
قال فايل: "ليس بهذه الكلمات. لكن نعم. تملك ويلو حصيلة لغوية ملونة للغاية".
استند الملك جوس إلى كرسيه وبقي تعبير الأمل حاضراً رغم القلق الكامن تحته.
"يعني هذا أنها تبني ثقة مع نقابة المغامرين من القاعدة إلى القمة".
قال القائد: "يعني هذا أيضاً أن المواطنين المسلحين بدأوا يربطونها بالمعاملة العادلة والعمل الأكثر أماناً والمساعدة المجانية. لا ينبغي إغفال ذلك. ليس كأنها تحتاج إلى جيش ورائها حين تمتلك أدريان ويكس".
انفتح الباب القريب من جانب الغرفة ودخلت الليدي سيلين ماير ومعها ملف داكن مطوي تحت إبطها. لم تتعجل ولكن الجميع في الغرفة فهموا بطريقة ما أنها لم تأتِ لتكرار معلومات قديمة.
قالت بانحناءة خفيفة: "جلالتك".
استهلال الملك جوس: "سيلين. أرجو أن تخبريني بأنك جئتِ بشيء مشجع".
أجابت: "لقد جئت بشيء ما. وسواء أكان مشجعاً فهذا يعتمد على مدى تحملك لتشيلسي ويكس".
ابتسم دوق فالكريست.
"أنا أعشق الفتاة لذا أسمعينا الأخبار".
تمتم القائد هايل بشيء خافت للغاية بحيث تعذر سماعه. وضعت سيلين ملفها على الطاولة وفتحته.
"نشاطها المالي المؤكد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية واسع النطاق يا جلالة الملك. واستثمار أورلان لا يقترب حتى من أكبر حركة عملات قامت بها".
استند الملك جوس إلى الخلف في كرسيه. قلبت سيلين الصفحة الأولى.
"استحوذت على عدة عقارات مهملة في أنحاء الأحياء السفلى وغالبيتها بحالة سيئة ومعظمها متجمع حول مؤسسات الرعاية المدنية والمعابد الصغيرة والمطابخ العامة ودور الإحسان المدارة بخاصية فردية. ليس أي من عمليات الشراء غير قانوني. في الواقع يبدو كل عقد نظيفاً بشكل غير عادي. دفعت السعر المطلوب أو أعلى في كل حالة تقريباً وسوت الديون المستحقة وغطت الضرائب المتأخرة قبل أن تتاح لمكاتب المدينة فرصة إصدار إشعار".
شدد الملك أصابعه قليلاً على مسند كرسيه.
"تعاقدت أيضاً مع ثلاث نقابات للبناء وشركتي أعمال حجرية وقاعة نجارين وشركة قزمية للأعمال الهنشائية لبدء ما تصفه الأوراق بـ«تحسينات عاجلة لقابلية السعي». التكلفة المقدرة فاحشة. الموجة الأولى وحدها ستكون كافية لإعادة بناء حي تجاري بعد حريق".
تابعت سيلين قبل أن يتمكن أحد من مقاطعتها.
"توجد أيضاً إيداعات في حسابات خيرية. إيداعات ضخمة. يرتبط العديد منها بإغاثة الطعام وملابس الشتاء وزيارات المعالجين ومواد التعليم. جرت بعض الإيداعات بصلاحيات عائلة ويكس. وجرت أخرى عبر حسابات حفظ نعتقد أنها أنشأتها بنفسها. أشار عليها البنوك بسبب الحجم لا الشبهة. يبدو أن طفلة تدخل وبحوزتها ذهب سائل أكثر من معظم البيوتات النبيلة يميل إلى إحالة الكتبة إلى حالة هلع".
قلبت سيلين صفحة أخرى.
"أجرت استفسارات بالجملة عن الحبوب والطحين والفواكه المجففة واللحوم المحفوظة ومنتجات الألبان وزيت المصابيح والبطانيات وأحذية الأطفال وألواح الكتابة والكتب منخفضة التكلفة والصابون والمستلزمات الطبية. لا توجد أوامر شراء بعد لكل تلك المواد لكن العديد من التجار بدأوا بالفعل في حجز مخزون لأنهم يعتقدون أن عقداً ملكياً أو نقابياً كبيراً يتشكل".
أسكت هذا الغرفة للحظة. نظرت سيلين إلى الأسفل مجدداً.
"اشترت أيضاً مواد تعليمية من مكتبتين وطلبت عدة كتب تمهيدية للمستوى المبتدئ وسألت دار نسخ عن تكلفة نسخ نصوص الحساب الأساسية بكميات كبيرة. افترض رئيس النساخ أنها تمثل مدرسة. وحين علم أنها لا تفعل ضاعف سعره وهو ما ابتسمت له حسب تعبيره وسلمت القطع النقدية".
تمتم الملك: "كان ذلك حكيماً منه".
"هناك المزيد. فتحت عدة حسابات احتياطية بتعليمات قائمة تنص على ترك الفائدة دون مساس حتى يطلب مسؤولون معينون بأسمائهم الأموال. المسؤولون ليسوا نبلاء. إنهم حراس ومعالجو متقاعدون وموظفو معبد وفي إحدى الحالات امرأة تبدو وكأنها تدير مطبخاً من مؤخرة مغسلة. المبالغ ليست قليلة. قد لا يدرك بعض هؤلاء الناس بعد ما جرى وضعه في متناول أيديهم".
حدقت فيه.
"ولماذا لم يوقف أحد هذا؟ قد يجع هذا النبلاء يثورون".
رمقته سيلين بنظرة تكاد تكون متعاطفة.
"أيقف ماذا يا جلالة الملك؟ دفع الضرائب؟ إصلاح مبانٍ غير آمنة؟ شراء الطعام؟ تمويل المعالجين؟ فتح حسابات في بنوك معترف بها قانوناً؟ المشكلة ليست أنها تخرق القوانين. المشكلة أنها تطيعها بدقة شديدة لدرجة لا تجعل أحداً قادراً على إيقافها".
كسب هذا نظرة مزعجة من الوزير. قلبت سيلين الصفحة الأخيرة.
"توجد تحركات أصغر أيضاً. تواصل التبرعات بأجور النقابات. وسألت البنك أيضاً عدة أسئلة حول الإقراض المفترس وإعادة هيكلة الديون ومقدار الصلاحية التي يملكها الدائن حين يكون المدين قاصراً أو عاجزاً أو أرملاً أو تحت رعاية مؤسسية".
أغمض الملك عينيه. كان التقرير تماماً ما أراده. كان كل ما تفعله يصلح مملكته. كان هذا ببساطة تشيلسي ويكس تكتشف الفقر وتقرر على ما يبدو بين عشية وضحاها أنها قادرة على إصلاحه. خفضت سيلين الملف.
"لا يوجد دليل على الاحتيال أو الخيانة أو الإكراه أو النوايا العدائية. ومع ذلك هناك هلع متصاعد بين البناة والملاك وعدة عائلات نبيلة صغرى قضت سنوات تجني الأرباح من بقاء الأحياء المهملة مهملة".
فتح الملك عينيه مجدداً.
قال: "طبعاً هناك هلع".
أومأت سيلين برأسها مرة واحدة.
"في الوقت الحاضر يا جلالة الملك أصدق خلاصة لدي هي أن تشيلسي ويكس اكتشفت مشاكل المدينة المهملة وبدأت تشتري الحلول أسرع ممّا تستطيع مكاتبنا تسجيله".
تنقل بصر دوق فالكريست بينه وبين الملك.
"يبدو أنها تنفذ حقاً فكرة مطعم الدخل المنخفض خاصتها. يخنة للجميع أو أياً ما أسمته".
أومأ الملك ببطء.
"العمال. المغامرون. الكتبة. المتدربون. الناس الذين يحتاجون إلى الطعام بسرعة وبتكلفة زهيدة".
قال فايل: "نعم. إن استطاعت جعله في متناول اليد فإنها تغير طريقة تحرك العمال العاديين خلال النهار. وقت أقل في العودة للبيت لتناول الوجبات واعتماد أقل على بائعي الشارع ذوي الجودة المشكوك فيها وطلب أكثر قابلية للتنبؤ للمستلزمات الأساسية".
سأل القائد: "أتقترح أنها قادرة على إعادة تشكيل العاصمة بمطعم رخيص واحد؟"
أجاب فايل: "مطعم واحد لا يفعل. النموذج يستطيع. يفتح هذا المكان ويحج نجاحاً. وسيتبعه مئة مطعم آخر من تجار مقلدين يحاولون الدخول في الإيرادات الجديدة".
نقر أصابع الملك جوس بخفة على الطاولة.
همس لنفسه: "تشيلسي ويكس".
أهدأ هذا الغرفة للحظة. نظر الملك إلى التقارير المجمعة مجدداً. ما زالت هناك نقص وعدم كفاءة وأنظمة أرصفة متعفنة ونبلاء حمقى وطرق تبتلع العملات أسرع من العربات. ومع ذلك وللمرة الأولى منذ سنوات بدت بعض المشاكل أقل استعصاء. لم تحل تشيلسي المملكة. لم تقترب حتى. لكنها تجولت في عدة أنظمة مهملة وبدأت فوراً تشد الخيوط السائبة. جعله هذا يرغب في رؤية ما سيحدث حين تشد بقوة أكبر.
قال الملك جوس أخيرفاً: "أريدها أن تنجح".
استقر انتباه القائد هايل عليه بالكامل.
"هذه ثقة مفرطة تُمنح لشخص بالكاد نعرفه".
أوضح الملك: "إنها فرصة. إن نجحت استفادت المملكة. وإن فشلت بصدق تعلمنا العقبات التي أوقفعتها. تعطينا كلتا النتيجتين مادة نعمل بها أكثر من مجرد تقرير آخر يخبرني أن الطرق باهظة وأن التجار لا يحبون التأخير".
ابتسم دوق فالكريست.
"بدا ذلك متفائلاً تقريباً".
رمقه الملك بنظرة.
"لا تفسد الأمر".
منحته الملكة جوس نظرة حنونة قبل أن تعود إلى سيلين.
"ماذا أيضاً؟"
قلبت سيلين صفحة.
"المستوردون والمصدرون الكبار الذين قابلتهم في المأدبة لم ينسوها. سأل ثلاثة منهم بهدوء عما إذا كان التاج ابدى اهتماماً بمشروعاتها. وسأل اثنان آخران عما إذا كانت تحظى بدعم نبيل. وبدأ تاجر حبوب فحص مخازنه الخاصة بعد أن تشككت تشيلسي علناً في تلف موسم الأمطار. وبدأ رئيس عربات تسعير تركيبات محاور قياسية يزعماً لأن تشيلسي وصفت خسائر إصلاحه الحالية بـ«السخيفة»".
ابتسم دوق فالكريست بعرض وجهه.
"فتاة جيدة".
نظر هايل إليه مجدداً. لم تكلف الدوق عناء التظاهر بالبراءة. مضت سيلين قدماً قبل أن يتشكل الجادال.
"هناك أيضاً مسألة التنين الأكبر. لم يعد فريق استعادة الفئة إيه بعد رغم أنه يفترض أن يصل إلى الجثة في أي وقت. حدثت تأخيرات بسبب الطرق المغسولة قرب الممر الشمالي وزيادة نشاط الوحوش في المنطقة".
شبك فايل يديه فوق الطاولة.
"إن ظلت الجثة سليمة فستساوي المادة المستعادة ثروة. الحراشف، العظام، الجلود، المخالب، الأسنان، الدم، الأعضاء وأي مادة خيميائية نجت. سمعنا جميعاً أن عددًا كبيرًا من حراشفه أُزيل وبِيع؟"
أومأ الجميع برأسهم.
"قدر علماؤنا أن الكمية التي باعتها لم تكن سوى عُشر ما يوجد على تننين بهذا الحجم. يجب أن تخرج المملكة رابحة في النهاية".
سأل الملك جوس وهو يتقدم في جلسته قليلاً: "أأدت أي إشارة إلى العودة إلى الجثة؟"
قالت سيلين: "لا. ليس علناً. لم تودع شيئاً في البنك يمكنه حمل الحراشف. لا أكياس ولا حقائب ولا أي شيء. ولم تودع حتى أي ذهب بعد عودتهما. يقودني هذا إلى الاعتقاد بأن كنز التنين لا يزال سليماً أيضاً. وبكون تشيلسي ذكية فربما جمعت الحراشف وبعض لحم التنين فحسب".
بدت تشيلسي ويكس حسب فهمهم لها غير مرجحة لنسيان تننين أكبر ميت بهذه البساطة. ومع ذلك لم تكن هناك أسئلة ظاهرة عبر نقابة التجار ولا طلب حماية ملكية للحق ولا تحضير واضح لمبيعات إضافية. بدا الجميع تائهين في أفكارهم وربما يفكرون في الشيء ذاته. لم يعلم أي منهم أن الجثة قد اختفت بالفعل. ولم يعلم أي منهم أن عائلة ويكس تمتلك غرفة كنز تضم بضعة أكياس جلدية مستقرة عرضياً في القصر وبها حراشف تزيد قيمتها عن تسع مراتب.
فكرت الملكة جوس بصوت عالٍ: "قد يعني هذا أنها لا ترى عناء العودة أمراً مجدياً. وهذا أمر مرعب أكثر للتفكير فيه. كمية الذهب التي تساويها تلك الجثة يمكن أن تفعل الكثير للمملكة وهي لا تريد إزعاج نفسها؟"
بدا هايل غير مقتنع.
"سيكون هذا مخالفاً لكل ثري قابلته في حياتي".
استند دوق فالكريست إلى الخلف مجدداً.
"تشيلسي ويكس على عكس كل ثري قابلته".
قالت سيلين: "إنها على عكس معظم الناس".
تغير صوتها. أصبح أكثر... حيرة. كان هناك شيء في نبرتها جعل الملك يرفع رأسه.
قالت: "ألديك أمر أخير؟"
أجابت سيلين: "نعم. إنه غريب".
عاد ابتسامة دوق فالكريست فوراً.
"رائع".
نظرت سيلين إلى تقريرها.
"بدأت تشيلسي شراء يرقات الميمك بكميات ضخمة".
لم تتفاعل الغرفة فوراً لعدم تأكد أحد من سماعها بدقة.
كرر الملك جوس ببطء: "يرقات الميمك".
"نعم يا جلالة الملك".
نظرت الملكة جوس نحو الوزير فايل الذي نظر نحو دوق فالكريست الذي نظر نحو هايل كأن القائد قد يجعل الجملة أقل سخافة بطريقة ما من خلال استنكارها.
سأل هايل ببطء: "ما حجم الكمية؟"
قالت سيلين: "المشتريات المؤكدة تتجاوز الستين. والعدد الحقيقي أعلى غالباً. لقد اشترت مباشرة من بسطات السوق واستخدمت عدائين لعمليات شراء غير مباشرة ووضعت عدة مكافآت نقابية تعرض أضعاف القيمة العادية مقابل يرقات ميمك حية وصحية من نوع الصناديق".
جمد وجه فايل بضيق مهني.
"أتحاول التأثير على الأسعار؟"
قالت سيلين: "نعم. لقد لاحظ الجامعون. يرفض بضعة تجار البيع لأي شخص الآن إلى أن يعرفوا سبب رغبة تشيلسي فيها".
سألت الملكة جوس السؤال الواضح: "لماذا تريدها؟"
رمت رئيسة الجواسيس بيدها هزيمة: "لا أحد يدري".
بدا دوق فالكريست مسروراً مجدداً.
"لا أحد!؟"
وضحت سيلين: "لا أحد موثوق. النظريات الأكثر عملية هي أنها تنوي احتكار سوق رذائل خاص أو إعادة تسمية إحراج قائم ليصبح شيئاً محترماً أو المضاربة على منتج لا يرغب أي تاجر محترم بربط اسمه به حالياً".
فرك فايل جبهته.
"لا توجد سوق مميزة ليرقات الميمك".
أطلق دوق فالكريست ضحكة نباحية: "أصبحت موجودة الآن".
تجاهله هايل.
"أيمكن استخدامها كأسلحة؟"
أجابت سيلين: "في تلك السن لا. لا تستطيع العض. لا أسنان لها. لهذا يشتريها الأرستقراطيون والنبلاء. تنمو من الاستخدام. يحفظها معظم الناس لعام أو عامين ثم يتخلصون منها حين تبدأ أسنانها في النمو. يستخدم الخيميائيون أحياناً السائل الهاضم أو اللعاب أو المعدة لكن طلبات تشيلسي تحدد وجوب أن تكون المخلوقات حية وصحية".
أصبح تعبير الملكة حذراً.
"وما هي النظريات الأقل عملية؟"
توقفت سيلين طويلاً بالقدر الذي يجعل الجميع يندمون على احتياجهم للإجابة. رفعت سيلين يديها مشيرة إلى أن الأمر كله تكهنات.
"يتضمن بعضها طقوس شياطين. ويتضمن البعض الآخر غرائز تعشيش الشياطين. ويذكر بعضها عادات المغازلة. وتقترح التقارير الأقل سمعة أنها ربما تستخدمها لشكل ما من ممارسات الألفة الشيطانية غير المعتادة رغم عدم تقديم أي تفسير معقول لسبب تورط يرقات الميمك في ذلك".
وضع دوق فالكريست كوبه بعناية فائقة بينما أغمضت الملكة جوس عينيتها لحظة. بدا فايل مريضاً بشكل طفيف.
"هذه التكهنات بلا قيمة. نحن بحاجة إلى أدلة".
قالت سيلين: "أوافقك الرأي. للأسف تتحرك التكهنات بسرعة حين تشتري تاجرة شيطانة جميلة كل فرخ ميمك تستطيع وضع يديها عليه بمبالغ سخيفة".
حاول الملك جوس الحفاظ على رباطة جأشه. لكن صورة تشيلسي ويكس أعلى تاجرة رتبة في جونستروس والأعجوبة الاقتصادية المرعبة وقارئة النقابات الخيرية والمهندسة المستقبلية المحتملة لنصف تعافي مملكته وهي تخزن سراً صناديق يرقات ميمك أطفال لأسباب عجز أي جاسوس عن تحديدها أثبتت كونها أكثر مما يتحمل. ضحك. ليس بصوت عالٍ في البداية لكن بما يكفي لتنظر إليه الملكة جوس بدهشة. ثم انضم إليه دوق فالكريست وتصاعد الصوت حتى تشقق تعبير فايل الصارم عند الحواف.
كان القائد هايل الوحيد الذي لم يطرف حتى.
"لا يزال هذا يبدو مصدر قلق أمني".
مسح دوق فالكريست إحدى عينيه.
"أيها القائد انها تشتري صناديق كنوز أطفال".
"نعم. كل واحد تستطيع الوصول إليه".
رد الدوق: "هذا يجعل الأمر أطراف!"
أخذ الملك جوس نفساً طويلاً وتمكن أخيراً من استقرار نفسه. لم تختفِ مشاكله. قد تظل تشيلسي ويكس كابوساً. قد تزعزع استقرار الأسواق أو تسيء إلى النبلاء أو تجذب الأعداء أو تبني شيئاً أكبر من أن يسيطر عليه أحد. ومع ذلك وتحت كل هذا الغموض شعر الملك بعودة التفاؤل ذاته. للمرة الأولى يتحرك شيء ما في مملكته.
قال: "استمروا في مراقبتها. بهدوء. بلا ضغط ولا تعيين ملكي ولا عرض يشعرها بأنها مملوكة".
اشتد فك هايل.
"وإن أصبحت أنشطتها مخربة؟"
نظر الملك إلى التقارير مرة أخرى قبل أن يجيب.
"حينها نحدد ما إذا كانت تخرب شيئاً كان يستحق الحفاظ عليه في المقام الأول".
تحرك قلم فايل مجدداً رغم أنه لم يخفِ استحسانه. تأملته الملكة جوس لحظة.
"أتريد حقاً السماح لها بالبناء؟"
قال الملك جوس: "نعم. إن أدخلناها إلى القصر مبكراً يصبح كل ما تفعل هملكنا في أعين النبلاء. لا أريد ذلك. أريد أن أرى ما تفعله تشيلسي ويكس حين تعتقد أنها لا تساعد سوى نفسها وعائلتها وأي مخلوق مسكين قررت أنه بحاجة للإنقاذ في ذلك اليوم".
رفع دوق فالكريست كوبه إشارة إلى الميمك: "أو الشراء".
ابتسم الملك رغماً عنه.
"أو الشراء".
دقت طرقة حازمة على باب الغرفة قبل أن يتمكن أحد من المتابعة. التفت القائد هايل فوراً. تحركت يده قرب سيفه بحكم العادة رغم عدم إطلاق أي إنذار. فتح خادم القصر الباب وانحنى.
"يا جلالة الملك رئيسة النقابة ويلو هنا. تقول إن الأمر عاجل".
تلاشى المرح من الغرفة. نظر الملك جوس نحو سيلين لكن تعبير رئيسة الجواسيس لم يكشف عن شيء.
قال: "أدخلها".
انسحب الخادم وبعد لحظة دخلت رئيسة النقابة ويلو غرفة الاستراتيجيات وفي إحدى يديها كيس صغير وفي الأخرى رسالة مختومة. كان وجهها شاحباً. ليس خائفاً بالضرورة... بل... مذهولاً.
قالت ويلو وهي تمد كلا الغرضين للأمام: "يا جلالة الملك. هذه من تشيلسي ويكس".