سجلات ويكس: كبير السحرة والفالكير الفصل 29

اقرأ سجلات ويكس: كبير السحرة والفالكير الفصل 29 باللغة العربية على مانجا تايم.

خفضت تشيلسي الرمح قليلا ثم أردفت: "أه، والاسم باللون الأخضر. ويظهر هذا اللون الأخضر نفسه مرة أخرى في جزء مكسب القوة."

اختفت المعلومة من مجال رؤيتها حين رمشت مرة أخرى لتعود بالكامل إلى العالم من حولها. كانت ردود الفعل فورية. بدا كل من بي وديوي مذهولين كأنهما لتوّهما شاهدا شيئا مستحيلا. وبدت أدريان كأنما دُفع إليها للتو بما تريده تماما. أما إدغار فلم يُظهر كعادته أي شيء.

قالت أدريان وقد اخترق الحماس تماسكها: "كنت أعلم. هذا مذهل. علينا الآن فقط معرفة كيف —"

قاطعتها بي بصوت مرتفع بحدة: "يمكنك القراءة؟"

رمشت تشيلسي في وجهها: "أوه... أجل؟ لماذا؟"

حدقت فيها بي كأنها أنبتت رأسا ثانيا.

تغير تعبير تشيلسي حين استوعبت الأمر: "أوه. لا يمكنكما ذلك."

وكمشت وجهها بخفة: "أنا آسفة."

قال ديوي وبدا مسروراً بحق: "تزداد الأخت الصغرى إبهاراً باستمرار. يمكنك قراءة إعلانات النقابة لنا."

ابتسمت تشيلسي: "يسعدني ذلك."

سألت بي بلوعة: "بحق الجحيم كيف؟ أنت طفلة."

ردت تشيلسي وهي تبرطم: "ما زلت في الثامنة عشرة. حيث أتيت، يتعلم الجميع القراءة. نحن لا نتعلم القتال حقا. أعني، يمارس البعض فنون القتال أو أيا يكن، لكن الأمر ليس هكذا."

تدخلت أدريان مجددا معيدة المحادثة إلى مسارها: "ركزوا. كيف نجعل تحسينك أقوى؟ ما الذي تسبب في ارتقائه مستواه من قبل؟"

قطبت تشيلسي جبينها بخفة وهي تفكر في الأمر مسترجعة اللحظات في رأسها عوضا عن مجرد تمريرها ببرود: "أذكر مرتين حدث ذلك فيهما."

قالت ببطء: "الأولى كانت في ميدان التدريب حين كنت أنصهر. والثانية حين اصطدمت بالأرض محاولة الطيران."

ابتسم عدد منهم إثر ذلك وبدت الذكرى واضحة جلية. أطلقت بي خخيرة هادئة بينما هز ديوي سرسه مسرورا رغم أنفه. لم تضحك أدريان. ظلت ساكنة بخافضتي عينين وهي تقلب المعلومة في رأسها جاهدة لإيجاد نمط معين. وبينما كانت تفكر، نبشت بي حقيبتها وأخرجت كتابا صغيرا باليا.

وقالت وهي تمد يدها به: "أخذناه من زعيم قطاع الطرق. أيمكنك قراءته لنا؟"

أخذته تشيلسي وفتحت صفحاته بحذر. كانت الصفحات خشنة وملطخة ومملوءة بكتابة متراصة وغير مرتبة. قرأت المدخل الأول بصوت مسموع وهي تتهجى الحروف متأقلمة مع الأسلوب.

"1181، 612. مرت القافلة منتصف القمر. حراس."

وقلبت الصفحة.

"1181، 613. عربة، الربع الأول للقمر. ثلاث فتيات."

اهتز تعبيرها قليلا عند ذلك لكنها استمرت.

"1181، 613. مر الحراس مع بزوغ الشمس."

ورفعت رأسها عن الكتاب: "إنه سجل. كان يتتبع كل ما تحرك عبر هذا الامتداد من الغابة."

قلبت عدة صفحات أخرى متصفحة إياها هذه المرة: "توجد مداخل كثيرة. العشرات. يبدو أنهم لم يهاجموا كل شيء. تذكر بعض الملاحظات مرور قافلة لوجود حراس كثر أو لقلة الغنيمة."

انحنت بي إلى الأمام باهتمام وسألت مالتفتة حولها بأمل: "هل يملك أحدهم كتبا غيره؟"

لم يتحرك أحد.

تفرست تشيلسي في وجوههم ثم أغلقت الكتاب برفق وقالت: "ربما تضم مدينة الجنيات مكتبة."

تغير المزاج فوراً.

سقط تعبير ديوي وبدا غير مريح البتة: "أيتها الأخت الصغرى... تلك رفاهية."

قالها بهدوء. كظمت تشيلسي رغبتها في المجادلة مباشرة. أرادت أن تخبرهم أن الأمر لن يهم قريبا وأنها تعمل بالفعل على إيجاد مخرج لكل هذا، لكنها عرفت أنها لا تستطيع قول ذلك بعد. فحاولت بدلا من ذلك زاوية أخرى.

سألت: "وما أدراكم؟ ماذا لو كان شيئا مفيداً؟ مثل كتاب تعاويذ لبي. إن تعلمت سحر شفاء أقوى فسيساعد ذلك جميعنا، أليس كذلك؟"

قالت أدريان ونبرتها تزداد حدة: "تشيلس، أنت تتمادين."

انحنت تشيلسي للأمام محبطة لكنها حاولت الحفاظ على هدوءها: "كيف؟ دور بي هو الشفاء وإلقاء التعاويذ. التحسن في ذلك استراتيجية لا رفاهية."

ونظرت إلى ديوي وبي طلبا للدعم، لكن الاثنين وجدا الأرض فجأة بالغة الإثارة.

وأردفت: "هذا يشبه القول بوجوب عدم ترقية سلاح لأنه رفاهية."

لم يجبها أحد. وطال الصمت بالقدر الكافي ليوصل الرسالة نيابة عنهم.

أدركت تشيلسي الدفء قبل أي شيء آخر. كان ذراع ممدوداً فوقها، صلباً وثقيلاً، يستقر على خصرها ويجذبها برفق إلى الوراء لترتكن إلى أحدهم. ظلت ساكنة للحظة، مباغتة بمدى طبيعية الأمر. لم تُحضن على هذا النحو منذ سنوات، ولا منذ كانت طفلة. تتحرك بخفة وشعرت بالأنفاس على مؤخرة عنقها. فتحت عينيها. كانت النار قد خبت، ناشرة توهجاً برتقالياً خافتاً عبر المخيم. رفعت رأسها بالقدر الكافي لتتطلع حولها.

كان ديوي على بعد خطوات قليلة، ممدداً على ظهره، وغارقاً في النوم بلا شك. لا تزال أدريان وإدغار مستيقظين قرب النار، جالسين مقابل بعضهما في حديث هادئ. لم يبق سوى خيار واحد. بيا. رفعت تشيلسي الذراع بحذر عنها وأزاحت نفسها إلى الأمام، محاولة ألا توقظها. وما إن تحررت، حتى وقفت وتمطت، ملوية كتفيها وهي تسير نحو النار. التوى بطنها شبه فوراً، مذكراً إياها بأنها لم تأكل منذ فترة مبكرة.

مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت أحد القلوب، جالسة قرب النار أثناء فعل ذلك.

قالت بهدوء، وما زال صوتها خشناً من الإرهاق: "متى نمنا؟"

أجاب إدغار أولاً: "قررت أدريان أنها لا تشعر برغبة في مواصلة ذلك الحديث أمام أخيك وأختك".

رمقته أدريان بنظرة قصيرة محذرة، لكنها لم تصحح له.

سألت شبه عابرة: "هل صفعتني؟ أم صطدمت بوجهي الأرض كما حدث مع بيا؟"

أطلق إدغار ذلك الضحك الغريب والمكتوم: "لا شيء درامياً إلى هذا الحد".

قالت أدريان ببساطة: "تعويذة نوم".

أومأت تشيلسي برأسها مرة، مقبلة الأمر، رغم أن قبضتها اشتدت قليلاً حول قطعت اللحم في يدها. أومأت تشيلسي برأسها وهي تستمع، رغم أن تركيزها شرد اللحظة التي أخذت فيها قمة. أغمضت عينيها وأطلقت صوت رضا هادئاً وغير إرادي.

اعترفت تقريباً لنفسها: "نسيت كم هذا جيد. سيكون سيئاً عندما ينفد مني. لحم الخيل جيد، ولكن هذا..."

وتوقفت عن الكلام، واضحة عدم إيجادها مقارنة تنصفه.

قالت أدريان قاطعة اللحظة كأن التعليق لم يُدلَ به قط: "تشيلسي، لا يمكنك تقويضي كما فعلت سابقاً".

رمشت تشيلسي، مباغتة، ليرتد انتباهها إليها سريعة: "ماذا؟"

لم تنظر أدريان إليها مباشرة.

حافظت على نظراتها مسلطة على النار، مراقبة ألسنة اللهب وهي تلتف وتستقر أثناء حديثها: "أنت ذكية. أذكى من أي منا. يمكنك أخذ ما أقوله وتفكيكه حتى لا يتبقى شيء. يمكنك محاججتي في دوائر دون حتى محاولة".

نظرت أخيراً متأملة: "لا يمكنك فعل ذلك أمام الآخرين".

تحركت تشيلسي، مشعورة فجأة بأنها أصغر قليلاً تحت تلك النظرات.

قالت بسرعة: "لم أكن أعني ذلك. لم أكن أحاول جعلك تبدين سيئة أو أي شيء. أنا فقط... كنت أحاول الفهم".

قالت أدريان ونبرتها تلين قليلاً فقط: "أعلم. نحن نأتي من عوالم مختلفة. ما يبدو منطقياً بالنسبة لك لا يُترجم دائماً هنا".

أومأت تشيلسي، ناظرة إلى ما تبقى من القلب بين يديها: "سأكون أكثر حذراً. لم أدرك أنني كنت أفعل ذلك".

أومأت أدريان برأسها ومضة شبه موافقة قبل أن يتحول انتباهها: "هل سمعت شيئاً من ماغاليسا؟"

هزت تشيلسي رأسها: "ليس منذ أن مغادرنا المملكة. كان الأمر هادئاً".

سأل إدغار وصوته يحمل نبرة اهتمام: "أتتحدثين مباشرة مع مَلِك البعث؟"

قالت تشيلسي: "فعلت. مرتين. لكن لا شيء مؤخراً. يمكنني المحاولة مرة أخرى عندما أنام".

التفتت تشيلسي إلى حيث كانت تنام، ملاحظة المرأة الصغيرة التي تصدر شخيرًا خفيفًا.

أضاف إدغار: "كانت مصرة جداً على النوم بجانبك".

عقدت تشيلسي حاجبيها قليلاً: "لماذا؟"

قالت أدريان ببساطة: "لقد تقبلتك. ستتظاهر بأن الأمر يعود لشيء آخر، لكنه واضح".

ألقت تشيلسي نظرة خاطفة نحو حيث كانت تنام بيا، ممددة بلا أي اهتمام بمظهرها. ابتسامة خفيفة شقت طريقها إلى شفتيها.

قالت بهدوء: "إنها لطيفة. بطريقتها الخاصة جداً... جداً المضطربة".

قالت أدريان: "عليك نيل بعض الراحة. نحن قريبون من مدينة الجنيات. سترغبين في أن تكوني صافية الذهن عندما نصل".

أومأت تشيلسي، منهية اللقمة الأخيرة وماسحة يديها بالعشب: "عليك الراحة أنت أيضاً"، ناظرة بين الاثنين.

أجابت أدريان، مومئة نحو إدغار: "هو لا ينام. سأفعل بعد قليل".

لم تجادل تشيلسي. كان الإرهاق قد بدأ يتسلل من جديد، أثقل من ذي قبل. دفعت نفسها للوقوف وشقت طريقها عائدة إلى حيث ترقد بيا. هذه المرة، بدل أن تبتعد، استقرت مواجهة لها. بعد لحظة ترد، حركت أحد أجنحتها وألقته بخفة فوق بيا كغطاء. تحركت بيا قليلاً لكنها لم تستيقظ. أطلقت تشيلسي تنفساً هادئاً، أغمضت عينيها، وسمحت لنفسها بالانزلاق نائمة مجدداً.

"رائع!"

قبضت تشيلسي على يدها وهزّتها فرحاً ما إن عادت إلى العالم الضبابيّ المغمور بالشمس، حيث التّف السراب الرقيق حول كاحليها كأنه كان ينتظرها. ترشّح ضوء الشمس الضعيف عبر الضباب، دافئاً لكن بعيداً، ووقفت هناك للحظة قصيرة، تشعر بالارتياح لوجودها في مكان لا رائحة فيه للدّم أو الغابات الرطبة.

"أهلاً بكِ أنتِ أيضاً، أيتها الفتاة اللطيفة،"

تسلّل صوت ماغاليسا نحوها قبل أن تكتمل تجلّي هيئتها.

"أرى أنكِ تعلّمتِ الطيران منذ آخر لقاء بيننا."

أومأت تشيلسي برأسها برهة.

"لقد فعلتُ. نوعاً ما. ما زلت أعمل على مسألة عدم التحطّم."

ترددت ثم دفعت الحديث قدماً.

"هيه، أمر لم أدركه إلا مؤخراً هو أنني عالقة هكذا."

أشارت إلى نفسها.

"ليس كشابة بالغة، بل كطفلة حقاً. كأنني... في العاشرة، كما تبدو الأمور. أيمكنكِ إصلاح هذا؟"

تجسّدت هيئة ماغاليسا ببطء أمامها، فتحوّل تعبير المَلِكة إلى التفكر وهي تميل برأسها وتفرك ذقنها.

"لم قد ترغبين في أن تكبري؟"

فتحت تشيلسي فمها، ثم أغلقته فوراً، بينما كان عقلها يتخبط بحثاً عن إجابة لا تتعلق "بالأمور الجنسية".

قالت أخيرًا بسرعة مفرطة بعض الشيء: "لأنني أريد ذلك فحسب، حسناً؟ لأسباب شخصية."

درستها ماغاليسا مطولاً، ثم تنهدت.

"للأسف، هذا خارج نطاق سلطتي. لا أملك القدرة على تغيير ذلك. أنا آسفة، أيتها الفتاة اللطيفة. ستبقين كما أنتِ."

لم ترد تشيلسي فوراً. بل حدقت في الضباب، وانخفضت كتفاها قليلاً.

"عالقة هكذا،"

ترددت كلماتها بهدوء.

"إلى الأبد."

احترقت عيناها، وأرمشت بسرعة، لكن ذلك لم يفد. استقر ثقل الأمر عليها دفعة واحدة، أثقل مما توقعت.

"أوه لا، لا تبكي،"

قالت ماغاليسا فوراً، وتحول نبرتها إلى هلع تام. اقتربت، ويداهما تحومان بشكل حرج كأنها لست متأكدة إن كان مسموحاً لها لمسها.

"الأمر ليس سيئاً لهذه الدرجة. حقاً. فكّري في الأمر. لا يزال بإمكانك فعل كل ما ترغبين فيه. ستكونين... أصغر حجماً فحسب."

شمّت تشيلسي بقوة، ومسحت عينيها بظهر كفها.

سألت بصوت يهتز بالقدر المناسب لإقناعه: "أجيرارد متاح؟"

"نجل، بالطبع،"

سارعت ماغاليسا بالقول، وبدت حريصة بوضوح على إصلاح الوضع.

"إن كان هذا سيساعد، فيمكنني إحضاره فوراً."

"ماغاليسا؟ أيعني هذا..."

ظهر جيرارد في منتصف الجملة، واستقرت هيئته في مكانها بجانبهما. بدا تماماً كما تتذكره، ربما أبلى بعض الشيء، مع أثر لحية خفيفة يمنحه تلك الملامح الخشنة وشبه القاسية دائماً.

"يا صغيرة!"

أضاء وجهه فوراً.

"لقد وصلتِ! أنتِ حية!"

أومأت تشيلسي، وما زالت تنشّق.

"أجل."

تلاشى ابتسامته عندما تمعّن النظر فيها.

"حسناً، ما الأمر؟"

التفت بنظره إلى ماغاليسا.

"ماذا فعلتِ هذه المرة؟"

قالت تشيلسي قبل أن تتمكن المَلِكة من الإجابة: "سألتُ إن كان بإمكانها جعل أقدمي تكبر بضع سنوات. فقالت لا. أنا عالقة هكذا إلى الأبد."

تسطّح تعبير جيرارد وهو يلتفت ببطء نحو ماغاليسا.

"أحقاً؟"

تحركت ماغاليسا بعدم ارتياح، متجنبة التقاء نظراته.

سأل جيرارد: "أهناك مَلِك شياطين في هذا المجمع؟"

اعترفت وهي تعبث بكمّها: "يوجد واحد."

"إذن اسأليه."

ترددت ماغاليسا، وبدت غير متحمسة البتة للفكرة.

"هو مدين لي بمعروف تقنياً، لكنه... غير لطيف. كل ما يفعله مشروط بقيود. إن طالبت بذلك المعروف، فلن يكون الأمر بسيطاً."

أومأ جيرارد كأن الأمر يبدو منطقياً تماماً.

"هذا يبدو مألوفاً. الأمر ذاته في موطني. مع ذلك، تحدثي إليه. انظري بما يجيب. إن كانت هناك كلفة، فدعيها تقرر إن كان الأمر يستحق."

تنهدت ماغاليسا لكنها لم تجادل. اغتزمت تشيلسي الفرصة لتغيير الموضوع.

"إذن كيف حالك؟ أترتقي مستوياتك على ما يرام؟"

أعاد ذلك الابتسامة إلى وجه جيرارد فوراً.

"أجل، في الواقع. الأمور تتحرك بسرعة كبيرة هذه المرة."

شبك ذراعيه وهو يتأملها.

"وماذا عنكِ؟ كيف ترف بحالكِ حاضرة مع جليسة الأطفال برتبة اس؟"

انتعشت تشيلسي فوراً.

"أه، لقد كان الأمر رائعاً. عُذبتُ على يد شقيقة، وهربتُ من مملكة أرادت التضحية بي، وقُشر كل جلدي على يد أدريان... وهي صاحبة رتبة اس بالمناسبة... وقتلتُ واحداً وعشرين شخصاً بنفسي، واكتشفتُ أنني أحب أكل البشر، ونحن الآن في طريقنا إلى مدينة خرافية."

حدق جيرارد فيها.

قال ببطء: "هذا... كثير جداً. أيمكننا العودة إلى الجزء الذي قُشر فيه جلدكِ؟"

لوحت تشيلسي بيدها كأن الأمر ليس مهماً.

"أجل، كان ذلك الجزء سيئاً. كسيئ للغاية بحق. لا أملك حتى كلمة تصف مدى سوء الألم."

تحلّق تعبير وجهه فوراً.

"لماذا؟ وكيف؟ أأحتاج إلى القدوم لأخذكِ الآن؟"

قالت بسرعة وهي تهز رأسها: "لا، لا. الأمر على ما يرام الآن. بصراحة، لقد آتت أكلها نوعاً ما."

قال جيرارد ببرود: "ليست هذه هي النهاية التي يجب أن تنتهي بها تلك الجملة."

أوضحت تشيلسي كأنها تزيل أي غموض: "كانت تدربني. ضغطتني ضد شجرة و... استمرت هكذا حتى لم يبقَ أي جلد. وعدلت الزوايا وكل شيء. دقيقة للغاية."

تجمّد وجه جيرارد تماماً.

أضافت تشيلسي وهي تنقر على ذقنها بتفكر: "ووافقتُ على ذلك مسبقاً. ربما كان ذلك أسوأ ما في الأمر."

بدا كأنه يعيد التفكير في كل خيار في حياته قاده إلى هذه اللحظة.

تابعت تشيلسي متجاهلة تماماً شعوره بالرعب أو غير مدركة له: "لكن لا بأس. بمجرد أن انتهت، قامت بيا بمداواتي. والآن لم أعد أشعر بالألم بعد الآن. مطلقاً. إنه لأمر غريب. ما زلت قادرة على استشعار الأشياء، لكن الألم قد... اختفى فحسب."

لم يرد جيرارد فوراً. بل حدق بها فحسب، محاولاً استيعاب تلك الجملة برمّتها.

قال أخيراً: "...سأحتاج إلى دقيقة."

قال جيرارد بعد لحظة طويلة، وما زالت محاولاته مستمرة لاستيعاب كل ما أخبرته به: "لا أعتقد أن هذه كانت صفقة عادلة."

تخلصت تشيلسي من الأمر بكتفيها كأنه لا شيء.

"لا، الأمر على ما يرام حقاً. الجميع في العائلة يمرون بذلك."

لوحت بيدها برفق، كأنها تبعد قلقه بدلاً من أمر مقلق للغاية. أرمش جيرارد في وجهها.

"أيتها الصغيرة... لا أقصد أي إهانة هنا،"

قال بحذر، منتقياً كل كلمة كأنها تعني الكثير، "لكن هل انضممتِ إلى طائفة؟ ما زلتِ ترددين كلمة 'عائلة' وتتحدثين عن أمور التنشئة وما شابه."

انفجرت تشيلسي ضاحكة، وتردد صدى الصوت قليلاً في الضباب الفارغ من حولهما.

"لا، لا. ليس الأمر هكذا. إنها مجرد عائلة حقيقية. هناك أربعة منهم. وخمسة إن حسبت إدغار. إنه متزوج من بيا."

توقف قليلاً ثم أضافت: "إنه مقيت بعض الشيء."

لم يضحك جيرارد. بل اقترب بدلاً من ذلك، منحنيًا حتى أصبح في مستوى قوامها، وبات تعبيره جاداً الآن.

"أتحتاجين مني أن أجيء لآخذك؟"

سأل.

"يمكنك إخباري بالحقيقة. إن لم تكوني بأمان، سأرحل الآن فوراً. وسأتدبر البقية في الطريق."

شعرت تشيلسي بشيء ينقبض في صدرها عند سماع ذلك. لقد مضى وقت طويل منذ أن نظر إليها أحد بهذه الطريقة، وكأن سلامتها تعني له شيئاً حقاً. مدت يدها ووضعت كفها على كتفه.

قالت برفت: "شكراً لك. حقاً. هذا يَعني لي الكثير."

وابتسمت له ابتسامة صغيرة.

"لكنني بخير. أعدك بذلك. نحن نتجه إلى مكان يدعى جونستروس. وما إن نصل إلى هناك، ينبغي للأمور أن تهدأ قليلاً. إن كنت تريد لقائي، فهناك سنكون."

درس وجهها للححظة، باحثاً عن شيء ما، ثم أومأ أخيراً.

"أنتِ أشجع مما تدركين."

ابتسمت تشيلسي باتساع أكبر.

"ربما."

أطلق ضحكة قصيرة وخافتة.

"الغريب في الأمر أنني أدركت للتو أنني لا أعرف حتى اسمك."

اتسعت عيناها.

"أوه! إنه تشيلسي."

كرر قائلاً: "تشيلسي،"

كأنه يحفره في ذهنه.

"حسناً. سأجدك في جونستروس عندما يحين الوقت المناسب."

قالت ماغاليسا وهي تقفز مجدداً إلى اللحظة: "أكره مقاطعة هذا الحديث الدافئ، لكن الوقت يداهمنا. سأتحدث إلى بوداريكس نيابة عنكِ. لا يمكنني أن أعدك بكيفية وصوله إليكِ، لكنه سيفعل."

أومأت تشيلسي برأسها.

"شكراً لكما. كلاكما."

تلاشى العالم قبل أن يتمكن أي منهما من الرد.

فتحت تشيلسي عينيها على العشب وضوء الصباح. وبقيت ملقاة هناك للحظة، تحدق في قطرة ندى وحيدة تستقر على طرف نصل عشبيّ. كانت ترتجف قليلاً في النسيم، وتلتقط الضوء بطريقة بدا فيها السلام وكأنه يغمر المكان. استدارت على ظهرها ورفعت نظرتها نحو السماء، متأملة الامتداد الواسع للزرقة والغيوم الناعمة المنجرفة. بعد كل ما حدث، كان هناك ما يبعث على الطمأنينة في مدى عادية ذلك المشهد.

قالت أدريان من مكان قريب: "لقد استيقظت أخيرًا".

وأردفت: "لم نرغب في إزعاجك تحسباً لكونك… في مكان آخر".

قالت تشيلسي وهي ترفع نفسها متكئة على مرفقيها: "كنت هناك بالفعل".

وحين اعتدلت في جلستها تماماً، أطلق معداها غرغرة صاخبة وملحة. كان المخيم قد حزم أمتعته بالفعل. وبدا الجميع مستعدين للرحيل.

سألت أدريان وهي تقترب خطوة: "هل من جديد؟".

ومدت يدها لتخلل أصابعها بلطف في شعر تشيلسي، مزيلة بقايا العوالق ومصففة التشابك ببراعة المعتاد.

قالت تشيلسي: "تحدثت إلى جيرارد مجدداً".

وتابعت: "كان جل ما أراده هو التأكد من أنني لست على وشك الموت".

توقفت برهة، ثم أضافت: "قالت ماليسيسا إنها ستتحدث إلى مَلِك الشياطين نيابة عني. شيء ما عن احتمال إصلاح وضع… العلق هكذا برمته".

التفتت كل الرؤوس نحوها دفعة واحدة. سكنت يد أدريان.

وسألت بصوت خافت: "بوداركس؟".

أجابت تشيلسي: "نجل".

ثم تساءلت: "أهذا سيء؟ لقد قالت إنه ليس لطيفاً تماماً، لكنه يدين لها بمعروف".

تراجعت أدريان قليلاً إلى الوراء، وتصلبت ملامح وجهها.

"تشيلسي… إنه مَلِك الفوضى والدمار. نعم، تقع الشياطين ضمن نطاقه، لكنه ليس الشخص الذي ترغبين في لفت انتباهه إليك".

"أه."

هبطت معدة تشيلسي، ولكن هذه المرة لسبب مختلف تماماً. ومع استئناف مسيرتهن، أسرعت لتواكب الخطى.

"إذن… ماذا أفعل إذا تحدث إليّ فعلاً؟ أتجاهله ببساطة؟".

أطلقت بيا سخرية مكتومة: "أأنت حمقاء؟".

رمقتها أدريان بنظرة قبل أن تجيب.

"لا. تجاهله سيزيد الأمر سوءاً. شيطان يرفض اهتمامه سيبرز على الفور".

ومدت يدها لتزيح خصلة شعر خلف أذن تشيلسي.

"إذا تواصل معك، فستردين. لكن اجعلي الأمر بسيطاً. تظاهري بالسذاجة. بالنسبة إليه، أنت مجرد شيطانة أخرى من مستوى منخفض تطلب المساعدة. لا شيء مثير للاهتمام. لا شيء يستحق التذكر".

كررت تشيلسي: "ممزقة السذاجة وبسيطة. فهمت".

تابعن السير على طول الدرب، واستعاد إيقاع المشي انتظامه من جديد. وبعد فترة، اقتربت ديوي بحذر نحو جانبها.

قال بصوته العميق المجلجل: "أيتها الأخت الصغيرة، علميني أغنية أخرى من عالمك".

ضحكت تشيلسي بخفة.

"ما زلت عالقاً في تلك الأغنية التي سمعتها بالأمس؟".

قال بجدية بالغة: "لقد جعلت رجلاً يفقد السيطرة على مثانته. تلك أغنية قوية".

قالت -رغم أنها كانت تفكر بالفعل-: "الموقف هو الذي فعل، لا الأغنية".

ثم استدركت: "حسناً، حسناً. سأعلمك بعض الأغاني الأسهل أولاً".

راحت تستعرض بضع أغاني بسيطة، مفككة إياها جزءاً بعد جزء لكي تتمكن من مجاراتها. واستمع البقية أيضاً، حتى لو تظاهروا بعكس ذلك. ثم لمع شيء ما في ذاكرتها.

قالت وهي تنقر بأصابعها بخفة: "أوه".

وأضافت: "هناك أغنية أود حقاً تعليمها لك. لا أذكر جميع الكلمات، لكني أعرف اللحن. إنها درامية بعض الشيء. ستعجبك".

شرحت بحماس، محاولة تذكر الأغنية التي ينشدها السجناء في الجزء الثالث من قراصنة الكاريبي بدقة. أومأت ديوي فوراً، وقد عقدت العزم تماماً. تدربن لفترة، بينما كانت تشيلسي تدندن باللحن وتعدل الكلمات على الطائر حين تعجز عن تذكر الأصلية. بدا الأمر متعثراً في البداية، لكن صوته ملأ الغابة الهادئة بطريقة غريبة، تبعث على الطمأنينة تقريباً. بعد انقضاء بعض الوقت، خففت تشيلسي من وتيرة سيرها واستدارت قليلاً لتتمكن من النظر إليهن جميعاً.

"حسناً. درس جديد للجميع. هذا الدرس مهم".

أطلقت بيا أنيناً فورياً.

تجاهلتها تشيلسي وقالت: "هذه أغنية الحروف الهجائية. عليكم جميعا حفظها. بدقة تامّة. لدينا متسع من الوقت قبل أن نبلغ مدينة الجان، وأريد منكم جميعا إتقانها بحلول ذلك الحين".

حدقن فيها بصمت.

سألت بيا: "نحن جميعا؟".

أجابت تشيلسي بحزم: "نعم. كلكم. ثقوا بي. سيكون لهذا شأن".

سألت بيا وهي تستدير وتمشي إلى الخلف لكي تستمر في مراقبتها: "لماذا؟".

ابتسمت تشيلسي ابتسامة بطيئة يشوبها شيء من المشاكسة.

"لأن هذه هي الخطوة الأولى في خطتي الرئيسية".

ضيقتا بيا عينيها.

"خططك تبدو وكأنها تتطلب الكثير من العمل".

شبكت تشيلسي يديها خلف ظهرها وهي تمشي.

"هذه الأغنية هي خطوتي الأولى لإطلاق خطتي الجهنمية القاضية بتعليمكم جميعا القراءة".

ساد صمت قصير ريثما استوعبن الأمر.

تابعت تشيلسي وابتسامتها تتسع: "ما الذي هو أشد رعبا من الويكس؟ ويكس يجيد القراءة والكتابة".

أشرق وجها ديوي كأنها عرضت عليه العالم للتو. اكتفت أدريان برأسها هزة خفيفة، رغم أن أثراً خفيفاً لابتسامة كاد يرتسم على شفتيها.