رياح القدر: دم الملوك الفصل 49 — شياطين الجبل

اقرأ رياح القدر: دم الملوك الفصل 49 — شياطين الجبل باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الرابع والأربعون: شياطين الجبال

"العالم مكان شاسع. حيثما توفر الماء العذب ووجد الطعام بكثرة، فتاكد أن بشراً سيبنون مستوطنة هناك. "أحياناً، إذا انعزل مكان لفترة طويلة، فإنه يتخذ مساراً خاصاً به.

عالم منفصل في الزمن والتقنية عن العالم الخارجي، ثقافات منفصلة، تقاليد منفصلة. في كل مجتمع، التواصُل هو الأساس. تعلم لغة هو أفضل اطراء تقدمه لثقافة ما، وهو أحد أسرار نجاحي. أتمنى لو لم تكن اللغة شيئاً يتطور باستمرار، يتحسن دائماً، يتغير دائماً.

اليوم الذي أعود فيه فأجد لغتي الأم قد تركتني خلفها هو اليوم الذي أعتزل فيه حياة المغامرين."

—داغوس أاديم، دليل المغامر إلى القارة

كان إيوس يحلم. رأى في حلمه رجلاً، عجوزاً أصلع، بعينين ترويان حكايات عبر العصور. كان نحيلاً ورشيقاً رغم تقدمه في السن، ويتحرك بسلاسة تشبه الأفعى. كان الأمير معتاداً على الأحلام. ظل يحلم منذ طفولته، لا أحلاماً عادية فحسب، بل أحلاماً تحمل معاني. كان يرى أشياء ضاعت، كوارث ستحدث، بل وحتى أشخاصاً سيتموتون. كلما رأى وجهاً في أحلامه، كان يقلق بشأن المدة التي عاشها ذلك الشخص بعد.

كان يقل لنفسه مراراً إن الجميع سيموتون في النهاية؛ الأمر ليس سوى مسألة وقت. لكن بعض الناس يموتون قبل آخرين. لم يستطع تبين الوجه تماماً هذه المرة، وهو ما شكّل راحة طفيفة. انحنى العجوز فجأة إلى الخلف نحو السماء، وبدأ يتحول. كبر ظيله واقترب، ونبت جناح من أحد ذراعيه. راقب إيوس الأمر بإحساس التشتت النموذجي لعالم الأحلام بينما تحول الرجل إلى تنين ذي جناح واحد، وتلألأت حراشف ذهبية على طول ظهره.

لقد مضى وقت طويل منذ أن رأى حلماً بمثل هذا الوضوح. كانت وفيرة حين كان طفلاً، في الأيام التي كان فيها ويلارد على قيد الحياة، وكان يخبر والدته عنها كل يوم. عندما بدأت تنظر إليه بغرابة وتأخذه إلى الأطباء والمعالجين، أدرك حينها أنه ليس مسموحاً له بأن يخبر الناس عن هذه الأحلام. رغم ذلك، ظل يعيرها انتباهاً، وحتى لو تعامل معها بحذر، فقد أقر بها. كان الأساتذة في المكتبة يضحكون منه دائماً لأنه يؤمن بالنبوات، لكنهم لم يَروا ما رآه.

زأر التنين ذو الجناح الواحد، نافثاً شهيقاً من النار في السماء. ثم فقد بريقه، وتصلب متحولاً إلى رمادي متصدع، رمادي الحجارة، وتفتت في الريح.

#

حين فتح إيوس عينيه كان المطر يهطل. ينحدر المطر في ستائر رمادية تلصق شعره برأسه وتتسلل عبر الأوراق والأغصان وتحيل الأرض طيناً. يهدر النهر بجانبه شاقاً طريقه هبوطاً على الجبل. رفع نظره إلى طبقات الصخور والنباتات المتراكبة فوقه وأبعد من ذلك إلى الفوهة المظلمة التي تقذف الزبد من خاصرة الجبل وحدس أنه قذف منها. من مورغرافر حيث يموت كل شيء. باغتته رغبة مفاجئة في الضحك. لا بأس بالكدمات الكبيرة على قفصه الصدرية ولا بالدم الأحمر المترقرق من صدغيه.

لا بأس بالخدوش التي تملأ أطرافه حيث وخزته شجيرات ضفاف النهر. لا بأس بمعدته الخاوية وبحقيقة أنه مبلل تماماً تحت سماء شتوية. هو حيّ. اجتاز المناجم ومشى في شوارع مورغرافر وحارب الرعب الكامن في الظلمات وبقي حياً. أطلق ضحكة حادة لا تليق بالأمراء. لكن أين البقية؟ انبعث أنين من جانبه ورأى عجوزاً ينقلب على بطنه. سعال غاراكس ثم نهض على ركبتيه معتصراً الماء من قميصه. حبل الكروم حول خصره قد انقطع.

قال: "يا عظمة ويد. لقد رأيت كل شيء الآن".

كشف الراوي عن جذع يده من صدره مظهراً حزمة محكمة ملفوفة في بطانية. إنه تالبرون بهيئة السنونو مبلل ومشعث لكنه لا يزال يتنفس.

غنّى إيوس: "نحن أحياء. نحن أحياء".

قال غاراكس: "لم نخرج بعد من الغابة. أين إين؟ وأين رين؟"

"تباً لا أبالي. لقد رأينا مدينة الأحزان وبقينا أحياء لنروي الحكاية!"

هتف الراوي: "إيوس! شفتاك زرقاوان. علينا إيجاد مأوى وإلا ستمرض".

لا بد أن جزءاً منه قد استوعب صدق تلك العبارة إذ وجد إيوس نفسه يومئ موافقاً. وما إن ذكر غاراكس الأمر حتى شعراً بصقيع شديد. لدرجة أن أسنانه كانت تصطك بلا توقف ووجهه خدر لدرجة أنه عجز عن الشعور بالمطر. شق اثنان طريقهما هبوطاً على الجبل ملازمين أشجار الصنوبر الكثيفة ليحتميا قدر الإمكان من الهطول الغزير. وكلما تحركا ازداد إيوس برودة وكآبة. تشتت ابتهاجه ليحل محله الشك والأسئلة.

أين هما؟ وكيف سيجدان الحضارة مجدداً، وأقل الأمور أهمية، أين العضوان الآخران من فرقتهما؟ لربما كان الفتى القروي إين مذعناً بعد كل شيء. لا أحد يمكنه الإفلات من الوصية الأولى لكلادور. بعد دقائق من الخوض عبر الغابة وجدا تجويفاً صغيراً شكلته صخرتان مسندتان إلى جدار جرف. هناك انكمشت رين على شكل كرة أمام نار مشتعلة.

هتفت: "غاراكس. وإيوس. أرايتم إين؟"

هزا رأسيهما. جلس إيوس ومد يديه نحو النار بأقرب مسافة تجرأ عليها مستشعراً ذوبان أصابع يديه وقدميه.

"كيف بحق الجحيم تمكنتِ من إشعال نار في هذا الطقس؟"

قال غاراكس: "إنها تنين. أم أنك لم تصدقها حين قالت ذلك؟"

كان عليه الإقرار بوجود بعض الشكوك حين أخبره أبوه بذلك، لكن بعد ما رآه في مورغرافر لم يعد شيء يفاجئه قط.

"إذن أين نحن بحق الجحيم؟"

أخرج إيوس رأسه من تحت التجويف رامشاً ليبعد قطرات المطر عن وجهه. تعالت جبال صخرية فوقهما من الجانبين شاقة طريقها نحو السماوات. كانا على حافة قاحلة من الشجيرات المتقزمة ومسطح وعن من الأردواز والتراب يزداد جدباً ووعورة كلما علا نظره. في القمة تماماً حيث تختفي القمم في الضباب المتموج كانت الصخور متلفعة بطبقة شبه تامة من الثلج والجليد.

قال غاراكس: "عمود لوريل. ما مدى براعتك في الجغرافيا أيها الفتى؟"

"لا بأس بها. أعرف خريطة فاينغارد وإن لم يكن جيداً".

رسم الراوي بعصا في الطين وقال: "يمتد عمود لوريل مسافة لا باس بها طولياً. قدمنا من الطريق الملكي هنا ودخلنا المناجم حول هذه المنطقة. راغينروك هنا ودارموث أسفل ذلك مباشرة".

رسم دائرتين كبيرتين على الخريطة الارتجالية.

قالت رين: "تلك مساحة واسعة للضياع فيها. قد نلهث هائمين لفترة طويلة. ليس لدينا طعام أيضاً تذكر ذلك. وليس بحوزتنا سوى بطانية واحدة لثلاثتنا".

قال غاراكس: "ممتاز. لسنا بحاجة للبطانيات أصلاً".

هزت رين كتفيها إزاء ذلك.

سأل إيوس: "أليس راغينروك قمة العالم؟ أعلى جبال فاينغارد. لابد أن بوسعنا رؤيته من مسافة بعيدة. إنه يعلو جيرانه حرفياً".

أشار إلى الجبل الماثل أمامه.

"هذا الجبل عالٍ جداً".

ابتسم غاراكس ابتسامة خبيثة وقال: "أنت تسيء الفهم. كل الجبال في عمود لوريل بهذا العلو. أتدري ماذا يسمي أهل دارموث هذه السلسلة الجبلية؟"

"ماذا؟"

"نانك تور. بلغتهم قبر التسعين. اعتقد المعتقدون المحليون أن الجبال تشكلت عند موت ملوكهم التسعين. الجبال مقدسة بالنسبة إليهم ويعد ماندارا عمود السماء أعظمها جميعاً".

قالت رين: "اعتقد أن علينا اتباع النهر. إنه يجري في الاتجاه العام الذي ينبغي أن نسلكه. كما قال إين، كل الأنهار تقود إلى الحضارة. وعلاوة على ذلك، علينا العثور عليه، وحدسي يخبرني أن الماء جرفه نحو المصب".

رفع غاراكس حاجبها.

"بالنسبة لشخص كاد يفقد وجهته تماماً تبدين مفعمة بالأمل بشكل مخيف".

توقفت رين لحظة.

اعترفت قائلة: "أظنني كنت متسرعة بعض الشيء. ساعدني إين على تجاوز نقائصي. أحياناً يساعد امتلاك منظور آخر للأمور".

أومأ الراوي برأسه.

"أظنك ستكتشف أنه يؤثر فينا جميعاً بطرق صغيرة رغم أننا قد لا ندرك ذلك. تلكم قوة نساج الأقدار".

رمق إيوس بنظرة جانبية.

"والآن يا أميري، أتدفأت بما يكفي؟ لأني لا أظن أن المطر سيزول قريباً والوقت لا يتوقف لأحد".

#

شعر أيوس بوميض النور من جديد حين بلغ منتصف الجبل تقريباً. ظن للوهلة الأولى أنه خدع بصريّة، أو هلوسة قاسية خلّفها البرد القارس والمطر المنهمر، لكن جزءاً آخر منه أخبره أنه حقيقيّ، وأنه لا ينبغي له تجاهله. لقد هداه النور ذات مرة في مورغرافر، وقادهما نحو القناة وإلى طريق النجاة. لقد وثق به حينذاك، فلماذا لا يثق به اليوم؟ أدرك أنه توقف في منتصف الدرب، محدّقاً أمامه نحو أشجار الصنوبر المرتجفة بينما كان غاراكس ورين تراقبان.

سأل الحكواتي: "أثمة خطب ما؟"

أيُفترض بي أن أخبرهما؟ لم يسمع أيوس قط بأمر شبیه بهذه الأضواء الغريبة التي ترشده إلى وجهته. وإن كان أحد يعلم شيئاً عنها، فهو غاراكس على الأرجح. لم يعرف الحكواتي سوى منذ أيام معدودات، لكنه شعر مسبقاً أن هذا العجوز يطوي خلف مظهره الخارجي ما هو أعظم بكثير. وقد كشف له عن ذلك حديثهما ورؤيته الثاقبة في مناجم مورغرافر.

قال وهو يشير بيده نحو اتجاه معين بين الأشجار: "أشعر أن الطريق من هنا".

وقرر ألا يقول الحقيقة.

"لا أستطيع وصف الأمر بأكثر من ذلك".

سألت رين: "حدس؟"

أومأ أيوس برأسه. وظل الضوء الأبيض يتلألأ وكأنه يسخر منه.

"حسناً لننطلق إذن. لا جدوى من الوقوف تحت المطر".

قالت رين: "تمهل. أستأخذ بكلامه هكذا وحسب؟ مجرد حدس؟"

قال غاراكس بمرح: "أفضل من الطعن العشوائي في الظلام. أتعتزمين تجاهل أمر صادر عن ولي عهدك؟"

"أنا لا أنحني لأي إنسان".

وأضاف الحكواتي: "لا تنسي أنه أخرجنا أيضاً من مورغرافر. لقد استحق ثقتي بهذا وحده".

حدقت رين في أيوس برهة قبل أن ترفع كتفيها بلامبالاة.

"إن كنت تقول ذلك. فهو أول الهالكين على أي حال، إن كان مخطئاً".

أزعجته طريقة حديثها، لكنه وارى ارتباكه بسعلة خفيفة. ثم شرع يتقدمهما مبتعداً عن الدرب نحو النور المتلألأ في الغابة. كان الأمر عسيراً. كان النور يخترق المادة الصلبة، سواء كانت شجرة أو منحدرًا صخريّاً يمتد لأميال. كانا يتسلقان حيناً ويحبوَان حيناً آخر حول الخنادق والانهيارات الأرضية، متجاوزين أشجاراً ساقطة تجسر ودياناً سحيقة، وأرضاً طريّة مطمورة تحت إبر الصنوبر الكثيفة والنباتات البريّة.

استمر المطر هاطلاً، ليبلل عظامهم ويجعل عيشهم جحيماً مطبقاً. زاد المطر أجسادهم ثقلاً، وصار الصخور أكثر زلقاً، والجداول والأنهار أشد ضراوة. وكانت الأرض تتبدل باستمرار، فتارة تصبح منحدرة، وتارة منبسطة، وتارة أكثر صخوراً وأحراشاً. وكانوا يعثرون أحياناً على ممرات طبيعية محفورة في خاصرة الجبل، تقيهم الريح والمطر. وحيناً آخر يقفون عراة في وجه غضب الطبيعة العاتية. شعروا بالهزة الأولى بعد نحو ثلاث ساعات من مسيرهم.

ظن أيوس في البداية أنه رعد، صوت عميق يتردد صداه على طول الأفق. لكن الرعد لا يهز الجبال. ولا يقذف الصخور والحصى المتراكمة من المنحدرات التي تعلوهم، ولا ينثر قطرات دقيقة من قمم الأشجار. استمرت خمس ثوانٍ فحسب، أقصر من أن تُعد خطراً، وأطول من أن تُجاهل. ثم عاد الهدوء مجدداً، سوى من دوي المطر الرتيب والمياه المتدفقة.

تمتم: "أشعرتم بذلك؟"

أومأ البقية. تابعوا مسيرهم، متوقفين برهة ليرووا ظمأهم عند جدول ما. كان أيوس يخشى كل استراحة يأخذونها، وكل مرة يبطئون فيها خطاهم. وحين يبطئون، كان يشعر بأوجاع جسده وآلامه والبرد يتسلل إلى عروقه. وحين يبطئون، كانت الرياح تجمد العرق والماء على جلده المكشوف، مادّة أصابعها الجليدية عبر طبقات فروه. لم يسبق لأيوس أن مارس الصيد قط.

كان الصيد شأن ويلارد دائماً، إلى جانب المبارزة وسائر هواة "الأمراء".

وبينما كان شقيقه يصطاد في الغابات مع بقية الفرسان والنبلاء، ظل هو في غرفته يقرأ. كان يعرف الأساسيات بالطبع، كتتبع الأثر ونصب الفخاخ والنجاة وكيفية استخدام الرماح. وحرص مدربو السيوف الملكية ومدربو القتال على ضمان ذلك. فما من ابن لأولدان يُستثنى من الأساسيات. لكن ويلارد ظل طوال الوقت الأمير الحق، ذاك الذي تحنّ إليه قلوب العذارى، ويسعى جميع الوزراء لمصادقته، ويحسده ويعجب به كل الغلمان والفرسان والنبلاء الصغار.

لكانت رحلة بهذا الشأن والأهمية على مقاسه تماماً. ولكان على علم بأقصر الطرق وأوقاتها المناسبة لإقامة المخيمات، والنباتات والأعشاب الصالحة للأكل. ولكان يضحك في وجه السماء، متمادياً في تحدي المطر ليهطل بغزارة أكبر. وربما لهذا السبب كان أيدون يبحث دائماً عن ذرائع لطرده من الحصن. لعلّه يصبح أميراً بحق، أو يموت وهو يحاول ذلك. أما إيليا فكانت أكثر حرصاً عليه، شأن الأمهات، غير أنه استطاع أن يلمس الصراع المحتدم في دواخلها أيضاً.

الشك. الخيبة. فما عادت الأمور على حالها قط منذ رحيل شقيقه. تزلزلت الأرض مجدداً لتوقفهم عن المسير. كانت الهزة أشد صخباً هذه المرة، وأعمق غوراً، كأنها رجع صدى عظيم لعملاق نائم يرزح تحت الأرض. هوى أيوس على ركبتيه حين انفصل صخرة ضخمة من مكان ما في الأعلى لتشق طريقها عبر الأشجار، متدحرجة أسفل الجبل في فوضى عارمة. وتطايرت الطيور فزعاً وسط المطر، ناثرة صرخات حادة تشبه التحذيرات.

قال غاراكس: "تهتز الجبال مع كل تنفس للعالم. إنه يتحرك. آكل العالم".

هز أيوس رأسه نافياً: "لا يمكن أن يكون هو. آكل العالم ميت".

قال غاراكس: "إنه ليس بميت. بل مكبل فحسب عند قمة العالم. لقد حل الشتاء ومكث لثلاث سنوات الآن. وعادت البقايا. أي برهان آخر تبغي؟"

لم يسمع أيوس قط نبرة الغضب في صوت الحكواتي من قبل.

"سأصدق ذلك حين أراه بعيني".

"إذن أظنك لا تؤمن بالملوك؟ فهي غائبة عن الأعين أيضاً، أليست كذلك؟"

"أنا لا أؤمن بها".

نظر إليه غاراكس نظرة ازدراء.

"إذن فأنت أحمق".

استطرد أيوس: "لن أصدق كل حكاية تخرج من كتاب أطفال. وأثق أنك تعلم ذلك بنفسك أيها الحكواتي. فغالباً ما تعجز الأسطورة عن عكس حقائق ما جرى. البقايا حقيقيّة، وكذلك أيدراسيل. لقد رأيتها بنفسي، ولهذا أنا متأكد منها. لكن آكل العالم؟ أخبرني لماذا ظل صامتاً طوال كل هذه السنين أيها العجوز. أخبرني لماذا يستيقظ الآن فحسب".

أجاب: "لم يحن الوقت ببساطة. لا أكثر. لم يتوقف فاينريل عن النمو قط. ولعله أدرك أخيراً أنه نما بالقدر الكافي ليحدث فرقاً، وليحجب الشمس ويلقي بالعالم في شتاء أمدُه الأبد".

صاحت رين بغتة: "اصمت! كفاكما جدالاً وأصيخا السمع. ثمة ما يبكي غير السماء".

توقفا فوراً وأرهفا سمعيهما لصوت المطر. عبس أيوس؛ أكان لتوه يسمع نحيباً خافتاً من أسفل الدرب؟

سألت: "أسمعته أيها الأمير؟ إن كنت قد سمعته، فلا بد أنه هو. وإلا فأخشى أن مرض الارتفاعات قد نال مني".

"لقد سمعته".

وأدرك حينها أن البكاء والنور ينبثقان من الاتجاه نفسه. أخذت رين الزمام هذه المرة، شقّت طريقها بضراوة عبر الأحراش. لم ترفع قط أكثر من طرف واحد عن الصخور، فحتى وهي على أربع كان الانزلاق والهبوط أسفل الجبل لكسر العنق أمراً يسيراً للغاية. تبعها أيوس وغاراكس، بعد أن دسّ العجوز تالبرون في أحد جيوب سرواله. لم تمضِ سوى برهة حتى تراجع الغطاء النباتي ليفسح المجال أمام بقعة ترابية مستوية ومقفرة، تحشور بين جدول ماء عيني وجدار من أشجار السنديان.

جلس صباغ مستنداً بظهره إلى إحدى الأشجار، وكان قميصه مبللاً بالكامل. غطت رأسه خصلات شعر داكنة بلون بشرته، وتلألأت عيناه بالدموع ومياه المطر. صمت ما إن اقتربوا، منكمشاً نحو الجذع كأنه يريد أن يواري نفسه.

قالت رين مخفضة صوتها وكأنها تخاطب حيواناً صغيراً: "ششش".

ولم يكن الصباغ ليصغر عن عتبة العقد من العمر.

"كل شيء على ما يرام، لن نؤذيك".

ظل صامتاً، محدقاً في الثلاثة بفزع. كانت يداه مقيدتين خلف ظهره بحبال غليظة، وقد تقطعت معصماه وسال منهما الدم من شدة الاحتكاك. نظر أيوس نحو الدرب المؤدي من الباحة وشَمّ أثرًا خفيفاً لدخان المدخنة.

سأل الأمير: "من أين أنت؟ ومن تركك هنا؟ وأين والداك؟"

حدق الصبي بوضوح في شعر الأمير الرمادي.

وقال: "تالام. تالام".

قطب أيوس حاجبيه.

وسأل مشدداً على كل كلمة: "لغة مشتركة؟ أتحتثها؟"

قالت رين: "علينا تحريره أولاً. وإبعاده إلى مكان يحميه من المطر".

ركبت على ركبة واحدة.

"سنقطع قيودك، اتفقنا؟ سنشعل ناراً دافئة ومضيئة لتدفئتك".

ونفثت وميض لهب من منخريها. فاتسعت عيناه دهشة.

أعاد قولها: "تالام! تالام!"

أشهرت رين سكينها فاستبد الفزع بالصبي فجأة.

"نا! نا! ناأبسود ما!"

وتراجع إلى الوراء، محدقاً في النصل بذعر.

"نا!"

"لن نؤذيك. سنقطع القيود فحسب..."

"تمهل".

وضع غاراكس يده على كتف رين وأرجعها للخلف.

"باهنا نيبال سور؟"

"باهنا نيبال؟"

حنحن غاراكس.

"بهافا ساكسير سور؟"

أشرقتا عينا الصبي.

"كا! ساكسير ما سور! بهافا سا؟"

"كا".

أشار غاراكس إلى السكين.

"ما ناأبسود بهافا. ما أبسود باهدانها. أُكيه؟"

"أكيه".

مد يديه باشتياق.

أوضح غاراكس بينما كانت رين تنشر الحبال بالمنشار: "إنها الساكسير. وليست الساكسير التي أعرفها، بل لهجة مختلفة. لكنني أفهم معظمها. فلم تنحرف كثيراً على مدار السنين، ولعل مردّ ذلك إلى عزلة الجبال".

انتفض الصبي بغتة.

"أسرا! أسرا!"

تأففت رين: "ما الذي تفعله؟ كفّ عن المقاومة وإلا جرحتك عرضاً..."

"رين، دعيه وشأنه".

جاء صوت غاراكس منخفضاً وهادئاً للغاية.

"الآن فحسب".

"ما الأمر؟"

التفت أيوس إلى حيث كان العجوز يحدق بين الأشجار. كان ثمة شيء ما، بل أشياء—تشق طريقها طحناً عبر الأحراش، مصدرة أصواتاً منخفضة وحلقية. نباح وخرخرة، كأن كلاباً تتخاطب فيما بينها. سرى قشعريرة في عمود أيوس الفقري.

قالت رين: "ليحرمني النار".

انبثقت من الجانب الآخر للباحة مجموعة من الوورغالات قوامها أربعة، ترتدي جلوداً مرصعة ورماحاً بدائية صُنعت من عيدان خشبية ورؤوس حجرية حادة. وما إن أبصروا الثلاثة حتى صمتوا فوراً، منفتحين عبر الطين في تشكيل قتالي.

قال الصبي شادّاً ذراع رين: "أسرا".

وكانت قد تركت وثاقه مقطوعة بنصفها، وكان يمحو محاولاً كسرها ضد لحاء الشجرة الزلق.

قالت: "سنتولى أمرهم. أيوس، ابقَ في الخلف وراقب الصبي—"

"لا".

تقدم غاراكس بخطوة شادّاً نصله الأسود.

"سيطفئ المطر نيرانك قبل أن تجدي نفعاً يا رين. الأفضل أن تبقي في الخلف مع أيوس والصبي".

سأل أيوس: "أتستطيع مجابهتهم وحدك؟ أملك سلاحاً أنا الآخر. اثنان خيراً من واحد".

أجاب غاراكس: "رمحك عديم الفائدة".

وتقدم عبر الباحة ممدداً سيفه، ومكشفاً جانباً واحداً من جسده.

"ثمة ثلاثة أشياء تخشاها كل البقايا: الملح، والفولاذ المصنوع في الروح، والنار. وهذا النصل من الفولاذ الأسود، مسبوك من أشد نيران التنانين حرارة. وهو أحد أنواع الفولاذ القليلة الفتاكة بالبقايا".

تردد الوورغالات بارتباك عند رؤية النصل، لكنهم ثبتوا في مواقعهم. وأرخى أيوس قبضته عن مقبض رمحه. فقد رأى الحكواتي يحارب من قبل في مورغرافر، ولو لفترة وجيزة. فضلاً عن أن هذه المرة مختلفة. فهذه بقايا. وما كان لتكون أقوى من الآليين قط، أليس كذلك؟ تقدم الوورغالات، مخفضين رماحهم في تشكيل هجومي. صاح غاراكس باسم كالادور ثم انزلق بين رؤوس الرماح، قافزاً وسط المعمعة. سقط أول رجال الذئاب في الحال، نصل أسود فاحم ينبت بين لوحي كتفيه رذاذاً من الدم.

وانكسر تشكيل البقية وتهاووا، محاصرين العجوز وسط كومة من الفرو والأطراف. التقط غاراكس أحد الرماح بحافة واقي سيفه ودسه تحت ثنية إبطه، ثم حطمه. وقبض على مقبض الرمح المكسور، فطعن به فم أحد مهاجميه ودفعه للخلف بعنف. وبينما كان يحاول نزع العصا من حلقه، تقدم العضو الثالث والرابع من القطيع، والتف أحدهما لمهاجمته من الجانب. ركل غاراكس الجثة الملقاة على الأرض، دافعاً إياها لتتخبط في رفاقها.

وتعثرت البقية التي أمامه، بينما تقدم الذي خلفه بضربة واسعة ومنخفضة. أصابت الضربة غاراكس خلف ركبتيه فترنح، لكنه استعاد توازنه بخطوة خفيفة كالريح. ومنخفضاً بقوة نحو الأرض، وثب فجأة كالنمر، مقلصاً المسافة بينهما في طرفة عين. رفع الوورغال رمحه ليتصدى، لكن نصل غاراكس اخترقه مباشرة وانغرز داخل جمجمته. هوى الوورغال إلى الأرض، وما زالت عيناه مفتوحتين وفمه فاغراً. بقي الوورغالان المتبقيان في الخلف، محدقين به بحذر.

نبح صاحب الرمح المكسور لحليفه، فأجابه الحليفة. وتقدما نحوه معاً، دافعين به باتجاه الجدول. كان غاراكس يتنفس بصعوبة بالغة، ووجهه محمرّ وهو يترقب أي حركة.

قال أيوس بصوت منخفض: "علينا الذهاب لمساعدته".

تحركت رين لتخطو، لكن الصبي داكن البشرة تشبث بقوة بساقها. وحين رفع بصره مجدداً، كان غاراكس قد انزلق على صخور النهر وسقط للخلف في الماء. فانقض الوورغالات، دون حتى أن يكلفوا أنفسهم عناء استخدام أسلحتهم.

صرخ أيوس: "لا!"

وقبل أن يعي ما يفعله انطلق راكضاً، ملتقطاً نصف الرمح المكسور الملقى على الأرض. كان أحد الوورغالات قريباً من وجه غاراكس، ضاغطاً به تحت الماء، نابحاً ومكشراً في وجهه. وكان الحكواتي يحشر النصل في أسنان الوورغال، لكنه عجز عن رفع رأسه فوق الماء. صدم أيوس بكتفه الوورغال الآخر، ليسقط الاثنان معاً متدحرجين في الجدول. لم يكن عميقاً؛ بل حفيف خفيف من الماء يعلو الحجارة، فاحتكّت ركبتاه بقسوة بالقعر.

زمجر الوورغالات كلاهما، مستدارين، واغتنم غاراكس الفرصة ليقلب نفسه ويزج بنصله عميقاً في عنق الوورغال الأول، مخترقاً إياه بالكامل، ثم مضى لأبعد من ذلك، ناظماً الثاني في صدره. وسقط الجسدان المتراصان جانباً، محدثين صوتاً مدوياً. استدار أيوس واقفاً، متراجعاً خارج الماء وفوق الحجارة.

تنفس غاراكس الصعداء: "شكراً. لقد غفلت. كان يجدر بي توقع إقدامهم على فعلة كهذه".

ضغط بقدمه على الجسدين ثم جذبهما، مسحباً سيفه من غمد من الدم الأسود. غسله في الجدول برهة ثم نهض.

وتابع: "لنأخذ كل ما يحملونه من قيمة ونرحل. قبل أن يجهز علينا البرد والمطر".

ثار الصبي محتضناً لغתו الأجنبية، مشيراً إلى أيوس وغاراكس والبقايا الهالكة. استدرجت رين الصبي بعيداً عن الباحة، قابضة بكفها الصغير في كفها بحثاً عن ملجأ يقيهم المطر. جرّدوا الوورغالات من رماحهم وجلودهم المرصعة، مرتدين إياها لأنفسهم. زادتهم ثقلاً، لكنها دفّتهم أيضاً—ولو قليلاً. ناول غاراكس أحد الرماح لرين والآخر لأيوس، واستخدماها عصياً تعينهما على المسير. وأثناء مسيرهم، واصل غاراكس التحدث مع الصبي بلغتهما الغريبة.

بدا الصبي مفعماً بالحماس—مستمراً بالإشارة إلى أيوس ورين ومطلقاً أصواتاً وحركات صاخبة مبالغاً فيها تشبه نباح الكلاب والفولاذ.

وتردد لفظ "تالام"

مراراً.

وبدا الصبي موقناً أنهما من "تالام".

قال غاراكس بعد برهة، مترجماً ما أفضى به الصبي: "إنه من دارموث. لقد ابتليت القرية بهجمات البقايا لبعض الوقت الآن، فضلاً عن الهزات المستمرة عند قاعدة راجينروك. لقد أبرموا اتفاقاً مؤقتاً يقدمون بموجبه أطفالهم "قرابين" لـ "شياطين الجبل"، ليدعوهم وشأنهم بسلام. لقد أرسلوا طفلاً إلى راجينروك وبدا أن الأمر أتى ثماره، مقللاً من وتيرة الزلازل وشدتها، لذا فهم يعيدون الككرة مع البقايا".

قال أيوس: "لا بد أنه وارث لاتشيس. لكن هذا يعني إذن أن فاينريل موجود حقاً..."

لا، لا بد من تفسير آخر.

قاطعت رين حديثه: "سله كم طفلاً قُدّم قرباناً".

ومع سرد غاراكس لقصة الصبي، تزايد غضبها شيئاً فشيئاً حتى كأنه يكاد يلامسها في موجات متلاطمة. فمن جهة لم تعد صامتة وكئيبة كما عهدها أول مرة على العربة خارج المدينة، ومن جهة أخرى، إن كان كل ما ستفعله هو الغضب وحمل مشكلات الآخرين، لفضّل رين الكئيبة.

تمتم أيوس: "ظننت أنك لا تقتنعين بالبشر كثيراً".

وكل ما أرده في هذه اللحظة هو تركهما والعودة للمنزل—لكن السفر وحيداً يقلص فرص نجاته بشكل جذري.

"ما الذي يختلف في هذا الطفل؟"

قالت رين: "إنه طفل. لم يرتكب ما يستحق هذا".

"إذن إن كان بالغاً فلا بأس بذلك؟"

توقفت رين وتراجع لهيبها: "الأمر ليس سيّان. الكبار أنانيون مدّعون. لا يكترثون للآخرين؛ لا للأرض ولا لبني جنسهم، بل لأنفسهم فحسب".

"وكم بالغاً التقيتِ في حياتك؟ وكم درويداً وملكاً تحملين لهم كل هذا الحقد؟"

صمتت رين، وقبل أن تتدارك الإجابة، سأل غاراكس الصبي سؤالها. فأجاب الصبي بنبرة حزينة.

قال غاراكس: "نانا".

"تسعة عشر طفلاً. ترك تسعة عشر طفلاً للبقايا حتى الآن".

سألت فوراً: "وكم عاد منهم؟"

"أغات أبهيس سا كيلي تور؟"

"فيدِي".

"لا أحد. وحدسي يقول إنهم أدركوا أن ابتزاز القرويين للحصول على الطعام أيسر وأضمن من مجرد سلبه".

أطبقت رين على قبضتيها.

وماتت غضباً: "سأقتلهم جميعاً".

سأل أيوس: "أيعيدنا إلى القرية إذن؟"

"بلى".

يا له من أمر مشيق، فكّر. ظل النور هناك أمامه، والشد في صدره يتنامى. لم يكن أيوس من هواة المقامرة، لكنه لكان مستعداً للرهان على أن دارموث هي مصدر الضوء. ما معنى هذا كله؟ القناة أولاً ثم القرية اليوم. أيمكن أن يكون النور شكلاً من أشكال التنبؤ الذي يريه الدرب السليم؟ حار عقله في الفكرة.

أن يفكر هو، ذاك الذي ظل دوماً الأمير "الآخر"، بموهبة تمنحه قدرة كهذه.

سيسأل سيليانا حين يعود. فغالباً ما بدت أعلم بهذه الأمور منه، بكونها منسجة أغانٍ موهوبة هي الأخرى. وفي الوقت الراهن، سيحتفظ بالأمر لنفسه ويدعو ألا يجيء من ورائه شرّ. استمر المطر بالهطول.