رياح القدر: دم الملوك الفصل 54 — غيوم في الأفق

اقرأ رياح القدر: دم الملوك الفصل 54 — غيوم في الأفق باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل التاسع والأربعون: غيوم في الأفق

"السحابة البيضاء زينة. والسحابة الرمادية منحة. والسحابة السوداء لعنة."

—مثل فلاحي

تذكر آين القليل مما حدث بعد ذلك. وفي حلمه، لم يرى سوى سيدة العاصفة ذات الشعر الأسود، وهي تغني فوق صخرتها وسط البحر. توقف رييالين واستدار بينما كان يمشي عبر المياه الهائجة نحوها، بسلاسة وكأنه يمشي على اليابسة. لقد اختفى ثوبها الممزق، وحل محله قميص ضيق قد يرتديه حارس في الغابة. ولاحظ للمرة الأولى سيفاً مربوطاً على ظهرها.

قال: "أهلاً بك يا آين تورين. لقد مضى وقت طويل منذ آخر حديث بيننا، أليس كذلك؟"

خطا خارج المياه العاصفة وانضم إليها على الصخرة. وفتلت خصلة الشعر الأبيض على جبهتها بين أصابعها، تديرها يميناً ويساراً.

قال: "أيتها السيدة رييالين. أنا..."

أنا ماذا؟ أكنت أود تجاهلك، وتظاهر بأنك لم توجدي قط، وتظاهر بأنني لست نساج أقدار؟ حبست الكلمات في حلقه. لقد فعلها الآن؛ ولا مجال للرجوع. ومضت ذكريات المذبحة في ذهنه. لم يبدو الأمر حقيقياً. كان كأنما يشاهد محرك دمى يحرك جسده، ويستخدمه ليقتل ويقتل ويقتل.

قالت: "لا بأس يا بني. لقد استغرق الأمر وقتاً منك، لكنك اتخذت القرار الصائب. لن تزداد إلا قوة من الآن فصاعداً، حتى تظلم السموات الزرقاء لمجرد ذكر اسمك."

سأل: "كيف أتحكم في هذا؟ كيف... أسيطر على نفسي إن حدث هذا مجدداً؟"

أجابت رييالين: "بالمراس. والأمر يختلف من شخص لآخر. تذكر السبب الذي دفعك لاستدعاء قوتي في المقام الأول، واجعله حاضراً في ذهنك أبداً. لكل عاصفة عين. عليك فقط أن تضع أكثر ما تعزه داخلها، لكي تقود عواصف الغضب."

انتظرت أمامه، مبتسمة بالطريقة التي تبتسم بها الأم لطفلها. فجأة رأى ريا مكانها، واجتاحه شعور جارف بالحنين إلى الوطن.

تمتم: "لقد بذلت قصارى جهدي. بذلت قصارى جهدي كي لا أستخدمه."

وفي قرارة نفسه، كان يدرك أن الاستعانة بقدره ستجرفه شيئاً فشيئاً بعيداً عن موطنه، بعيداً عن الشاطئ الذي يضم كل ما عرفه طوال حياته.

أجابت: "تلك هي سنة العالم. لا يولد الناس سواسية. فبعضهم يولد ليقود، وآخرون ليقادوا. وُلدت أنت لتكون بطلاً، ووُلدت أنا لأعانيك."

فكرت برهة.

"أو ربما العكس. فالزمن يفقد معناه في قاعة الأبطال."

قال آين: "سأكون أكثر حذراً في المرة القادمة. لن أجعله يبتلعني."

كانت الذكريات شديدة الوضوح، ومخيفة للغاية. أكان ذلك الشخص هو هو حقاً؟ أكان قد قتل الآثار بيديه العاريتين، بل وبأسنانه؟ أيمكن حقاً لشيطان حرب كهذا أن يُنظر إليه باحترام كبطل؟

قالت السيدة بلطف: "سيأتي ذلك مع الوقت. تذكر دائماً المكان الذي أتيت منه. تذكر عين عاصفتك. لا تخف."

"أنا خائف."

من ترنيمة الأرواح، ومن قدره، ومن نفسه. كان سيهتف للأطفال، لعائلته وقريته، لفينغارد. كان وحيداً في بحر لا نهاية له، ولا شيء سوى الماء في كل الاتجاهات. أيمكنه حقاً فعل ذلك؟ أيمكنه حقاً تقبل مصيره كنساج أقدار ويصبح بطلاً لفينغارد؟

"لا تكن كذلك يا آين. سأكون هنا دائماً لأرشدك."

أخذته بين ذراعيها وعانقته. أخذ نفساً عميقاً، متذكراً رائحة الموقد. رائحة الوطن. لم يكن يعتقد أنه سيقفل راجعاً لفترة طويلة.

#

كان توشار إلى جواره حين أفاق، ومعه غاراكس ورين وأيوس. وجد نفسه في كوخ من غرفة واحدة، وقد فرقعت مدفأة ببهجة في الزاوية، لتملأ أعواد البخور المحترقة الهواء بالدخان.

قال الراوي: "وها هو بطلنا يفيق. وبلا أذى يُذكر أيضاً".

عقد آين حاجبيه واعتدل في جلسته. سقط قماش مبلل عن جبينه واستقر على حوضه. تفحص جسده باحثاً عن خدوش وكدمات وجروح وحروق. لم يجد شيئاً. ضربته صاعقة، وخرج منها سليماً بلا قطرة دم. أكان الأمر برمته حلماً إذاً؟

بدأ كلامه: "أولئك الملعونون. أهُم...؟"

"لقد ماتوا. قتلتهم جميعاً".

أجابه أيوس، وبدا وكأنه حرم نفسه من النوم لليلة كاملة.

"وأفرغت طاقتي أنا الآخر حتى النخاع".

"عذراً".

قطب الأمير جبينه.

"سأغفر لك هذه المرة يا آين، لكن لأنني رأيت ذلك بعيني فحسب. أنت حقاً لشخص فريد".

التفت إلى غاراكس ورين.

"أظن أنكما بريئتان بعد كل شيء. إن لم يقتلكما أمر كهذا، فعندئذ وبموجب الوصية الأولى لكالادور، أنتم أبرياء جميعاً... وهذا يعني أن أبي قد ارتكب خطأً جسيماً".

كالادور. تذكر آين طريق الريح، وتقنيات السيف المختلفة التي استخدمها لشق طريقه عبر المعسكر. لم يظن أنه سيكون قادراً على تكرارها. لعل ملك الحرب كان يرعاه بعد كل شيء.

سأل: "وماذا عن الأطفال؟ والكبار؟ أهربوا؟"

أوضح غاراكس: "أوصلناهم إلى منازلهم سالمين. كدنا نفقد بضعة منهم في الطريق، لكننا نجحنا. إنهم يجلّوننا الآن. نحن أبطال الأسطورة، التالام. أولئك الذين سيحطمون ماندارا ويحررونهم من غضب التسعين".

"ماندارا؟"

"فاينرير. الملك المجسد القاطن في قمة العالم".

في ومضة قفز آين من الفراش، وبحث بجنون عن سيفه. وجده بجوار الباب، إلى جانب واقي الكتف المصنوع من ذهب الراين والخاص بثورين.

صرخ: "فاينرير! كم مضى من الوقت؟ علينا إنقاذها!"

وعلينا العودة إلى ألدوران قبل أن يهاجم أولئك الملعونون!

قال غاراكس: "مضى يومان. لقد كنت مسكوناً بالحمى طوال يومين، تتمتم بأحلام محمومة من بين شفتيك، وتتخبط في نومك. كن ممتناً لأنه لم يكن أكثر من ذلك".

تمتمت رين: "باللهيب، من أي شيء صُغت؟"

أخذ آين نفساً عميقاً ليهدئ روعه. لمح فرواته ودرعه على الأرض فتوجه لارتدائها.

أوضح وهو يدخل ذراعيه في السترة الجلدية فوق قميصه: "كان هؤلاء الملعونون تحت إمرة ذئب الدم. إنه يمتطي طريقه نحو ألدوران في هذه اللحظة بالذات، لإشعال الهجوم الذي سيجعل المدينة تراكع".

التفت إلى توشار.

"علينا بلوغ قمة الجبل بأسرع ما يمكن. إن لم ندركها في الوقت المناسب... فستكون هناك أمور أدهى لنقلق بشأنها سوى غضب ماندارا وإمطاره قريتكم بالدمار".

قال توشار: "لقد شرحتُ لهم ذلك مسبقاً أيها التالام. أخبرتهم عن الفتاة التي ليست كالبشر والتي تهدئ ملك الجبل".

"إذن لمَ لم نتحرك حتى الان؟"

شد سيور الجلد بقوة، محاولاً تجاهل الجروح المتقاطعة على درعه. إن لم ننقذها فسيفشل المسعى ويُعدم آلين عندئذ. لم يكن الأمر مقصوراً على أيدراسيل وحدها، بل شمل أباه كذلك. انحنى آين وجذب حذاءه، متأوهاً حين تحرك كتفه في مفصله.

قال توشار: "سنبلغها في الوقت المناسب. أنا أعرف ماندارا كما أعرف راحة كفي. ثمة طرق مختصرة ترتقي الجبل، طرق لا يمكن للفارس معرفتها البتة. نستطيع توفير الوقت باتخاذ هذه الطرق المختصرة".

قال غاراكس: "توشار هو الشخص الوحيد القادر على قيادتنا إلى هناك. وقد رفض الرحيل حتى تتعافى. أبدأ أدرك السبب، خصوصاً بعد ما فعلته بأولئك الملعونين. ربما نملك فرصة فعلية لانتزاع الفتاة من بين فكي آكل العالم بوجودك هناك".

قال آين: "أنا... لم أكن في وعيي آنذاك".

ابتسمت رين: "لكنك في وعيك اليوم. ما هذا إن لم يكن قوة؟ القوة لتقبل الجوانب المظلمة من نفسك والمضي قدماً".

نهض آين، ملقياً نظرة على الأربعة الواحد تلو الآخر. أيوس ورين اللذين انضما إليه في الطريق. غاراكس الذي أصغى إلى قصصه صغيراً في فيلهافن. توشار الذي سيقودهم إلى قمة العالم.

سأل: "أين تالبرون؟"

صرف غاراكس نظره عنه.

"أصيب في مورغرافر. يرعاه القرويون الآن، ويضمدون جسده حتى يبرأ، لكن عقله لا يزال نائماً. لا يمكننا فعل شيء لأجله".

تمتم آين: "أنشوريا تحرسه"، ثم تنحنح.

"هل حقائبنا جاهزة للرحيل؟"

أجاب أيوس: "حقائبنا جاهزة. أغراضنا في كوخ العمدة عبر الطريق. لكن هل أخذت كفايتك من الراحة؟"

رسم ابتسامة باهتة.

"لن أحتمل تخلفك على الجبل. نهاية هذه المحنة اللعنة باتت قريبة، وإنني لَعازم تماماً على العودة إلى وطني حياً لألقى أبي اللقيط. لقد أقسمت بحياتك أن تحميني، أترذكر".

فكر آين مستحضراً لقاءه الأول بالأمين: كم تبدل حديثه. طالما لمس فيه غروراً متكبراً من الشاب، لكنه بات أشبه باحترام مشوب بالتردد الآن. كأنه تقبل كون آين جديراً بأن يكون نصل مملكاني في خدمة أولدان.

أجاب: "أنا جاهز. سيكون مبعث ارتياح لي أن أتخلص من صحبتكم".

ابتسم مداعباً. قطبت رين حاجبيهما، متمتمة بشيء غير مسموع. همس غاراكس برد في أذنها، فهزت رأسها.

تمتمت: "الرجال كائنات غريبة".

عدل آين سيفه على منطقه ثم خطا بخطى واسعة نحو الباب. وحالما فتحه، لطمه نسيم بارد في وجهه، تلاه هتاف دافئ من الحشد. لقد احتشدوا في كل زاوية من الشارع، أمهات بأيدٍ على أبنائهن وبناتهن، وآباء يبتسمون امتناناً، وأخوة وأخوات بقبضات مضمومة فوق صدورهم. تعرف آين إلى بعض الأطفال في الأقفاص؛ تقدّموا منه فرادى، يقبلون يده، ينحنون له، ويعانقونه قبل أن يبتعدوا. بدا عليهم الحيوية بالفعل، وقد امتلأت وجناتهم واشتعلت أعينهم بريقاً.

قالوا: "ماندي سي بهافا".

ليكرّسكم الجبل.

قالت رين وهما يمران بجانبهم: "أشعر بشيء من الإقصاء لكوني لم أكن جزءاً من هذه النبوءة الخاصة بهم".

ابتسم غاراكس وهو يلوح لمجموعة من الأطفال: "أكاد أجزم أنك ستكونين قريباً. تميل هذه الأمور للتغير مع الوقت والمنظور".

بلغا كوخ العمدة، حيث انتظره ثلاثي من القرويين، العمدة وزوجته وابنه.

أخذ الراوي زمام المبادرة بينما واصل الناس غمر آين بالشيات والبركات: "سنغادر في القريب العاجل. ألا تزال أغراضنا بحوزتكم؟"

أومأ الرجل: "بالطبع. أتمنى لكم أوففر الحظ في رحلتكم. توشار مجنون، لكنه رجل كفء".

ابتسم توشار بخبث عند ذلك: "تغمرني بفضلك يا راكان".

أحنى راكان رأسه واختفى داخل الكوخ. وانحنى زوجته وابنه بعمق.

تتطلع الصبي مجهداً شفتيه لتقطيع الحروف: "ش... شك... راً".

انحنت رين على ركبة واحدة وربتت على رأسه.

قالت: "سنعود، وسنحرر دارموث من ملوك الجبل".

تهلل وجه الصبي فرحاً حين خرج أبوه حاملًا حقائب السفر.

ردد من جديد: "ماندي سي بهافا".

أخذ غاراكس الحقائب وانحنى: "ماندي سي بهافا".

أطلق القرويون هتافاً أزيح فجأة باهتزازة جديدة في الأرض. رمق آين قمة راجينروك بنظرة يشوبها وجل، لكن ما إن هدأت الهزة حتى استأنفت الحشود ابتهاجها. لقد كانوا التالام. محطمي الملوك. نساجي الأقدار. في مكان ما على قمة الجبل كانت فتاة تنتظر الإنقاذ وذئب عملاق يحتاج إلى القتل. وفي بقعة ما من ألدوران، كان آلين يترقب التحرير، بينما انتظر بران وإيفين عودته. وفي بقعة أخرى من فيلهافن، كانت أمه وسينامون تعملان في الحقول، تبذلان كل ما بوسعهما لتجاوز الشتاء العظيم.

توهج اللهيب في صدره، وتجمعت حوله سحب العاصفة. قبض على عزيمته بإحكام في الداخل. لقد كانت عين عاصفته.

#

جاء الغراب لزيارة بران خلال إحدى مناوباته، ووقَف بإصرار على الغصن المجاور للمكان الذي يتخذ منه عشاً. كان الوقت ليلاً، وهو أخطر أوقات الحراسة، لكن القمر ساطع وبامكانه رؤية البقايا حتى الأفق.

قال: "أهلاً بك"، ومَدَّ يداً نحو الطائر.

لم ينكمش بل سمح له بمداعبة رأسه، ممرّاً بريشه اللامع على أصابعه. كان طائراً ضخماً، ضخماً لدرجة جعلت بران يتساءل عن عدد الجثث التي أكل منها ليصل إلى هذا الحجم.

ردد الطائر: "أهلاً. أهلاً!"

تحرك بران نحو الطرف الأسمك من الغصن، باعثاً بغبار من الأوراق نحو الأرض. كان في علو شاهق، ربما ثلثي المسافة نحو القمة. لقد كان ماهراً دوماً في تسلق الأشجار، أفضل من إين وإيفين، وعلاوة على ذلك، كانت الأشجار في التوأمين النائمين أطول بكثير. من نقطة مراقبته هذه، استطاع رؤية معسكر البقايا بأسره وهو يتحرك فوق الآفة.

نعق الغراب: "بارد. بارد."

قال: "إنه كذلك، أليس كذلك؟"

كانت هناك سحب في الأفق، سحب عاصفة سوداء ضخمة ترتفع نحو الهواء. كانت بعيدة بعض الشيء، لكن حين تضرب المدينة، سيرتفح خبرها لدى الجميع. استقر بران في حياته بمعسكر الحرب الآن، يتولى الحراسة حين يُطلب منه، ويؤدي مهام صبي الركض حين لا يُطلب. منذ الهجوم قبل أسبوع تقريباً، تراجعت البقايا وواصلت حشد قواتها. توقف أيدون عن إرسال التعزيزات إليهم. لو تعرضوا للهجوم الآن، فسوف يخسرون بغض النظر عن عددهم.

لم يكن المعسكر سوى حفلة حراسة ممجدة قليلاً، لا أكثر. رفرف الغراب بجناحيه ونقر يد بران.

صاح: "تعال. تعال."

تنهد بران. كان ماهراً دوماً مع الحيوانات، لكن حين تبدأ بالتحدث إليه فهذا يعني غالباً أنه جلس دون حراك لفترة أطول من اللازم.

قال: "حسناً. سأأتي."

حزم منظاره وربط قوسه بظهره، محترساً لئلا يفقد توازنه. ثم بحركات متمرسة، انزلق هبوطاً على الشجرة حتى لامست قدمه العشب مرة أخرى. ستفخر به إيفين. فكر: يا ترى ماذا تفعل الآن؟ وبقية صبيان الركض أيضاً. لم يراهم قط منذ ذلك الحين، حين وصل صانعو الأناشيد وطاقم التنظيف للعناية بالمصابين. رفرف الغراب بجناحيه وانطلق في السماء. تتبعه بران، ملازماً ظلال الأشجار، وباقياً خلف الستار.

كانت الأرض المرتفعة له والبقايا بعيدة، لكنه الليل، والبقايا تمتلك رؤية ليلية شبه مثالية. كان ذلك أحد أسباب خطورة الحراسة الليلية، ليس فقط للحارس بل للمعسكر بأسره. في ليلة غائمة أو ليلة بلا قمر، تستطيع البقايا التحرك دون أن تُرى وتكون فوقهم قبل أن يدركوا ذلك. فكر ناظراً إلى سحب العاصفة: ستكون ليلة بلا قمر فوقنا قريباً. قاده الغراب حول خط الأشجار إلى نقطة تبعد مئات الخطوات وحطّ في قمة شجرة، ناخساً إياه بنعيقه.

"تعال! تعال!"

مرر بران يديه على الجذع ووجد مواضع قبضه.

تمتم: "أنا آت."

أصبح جسده انحف وأكثر مرونة منذ انضمامه إلى الفيلق، نتيجة العمل الشاق والطعام الرديء. صار أخف من ذي قبل وأسرع خطى، رغم تمنيه لو امتلك المزيد من العضلات. تفضل النساء دائماً رجلاً ذا عضلات — على الأقل، أولئك اللاتي في فيلفهفن. لقد رأى الطريقة التي تنظر بها إيفين إلى أرين. حين بلغ القمة، أخذ لحظة لتثبيت حقيبته قبل أن يتجرع رشفة طويلة من الماء. كان المنظر أسوأ هنا — لم يعد بإمكانه رؤية نيران معسكره الخاص، لكنه في المقابل استطاع الرؤية داخل بعض زوايا الآفة التي تعذر عليه رؤيتها من قبل.

انتظرت السيلادونات في حظائرها، ترعى على حزم القش المسروق. رقدت السلازادات مثبة على الأرض، بسلاسل سميكة تكتم خطومها. صنع ملامحو الأسلحة في نيران هادئة. كانت النيران عملة نادرة؛ وتلك الوحيدة التي رآها بران في المعسكر تخص الخدم البشريين لقاتل العهود.

سأل: "عما أبحث؟"

أجاب الغراب: "انظر! انظر!"

انطلق مرة أخرى، محلقاً في السماء المفتوحة فوق الآفة. راقب بران طيرانه بانسيابية في الظلماء، ملقياً ظلاً أداكن بكثير عبر الأرض. كانت الغربان والغراب الأسود مخلوقات ذكية. كانت حاضرة دائماً في نهاية المعركة، تحرس أجساد الأموات. وذهب بعضهم إلى حد القول إنها تسبب الموت، وأنها نذير شُوم. اختارت مورين نفسها الغراب شكلاً حيوانياً لها، مما زاد في سمعتها. صار الغراب نقطة سوداء في البعيد، متوقفاً بسلاسة فوق خيمة بجوار إحدى البوابات.

كانت خيمة ضخمة، تمزقاً في نسيج العالم كندبة بنفسجية ترتفع من الأرض. حلقة من الممتصين تغذيها بالطاقة، ستة رجال مقنعين وشخصية أكبر من البقية — مانح دماء برداء قماشي بدلاً من الدروع. رفع بران المنظار إلى عينه وراقبهم وهم يغنون، وتتحرك شفاههم بتناغم مع نبض البوابة. تعذر عليه سماع كلماتهم، لكنها أرسلت قشعريرة تسري في عموده الفقري على أي حال. فجأة، برز خطم ضخم عبر التمزق، ثقيل ومربع كرأس مطرقة.

قيدت السلاسل فكه بإحكام. استقرت عينان صفراوان على جانبي وجهه، يتبعهما جذع squat وذيل عضلي ينتهي كمقمعة. امتلك المخلوق حراشف مثلثية تتراكب على جسده، بلون رمادي مائل إلى الأزرق الباهت تحت ضوء القمر. أشبه بكبش ضرب بأرجل؛ سحلية برأس يشبه جذع شجرة. تنين أرضي — سلازاد. قادت الوورغال البقايا طوال الطريق خارج البوابة ووسط المعسكر. أدرك بران أنه كان يحبس أنفاسه. وقبل أن يتمكن من إطلاقها، برز خطم آخر عبر البوابة.

كان هناك خمسة في المجموع انضمت إلى الثلاثة الموجودة بالفعل في المعسكر. كُمِّم كل منها، وتذمرت لبعضها في دفعات مكتومة. شعرت بشрус الشجرة تهتز تحتهما وهما تسيران، كل منها بحجم منزل. لن تصمد جوار المدينة أمام قوة هذه المخلوقات. نعق الغراب مجدداً. لا بد أنه خياله، لكن بران سمعه من المكان الذي كان يراقب منه.

صاح: "أوروداين. أوروداين."

فارس الكيل. تموجت البوابة وظهر شكل آخر. كان صغيراً ونحيلاً، أقصر قليلاً من الرجل العادي، يرتدي رداءً فضفاضاً مربوطاً عند الخصر بحبل قرمزي، وذيل قصير يبرز من الخلف. تدلى شعر بلون فضة القمر في جدائل تشبه الأفعى من فروة رأسه، في تناقض صارخ مع بشرته السوداء الحجرية، وامتلك أذنين مدببتين فوق رأسه — سوداوين وحادتين كأذني كلب. على جنبه شفرة منحنية، طويلة ونحيلة كورقة شجر.

وعلى وجهه قناع على هيئة هلال، وعين قرمزيّة تختلس النظر من الثقب الوحيد. سار بطريقة لم يجد بران مثيلاً لها، متسللاً كذئب في الصيد. أبقت الوورغال مسافة بينها وبينه، وفظت هادئة ورؤوسها منكسة بينما يمر الفارس. بدا كإنسان ذئب أيضاً، لكنه أقرب إلى إنسان. الوورغال ذئاب تمشي كرجال. الفارس رجل يمشي كذئب، بأذني ذئب وذيل ولا شيء آخر. رجل ذئب. تتبع بران الرجل الذئب بمنظاره وهو يتحرك بين الخيام، شاقاً طريقه نحو مركز القيادة.

تشتت الوورغال من طريقه كجراء حديثة الولادة. حتى مانحو الدماء انحنوا برؤوسهم احتراماً. كان فارس الكيل الآخر في الانتظار؛ عملاق من الرجال والقيود تحيط بمعصميه. تبادلا بضع كلمات قبل دخول الخيمة العملاقة. أبعد بران المنظار عن عينه. كان حلقه جافاً. خمس سلازادات وفارس كيل. شيء ما على وشك الحدوث، قريباً. عاد الغراب إلى الغصن فوق بران وحدق إليه بعينيه الخرزيتين.

أنى: "عاصفة. عاصفة."

وافق بران: "نعم."

لم تكن هناك سحابة واحدة في الأفق.

#

كانت إيفاين تشكّل نصالاً من الماء في غرفتها حين دخل كيدرين، حاملاً صندوقاً خشبياً تحت ذراعه الضخمة. وخلف المُنشد كانت تقف امرأة مسنة ذات بشرة لفحتها الشمس، ترتدي أيضاً رداء الفيلق.

أشارت الرعشة الموسيقية على كتفها إلى رتبة "مُنشدة"، فبادرت إيفاين بالانحناء لها فوراً.

قالت: "صباح الخير أيتها المُنشدة. اعذريني من فضلك".

وجهت أمراً حاداً لبركة الماء عند قدميها فعادت تنساب إلى الوعاء. أومأ كيدرين موافقاً.

قال: "لقد تحسنتِ في التحكم بـ 'الويرد' الخاص بكِ. وتذكرتِ آدابك أيضاً. سنصنع منكِ حائكة أناشيد في نهاية المطاف".

منذ ذلك اليوم الذي عالجا فيه المصابين قرب معسكر الحرب، قضت إيفاين كل لحظة يقظة في صقل مهارتها. تقبلت توجيهات كيدرين دون تذمر، وتدربت على التمارين التي بدت عديمة الجدوى حتى بُحّ صوتها، وحين ينتهي وقت الدروس، كانت تنزل إلى المشفى لتراقب المعالجين أثناء عملهم. كانت تساعدهم أحياناً، تنظف الجروح وتطهرها، توقف النزيف، وتغلي دلاء الماء. وحين لا تجد عملاً آخر، كانت تجرب في غرفتها، تصنع نصالاً من الجليد، أو دفعات من البخار الساخن، وتسحب الماء من الهواء وتبرده لتخلق ضباباً لا يُرى.

كانت تحمل روح نهر براكنبيرغ في داخلها، وعقدت العزم على تسخير قوته إلى أقصى حد.

تابع كيدرين: "لدي هدية لكِ اليوم. شيء استغرق إعداده وقتاً طويلاً. سيمنحكِ شيئاً آخر لتركزي عليه حين تفقدين صوتك ولا تستطيعين الغناء".

ناولها الصندوق، ففتحته إيفاين. كان مزماراً، مصنوعاً من خشب الورد الأحمر العميق المصقول حتى لمع. حبست إيفاين أنفاسها، فلم ترَ في حياتها قط عملاً بهذا الجمال وهذه الأناقة. لم تكن خبيرة بالمزامير لتعرف خصائصه بدقة، لكنها عرفت أنه الأفضل من نوعه، تماماً كما يقف الحصان الجيد بقوة أكبر من الرديء، وكما يلمع السيف الحاد ببريق يفوق السيف الكليل.

سألت وقد نسيت كلماتها للحظة: "لي؟".

أومأ كيدرين: "لكِ. ربما ساورتني الشكوك حين رأيتكِ لأول مرة، لكنني كنت أحمق حين تجاهلت بصيرة ميلينا. لقد قطعتِ شوطاً طويلاً خلال الأسبوعين الماضيين، أبعد مما ينبغي لحائكة أناشيد عادية، وأنا فخور بذلك. ورغم أنني سأستمر في تعليمك، إلا أنكِ تقتربين بسرعة من مكان لا أستطيع ملاحقتكِ إليه".

أشار إلى المرأة ذات البشرة السمراء بجانبه: "هذه هي المُنشدة إيلانثي، وهي حائكة ماء مثلكِ تماماً. تنحدر من الشرق، من وراء الصحراء حيث الماء سلعة ثمينة، وحيث يستطيع عازفو المزامير ترويض الأفاعي وإخراجها من السلال. ستعلمكِ حياكة الأناشيد بالآلات".

حيّت إيلانثي: "طاب يومكِ يا حائكة الأناشيد المتدربة إيفاين".

كان شعرها رمادياً مغبراً مربوطاً في ضفيرة، وعيناها زرقاوين عميقين: "أنتِ صغيرة السن بالنسبة لمن تمتلك هذه البراعة. أخبرني كيدرين أشياء طيبة عنكِ".

أبعدت إيفاين عينيها عن المزمار بتثاقل وقالت: "هل حقاً؟".

بالنظر إلى الوراء، ربما لم يكن المُنشد سيئاً كما ظنت.

قال كيدرين: "لم أقل إلا ما تستحقينه. والآن سأستأذن. لا تنسي تدريب ما بعد الظهيرة مع الوحدة الثالثة في المكان المعتاد".

أومأ بخشونة ثم غادر.

قالت إيلانثي وهي تحدق في الباب: "إنه مخادع. كان كذلك حتى حين كنتُ أعلمه".

حولت المُنشدة نظراتها إلى إيفاين وغاصت في عينيها. ارتبكت إيفاين؛ كانت عينا إيلانثي مثل برك الماء الكريستالية.

"كان كيدرين يراقبكِ يا إيفاين، منذ أن أخذكِ إلى ساحة المعركة كمعالجة، وقد أُعجب بجهودك، وبنتائجها أيضاً".

شحب وجه إيفاين. لا عجب أن المُنشد كان أكثر رفقاً بها منذ ذلك الحين. فكرة أنه كان يراقب كل خطأ ارتكبته جعلت الحمرة تعلو وجنتيها.

تابعت إيلانثي: "أنا لست مثل كيدرين. كيدرين سيصرخ في وجهكِ حتى تتبعي كلمته، وسيبحث عن طرق لعقابكِ إن لم تفعلي. بالنسبة للأطفال، هذه الطريقة فعالة. لكن بصفتكِ متدربة تطمح لتصبح خبيرة، يجب أن تعتمدي على إرادتكِ أكثر من إرادة الآخرين".

أخرجت مزماراً من ردائها: "سأعلمكِ كيف تصنعين الموسيقى دون صوتكِ يا متدربة. قد تجدين التحكم في روحكِ وتوجيهها أسهل باستخدام آلة، أو قد تجدين أنها تشوش إدراككِ للصوت. مما أخبرتني به ميلينا، أنتِ من النوع الأول، وهذا نوع نادر بالفعل. العازفون دائماً ما يكونون ذوي قيمة في الفيلق".

أشارت لإيفاين أن تمسك مزمارها، ففعلت.

"هل يقاتل العازفون في المعارك أيضاً؟".

ضحكت إيلانثي: "كل حائكي الأناشيد يقاتلون في المعركة. لكن تماماً كما يقود الاستراتيجي جيوشه من خلف طاولة وكرسي، نبقى نحن العازفون في مواقعنا حيث يمكننا مراقبة المعركة دون خوف. لكن لا يساوركِ شك، حين تنشق الأرض وتبتلع أعداءنا، أو حين تفيض الأنهار في المعركة تحت أمرنا، ستدركين ما هي القوة الحقيقية".

عزفت إيلانثي نغمة، فقفز الماء في الوعاء خلف إيفاين في الهواء. عزفت ثانية وثالثة، وربطت بينها بسرعة حتى بدت كأنها سلسلة من الأجراس. أطاعها الماء، فاستطال وتمدد في شكل أفعواني، نهر يلتف في الفضاء فوقهما. التقط ضوء النهار الماء فتشظى، متكسراً إلى كل ألوان قوس قزح.

"والآن أريني ما يمكنكِ فعله بأغنية روحكِ".