العودة إلى المدرسة بعد كل ما جرى مع اللورد كروساك وأتباعه بدت أغرب حدث في ذلك الأسبوع برمّته. ما إن وطئت قدماي ردهة الطعام حتى لاحظت تغيّراً فورياً في سلوك الطلاب. تغيّر تسبّبتُ فيه دون قصد منّي، ومشهد كان من المستحيل تفاديه. بدايةً، ظهر خطّ نظيف من الطاولات الفارغة يقسم ردهة الطعام نصفين. ولم يكن ذلك الانقسام العرقي المعتاد، حيث تتجمّع أجناس الغرانار والزوفي والدرياري في جماعات منعزلة.
ما كنت أراه هو حاجز بين من يعملون في شركتي ومن لا يعملون بها. ففي أحد جانبي الردهة، انعزلت الأجناس الثلاثة داخل مجموعاتها الخاصة. وفي الجانب الآخر، تشارك الزوفي والغرانار وحتى الدرياري الطاولات بحرية، والتفّ الجميع حول طاولتنا القديمة حيث كانت ساهرة والآخرون في انتظاري. رسمت ابتسامة مهذبة وأنا أتقدم، مع أنني لاحظت أن نيكو وليلي وزيرا وكيب وكاب لم يبدوا مسرورين برؤيتي هناك.
كانت ساهرة الاستثناء بالطبع، لكنها لا تُحتسب. كنت أعلم أنها ما زالت سعيدة بالخاتم الذي أهديتُها إياه، ولم تكن تخفي مشاعرها.
— "ما الذي يجري هنا؟"
سألتُ وأنا أجلس بجانب ساهرة.
— "لا أعتقد أن عودتك إلى المدرسة فكرة سديدة يا إيريك".
تجاهلت زيرا سؤالدي. حدقت بي هُنيهة، ثم خفضت بصرها نحو قدميها تحت الطاولة.
"ليس مجيئك فكرة جيدة، ومثل ذلك تواجدنا نحن هنا".
لم أكن قد عدت إلى المدرسة بالطبع لمجرد أنني استطعت طعامها ولم أطق صبراً حتى المساء لألقى أصدقائي. كان أسر المدير الأحمق واصطحباره في زيارة قصيرة إلى سفينتي الطائرة الجديدة هو سبب عودتي، وكنت أملك خطة لفعل ذلك. لكنني الآن وقد صرت هنا، تملّكني الفضول حيال مدى سوء الظروف المعيشية لمن يعملون معي بعد النهاية المأساوية لمواجهتنا مع اللورد كروساك.
— "ممم... إلى أي مدى ساء وضعكم الحالي في المدرسة؟"
كنت أعلم أنه سؤال وقح، إذ ما كانوا ليعانوا أي عواقب لو لم يقحموا أنفسهم في حربنا، لكنني طرحته على أي حال. ففي نهاية المطاف، كنت أنوي التعويض عن حقيقة اضطرارهم لمغادرة المدرسة بسببي وبسبب ساهرة، وكنت من النوع الذي يؤمن بأن الأفعال أبلغ من الكلمات حين يكتفي الآخرون بتقديم الاعتذارات. تفاعل الجميع مع سؤالي بطرق مختلفة.
— "لقد رأينا الكثير من روابط القشور المكسورة"، قال كيب.
— "وتشرذم أبناء جلدتنا بسببكم وبسببنا"، أتمّ كاب.
اكتفيت بالإيماء، بينما كانت ساهرة تضغط على كفي في صامت بعيد عن الأعين.
— "وماذا عنكما أنتما؟"
سألتُ نيكو وليلي.
— "لم يتوقع أحد منا مغادرة المدرسة بهذه السرعة، لكن الزوفي يستطيعون التعامل مع الأمر"، قال نيكو.
"أنا قائدهم. لا يختلف الأمر عن موطننا. أخبرهم بضرورة الرحيل فنرحل".
عصرت ساهرة يدي بقوة أكبر، مسربة دفئاً متفائلاً بيننا.
وكأن ليلي أرادت وأد ذلك التفاؤل، فقالت مقاطعة: — "أنا وزيرا، وكل درياري ساعدك، طرُدنا رسمياً من مجتمعنا في هذه المدرسة. حتى الطلاب القدامى لا يريدون صلة بنا، يرون فينا عبئاً سيعرقل صعودهم في مجتمع الرماديين".
ضيقَتْ عينيها، وضغطت بكلتا كفيها على الطاولة لتقترب منّي من الجهة المقابلة.
— "أنت والدرياري الذين ساعدوك بلا روابط دم أو صداقة، لكنني أرجو أن تدرك أنك مسؤول عن كل واحد منا منذ هذه اللحظة".
نهض نيكو وجذبها إلى الخلف واضعاً يديه على كتفيها، محاولاً تهدئتها بوضوح.
— "دعيها وشأنها يا نيكو، فهي على حق".
لم أعبأ بكلماتها. بل سررت أنها باحت بما في صدرها بدل كتمانه ليسمم تعاملاتنا المستقبلية.
— "لا أعلم كيف ترونني أنت وزيرا، لكنني أعتبركما صديقين. وبقية الدرياري؟ لدي ما أقوله لهم!"
بعد أن أخذت نفساً عميقاً، نهضت مخاطباً الدرياري الجالسين إلى الطاولات حولنا.
— "أعلم أنني قد أدو مجنوناً الآن، لكنني أعدكم أنكم لن تندموا بعد سنوات قليلة على اختياركم اتباعي".
سحرت في أعينهم، باذلاً وسعي لابتلاع خوفي من المستقبل.
"على الجانب المشرق، مقصورات السفينة رائعة كلها، وستنالون قدراً لائقاً من الأرصدة منذ البداية. وبالتأكيد، ستتعلمون الكثير من تعاويذ جديدة لن تعلّمكم إياها الرماديون أبداً".
أومأ بعضهم مانحين إياها ابتسامة مصطنعة، بيد أن رد الفعل الأغلب بينهم تمثل في خفض الآزان وتسمير الأعين على الأرض بملامح قلقة. تنهدت. أجل، لقد تطوعوا جميعاً لخوض معركة ضد نبيل وهم يعلمون المخاطر، لكنني ظللت أشعر بأنني مدين لهم بشيء ما بعد أن صار فرارهم من المدرسة خيارهم الوحيد بسببي. عندما عدت إلى مقعدي، التفتُّ مباشرة إلى زيرا.
— "وماذا عنك؟ ألديك ما تبوحين به؟"
لمفاجأتي فتحت فمها، لتعود فتغلقه فوراً. والأكثر صدمة أنها نهضت وشقّت طريقها محشورة بين ساهرة وبيني، في حركة غير متوقعة عقدت لسان كللينا.
— "آه..."
أطلت النظر إلى ساهرة، ثم التفتت إليّ.
— "أنا آسفة لهذا، لكنني بحاجة لخصوصية كي أخبركم بشيء. هل يمكنني قول ذلك في أذنيكما؟"
لم تقتصر الدهشة عليّ وعلى ساهرة، بل شاركنا إياها بقية الجلوس، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إخفاء ريبتهم.
— "تعلمين أن رئيسة المنهج تستطيع سماعك، أليس كذلك؟"
قلت. إن تطلّبت الأمر خصوصية تامة، فسيتعين علينا مغادرة نطاق إيليثا وزيارة السفينة.
— "بإمكانها سماعي. لا يهم، هذه مسألة لا يمكنني المجامرة بأن يعرفها الكثيرون"، قالت زيرا.
— "الفتاة تشعر بالفضول الآن"، قالت ساهرة.
أومأت، وانحنينا معاً إلى الجانب مقدّمين أذنينا لتقول زيرا ما تشاء. غطت زيرا فمها بيدها، وخفضت صوتها إلى همس.
— "أنا... أنا ل-لا أريد الذهاب معك. لا أُريد هذه الحياة المتنقلة على تلك السفينة. أكرَهُ المغامرات... ولا أريد قتل أحد بتعاويذك المجنونة مجدداً حتى لو كان ذلك لإنقاذ صديق".
تبادلنا ساهرة وأنا النظرات، غير مستعدين بتاتاً لسماع تلك السلسلة من الكلمات. ويعود ذلك لكونها بدت كإقرار غير مباشر بندمها على ما فعلته لإنقاذ ساهرة. لاحظت زيرا رد فعلينا فاستبدّ بها الذعر.
— "لا-لا تفهماني خطأ... لست نادمة على إنقاذ ساهرة. فقط لا أريد التواجد في موقف يحتم عليّ القتل مجدداً".
ضغطت على وجنتيها بكلتا يديها كمن يجبر نفسه على استعادة توازنه.
"أقسم أنني سأكون أكثر فائدة للجميع إن سُمح لي بإدارة متجري في المدينة".
أرادت البقاء في المدينة؟ لكن كيف لها البقاء دون تجرع عواقب حربنا مع اللورد كروساك؟
— "تعلمين أن بقية العائلات النبيلة لن تهدأ حتى تعاقب كل من تورط في هذا الحادث، أصحبت كذلك؟"
قلت.
— "أعلم ذلك!"
أدركت زيرا أن صوتها جاء أعلى من اللازم فخفضت نبرتها.
"سأصبغ شعري، وأجعل فيرنيك يساعدني في تغيير اسمي. سأكون مجرد درياري أخرى في المدينة. من سيشك في أن واحدة منا فقط بقيت بعد أن يروكم جميعاً تغادرون المدرسة على متن تلك السفينة الضخمة؟"
انتظر دقيقة... أيمكن أنها دبرت كل شيء بالفعل؟ تبادلنا ساهرة وأنا نظرة خاطفة. أجل، كانت زيرا ذكية.
وبصرف النظر عن خجلها، استحقت لقب «الإوزة الذهبية»
من الجذع والجذور.
أومأت لزيرا: — "بإمكانك البقاء، وسأحرص على سلامتك إن كان هذا ما ترغبين فيه".
انتصبت أذنا زيرا وامتسحت وجهها ابتسامة عارمة. عانقتني فوراً. وكررت الأمر ذاته مع ساهرة، ثم طبعت قبلة على وجنتها قبل أن تعود إلى مقعدها على الطاولة. بدت الأمور محرجة بعض الشيء الآن. ليس بيني وبين ساهرة بالطبع، بل لدى بقية فريق المبيعات. فلم يسمعوا زيرا، ولم يعرفوا بقرارها البقاء في المدينة، لذا تخيلوا بوضوح نسختهم الخاصة من محادثتنا القصيرة. لإعادة جمعتنا إلى مسارها، قررت طرح سؤال.
— "إذن..."
قلت.
"ماذا عن المعلمين؟ كيف كان رد فعلهم على هذه الفوضى بأسرها؟"
أصاب سؤالي كبد الحقيقة، وتحولت إلى محور الانتباه في أرجاء المجموعة. وضعت ساهرة يدها فوق يدي على الطاولة.
— "الفتاة تعرف أن لاثارا خائبة الأمل فينا، لكنها تدرك أن زوريك هو من تسبب في هذا كله. والآخرون يلقون اللوم أيضاً على زوريك في مآل الأمور، مما يعني أنه وحيد في مواجهة مصيره، مهما حدث اليوم".
تدخل نيكو، وخلافاً لساهرة، لم يكن يعلم أنني أنوي أسر زوريك اليوم من أجل وشم وهمي خاص سيحصل عليه على متن السفينة.
— "لمَ طرحت ذلك السؤال يا إيريك؟"
سأل.
"أنفي يخبرني أنك لم تأتِ إلى المدرسة لمجرد التحدث إلينا في ردهة الطعام".
لم أكن أتوقع أن أُكشف بمثل هذه السرعة، لكن... لم يكن الأمر ليعدو كونه مهمّاً حقاً.
— "كثرة النهايات السائبة أمر غير محمود"، قلت، مفضلاً الغموض في بقية كلامي.
"إحداهن ليست بتلك الأهمية، لكنني لا أرغب في رفع المراسي تاركاً خلفي عدواً شديد الحماس يملك الكثير من الموارد والكثير من الأسباب للسعي خلف الانتقام".
حتى من دون أسماء أو أساليب كنت أنوي استخدامها، تبادل الجميع على الطاولة النظرات وأومأوا موافقين على تقييمي. كيف لا وهم فاعلون. فقد احتاج كيب وكاب ونيكو وليلي إلى وضع ثقتهم في قراراتي من أجل مستقبلهم، وحتى زيرا التي ستظل خلفها ستجني فوائد جمة من إزالة أي خطر محتمل عن طريقها. ثبتت ساهرة عينيها في عينيّ، بينما ظلت يدها تستقر فوق يدي على الطاولة.
— "ألا ترى أنه لأمر غريب ألا يقع في الطعم حتى الآن يا إيريك؟"
أجل. كان أمراً غريباً حقاً ألا يظهر المدير الأحمق في ردهة الطعام حتى اللحظة، محاولاً اعتقالي أو ربما إعدامي مكانياً نظراً لمدى فداحة إفسادنا لمحاولته جعل ساهرة عرضة للتبني. أترى كان نائماً وللمرة الأولى لا يتابع هوسي أفعالي عبر كرة المراقبة تلك كالشخص الفاشل الذي يعود إليه الأمر؟ مات ذلك التؤال في ذهني ما إن تردد صوت عالٍ في أرجاء ردهة الطعام.
— "إيريك نيفرمور!"
وقف زوريك عند الباب، وينفاسه المتلاحقة تخبرني أنه ركض طوال الطريق من مكتبه بطريقة غير لائقة.
"أتجرؤ على الظهور في مدرستي بعد أن حولتم هذا المكان، أنت وعصابتك القادمة من عواصف الصدع، إلى ساحة حرب".
نهضت ببطء من مقعدي.
— "مرحباً بك!"
قلت.
"كنت أعلم أنك تفتقر إلى الحس السليم لتبقى في مكانك ولو لمرة، لكنني مسرور بذلك هذه المرة يا زوريك".
قبض يديه، واصطكت أسنانُه بقوة بينما برزت العروق على جبينه الرمادي. أدرك كل فرد في هذه الغرفة، بغض النظر عن جنسه، أنه على وشك فقدان أعصابه.
— "اخرجوا من هنا، كلكم!"
قال زوريك.
"الأمر بيني وبين هذا البشري".
لمفاجأتي، نهض نصف الأشخاص في الغرفة فقط. أما النصف الآخر، أولئك الذين يعملون معي، فقد ظلوا في مقاعدهم محدقين في زوريك. ونقلت تعابير وجوههم الحازمة رسالة واضحة: لن يكون يسيراً على المدير الأحمق استئصالي وحدي. أما ساهرة، فقد كانت تعرف خطتي.
— "إيريك يعرف ما يفعله".
نهضت، ومخاطبة الجميع كشريكة مؤسسة جديرة بالثقة: "سنتركه وشأنه ولن نقف في طريقه".
كان عليّ أن أومئ لبعضهم مؤكداً قدرتي على معالجة الأمر، لكن في النهاية، اتجه حتى فريق المبيعات نحو المخرج. وكانت ساهرة نفسها آخر من غادر جانبي.
— "الفتاة ستتأكد من ألا يتدخل أي من المعلمين"، همست في أذني قبل أن ترحل.
تابعت مغادرتها مبتسماً. لكن الابتسامة تلاشت ما إن استقرت نظراتي على زوريك في الجهة المقابلة من الغرفة. أجل، حتى ردهة الطعام الواسعة هذه بدت أصغر من أن تسعنا كلينا. وربما كانت نافار برمتها أصغر من أن تضمنا معا.