قلت لإليثا وأنا أناولها أحدث نسخة من تعويذة استشعار الضوء: "بهذا يعود إليك بصرك، وأظن أن صفقتنا قد تمت الآن".
كانت تجلس متربعة في وسط الطابق العاشر من برجها، تناولت ورقة العمل الكبيرة التي قدمتها لها، راحت تحلل آلاف الرموز بلمح البصر وببصر المانا وحده. أنهت تحليل التعويذة في نحو ثوان معدودات ثم ابتسمت لي.
قالت: "إن حل مصفوفة الرموز الذي طبقته على العنصر الحسي فريد بحق، أيها الخروف الصغير. لكنك تفوقت على نفسك حقاً بعدسات المانا التي تركز الضوء، مع أني أرى مجالاً للتحسين في الوحدة التي ترسل المعلومات مباشرة إلى عقلي بصورة وهم".
نهضت إليثا فجأة، وصاغت نسختها الخاصة مستخدمة المانا وحدها والهواء القاسي لوحة لها. كانت طريقتها في التحكم في كل تلك المتغيرات تفوق الوصف، ومستوى من الدقة والقوة الذهنية لم أكن أتخيله إلا في أحلامي. أما ساهيرة... فقد بدت مذهولة أكثر مني. حتى من دون تبادل أي كلمة، أدرت أنها كانت ترمق طريقة تحكم إليثا بالمانا بنظرة ملؤها الحسد. لعلها ظنت في قرار نفسها أنها لن تبلغ قط مثل هذا المستوى.
رغم كمية التدريبات السخية والشاقة التي كانت تؤديها كل يوم بإصرار، كنت أؤمن حقاً أنها قد تنجح يوماً رغم كل العقبات. التفتت إليثا نحو ساهيرة.
"أكانت تلك الوحدة التجميلية التي ترسم وخماً بأن عيني لم تُفقأ يوماً فكرتك، أيتها الهرّة الصغيرة؟"
هرّة صغيرة؟ اضطررت إلى حبس ضحكتي بصعوبة بالغة من طريقة خطاب إليثا لساهيرة.
قالت وهي ترمقني بنظرة تسأل فيها إن كانت الكبيرة السحرية قد منحتها لقباً خاصاً بها حقاً: "أنا...".
حين هزرت كتفي مبالغة في الصمت، تابعت: "ظننت أن—".
"أظننت أنني سأكون سعيدة إن لم أبدُ كمسخ؟"
بنفضة من إصبعها،محت وحدة كاملة من التعويذة، فاختفت مئات الرموز بينما باتت تعويذة كشف الضوء أبسط وأكثر إيجازاً. قبل أن تتمكن ساهيرة من تبرير سببها، ألقت إليثا تعويذة كشف الضوء من دون الوهم التجميلي. تجسدت دائرتان سحريتان على وجهها دفعة واحدة. رأيت تعقيد البنية. عدسات المانا، ومصفوفة رموز كشف الضوء أدناه، وحتى وحدة الوهم المبسطة التي عدلتها إليثا بنفسها لتحقيق كفاءة أكبر.
ما كان مذهلاً بحق هو أن كل شيء بدا كأنه يعمل على أكمل وجه. ابتسمت وهي تمسح البندانا. لوحت لتلك الدائرتين السحريتين أمام محجري عينيها، متظاهراً بأن الأمر طبيعي تماماً.
قالت وهي تنظر إلي أولاً ثم إلى ساهيرة: "أستطيع الرؤية مجدداً. أخضر وكهرمان، عيناك جميلتان أيتها الهرّة الصغيرة".
لم تدرِ ساهيرة كيف ترد على مديح الكبيرة السحرية المفاجئ، لكن حين نكزتها برفق على ظهرها، تحدثت على الفور.
"لم تكن الفتاة تظن أنها ستتلقى مديحاً من الكبيرة السحرية قبل أن تتلقاه من إنسانها".
تنحنحت.
قلت: "هذا ليس عادلاً. أنا واثق تماماً من أني قلت شيئاً جميلاً عنك في وقت ما".
"مناداتي بفتاة قنبلة المانا لا تُعد شيئاً جميلاً يا إيريك".
لمما فاجأني، وحين رفعت ذراعي دفاعياً إذ بدأت مانا ساهيرة تتسرب من جسدها استجابة لغضبها، اقتربت منا إليثا ببساطة، ووضعت يدها على كتفينا كليهما.
قالت إليثا: "شكراً لك على إظهار شيء لطيف لأول ضوء يراه عقلي منذ سنوات عديدة. كمكافأة، لن أتدخل في تلك التعاويذ التي خلقتها البارحة مع صديقتك. لكن عليك أن تعلم أن شخصاً بمستواي يستطيع بسهولة رؤية كل تدابير الحماية التي ابتكرتها حتى الآن".
مهلاً؟ كيف استطاعت الرؤية عبر طبقات الورق والغراء؟ لعن حس المانا لديها كان دقيقاً بالقدر الكافي لتمييز الرموز حتى عبر الغطاء، أو لعلها كانت تمتلك حقاً تعويذة كشف رموز لم أكن أعلم بها... حسناً، لم تكن الطريقة المحددة مهمة للغاية في الوقت الحالي، فقد كان هناك ما هو أهم بكثير.
سألت إليثا: "أيمكن لأحد في طاقم السيد كروساك فعل الشيء نفسه؟".
ابتسمت بخبث.
قالت: "ليس الأشخاص الموجودين بجانبه حالياً أيها الخروف الصغير، لكن إن سمحت له بالحصول على تعزيزات...".
أطلقت تنهيدة عميقة.
قلت: "أظنك على حق. لكن بما أننا نتحدث عن السيد كروساك، أتمانع في نقلنا آنياً إلى سطح برجك؟ لا أود أن أكون على تلك السفينة حين أخبر السيد كروساك أن يحشر أوراق التبنى في—".
قاطعتني ساهيرة: "أن ترفض التبنى بلطف. أأنسيت محاولة التفاوض الأخيرة التي اقترحتها بنفسك؟".
حسناً، لم تكن تكذب. كنت سأحاول بالتأكيد التفاوض مرة أخيرة قبل إخراج الأسلحة. لكن بكل صراحة، لم أكن أظن أنني سأنجح. كان السيد كروساك يود حقاً أن يضمنا تحت جناحه، وعلى عكس الناظر الأحمق، كان يرى فينا أصولاً شديدة القيمة لا مشكلة يجب التخلص منها لسبب سخيف.
سألت إليثا: "أتملكان كل ما تحتاجان إليه معكما؟".
اكتفت ساهيرة وأنا بالايماء. كانت الاستعدادات لهذه المواجهة شبه المؤكدة قد أُنجزت خلال الصباح. تموضع الفريقان تكتيكياً على سطح المدرسة وفي مناطق معينة حول تلك السفينة الطائرة، وكان لدى جميعهم قادة من فريق المبيعات يحملون مفاتيح تفعيل الأساور. كما كانت ساهيرة تحمل التعويذة الخاصة التي صنعتها لها على حزام كتف صنعته خصيصاً لهذا الغرض. وكان جيباها مليئين بتعاويذ يسهل الوصول إليها.
وحتى أنا، فقد حرصت على أن تكون جميع تصاميمي متاحة في مكتبتي الذهنية، مستعدة للتحميل في مساعد الإطلاق في جزء من الثانية. لم تنتظر إليثا حتى ثانية واحدة حين أكدنا جهوزيتنا، واجتاحنا التواء مكاني بسيط غمرنا معاً. حين تكيفت حواسي مع البيئة الجديدة، وجدت ساهيرة تمسك بيدي، وكنا نقف فوق البرج بينما كانت شمس الظهيرة في نافار لا تزال ساطعة فوق رؤوسنا.
"الإنسان والفتاة؟"
لاحظ أحد أفراد طاقم السيد كروساك على الفور، وحين تتبعت الصوت، وجدت حفنة من الرماديين يحدقون بنا أسفل سطح السفينة الطائرة. كان البدن وأقراص الحجر الكبيرة المسؤولة عن الطفان قريبين منا، لكن سطح السفينة كان يرتفع نحو عشرة أمتار ربما. ومع كل ثانية تمر، كان المزيد من الرماديين ينحنون على الصوانت أو يطلون برؤوسهم عبر كوى السفينة ليروا سبب هذه الجلبة.
"أمنهم السيد كروساك؟"
كانت ساهيرة تشير إلى مجموعة من الرماديين الأنيقين الذين يحدقون بنا من على السطح.
قلت: "كلا"، متذكراً أن ساهيرة لم تقابل قط النبيل الرمادي المسؤول عن كل مشاكلنا الأخيرة.
"ذلك الرجل يرتدي خاتماً في كل إصبع وقلادة بحجم التفاحة حول رققه، إنه باختصار شجرة عيد ميلاد تمشي".
حين ضحكت ساهيرة، تساءلت وحدي عن أي ترجمة معجزة تلك التي نفذتها تعويذة الترجمة المكانية لإليثا لتنقل تلك الطرفة بلغتها وتبقى مضحكة. مع ذلك، لم تدم تسليتي طويلاً إذ بلغني صوت أعرفه جيداً من مكان ما على السطح العلوي.
"ابتعدوا عن طريقي!"
تَحركت تلك المجموعة ذاتها من الرماديين الأنيقين التي ذكرتها ساهيرة فجأة جانباً، مفسحة الطريق للسيد كروساك. في اللحظة التي استقرت فيها نظراته علينا، أدركت بلمح البصر أنه كان يستمتع بالطريقة التي سمح له بها موقعه المرتفع بأن ينظر إلينا بدونية حرفية.
تحدث بصوت صاغته المبالغة وهو يمد ذراعيه على مصراعيه: "إيريك نيفرمور. أتمنى لو أنك أحضرت الفتاة الناديرية معك لأنك قررت قبول عرضي".
في قرارة نفسي، كنت أعد بالفعل إحدى خطابي، باحثاً عن تلك التوليفة المستحيلة من الكلمات التي ستسمح لنا بالخروج من هذا الموقف بأسره من دون معركة واسعة النطاق تكون نتائجها خارجة عن سيطرتي جزئياً.
"اسمع—"
مع ذلك، لم يسمح لي السيد كروساك حتى بمحاولة حديثي الوقح هذه المرة.
قال بصوت عال: "دعني أخمن. ستستنتج أنك درست عرضي بعناية، وقررت رفضي لأنك تخشى ألا تتطابق رؤانا للمستقبل تماماً".
لم يكن ذلك ما كنت سأقوله بالضبط، لكنه كان قريباً بما يكفي لإخافتي قليلاً. ما الذي كان يعلمه أيضاً؟ على أقل تقدير، كان من الآمن افتراض أنه يعلم أنني استأجرت جزءاً صبيحاً من طلاب السنة الأولى للعمل لصالحي كجنود خاصة.
أخذت نفساً عميقاً وقلت: "أظنك تعلم مسبقاً أنني أرى أمر التبنى هذا هراء، فلماذا لا ببساطة—".
قاطعني مرة أخرى: "احذر مما تقوله. طالما أنك لا تقلل احترامي، يمكننا دائماً إعادة التفاوض على الشروط والأحكام، لكن إن تجاوزت الحد...".
شعرت بيد ساهيرة تقبض بقوة على يدي، حتى كاد ضغط قبضتها يعصر أصابعي. أخذت نفساً عميقاً، مجبراً نفسي على الهدوء. إن لم يكن من أجل نفسي، وجب علي أن أهدأ من أجل ساهيرة.
قلت: "ليس قصدي إهانتك يا سيد كروساك. لو سمحت لي فقط بلحظة لأشرح وجهة نظرنا—".
"من هو بذكائك يعلم بالتأكيد أنه ليس لديك أي خيار جاد سوى—".
صار قبض ساهيرة لا يُطاق، ثم تخلت عن كل قوتها فجأة.
قالت: "احشها".
خطت خطوة إلى الأمام وهتفت: "خذ أوراق التبنى تلك واحشرها في مؤخرتك الرمادية الشاحبة".
استدارت بابتسامة اعتذارية بينما كان طاقم الرماديين بأكمله يحدق بذهول في الفظاعة التي تفوهت به للتو الفتاة الجميلة التي بجانبي. كان مفترضاً بي أن أكون متوتراً، لكن ثقلاً خفياً معيناً تبخر ببساطة من داخلي وأنا أرغم نفسي على ابتلاع ضحكتي. لكن مزاجي الجيد لم يدم طويلاً.
قال السيد كروساك: "غريبة وذات فم بذيء! لا يمكنني القول إني أكره ذلك!".
أدرت فوراً أنه لم يعد هناك ما يقال. في طرفة عين رفعت يدي، وكانت تعويذة وهم مخصصة تُحمل بالفعل في مساعد الإطلاق الخاص بي. تشكل ما يقرب من مئتي رمز في دوائر متوهجة أمام راحة يدي، وكانت المانا تسري بالفعل في ذراعي لتفعيل التعويذة. توهج أحد الخواتم في يد السيد كروساك اليسرى ببريق ساطع. ضحك علي.
"الحماية ضد الأوهام متطلبات أساسية في مجالي".
لم أرد، وكانت تعويذتي لا تزال نشطة وتعمل. حين لاحظ السيد كروساك أن شيئاً ما لم يكن على ما يرام، كانت ثلاثة أزواج من الأيدي تقبض بالفعل على معطفه. أجل، لم يكن هدفي هو وحده، بل أفراد طاقمه أيضاً. وقعوا ضحية لوهمي، وصاروا يحاولون الآن إلقاءه من على سفينته نحو السقوط الطويل من السطح إلى البرج، معتقدين أنه دخيل اقتحم سفينتهم.
فقد السيد كروساك رباطة جأشه أخيراً وصرخ: "أين الجنود! لماذا أدفع لكم أساساً!"
فجأة، أسرع رجل رمادي مدرع بغزارة نحو السيد كروساك، وبضربة واحدة من سيفه، سقطت ثلاثة رؤوس رمادية على السطح، محررة السيد كروساك. شهقت ساهيرة بجانبي. تجمدت. أكانت تلك الوفيات خطئي؟ تباً. كيف يمكنهم قتل شعبهم هكذا ببساطة؟
أمر السيد كروساك: "خذوهم!".
قفز ذلك الجندي الرمادي الذي قتل للتو ثلاثة أشخاص من طاقمه نحو سطح البرج. والأسوأ أن اثنين آخرين تبعاه. هبط الجندي الرمادي الحامل للسيف على بعد أمتار قليلة أمامنا، ولا يزال نصله مبللاً بالدم.
قال: "أنا لست نبيلاً مترفاً بدرع باهظ الثمن مثل الأحمق المسكين الذي قتلتموه في المدينة، أيها الإنسان. لكن سيكون الأمر ممتعاً إن حاولتم تطبيق نفس الحيلة علي".
حين هبط الجنديان الآخران ذوا الدرعين الأسودين خلفه، شرعوا جميعاً في التقدم نحونا.
قلت وأنا أقبض على ساهيرة بقوة بكلتا يدي: "أنا أصدقك".
"ماذا—"
قبل أن تتمكن من النطق بكلمة واحدة، حملتُ كلينا نحو حافة البرج، تاركاً الجاذبية تحملنا إلى أسفل عبر الطوابق العشرة التي فصلتنا عن الأرض. قبل أن أبدأ حتى في القلق بشأن قتل زخم حركتنا، ألقيت تعويذة الاتصال بصمت.
قلت محاولاً نسيان تلك الرؤوس الثلاثة التي سقطت على السطح الآن: "فريق المبيعات، أطلقوا النيران!".