صانع النظام: مبرمج في عهد السحر الفصل 44 — الاستعدادات للحرب

اقرأ صانع النظام: مبرمج في عهد السحر الفصل 44 — الاستعدادات للحرب باللغة العربية على مانجا تايم.

كان فريق المبيعات بأسره مجتمعاً في ردهة الطعام، وطاولتنا تكاد تمتلئ ونحن نناقش ذلك الجزء من الخطة الذي يمكن الحديث عنه علناً.

"كيف سير العمل في التوظيف؟"

كنت جالساً بجوار المقعد الفارغ الوحيد، المكان الذي اعتادت سحيرة شغله وقت الغداء قبل مؤامرة التبني برمتها.

"هناك مشكلااات"، قال كيب.

"إنهم خائفون من أن تستخدمهم كجنود للاستهلاااك"، أكمل كاب.

كان الشقيقان الحرشفيان جالسَيْن قبالتي مباشرة، ويضعان حول عنقيهما قلائد ذهبية حازاها حديثاً، وهي إكسسوارات اشترياها في المدينة بآلاف رصيدات العمولات التي حققاها من مبيعاتهما الأخيرة.

"ولماذا يخافون بالضبط؟ أليست سمعتي لا تُعاب في هذه المدرسة؟"

سؤالي كان كافياً لتغطي زيرا فمها بيدها إخفاءً لضحكتها. لكن نيكو وليلي، اللذين جلسا قرب الشقيقين مقابلين لي على الطاولة، لم يحاولا حتى كتم ضحكتهما.

"أنت؟ سمعة لا تُعاب؟"

قالت ليلي.

"يراك الدرياري مجنوناً. وهم يعلمون أن السفينة الطائرة هنا بسبب سحيرة وبك. ولا يريدون صلة بالأمر".

"عذراً يا صديقي"، شارك نيكو في الحديث.

"الألفا الكبار يخافون مانا سحيرة، والزوفي الوحيدون الذين قد يقبلون الصفقة هم من تحت إمرتي ويثقون بقيادتي".

تنهدت. ثم تفقدتهما معاً، ملاحظاً الإكسسوارات التي تغطي أجسادهما. بدايةً، كانت ليلي تضع أقراطاً فضية الآن، وقد اختفى زيها المدرسي ليحل محله قميص وتنورة من أعمق الأقمشة نعومة رأيتها قط على نافار. كما لم أستطع إلا ألا ألاحظ قلادة غريبة تتدلى من عنقها. كانت مصنوعة من عظم مصقول، وليست شيئاً أظن أن دريارياً قد يرتديه. أكان ذلك شيئاً اشتراه لها نيكو هدية؟

"وماذا عنك يا زيرا؟"

سلّطت سؤالي.

"ألدى إفصتنا ذات البيضة الذهبية أخبار سارة؟"

اتسعت عيناها قليلاً بينما انخفضت أذناها، دلالة على أنها ما زالت خجولة بعض الشيء حتى بين الأصدقاء.

"الأمر كما قالت ليلي تماماً، الدرياري يظنونك مجنوناً".

تنهدت ثانيةً، ظاناً أنها أقرت بفشلها للتو، شأنها شأن الجميع. مع ذلك، استمرت زيرا.

"لكن بعض موظفي غراي مستعدون لترك وظائفهم في المدرسة والعمل معنا في بيع نسخ النظام بالمدينة"، نطقت بتلك الكلمات بصوت خفيض.

"إنهم باهظون، لكني أظن أنك تطيق تكلفتهم، وبالتأكيد سيستشيط المدير زوريك غضباً لفقدان موظفيه لصالحك".

هكذا إذن. بدأنا نتحدث بجد. لكن للأسف، إن كانوا قد تحدثوا مسبقاً عن العمل ممثلي مبيعات في المدينة، فهذا يعني أنني لا أستطيع استخدامهم جنوداً في خطة إلغاء التبني القادمة. وصدقني، سأحتاج هذه المرة إلى أيدٍ أكثر بكثير من فريق المبيعات الأصلي للقبض على كل من المدير الحقير واللورد كروساك في اليوم نفسه. ولهذا السبب، سأقضي الليل في ابتكار بضع تعويذات خبيثة لتسليح جيش خاص، غير أن المشكلة ظلت قائمة في تردد زملائي طلاب ريفتستورم في خوض هذه المغامرة، مهماً بلغ عدد الرصيدات التي عرضتها عليهم.

"إن لم يكن لأحد في المدرسة الشجاعة لمخالطتنا لمجرد السفينة الطائرة قرب برج الساحر الأعظم، فلا بأس"، قلت.

"أنا متأكد من أن فيرنيك يستطيع توظيف ماشئت من الأيدي إن سألته بلطف".

مع ذلك، أردت منح الأمر فرصة أخرى نظراً لأن رحلة أخرى إلى المدينة لم تكن مثالية لجدولي المزدحم. ولكن كيف لي أن أقنع حفنة طلاب بمواجهة قدر كبير من المخاطر لأجل غريب مثلي إن لم يكن عرض الرصيدات وحده مجدياً؟ لعل ما يحتاجونه هو ومضة صغيرة مما يمكنهم الحصول عليه لإيقاظ طمعهم وإقناع الأكثر جرأة بينهم بالانضمام إلى جيشنا الخاص الصغير. إذ إن مجرد عرض كمية مجردة من الرصيدات لم يكن البتة كالتعريف بما يمكنهم نيله بها.

"بكم كُلِّفتم بالقلائد الذهبية حول أعناقكم؟"

سألت الشقيقين، بينما ومضت فكرة ماكرة فجأة في ذهني.

"خمسة آلاف رصيد"، أجابا بصوت واحد.

لم يكن ذلك مبلغاً هيّناً لحفنة طلاب كانوا يعيشون قبل قليل بمصروف قدره مائة رصيد. حدق نيكو وزيرا وليلي في الشقيقين، بين محاكمتهم على مشترياتهم التافهة تلك، وحسدهم جزئياً على قلائدهم الذهبية.

"وماذا عن الإكسسوارات التي ترتدينها يا ليلي؟"

أصابها الذعر من السؤال.

"أنا؟"

تفقدت كلاً منا بنظراتها، وعندها فقط تنهدت وأفصحت أخيراً عن السعر.

"سعر الأقراص والملابس مجتمعة بلغ خمسة عشر ألف رصيد".

اختلست نظرة إلى نيكو، وأردفت: "القلادة كانت هدية. لم أستسعرها".

وحان دورها لتُحاكَم، حتى إن الشقيقين رمقاها مطولاً، ناقدين طريقة إنفاقها لرصيدها مكتسب الجهد. بنظرة نحو صديقي المكسو بالفراء، قررت تخطيه وإعفاءه من الحرج العلوي، عالماً أن الشيء الوحيد الذي أنفق رصيده عليه كان قلادة العظم التي ترتديها ليلي.

"وأنت يا زيرا، كيف أنفقتِ حصتك من عمولة المبيعات؟"

بغض النظر عن فكرتي المرتجلة لاستعراض ثرواتهم بغية إقناع باقي الطلاب بالعمل لصالحي، كنت فضولياً. ما صنعته زيرا بحصتها من عمولة المبيعات الضخمة كان سؤالاً مثيراً للاهتمام بحق. لا سيما أن تلك الفتاة حصدت لنفسها ما يقارب سبعين ألف رصيد، نائلة رصيدات تفوق حتى ما ناله نيكو الذي كان الزوفي الوحيد في مجموعتنا ولم يضطر للمنافسة على المبيعات مع أحد.

"آآه..."

ترددت قليلاً. حاولت إيجاد أثر في ملابسها، فلم أجد شيئاً. إفصتنا ذات البيضة الذهبية لم تكن ترتدي سلاسل، ولا ثياباً باهظة، وحتى وجبتها النباتية بدت بلا ميزة مقارنة بما اعتادت تناوله سابقاً.

"أنا..."

باحتيارها أخيراً، "استثمرت كل شيء في مشروع بالمدينة! أنا مالكة متجر الآن!"

وباتت الآن محور الطاولة بلا منازع، فحدق الجميع فيها بأعين واسعة.

"مالكة متجر؟"

سألت.

"ماذا ستبيعين؟"

أكانت تخطط لتصير منافستي أم ماذا؟ سقطت أذناها أكثر، ومسمار نظرتها مغروز في قدميها.

"ظننت أنني أستطيع بيع مزيد من نسخ نظامك إن حزت مكاناً خاصاً بي في المدينة. هناك بائعون من غراي يرتحلون من مدينة لأخرى، والطلب على الترجمة يكاد لا ينتهي... أعلم كان يجدر بي سؤالك وسحيرة أولاً... لكنكما غارقان في مشاكلكما حتى أذنيكما فقررت الانتظار قليلاً قبل إخبامرك".

استراتيجية العمل تلك... لم تكن سوى عبقرية خالصة. بيضة ذهبية فعلاً، سيكون ذلك لقبها الأبدي، وربما لقباً شرفياً في النظام حكراً عليها وحدها. نهضت فجأة من مقعدي، ووضعت يداً رفيقة فوق كتفها لتهدئة قلقها.

"حين نُحل أنا وسحيرة مشاكلنا الراهنة"، قلت، "أعدك بأنك ستملكين من نسخ النظام ما يفوق وقتك لبيعه في متجرك الجديد".

كان الجميع يحدقون إليها الآن، نادمين جلياً على تبذيرهم لحصصهم الخاصة من العمولة بسفه مقارنة بزيرا.

"أما البقية منكم"، قلت، "فستكونون عوناً أنتم أيضاً، لذا رجاءً قفوا، ودعوني أستعرض ثروتكم قليلاً لمصلحتي الخاصة".

لم يعلموا تحديداً ما أنوي فعله، لكنهم اتبعوا طريقي معتادين بالفعل طلباتي غير المألوفة المخزية التي غالباً ما تطلع بغتة وتجلب لهم الكثير من المشاكل. وإذ وقفوا جميعاً جنباً إلى جنب، تناولت صينية طعامي، وامتطيت الطاولة بالطريقة ذاتها التي فعلتها قبل أشهر بضعة. بدأت أضرب بالصينية، مجبراً كل من في ردهة الطعام على التحديق بي.

"بماذا يفكر البشري؟ لكنتُ خائفاً من استرعاء الانتباه لو كنت مكانه"، علق درياري.

كما أدلى الزوفي والغرنار بتعليقاتهما، محذرين إياي في الغالب من أن المدير الحقير قد يعتقلني نهائياً إن واصلت إثارة الشغب. تجاهلت الأصوات بأسرها. وحين سكتوا أخيراً، انطلقت خطبتي التسويقية.

"اسمعوا"، قلت، "أعلم أنكم جميعاً تخافون العمل معي لاحتمال جرّي إياكم إلى مشاكل جمة، لكنني أقسم، المشاكل تستحق".

أشرت إلى كيب وكاب الواقفيْن تحتي.

"الشقيقان الغرناران"، قلت، "بدأا ببيع كرات كشف الميميك مقابل م250 رصيداً، لكن انظروا إليهما الآن. يرتدي كل منهما سلسلة ذهبية بخمسة آلاف رصيد، وتلك مجرد بداية".

ابتسمت للحشد.

"وليلي"، قلت، "انضمت إلينا لاحقاً، وباتت ملابسها الآن تساوي أكثر من مجموع مصروفاتكم جميعاً. ألا يشعركم ذلك بأنكم تفوتون الفرصة؟"

دارت محادثات عدة في ردهة الطعام بالتزامن، لكني واصلت.

"زيرا هناك"، قلت، مشيراً إلى إفصتنا ذات البيضة الذهبية.

"إنها اليوم مالكة متجر فخورة، بمتجرها الخاص جداً في المدينة، ويمكنها ترك هذه المدرسة اليوم إن أرادت".

وهنا رأيت الذعر يجتاح الحشد حقاً. لم أهدر الزخم، وأعلنت مقترحي أخيراً.

"سيكون الأمر محفوفاً بالمخاطر. لدي بعض الأعداء الأقوياء. وأدرك أن دورك الأول في شركتنا سيكون جحيماً، لا منصب ممثل المبيعات الذي ترغبونه".

مددت ذراعي.

"لكن إن وافقتم على العمل معي خلال الأوقات العصيبة في دور عسير، فكلمتي لك هي أنك ستنال أجراً عادلاً، وسأعبد لك طريقاً نحو العظمة في الأعوام المقبلة".

ابتسمت وأنهيت خطبة توظيفي.

"إن أردتم الانضمام إلينا، فتحدثوا فحسب إلى أحد ممثلي المبيعات".

حين نزلت عن الطاولة، أمكنني رؤية جذوة الطموح تتقد في وجوه عدة. بعضها حرشفي. وبعضها مكسو بالفراء. وكثير منها بذوات رؤوس مدببة. وحين أفصح بعضهم عن اهتمامهم، لم أشك لحظة في قبولهم لشروطي، ليصبحوا جنودي الخاصين للمعركة المرتقبة. والأكثر إثارة للدهشة كان فريق المبيعات أنفسهم، فجميعهم حدقوا بي بأعين دافئة. أجل، لقد احترموني يقيناً عند هذه النقطة، وكنت واثقاً تماماً من أنني إن طلبت منهم خوض حرب نيابة عني، فقد يوافقون عليها فعلاً.

كان ذلك إدراكاً مرعباً. جعلني أشعر بالمسؤولية تجاههم، ثقل ما يضغط على كتفي وصوت يهمس في رأسي بضرورة توخي الحذر الشديد في خطواتي التالية. رغم ذلك، كنت واثقاً. وحين اقتحم المدير الحقير ردهة الطعام فجأة، التقت عيناي بعينيه عبر الغرفة فوراً.

"أي نوع من الشغب المجنون تثيره في مدرستي هذه المرة أيها البشري؟"

سأل.

"مدرستك؟"

استدرت، ملوحاً لفريق المبيعات بأكمله باتباعي وأنا أغادر، متجنباً الصدام لوقت لاحق.

"أتدرك ذلك يقيناً حقاً؟"

غادرنا مرماه فوراً. ومع حل مشكلة الجيش الخاص جزئياً، حان الوقت لأبتكر التعويذات الخبيثة التي سيحملونها، ومتتالية الرونيّات الأخبث المرصدة للورد كروساك والمدير الحقير. مع أن نسختي، بالطبع، لن تكون لها صلة بالاستعباد. في الوقت الراهن، كل ما أمله هو أن يستهين بنا اللورد كروساك قليلاً فحسب، بالقدر الكافي لتفوته حقيقة أنني لا أنوي العودة بردّ على عرضه، بل أستعد للحرب بدلاً من ذلك.