الفصل الثالث والخمسون: كاسر الملوك
"سيأتي ثلاثة: رجل كالشبح، بشعر وجلد بلون الثلج الأبيض. ورجل بلا يد، عجوز حكيم، يحمل طائراً لا يتحرك. وشاب يمتلك العاصفة وسيفاً ذهبياً. سيضعون حداً لبطش ماندارا. سيحطمون الجبل ويجثون به على ركبتيه. إنهم كاسرو الملوك."
— محمد، نبي دارموث
اندفع التنين إلى الأمام فلاقاه الذئب. اصطدما في صراع هزَّ الجبل، وتشابكا في عناق وحشي. راح فاينرير يتخبط، يلوح برأسه يمنة ويسرة، فيزلزل الأرض مع كل حركة. وجد آين نفسه منبطحاً، يصارع لئلا تطيح به الريح عن القمة. - ارحل يا آين. سأمسكه هنا.
- صرخ آين رداً عليه بينما الوحشان يتقاتلان أمامه: "لن أفعل".
غرس فاينرير أنيابه في عنق غاراكس، فزأر التنين من الألم. اندلع عمود من اللهب من حنجرته، فأضرم النار في فراء الذئب. كانت كل حركة بمثابة صاعقة رعدية؛ أقدام تدك الأرض، وأجنحة تتهشم على الصخر، وذيول تكتسح الهواء. تصارع الذئب والتنين، يمزقان الحناجر، يعويان ويزأران ويصرخان. تلونت الريح بالأحمر والذهبي والفضي، ونثرت الدماء والفراء والحراشف في الأفق. كان غاراكس يصرخ كلما تلقى ضربة، فيشعر آين بها.
وكان فاينرير يشهق كلما نزف، فيشعر آين بها. - أيها الأحمق! ماذا تفعل؟ اهرب! - أمسك غاراكس بفكَّي الذئب وزأر. انداحت نار قانية في الهواء بينهما وغمرت رأس الذئب. عوى فاينرير من الألم، وألقى بالتنين الذهبي أرضاً في غضب جنوني. تدحرج العملاقان فوق الثلج، يتخالبان ويتناوشان. أحالت النيران الثلج رماداً أسود. تصاعد البخار واكتسحته العاصفة المقترنة. كانت تشتد؛ الريح والثلج معاً.
تشكلت بلورات جليدية صغيرة في الهواء، وراحت تخدش جلد آين وهو منبطح على الأرض. تجمعت الغيوم السوداء في إعصار هائل فوقهم، دوامة من الثلج والجليد والماء. بدأ المطر يهطل، وتحول الثلج إلى برد. اخترق البرد ثياب آين، وبلغت قشعريرته عظامَه. صرخ غاراكس من الألم حين طرحه الذئب أرضاً مجدداً، وثقل جسده الضخم يضغط عليه. بدأ الثلج يغلي تحت وطأة التنين وهو يغوص أكثر فأكثر، ذراعه الضعيفة مسمرة تحت الأرض، وجناحه السليم يضرب الهواء بذعر.
فتح فاه وأطلق سيلاً آخر من لهيب التنانين، لكن قبضة فاينرير ظلت محكمة. خبت النار فجأة وانطفأت. حول غاراكس رأسه نحو آين. كان اليأس في عينيه. إنه يحتضر. وقف آين أخيراً، متوازناً في وجه الريح. كان غاراكس قد لف أطرافه حول فاينرير وثبته في مكانه، ولم يعد يقاتل. كانت حركاته ضعيفة وواهنة. كعجوز هرم. - اهرب، - قال لآين. - لا تكن بطلاً. - بطل. نظر آين إلى المشهد أمامه. كانت العاصفة في ذروة قوتها، تقذف المطر والثلج بلا هوادة على القمة.
انفتحت شقوق في الأرض، وتوغلت صدوع عميقة في الجبل. ومضت السماء وألقت بصاعقة في الأفق. أحدثت فرقعة حادة حين لامست الأرض. ومضت السماء ثانية، وظهر خيط آخر من البرق. كان كل شيء يزأر؛ العاصفة، والريح، والجبل، والذئب، والتنين. البطل هو من يقاتل، حتى حين لا يرغب في ذلك. لقد أنقذوا ثالث دماء الملوك. لكن آين لم يستطع أن يستدير، أن يدير ظهره للرجل الذي قرأ له القصص منذ كان طفلاً، للحكواتي عديم الأسنان الذي علمه الأغاني الماجنة والأسرار التي لم يعرفها أحد من البالغين.
للسكير الأخرق الذي علمه طريق الريح، الطريق الذي يعيش حياته وفقه. أنصت إلى الريح. فكر آين وهو يحدق في الذئب العملاق أمامه: لا أريد أن أقاتل. لا أريد أن أقاتل. لا أريد أن أقاتل. عليَّ أن أقاتل. بدأ يغني قبل أن يعي ذلك، بصوت خافت بالكاد سمعه وسط عواء الريح. كان أشبه بوشوشة شبح، تلك التهويدة التي اعتادت ريا أن تغنيها له حين كانت عواصف الصيف تعبر حدادة فيلهافن.
"رعد وبرق، والعمالقة في صراع. مطر ينهال وزئير، أليس هذا ما يروع؟"
كان غاراكس يذوي الآن، ذيله يرتجف بوهن، وعيناه الذهبيتان يغشاهما الموت. غرس فاينرير فكيه في عنقه وشدّ، لكن التنين لم يتركه. -آين...!- بلغت العاصفة ذروتها، والبرق يشق قمة الجبل كالسوط، وموجات الصقيع تغمر الصبي والعملاقين. تراقصت سحب الرعد حولهم، تقصف الجبال، وتخترق الغيوم. كانت رائحة الدخان تزكم الأنوف. أنت حائك أقدار. انهمرت الدموع على وجهه وهو يغني، نغمات متسارعة محمومة تشبه سحب العاصفة المزمجرة فوقه.
لم يعد يميّز بين صوته والريح. لقد صارا واحداً. أفعالك ستقرر أقدار الكثيرين ممن سيأتون. شعر بالسيدة رييالين بجانبه، تمنحه قوتها. سرت الطاقة في عروقه. صار جسده ساخناً، ساخناً لدرجة أن الثلج حوله بدأ يذوب. استنزف أعمق مخزوناته من الروح، ثم تجاوزها. وجد الرابط إلى آيوس وتشبث به، وسحب المزيد. المزيد من الروح. المزيد. توقف غاراكس عن الحركة الآن، ولا يزال يقبض على فاينرير بقبضة الموت.
لا. غلى الغضب في صدر آين، مهدداً باجتياحه. تبخر الصقيع فوق جلده. زمجر الجبل واهتز. اتسعت الشقوق. أنا بطل من فاينغارد. رمقه غاراكس بنظرة أخيرة، ثم فارقت الحياة عينيه. بهتت حراشفه إلى لون رمادي صخري، وتصلبت، وتشققت. صار التنين الذهبي ساكناً وسط العاصفة الثلجية. لم يعد تنيناً، فقد عاد الحكواتي إلى الأرض التي جاء منها. لم يعد سوى تمثال من صخر. لا! تقوس ظهر آين وصرخ. كان حنجرته تلتهب، قناة خام من الطاقة قذفت غضبه نحو العاصفة.
ضرب البرق مرة أخرى، يميناً ويساراً، يطوق قمة العالم. انتزع فاينرير ساقه من قبضة غاراكس الصخرية، كاسراً جناحه الأيمن. سقط على الثلج محدثاً دويّاً. خطا آين خطوة للأمام، ثم أخرى. كانت العاصفة تدور حوله، تعوي وتصرخ، وتمزق ثيابه بأصابع باردة. ماء وجليد. ثلج وصقيع. ريح ومطر. تزمجر سحب العاصفة، تومض بخيوط من نور. شعر بيد تدفعه من الخلف. يد أليند.
"على البرق أرقص، فالعاصفة لا تغني لغيري."
انشقت السماء، وعمود من الضوء المشرشر طعن الجبل. كان آخر ما رآه آين صبياً وذئباً، وهما يتعانقان.
#
صارت السماء بيضاء للحظة، أكثر سطوعاً من الشمس ذاتها. اهتزت الجبال في كل مكان. تكسر الجليد والصخر من جوانب المنحدرات، متساقطاً في الأعماق. تزلزلت الأرض. عوت الرياح، وجلدت المطر والجليد عبر الأرض. كانت صرخة الصبي عظيمة لدرجة أن أهالي دارموث سمعوها. انحنى الجبل نفسه تحت قوة كلماته. انفتحت هوة من المكان الذي ضرب فيه البرق قمة العالم، فوق بحر الغيوم. اتسعت، واتسعت أكثر، ممتدة مباشرة أسفل الجبل حتى قاعدته.
تململ الجبل وأصدر أنيناً وهو ينشطر إلى نصفين، مشكلاً صخرة مدخنة بين الشقين. استمرت العاصفة في الهياج فوقهم، لكن أسوأ ما فيها قد انقضى. فتح القرويون أبوابهم وركضوا إلى الشوارع، يطلقون صيحات الفرح والحبور وسط المطر المتلاشي. انطلق عصفور من نوافذ إحدى الأكواخ، مسرعاً نحو البرج بأقصى ما أوتي من قوة. انقشعت الغيوم الرمادية وظهرت شريحة من الضوء تخترق السماء مجدداً.
"تالام،"
صرخ القرويون، مشيرين إلى الجبل.
"تالام!"
محطم الملوك. لقد حطم الصبي ماندارا. لقد حطم ملكاً.