"لا، لا، لا، إيريك. لقد وعدتَها بألّا تفوّتَ حصّة التأمل."
قاومتُ الإغواء، فسحبتُ يدي بعيداً عن بلورة البيانات القابعة تحت المقعد، مذكّراً نفسي بأنّني رجل يفي بوعده. لقد كان أمراً مقرفاً حقّاً أن يتوجّب عليّ الانتظار قبل تفقد كل البيانات التي جمعها نظامي، لكنّني كنتُ الراشد في الغرفة كالمعتاد، لا طفلاً عجولاً. أطلقتُ زفرةً، ثم رمقتُ الكرة الطافية بنظرات مطوّلة.
"ستكون بخير لو تركتُك هنا وحدك، أليس كذلك؟"
كنتُ قلقاً بعض الشيء من أن يدمّر أحدهم عملي عمداً، مع أنّني كنت واثقاً تماماً من أنّ سلوكي المنعزل كفل لي عدم إغاضة أيّ كان لدرجة تدفعه إلى طلب الانتقام. وهناك أيضاً احتمال أن يتسلّل الأطفال الصغار إلى غرفة التنظيف، فيكسرون شيئاً عن طريق الخطأ، ويتعرضون للأذى. لحسن الحظ، أكدت لي ساحرة أنّهم جميعاً في رحلة ميدانية إلى المدينة مع معلّمهم الرمادي. لذا لم يكن هناك أيّ سبب حقيقي للقلق بشأن ترك الكرة بلا رقابة.
أخذتُ نفساً عميقاً، واعترفتُ أخيّراً بأنّني كنتُ أركّز على المشكلة الخاطئة. نعم، كنتُ على وشك أن أصير شريك التأمل الخاص بفتاة قنبلة المانا، ها أنا ذا أهتم بكرة مضيئة مصنوعة من الورق. دون أن ألتفت إلى الوراء، غادرتُ غرفة التنظيف، وأوصدتُ الباب خلفي، وأجبرتُ أفكاري أخيراً على الانصباب على التحدي الذي يهمّ حقّاً اليوم. فتاة قنبلة المانا. وحصتي الأولى في التأمل. استغرق الأمر وقتاً طويلاً لأفكّ شفرة الإشارات البصرية للرماديين المؤدية إلى ساحات التأمل.
وبعد أن ضللتُ طريقي بالخطأ إلى المطابخ وصرخت في وجهي بعض النسوة الرماديّات البدينات، وجدتُ طريقي أخيّراً إلى ردهة مكشوفة تُعقد فيها الحصص على ما يبدو. ما إن عبرتُ العتبة حتى أشرق عيناي. كان المكان يخطف الأنفاس. تزهو الزهور الملونة في كل مكان، بينما تحدد أربع صخور ضخمة زوايا المربع، مفصولة الحدائق المتعرجة عن مرج عشبي تجلس فيه عدة مجموعات من الطلاب بتربيع الساقين في شللهم المعتادة.
وبينما كانت عيناي تبحثان عن ساحرة وسط الفراء، والحراشف، والآذان المدببة، لاحظتُ ما هو أكثر إثارة للاهتمام. كان لكل صخرة من الصخور الأربع شلال صغير يتدفق بلا انقطاع من قمتها. بدا الأمر وكأنّ مجاري أنهار ضئيلة قد حُفرت في الصخر ذاته، مع نوع من تعاويذ تحافظ على دوران المياه إلى الأبد. بدأ عقلي فوراً استحضار تعاويذ الماء من كتاب مبادئ السحر، وكان جانبي المغرور واثقاً بالفعل من قدرتي على محاكاة تلك الشلالات عبر دمج تعويذة الماء المناسبة مع امتصاص المانا الكامن لتوفير إمداد مستمر من المانا.
"بدأتُ أظنّ أنك لن تأتي أيها البشري."
قبل أن تتاح لي الفرصة للتخلي عن تحسين نظامي لصالح مشروع آخر يخص السباكة السحرية، أعادني صوت ساحرة إلى الواقع، منقذاً إيَّائي من فضولي القاتل. ملتفتاً إلى يساري، وجدتها جالسة بمفردها متربعة الساقين بجانب إحدى صخور الشلال. على عكس الجميع، ممن جلسوا مواجهين لشركاء مع ضغط راحتي كفّيهما معاً، كانت وحيدة تماماً. والأسوأ من ذلك، أنّ المنشفة الكبيرة تحتها جعلت الأمر جليّاً بشكل مؤلم أنّه قد بُسط لشخصين لا لشخص واحد.
"ظننتِ أنني لن آتي؟"
سلتُ بينما كنتُ أتخلّص من حذائي وأحتل المكان الفارغ أمامها.
"متى كذبتُ عليك يوماً لتفقدي إيمانك بي إلى هذا الحد؟"
"عشرون يوماً محبوساً في غرفتك دون حضور حصة واحدة بينما جلستُ هنا وحدي ليس بالمرور الذي يدل على الاعتمادية."
"ماذا؟"
تمتمتُ بينما كنتُ أناضل لطيّ ساقيَّ في وضعية التربع، وهو تحدٍّ حقيقي لشخص قضى معظم حياته جائعاً في المقاعد.
"كيف يُفترض بي أن أعرَف أنكِ أردتني هنا؟ على حد علمي، كنتِ مجرد الفتاة التي تورطتُ معها في يومي الأول... وتلك التي كنت أتشارك معها الغداء منذ ذلك الحين."
تتبعت عيناها المتباينتان محاولاتي الخرقاء لمُحاكاة وضعية الجميع. مبتسمةً من صراعي.
"بعد ما حدث في المكتبة، تصوّرتُ أنك ستبدأ حضور الحصص عاجلاً أم آجلاً. لكن مرّ يوم... ثم آخر... ثم آخر. وقبل أن أدرك ذلك، بدأتُ أشعر بقليل من الاستياء تجاهك."
اتسعت عيناها تحت نظرتها الثابتة بينما أدركتُ كم بدت غير معقولة. أكانت تعتقد، صدفةً، أنّ البشر يستطيعون قراءة الأفكار؟ ولكن قبل أن أتمكن من الإشارة إلى ذلك، سبقتني هي.
"أفترض أنّه لا يمكنني لومك على الفشل في تلبية توقع لم يوجد إلا في رأسي، أيها البشري."
أشاحت بوجهها للحظة، بينما تهافتت ابتسامتها.
"لكنني تركتُ كوكبي خلفي بسبب ظاهرة طبيعية غبية، تماماً مثل أي شخص آخر."
أعادت نظرها إليّ.
"ويُسمح للفتاة بأن تكون غير معقولة بعض الشيء عندما يتغيّر كل ما عرفته يوماً عن الحياة بين عشية وضحاها... أليس كذلك؟"
لم أجب. حينها فقط أدركتُ أنني أمضيت وقتاً طويلاً في التفكير في وضعي الخاص لدرجة أنني أغفلتُ الأمر البدهي تماماً. فقد أُجبر الجميع هنا على ترك عوالمهم خلفهم بسبب عاصفة الشقوق. وبغض النظر عن كل أولئك الناس ذوي الفراء، والحراشف، والآذان المدببة، فإن فتاة قنبلة المانا كانت الأسوأ حالاً بين الجميع. كانت أول نادرية تطأ قدمها نافار على الإطلاق. قد يمر قرن قبل أن يصل فرد آخر من بني جنسها.
وكان احتمال ألا تقابل أبداً نادرية أخرى طوال ما تبقى من حياتها أمراً واردأ تماماً. حسنٌ... لم يكن وضعي أفضل بكثير. لكن إذا كان المعدل هو بشري واحد كل عشرين عاما، فإن احتمالات رؤيتي لبشري آخر مجدداً كانت لا تزال أعلى بكثير من فرصها في رؤية أي فرد من شعبها.
"ما رأيك بهذا؟"
قلت، بينما كنتُ لا أزال أعاني من التربع.
"يمكنك أن تكوني غير معقولة قدر ما تشائين اليوم، وأعدك بأنني لن آخذ الأمر مأخذ الجد. قولي ما شئتِ، وافعلي ما شئتِ. سأتحمل الأمر كرجل، ويمكنك التنفيس عن غضبك قدر ما تحتاجين."
اكتفت بالنظر إليّ. استقر شعرها الأسود الطويل عبر حجرها بينما كانت تحاول معرفة مصدر ذلك العرض.
"يبدو هذا صفقة جيدة، أي-"
لم تكمل كلامها. ظهرت امرأة رمادية خلفها كأنها تجسدت من فراغ وهشمت رأس ساحرة بمقدمة عصا مزخرفة دون توقف.
"أنتما الاثنان مزعجان للغاية. هذه حصة تأمل، وليست مكاناً لوافدي الشقوق غريبي المظهر ليقوموا بـ... أيا ما كان ما تفعلانه."
عندما نظرتُ إليها، أدركتُ أنني أرى أول رمادية طاعنة في السن حقاً منذ وصولي إلى الأكاديمية. وصدقوني... لقد كانت عجوزاً حقاً. بدايةً، جعلها ظهرها المحدب تنحني في شيء يشبه الحرف الإنجليزي الضخم (S). ثم كانت هناك التجاعيد. فقد غطت وجهها، وعنقها، ويديها... وكل شيء عملياً. وحتى عيناها الزرقاوان أصبحتا غائمتين بعض الشيء، ممّا يثبت أن الشيخوخة تستوفي دَيْنها عاجلاً أم آجلاً حتى في عالم مليء بالسحر.
"ومن أنتِ بالتحديد؟"
سألتُ. في اللحظة التي غادرت فيها الكلمات فمي، أدركتُ كم كان ذلك السؤال غبياً لدرجة لا تُصدق.
"آه، أنا؟"
ضغطت طرف عصاها على جبهتي، دافعة رأسي إلى الوراء دون أيّ اعتبار للمساحة الشخصية.
"أنا نوري، معلمتُكِ. كنتُ أعلم أمثالك منذ أن قررت تلك الملكة الشابة أن قتلكم أنتم الغزاة كان أكثر همجية من اللازم."
إذن نعم... لقد عرفتُ تلك العجوز الشمطاء لأقل من ثلاثين ثانية، وقررتُ مسبقاً أنها ستستحق لقباً خاصاً جداً في نظامي. لقباً أقل إغراقاً في المجاملة وأطول بقايً بكثير مما سأخصصه لاحقاً للمدير اللعين. يبدو أنها استشعرت الاتجاه الخطير الذي كانت تتخذه أفكاري، فغيرت ساحرة الموضوع بسرعة.
"هل لديكِ أي إرشاد لنا، المعلمة نوري؟"
لان تعبير نوري قليلاً. دون قول كلمة أخرى، رفعت عصاها نحو جبهة ساحرة مجدداً. هذه المرة، مع ذلك، لم بدا وكأنها تنوي صفعها. توهجت أحجار الكريمة لا الحصر المدمجة في جميع أنحاء العصا بنور أبيض ساطع في اللحظة التي لامست فيها جلد ساحرة. ثم التفتت العصا نحوي. في اللحظة التي لامست جبهتي، ضعف التوهج بشكل كبير، متلاشياً من الأبيض الساطع إلى الأزرق الشاحب.
قالت نوري: "أنتما الاثنان تنتميان إلى فصيلتين مختلفتين."
"تتجاوب مانا الخاص بكما بشكل مختلف مع البلورات، وكمية ما يمتلكه كل منكما مختلفة تماماً."
مستمرة في تثبيت عينيها على ساحرة، تابعت، "أنتِ نار غابة. وهو شمعة."
"يجب على كليكما تبديل الشركاء. أقنعا بعض الطلاب الكبار للمساعدة بدلاً من ذلك. لا أراكما تنجزان حتى أبسط هدف للتأمل إن أصررتما على التدريب معاً."
لن أکذب. لم أكن أعرف شيئاً على الإطلاق عما يُفترض أن تعلّمه حصة التأمل. قبل بضع ساعات، لم أكن أرغب حتى في التواجد هنا. لكن في اللحظة التي سمعتُ فيها تلك العجوز تخبرنا بأننا لا نستطيع فعل ذلك... أردتُ فجأةً التأمل أكثر من أي شيء آخر.
بعد أن ابتعدت، انحنيتُ نحو ساحرة وهمستُ: "إذن... لم تغيّري رأيك بشأني، أليس كذلك؟"
ضحكت، مخفضة حجم صوتها بسرعة عندما رمقنا العديد من الطلاب ذوي الفراء بنظرة.
"يتجنبني الكبار كالطاعون بعد أن كلفهم المدير زوريك بإصلاح بعض معدات التدريب التي دمرتها."
ابتسمت.
"لذا، بالطبع ما زلتُ بحاجة إليك، إيريك."
ضحكتُ أنا أيضاً.
"حسناً، إن كنتِ ما زلتِ بحاجة إليّ..."
حككتُ مؤخرة رأسي، متسللاً بقايا إحراج إلى صوتي.
"فدعنا نثبت خطأ تلك العجوز الشمطاء."
توقفت.
"لكن أولاً..."
نظرتُ حول الجميع الجالسين بجمود تام مع ضغط راحتي كفّيهما معاً.
"...ما هو التأمل بالضبط؟"
تنهدت ساحرة.
"شهر كامل وأنت تعبث بالرون، ولم تتوقف يوماً لتسأل نفسك كيف يتمكن كل رمادي تقريباً من إلقاء السحر بدون ورق أو حبر؟"
كانت محققة، لكن لم يكن الأمر أنني تجاهلت السؤال. المشكلة كانت أن كتاب مبادئ السحر ادّعى أنه قد يستغرق سنوات قبل أن يتعلم شخص ما إلقاء تعويذة من ثلاثين روناً باستخدام المانا وحدها. تلك التفاصيل الصغيرة قامت بعمل رائع في قتل اهتمامي الفوري بالموضوع. ولم تساعد لغة الكتاب الشبه دينية أيضاً. كن واحداً مع طاقتك الداخلية وتواصل مع المانا بداخلي. أحقاً؟ من يُفترض به فهم شيء مجرد إلى هذا الحد؟
أيّاً كان من كتب تلك السطور فلا بد أنه كان مليئاً بالهراء.
"حسناً..."
قلت.
"دعنا نقول فقط إنني فضّلتُ بذكاء المكاسب قصيرة الأجل على الأهداف طويلة الأجل. إذن... ما هو التأمل بالضبط؟"
نظرت إليّ ساحرة وكأنني حالة ميؤوس منها.
"التأمل هو كيف تصبح واعياً بالمانا الخاصة بك. يتطلب الأمر شخصين لأن التباين بين ما هو مانا خاص بك وما ليس كذلك يساعدك على تحديده. وحدها هذه الخطوة قد توفر عليك شهوراً من المعاناة خلال الخطوة الأولى."
تنهدت مجدداً.
"لا أعرف لماذا تتطلب المراحل اللاحقة شريكاً أيضاً. رفضت نوري تعليمي أي شيء أبعد من هذا لأنني لم أكن أملك واحداً."
جعلت الوحدة في عينيها الأمر جليّاً كم كانت تلك الحصص بلا شريك مملة. ويبدو جلياً أن هذا لم يكن نوع الدرس الذي يمكنك المشاركة فيه حقاً بمفردك.
"إذن... كيف نفعلها؟"
سألتُ.
"هل وضع راحتي أيدينا معاً مثل الجميع يكفي؟"
"هذا القدر أعرفه."
بدل الإجابة بالكلمات، مدت يدها نحو يدي اليمنى وفتحت أصابعي بلطف حتى أصبحت راحتي تواجه الأعلى. أمسكت براحة يدها اليمنى فوق راحتي مباشرة، قريبة بما يكفي لأشعر بدفئها دون أن يتلامس جلدنا فعلياً. ثم عكست الترتيب مع يدينا الأخريين، حيث حامت راحتي اليسرى هذه المرة فوق راحتيها مباشرة. عندما انتهت، أغلقت عينيها وأخذت نفساً بطيئاً.
"أغلق عينيك،"
همست.
"ثم حاول الشعور بالمانا الخاص بنا. الأمر في غاية البساطة."
رفعت حاجبًا. مع ذلك، فعلتُ ما طلبته وفي غضون دقيقة، كنتُ قد بدأت أشتبه في أن هذا سيصبح الحصة الأكثر مللاً في الأكاديمية. لمفاجأتي، لم يكن الملسر عدوي الأول، وسرعان ما كشف الانزعاج عن نفسه بوصفه الزعيم الحقيقي. تألّمت قدماي. تألّم ظهري. حتى إبقاء ذراعيَّ معلقتين في مكانهما كان أكثر إرهاقاً بكثير مما توقعت. بعد حوالي أربع دقائق، ارتكبتُ خطأ. انزلقت يدي اليسرى إلى الأسفل بما يكفي لكي تلامس راحتي راحتيها.
في ظروف عادية، لم يكن لمس يدها ليفرق شيئاً. المشكلة كانت أن ساحرة، على عكسي، بدا وكأنها تمتلك موهبة فعلية للتأمل. وقد قاطعتُ تركيزها في التوقيت الخاطئ تماماً.
"آآه!"
تراجعتُ إلى الوراء بينما سرت موجة ألم حادة عبر جسدي كله، وكان توهج المانا مرئياً في الهواء. وعندما نظرتُ حول الحديقة، كان كل طالب يحدق بنا. الغريب في الأمر... حملت تعابير وجوههم تعاطفاً أكثر من الانزعاج.
"يا له من بشري مسكين. أراهن بحراشفي أنها أجبرته."
"نعم، وأ