الفصل الحادي عشر: ابن الحداد "الحدادة أرفع المهن شأناً وأكثرها جزاءً. لا شيء يضاهي متعة تشكيل كتلة خام قبيحة وتهذيبها لتصير سيفاً بديعاً. إنها تشبه، في وجوه عدة، مراقبة طفل وهو ينمو".
—أدين سميث، فن الحدادة
في وقت ما من الليل، أدرك أين بغمشة حالماً أن شخصين يتشاجران. أحدهما طويل عريض المنكبين، وصوته كحجر أخششن يتدحرج في مجرى نهر. والأخرى أقصر وأدق قواماً، وصوته يرتجف كجرس يترنح من البرد. ووراءهما، في أفق بعيد، كانت عاصفة تتجمع. كانت المرأة على وشك البكاء، وصوتها يتشقق بين ذرى هستيرية وهبوط، بينما استمر الرجل في الكلام بهدوء وحزم، بلا أي تردد. كان صوته صوت العقل والمنطق، ومع أن أين لم يفهم ما يقال، فقد أيقن أنه الحق.
أما صوت المرأة فكان صوت العواطف والمطامع والأهواء، لهيب مشتعل من المشاعر التي تبتغي الانطلاق. تهشم كلوح زجاج، فتوقفت المرأة عن الكلام أخيراً وطفقت تبكي. ضمها الرجل إليه بقوة، وظلا بلا حركة. ومض البرق في البعيد، وشق عباب السماء كالسوط نحو الأرض. تساءل أين أي نوع من البشر يمكنه فعل أمر كهذا بامرأة، ليفجعها هذا الفجع البليغ. لا بد أنه رجل بغيض؛ فلماذا إذن كانت المرأة تتشبث به هكذا؟
أخذ النوم بناصيته مجدداً، وسمع في منامه أغنية. كانت أغنية بلا كلمات، لحناً ناعماً يخالف أغاني الجوالة والمنشدين العابثين الذين يرتادون النزل. أخذت الموسيقا بيده بدفء واحتضنته، وراحت تهزه برفق قرب موقد تفرقع نيرانه. كانت تفوح منها رائحة أمه وأبيه، رائحة أخته وأصدقائه، رائحة الزهرة الأولى وقد تفتحت في الربيع، ووقع الندى تقاطرًا في الصباح. ومع أنها كانت أغنية بلا كلمات، فقد سمعها كلها وفهمها.
استرح، هكذا قالت. وتماثل للشفاء. كان عليلاً بالحمى، طريح فراش وقطعة قماش مبتلة على جبينه، وأمه تطعمه الملعقة تلو الأخرى من حساء الدجاج الساخن. كل لقمة يبتلعها كانت تبعث في أطراف أصابع يديه وقدميه ناراً تدب؛ ليست نار الكير المؤلمة الحارقة، بل دفء الموقد المهدئ في صباح شتوي. استرح، قالت أمه. وتماثل للشفاء. كان ملقى على الأرض يبكي، قابضاً على جرح في ركبته، وإيفين هناك، تضحك منه وهي تطهر جرحه بالكحول.
كن رجلاً، هكذا قالت له، وهي تمزق شريطاً من الكتان وتلفه حول ساقه. وأتركته يفوز عليها في مسابقة قذف الحجارة فوق الماء في وقت مبكر من تلك الليلة، وتلك كانت المرة الأولى التي يغلبها فيها. ولما طفر فرحاً إلى الأعلى والأسفل، اكتفت بالابتسام. استرح، قالت. وتماثل للشفاء.
"أغمض عينيك ونم، فغد يوم جديد".
واستيقظ مرة أخرى، وجسده مثقل بالإرهاق، ورئتاه توجعانه مع كل نفس. رأى فتاة صسغيرة ذات شعر أسود طويل وعينين كالفضة السائلة، وفتاة أكبر سناً ذات ضفيرة داكنة تنسدل حتى وتينها. كانتا جالستان على كرسيين في الزاوية، نائمتين. أسندت الفتاة الصغرى رأسها إلى كتف الفتاة الكبرى. ثم عاد فنام من جديد. في وقت ما من الليل، توقفت الأغنية — غير أن العاصفة استمرت.
#
كانت إيفين أول من تنبه إلى استيقاظه، وأول من أفرغت الهواء من صدره بمعانقة طاحنة. تلتها سينامين، ثم هرعت والدته من الباب لتعانقه بدورها.
"لا أستطيع... التنفس..."
كاد آين يفقد وعيه مجدداً. وصل بران وكوث بعد وقت غير طويل، ثم غاركس وتالبرون، وما هي إلا لحظات حتى غصت الغرفة بأناس أكثر ممّا يمكنه عدّهم.
"ماذا حدث؟"
سأل آين. كان حلقه محمراً ومجروحاً، كأن أحداً اقتلعه وحكه بألواح الأرضية قبل أن يعيده مكانه. تذكر البيت المحترق وإحساس سيفه وهو يمزق اللحم، وعاصفة مشؤومة تلوح في الأفق، لكن كل ما بعد ذلك كان ضباباً مائماً.
"كادت تموت، هذا ما حدث"، تمتم غاركس.
كان سيف لم يكن هناك من قبل مربوطاً إلى جنبه.
"وجدتك شبه ميت على الأرض، تشوى في اللهب. نجحت في إخراجك قبل أن ينهار البيت بأسره. لم أود قط في حياتي أن أملك يدين سليمتين قدر رغبتي في تلك اللحظة".
ابتسم بعبوس.
"أنت محظوظ لأنك على قيد الحياة"، قال تالبرون وهو يخط شيئاً في كتاب.
"كان ظهرك مغطى بحروق من أسوأ درجاتها. استغرقني الأمر الليل كله لمعالجة ذلك كله".
تحسس آين ما وراء كتفيه، ضاغطاً بأصابع يده على قماش قميصه الملطخ بالعرق. مرر أصابعه على بشرته. كانت ملساء وناعمة، كبشرة وليد حديث العهد بالولادة. نظر إلى يديه، وتفرس تحت ياقته. لم يكن هناك ما يوحى بأنه أصيب قط، باستثناء الألم المبرح الذي غمر رئتيه مع كل نفس.
"كيف؟"
سأل.
"السحر"، قالت هيلدا، بتعبير يقع في منتصف الطريق بين الإعجاب والنفور.
أدار تالبرون وجهه.
"لا يهم كيف. المهم أنك جُبرت".
"لقد قمت بصنيع عظيم حقاً تلك الليلة"، قال كوث.
"إنقاذ أولئك الأطفال. أنا متأكد أن والدك فخور بك. أليس كذلك يا آلين؟"
"كنت لأفضل لو أنك سقطت مغشياً عليك بعد بلوغ الأمان أولاً"، قال آلين، لكنه كان يبتسم.
"سيردد الجوالون حكايات إنجازك أعواماً مقبلة".
غمز هيرود من باب الغرفة. ومع تمركز اهتمام الغرفة بأسرها عليه، لم يدرِ آين أين ينظر.
"كم من الوقت أنام؟"
سأل.
"ماذا تقصد؟"
ردت سينامين.
"لم تكن عشية المؤسس إلا الليلة الماضية".
الليلة الماضية! هز آين رأسه. بالطبع. وإلا لكان أبي في منتصف طريقه إلى ألدوران.
"على أي حال"، تنحنحت هيلدا، "من الجيد رؤيتك حياً ومعافى يا آين. إذا سمحتم لي، فعلي الذهاب والعناية بأناس آخرين الآن".
"نعم"، وافق تالبرون، ومثله فعل آخرون في الغرفة.
وبينما تسلل الجميع خارجاً باستثناء إيفين وسينامين، لاحظ آين مشية أبيه المتثاقلة والطريقة التي كان يمسك بها بطه. شكل ذلك تبايناً صارخاً مع مشيته المعتثقة التي كان يحمل بها نفسه عادة.
"أأبوي مصاب؟"
سأل.
"إنه لا يبدو على ما يرام".
كانت ريا ما غادرتهن أخيرة. وما إن اغلق الباب، حتى عادت إيفين فجلست على كرسيها بجانب السرير.
"تهانينا"، قالت إيفين.
"أنت بطل لفيلهافن الآن".
"ماذا؟"
"بطل لفيلهافن. هذا ما ينادونك به، تالبرون وغاركس"، قالت إيفين.
"الرجال الثلاثة الذين أبعدوا البقايا بمفردهم".
وماذا عن أبي؟
"أنا لم أفعل شيئاً حقاً"، قال آين، رغم أن صدره انتفخ كبرياء.
"ناظم الأناشيد، من جهة أخرى... وهل كان غاركس يملك ذلك السيف دائماً؟"
"قتل المعلم غاركس ما يقرب من عشرة من تلك الكائنات بمفرده"، قالت سينامين.
"وأنقذ آخرين لا يحصون كثرة".
"كم عدد الناس..."
ابلع آين ريقه.
"كم عدد الناس الذين ماتوا؟"
صمتت إيفين لبرهة.
"عشرون. وكان ليكونوا ثلاثة وعشرين لولاك. بل وربما أربعة وعشرين، لأنني كنت لأُقتل أنا الأخرى".
منحته ابتسامة.
"لا تفكر كثيراً في الأمر يا آين. لقد فعلنا كل ما بوسعنا. ما حدث قد حدث. وكما يقول الجوالون، (الأمر كما تشاؤه الريح)".
عشرون! لن يمر هذا العدد دون أن يلاحظ في قرية بحجم قريتهم.
"وماذا عن أبي؟"
التفت آين نحو سينامين هذه المرة. تفادت نظراته.
"كيف حاله؟ أهو مصاب؟"
"أبي—"
"طعنه سانسون. كان سانسون خائناً".
استغرق الأمر من آين وميضة ليعي ما قالت إيفين للتو.
"ماذا تقصدين بأن سانسون كان خائناً؟"
صرخ. وندم فوراً تقريباً عندما امتلأت رئتاه بألم حارق.
"كان ناظم الأناشيد يناديه بعديم الوجه"، قالت إيفين بحزم.
"يُزعَم أنه كان خادماً لألاشار، وهو السبب في عثور البقايا علينا".
"ألاشار؟"
تجهم آين مجدداً.
"ناقض العهود؟"
هزت إيفين كتفيها.
"أنا أروي لك فقط ما سمعته صدفة. لم يتسنى لهم العثور على جثته أيضاً، بل كومة من الرماد فحسب. أخبر العمدة والمزلي الجميع أنه مات في إحدى الحرائق. بران لا يعلم، ولا أظن أنه يجب أن نخبره".
نظر آين صامتاً إلى يديه. لم يسبق أن بدا له الجزار شاذّاً عن المعتاد قط. لم يكن ليظن البتة أن سانسون خادم للشر. لكن كيف أتيح للبقايا إيجاد طريقها إلى فيهيلفن بطريقة أخرى؟ كان مرجحاً للغاية أن أحداً قادهم إلى هنا. كان أبو بران مسؤولاً عن موت الكثيرين، ودمار الكثير من البيوت. كاد أبو بران يقتل آين.
"أبخير أبي؟"
أردف آين. لقد رأى آين ينهض ويمشي، لكنه كان شاحباً وفي حال ليست أفضل كثيراً من حال أبوي إيفين.
"سيكون بخير"، قالت سينامين.
"لكن المعلمة هيلدا قالت إن جرحه سيحتاج وقتاً ليلتئم".
"ألا يمكن لناظم الأناشيد أن يشفيها بالسحر؟"
هزت سينامين رأسها.
"يبدو أنه طُعن بنصل خاص. السحر لا يجدي نفعاً معه".
لعن آين. التفكير في أنهم قبل أقل من يوم واحد كانوا يحتفلون بعشية المؤسس، وقلقون من حديث الزواج والرحيل. بدا الأمر وكأن المهرجان حدث منذ زمن بعيد. لقد كان كابوساً لا يُنسى، هذا مؤكد. سيسمع صدى النار والصراخ، ويشم رائحة الدخان والدم لبعض الوقت بعد.
"أنا ذاهب لنزهة"، قال آين.
انقلب متجاهلاً احتجاج عضلاته. أمسكت إيفين وسينامين بذراعيه لتثبيته.
"عليك أن ترتاح"، قالت سينامين.
"قالت هيلدا إنه يجب أن تظل في السرير يوماً آخر على الأقل".
"إن شئت، سأحضر الأحجار لنلعب الآسر"، قالت إيفين.
"سأبقيك برفقتي لأدرأ السأم".
هز آين رأسه.
"لا"، قال.
"أحتاج لرؤية القرية بنفسي. وأحتاج بعض الهواء النقي؛ رأسي يدور".
تبادلت إيفين وسينامين نظرات يسودها التردد.
"سنأتي معك—"
بدأت أخته. رفع آين يداً.
"أريد أن أكون وحدي لبرهة".
عضت سينامين شفتها. وبينما حاول آين المرور بجانبها، دزت شيئاً في يده.
"خذ هذا إذاً"، قالت.
نظر آين إلى الغرض الذي مُنحه. لقد كان تعويذة من نوع ما، قلادة بحجم عملة معدنية مصنوعة من خشب مصقول. حُفر رمز عليها—ثلاثة أجنحة غراب تتفرع من نقطة واحدة. كانت قطعة حلي بسيطة، شيئاً لا يرغب أي قطاع طرق في سرقته، وشك آين في أنها صُنعت على هذا النحو لسبب ما.
"أتعرفين ما هذا؟"
سأل. أومأت سينامين برأسها.
"أعطاني إياها ناظم الأناشيد"، قالت وهي تعبث بقلادة مطابقة حول عنقها.
"قال إنه يجب أن يعطيك واحداً أيضاً. إنها تعويذة لجلب الحظ السعيد".
كلا ليست كذلك، فكر آين. إنها لإخفاء حضورنا عن البقايا. لأنه لسبب ما، لديهم شأن مع أولئك الذين ينحدرون من سلالة ثورين. أغلق أصابعه حول القطعة الصغيرة. لم يكن يدري ما يعنيه الرمز، لكن كانت هناك فرصة لأن يثير بعض الحواجب في القرية.
"شكراً لك"، ابتسم وهو يعبث بشعرها.
"سأحرص على ارتدائه. أظن أنها لفكرة جيدة ألا أجعله بارزاً للعيان مع ذلك".
دسها تحت قميصه.
"لن تريدي أن يغار الأطفال الآخرون، أتريدين؟"
أومأت سينامين موافقة. اتجه نحو الباب مجدداً، ولم توقفه أي منهما هذه المرة. كان البهو الرئيسي لنزل التوأمين النائمين خلية نحل تعج بالحركة. لم يعره بالكاد أي شخص أي اهتمام وهو يشق طريقه بخطى متثاقلة، ماداً ألم عضلات لم يكن يعلم بوجودها. كومت الطاولات والكراسي إلى جانب واحد لإفساح المجال لبحر من فرش النوم والمرضى المتأوهين. وكل من لم يكن نائماً أو متذمراً كان يعتنى بمن هو كذلك.
كانت رائحة العرق تخيم بقوة في الجو.
"كيف تشعر أيها البطل؟"
لوح له بران وغاركس ورجل آخر من أحد جانبي الغرفة. شعر آين بابتسامة تضيء وجهه عندما تعرف إلى أبي إيفين.
"المعلم ناتيل!"
هتف.
"أنا سعيد للغاية لأنك بخير!"
هز ناث يده.
"ليس علي سوى شكر ناظم الأناشيد"، قال.
"إنه صانع معجزات".
"أتعلم إيفين أنك مستيقظ؟"
ضحك ناث خفية.
"بالتأكيد. لكنها قضت وقتاً في مراقبتك أكثر ممّا قضته في مراقبة أبيها".
ربت على كتفه.
"شكراً لك يا بني. ليس نيابة عن القرية فحسب، بل لاعتنائك بابنتي".
حك آين خده باحرِاج.
"أنا لم أفعل شيئاً حقاً"، قال.
"ناظم الأناشيد قام بمعظم العمل".
تذكر تالبرون وهو ينهض من حرائق الدمار، مستدعياً الطبيعة لتنفذ أمره. أسطورة أخرى تُضاف إلى تاريخ فيهيلفن، جنباً إلى جنب مع مآثر التوأمين فيل وباركنبرغ.
"لا تكن سخيفاً"، قال بران.
"لقد أنقذتني والطفلين. لقد أنهيت أمر ذلك الوورغال وكأنه لا شيء، ورجل الدم كذلك".
"صاحب عرف الدم"، صحح غاركس.
"وكان بكامل قوته أيضاً. سيصبغ صاحب عرف الدم عرفه بالأحمر في كل مرة يقتات فيها".
ارتجف ناث.
"أنا أتذكر ذلك الشيء"، قال.
"لقد حرسني الملوك حقاً في ذلك اليوم. لا أصح المفترض أن أكون حياً".
"يمتصون الدم عبر نصولهم، المصنوعة من عظامهم. لكان ذلك هو السبب في ذبحه لكل الحيوانات في مزرعتك"، تابع غاركس.
"يمكن لصاحب عرف الدم المتخمة معدته مجاراة بعض كبار الجنرالات رتبة في فيق الملك".
تفحصه غاركس صعوداً وهبوطاً بتعبير متأمل.
"أنا مندهش من قدرتك على ققتل، في الواقع. كان بإمكان ذلك الشيء أن يسحق بمفرده تعداد سكان فيهيلفن. أظن بينكما، أن القتال في بيت محترق كان أكثر ضرراً للبقية".
"كانت النار"، وافق آين.
"لا أظن أنني كنت لأنتصر لو لم نتطاحن في منزل محترق".
لقد حرسني كالادور حقاً.
"أكثر القرويين لن يعرفوا ذلك"، غمز ناث.
"ولن يعنيهم الأمر لو عرفوا. أنا أسمع بالفعل أغاني عن ابن الحداد".
"آسف"، قال غاركس.
ولم يبدُ آسفاً البتة.
"لم أستطع المقاومة".
قمر يلفّه الضباب في ليلة التأسيس، ليلة للرقص والهدنة، فوق التلال أتى الشياطين، يُلوحون بالسيوف وينفثون اللهب.
قتلوا، أحرقوا، نهبوا، رجالاً ونساءً، ممزّقين أرباً. كان السماء سوداء ورمادية بالدخان، والأرض حمراء بالقتلى المحتضرين.
من الرماد نهض، يرى المذبحة، يسمع صراخهم، ابن الحدّاد، شابّ رقيق، كان هادئاً دائماً والآن جنّ.
هجم، زائراً، واثباً، يطعن، يقطّع، يكتسح بسيفه، تراكمت الجثث، أعلى فأعلى، تصل السماوات، تُذكي النيران.
وفي النهاية وقف وحده، مُحاطاً بالدماء والرماد والعظام، بطل فيلفين، ابن الحدّاد، لم تبدأ أسطورته للتو إلّا الآن.
قال بران: "هل أنت بخير يا آين؟ تبدو شاحباً بعض الشيء."
تمتم بصوت خفيض: "أنا لست بطلاً. يا للهول، لم يجرِ الأمر على هذا النحو قط. أنا لست بطلاً. أنا فقط... أنا فقط فعلت ما بدا صائباً. لو لم أقاتلهم، لقتلوك أنت والأطفال."
لا أُريد أن أكون بطلاً. لا أُريد أن يراني الناس بطلاً.
قال غاركس: "البطل هو من يقاتل، حتى حين لا يُريد ذلك."
هزّ آين رأسه.
"لست بطلاً. أنا مجرد ابن حدّاد."
رفع نظره.
"هل رأيت والدي صدفة؟ أُريد التحدث إليه."
قال نات: "رأيته قبل قليل. جرّب المَدلَك أو الاسطبلات. أظنه قال إنه مغادر أو شيئاً من هذا القبيل. تشاجر شجاراً فظيعاً مع والدتك البارحة، شجاراً لست واثقاً من أنني كان مفترضاً بي سماعه."
رفع بران حاجبيه: "مغادر؟ لماذا؟"
"ليتني أدري. على أي حال، أنا صاعد للأعلى لآخذ قسطاً من الراحة. هذه العظام العجوز لم تعد شابة كما كانت."
تثاءب غاركس خافقاً: "وأنا أيضاً. لديّ بعض الأمور لأعتني بها."
التفت بران إلى آين.
"أتريد الخروج إذن؟ لديّ بعض المهام لأقضيها."
"حسناً."
#
بدا أهالي فيلهافن متماسكون بشكل مثير للدهشة، لقرية كادت تُسوَّى بالأرض تماماً. ضحكوا وتهامسوا فيما بينهم بينما أتاحت لهم الفرصة، منقبين بين ركام المنازل المحترقة وكومات الرماد والأخشاب المسودة. كان الأمر مجرد قناع، وبإمكان أي شخص يمتلك نصف عين أن يرى ذلك، لكنهم تمسكوا به على أي حال. لم تكن هناك فائدة من التمعن في الأحزان؛ فقد انتهى ما حدث ولا شيء يمكنه عكسه. لن يسمحوا لأنفسهم بالحداد إلا عندما ينتهوا من جمع شتات حياتهم.
سأل آين: "أين الجوالة؟"
لم يَر أي شخص يرتدي الأخضر والذهبي طوال اليوم.
أجاب بران: "معظمهم يساعدون في إيجاد مواقع خارج القرية لدفن الموتى. والبعض الآخر يحزم أمتعته ويستعد للرحيل. كان من المفترض أن يغادروا صباح اليوم، لكن بعد الهجوم بقي عدد منهم للمساعدة في إخماد الحرائق ورعاية المصابين".
قال آين: "أرى ذلك".
عبرا بساحة القرية. اختفت الأشواك والعملاقة والكرمات، لكن الشقوق ظلت تملأ الأرض في مواضع انبثاقها. ما كان آين ليصدق مثل هذا السحر قط — سحراً حقيقياً، لا تلك الحيل التي عرضها تالبيرون خلال المهرجان — لو أنه لم يره بعينيه.
قال أخيراً: "أنا آسف بشأن أبيك".
كانا قد بلغَا ركناً مقفراً من القرية، مفترق طرق يتفرع باتجاه المحددة في جهة والمسلخة في الجهة الأخرى. بالكاد غطى الثلج أي بقعة من الأرض. كان الجو دافئاً بالنسبة ليوم شتوي. أطلق بران ضحكة مهتزة.
"على نحو ما، أنا سعيد بموته".
عبس آين.
"لماذا تقول ذلك؟"
رفع بران رأسه. كان يبكي.
قال ودموعه تنحدر صامتة على وجهه: "أنا عديم الفائدة. أنا جبان. ألم ترني في ذلك البيت؟ لقد بللت سروالي يا آين، مثل طفل رضيع. كنت حطاماً يذرف الدموع، أتوسل إلى الباقية لتنقذ حياتي. دخلت لأنقذ أولئك الأطفال وانتهى بي الأمر محتاجاً إلى من ينقذني".
خرجت الكلمات منه ككتلة فوضوية، تتسارع أكثر فأكثر مثل حجر يتدحرج على منحدر تلال.
"أي أب يريد ابناً كهذا؟ شخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه، شخص لا يمكنه حتى إسعاد زوجته المستقبلية؟ أنا لا ألوم إيفين على كرهي. أتمنى لو كنت أنت يا آين. أتمنى لو أستطيع أن أكون شجاعاً ومتماسكاً مثلك—"
هوى كف آين على وجه بران. تراجع الفتى الأطول خطوة للوراء، ممسكاً وجنته في ذهول.
قال: "أنت مخطئ. أولاً، إيفين لا تكرهك أبداً. لماذا تقضي كل هذا الوقت معك إذن؟ استخدم عقلك".
هتف بران: "لكن—"
"ثانياً، أتصور أنك الوحيد؟"
شعر آين بصوته يعلو.
"أنا لست شجاعاً على الإطلاق. حين قُتل إينار، تطلب الأمر كل ما أملكه كي لا أبكي أمام إيفين. لقد رأيت ميتاً للمرة الأولى بالأمس، وكدت أتقيأ أمعائي. لكنت لوثت سروالي لو امتلكت شيئاً لألوثه".
خيم صمت حاد بينهما.
تمتم بران: "كنت خائفاً جداً. لا أعرف حتى لماذا فعلت ذلك. بحلول الوقت الذي وجدتني فيه، كنت مستعداً لترك أولئك الأطفال يموتون لمجرد إنقاذ نفسي. كنت أندفع قافزاً إلى النار لإنقاذهم بندم. كنت لأبيع روحي للسيد لكي أعيش".
نظر آين إلى أسفل.
قال بصوت هادئ: "لو كنت مكانك، لما دخلت النار أبداً. لكنت تركت أولئك الأطفال يموتون".
رمش بران وشرع يحدق به، وفمه يفتح ويغلق كسمكة.
"بالتأكيد لا؟"
أومأ آين برأسه.
"بل كنت لأفعل، أنا متأكد من ذلك. السبب الوحيد لدخولي، بغض النظر عن كونك أنت وإيفين هناك، هو أنني كنت واثقاً من قدرتي على الخروج. الرجل الذي يدخل مبنى محترقاً لإنقاذ طفلين، حتى وهو يعلم أنه لن يخرج حياً، أشجع من رجل يدخل وهو يعلم أنه سيخرج حياً".
أنا لست بطلاً يا بران. لا تنظر إليَّ وكأنني بطل. مسح بران عينيه وأطلق شهيقاً خفيفاً. بدأت علامة خافتة تظهر على وجنته.
قال: "أشجع لكن أكثر غباء. كنت لأموت لولا أنك أنقذتني. لكانت ميتة بلا جدوى".
هز آين كتفيه.
"بعض الأشياء تستحق الموت من أجلها".
ابتسم بران بمرارة.
وقال: "تباً".
أغمض عينيه بقوة ورفع بصره نحو السماء.
"يبدو هذا تماماً مثل ما قد يقوله بطل من فيلهافن".
هز آين رأسه.
"لا أريد أن أكون بطلاً. أريد فقط أن تظل الأمور على حالها إلى الأبد. أنت، وأنا، وإيفين وسينامين، وأمي وأبي".
والآن فقدت إينار، وأنا على وشك أن أفق إيفين وأبي، ونصف القرية قد اختفى. هز رأسه وصفى أفكاره.
"هيا ألم تكن لديك مهمات لتقضيها؟"
#
ينقب تالبرون وألند في أنقاض السقيفة الواقعة خلف منزل سانسون. العاصفة الخاطفة التي عبرت الليل نجحت في إخماد النيران. حفر الكاهن لإخراج لوح خشبي متفحم ورماه جانباً. فعل ألند المثل. ربما لم يرحب بوجود الآخر في قريته، لكنهما بحاجة إلى بلوغ حقيقة الأمر، وبسرعة. قبل أن يعود بران.
قال: "لقد وجدته".
شدا تالبرون بصوت نغميّ، فأصدر الحطام أجيجاً وهو يتحرك مبتعداً. انزلت مجموعة سكاكين سانسون فوق الخشب الرطب، لتفسح مساحة صغيرة وسط الركام. نقش على الأرض دائرة، يخترقها خط منحنى يقسمها نصفين لتبدو كأنها هلال. وعلى يمين الهلال تقع عين مفتوحة.
تنفس ألند قائلاً: "القمر المراقب. وسم ألأشار. لا عجب في أنه لم يرغب في بقاء إيفين -لكانت وجدته، نظراً لطبيعتها الفضولية".
وافق الكاهن: "لم يعد هناك مجال للشك. هذا الرجل بلا وجه. وحدخدام ألأشار يمتلكون مثل هذه المزارات داخل بيوتهم، مما يتيح التواصل بينهم وبين سيدهم".
هز ألند رأسه. لم يستطع تصديق ذلك، رغم علمه بصحته. كان بلا الوجه رجالاً ونساءً منحوا أجسادهم لناقض العهد مقابل ما لا يمكن لأحد غيره أن يقدمه لهم. بغض النظر عن مقاومتهم المتزايدة للألم وعرضتهم للنار والملح والفولاذ المصنوع بالروح، لم تكن هناك طريقة للتمييز بينهم. وفقط حين يموتون تذوب مظاهرسهم البشرية لتكشف عن جوهرهم الفاسد، وتأخذ جلودهم هيئة الشياطين التي صاروها.
تمتم ألند: "منذ متى يا سانسون...؟".
لفترة طويلة ظل الجزار يعزف للجميع على نثره؟ شهراً؟ عاماً؟ لم يجسر على التفكير أكثر. رفع تالبرون لوح خشب فوق الدائرة مجدداً.
"سيكون من الأفضل أن نغادر في أسرع وقت، أيها الهارب. سأنتظرك بجوار مخيم وايدلينغ".
أومأ ألند بجهامة وبدأ يشق طريقه عائداً إلى المئسد، وأفكار سوداء تملأ رأسه.
#
وجد إين والده في المئسد، يعبئ أغراضه داخل حقيبة سفر. التفت ألند مندهشاً حين دخل ابنه إلى غرفة التخزين، مكتوف الذراعين.
سأل إين: "ذاهب إلى مكان ما؟".
وضع ألند البطانيات وواجهه. لاحظ إين سيف القتال المعلق عند خصر والده، والوميض البرتقالي الخافت المتسلل عبر الأشرطة الجلدية، والخاتم الذهبي على إبهامه. لاحظ كيف ينقبض ألند ألماً مع كل نفس، وتحرك يده بغريزتها نحو بطنه كلما استدار أو اعتدل بظهره. كان والده مصاباً، ويواجه صعوبة في إخفاء ذلك.
قال ألند: "أنا متوجه إلى ألدوران لفترة. هناك بعض الأمور التي ينبغي عليّ تدبرها".
"حقاً؟"
جذب إين التعويذة الخشبية من عنقه، يعبث بها. ضيق ألند عينيه.
"أيّ أمور؟".
قال: "رحلة عمل. لكسب بعض المال الإضافي. لقد كان المئسد هادئاً بعض الشيء مؤخراً من حيث الزبائن".
كرر إين: "رحلة عمل. هذا ليس ما سمعته".
"ماذا سمعت إذن؟"
"أنك متوجه إلى ألدوران لأن أيدراسيل بحاجة إليك. دمك مطلوب لإنقاذه -دم أحد آل ثورين".
دع ألند الحقيبة تسقط على الأرض.
"من أخبرك بهذا؟ أكانت والدتك؟".
"لا".
هز إين رأسه.
"سمعتك أنت وتالبرون تتحدثان قبل ليلتين. كنت أنوي سؤالك عن الأمر، لكن بعد ذلك... حسنوك، أنت تعرف ما حدث".
أطلق ألند تنهيدة ثقيلة.
قال: "تباً لك. تنصت دائماً على أمور لا يعنيك أمرها. أفترض أنك كنت مع بران وإيفين في تلك الليلة؟".
"كنت هناك".
أومأ ألند.
"حسنوك، ها قد عرفت الآن. لا تخبر سينامين أو أي شخص آخر، في هذا الشأن. لا فائدة من معرفة الناس بأصلي".
استدار لينهي التعبئة، لكن إين خطا خطوة أمامه.
قال: "انتظر. لا يمكنك التفكير بجدية في الذهاب إلى العاصمة في هذه الحالة. ماذا لو تعرضت للهجوم؟ بهيئتك الحالية، يمكن لنسيم عليل أن يطرحك أرضاً".
"ليس لدي خيار".
نظر والد إين إلى أسفل. بدا وكأنه انكمش قليلاً خلال الأيام القليلة الماضية.
"إن لم أرحل، فلن تكون فيلحافن المكان الوحيد الذي يسوى بالأرض. فاينغارد بأكملها تعتمد على شجرة الحراسة لكبح البقايا".
قال إين: "سذهاب بدلاً منك. نفس الدم يجري في عروقنا. أنا أصغر سناً وفي حالة أفضل. لقد تدربت على يدك جيداً. ينبغي أن أكون قادراً على الذهاب مع تالبرون إلى ألدوران وفعل ما يلزم فعله".
هز ألند رأسه.
"هذا لن يجد نفعاً".
"لم لا؟"
حدق والد إين فيه بعينين حزينتين فارغتين.
"لأنك لست ابني".