مرّت ثلاثة أيّام وأنا أتجنّب بنجاح لقاء اللورد كروساك. كان هذا أشبه بمعجزة. ولم يكن ممكناً إلا بفضل تعويذة الوهم في حلقة القمار السابقة التي تحولّت الآن إلى خط إنتاج. وكان لافتاً أيضاً إنجاز نحو ألفي نسخة من النظام بنجاح، رغم بعض العقبات. وأزعجني أكثر من غيره افتقار متجر المدرسة إلى ما يكفي من الحبر والورق عالي الجودة، مما اضطر نيكو والأخوين إلى زيارة المدينة لجلب إمدادات إضافية.
لكن بعد حلّ كلّ مشكلات الإنتاج تلك، كنت على وشك مواجهة التحدّي الأكبر على الإطلاق. كيف أبيع آلاف النسخ من النظام في يوم واحد.
"هل أنت متأكد من أن هذه فكرة سديدة يا إريك؟"
وقف نيكو إلى جانبي أمام باب قصر العمدة فيرنيك. وكان بقية فريق المبيعات هنا أيضاً، رغم أنهم لم يتبعونا عبر بوابة القصر، خوفاً من أن يصادر الحرّاس كلّ نسخ النظام التي يحملونها في حقائب الانظار. حسنًا، كان من يقوم بالجهد الأكبر هما الأخوين، إذ كانت حقائب ظهريهما أكبر من جسميهما تقريبًا. لكن الآخرين كانوا هناك أيضًا، وتسلّل الجميع ما عدا ساحرة من المدرسة لمساعدتي في هذه المهمة.
"بالتأكيد طلب المساعدة من العمدة فكرة سديدة"
قلت.
"ربما أُكره على إخبار عائلة كروساك بمكان إقامتنا أنا وساحرة، لكن إن كان شخصاً صالحاً حقاً، فلاشك أنه يشعر بالأسف حيال ذلك وسيساعدنا الآن ليعوّض ما حدث".
ومع أن إلقاء اللوم على فيرنيك عن الحادثة في النزل كان أمراً مغرياً، إلا أن الحقيقة هي أن عائلة كروساك انتزعت تلك المعلومات منه قسراً. وحتى لو كان اعتذار صادقاً كل ما أحتاجه لأصفح عن الرجل، لكنت ممتناً حقاً إن ساعدنا هذه المرة. فضلاً عن دفع ثمن مئات كرات كشف المحاكين التي سلمناها أنا وساحرة في المرة الأخيرة بالطبع. لأننا أنجزنا جزءنا من الاتفاق بالفعل، ومع ذلك لم نتلقّ أي ميزة من أدوارنا بوصفنا ضباط مدينة.
مع وضع كلّ ذلك في الاعتبار، طرقت باب القصر، مراقباً توتّر نيكو ونحن ننتظر من يجيب. لدهشتنا، حين انفتح الباب، لم يكن حارساً ولا موظّفاً من استقبلنا، بل فيرنيك نفسه.
"إريك"
قال، بصوت نحيل وواهٍ. لم يكن الجزء الأكثر غرابة هو الصوت الضعيف، بل ما حلّ بوجهه. بادئ ذي بدء، كانت شفتاه منتفختين. وكان لافتاً أنه منحنا ابتسامة محرجة، ممّا سمح لنا بملاحظة غياب بعض أسنانه. ولم يكن ذلك كلّ شيء. رغم منع بشرته الرمادية إيانا من رؤية الجروح بالطريقة التي نراها على البشر، إلا أنني لاظلتُ ألاحظ كدامات حول مقلتيه، ممتدة حتى بياض عينيه بلون أحمر.
"آه..."
عانيت في البداية للعثور على الكلمات المناسبة لبدء هذه المحادثة.
لكني استسلمت تالياً وقلت أول ما خطر ببالي: "لقد أوسعوك ضرباً حقاً أليس كذلك؟"
حدق بي نيكو كأنني جُننت، لكن العمدة اكتفى بالضحك.
"الأسوأ هو الإهانة"
قال.
"عرضت عائلة كروساك ضعف الأجر على جميع موظّفي، والآن لا أملك حتّى حرّاساً لحماية عائلتي".
أيعقل أن كلّ ذلك حدث لأن العمدة حاول مقاومة الوشاية ومشاركة موقع ساحرة؟ حسنًا، قد يكون الأمر انتقاماً أيضاً. لقد فقد اللورد كروساك ابناً في هذه المدينة على يد ملكة المحاكين، وربما تزامن الانتقام من العمدة مع هدفهم في القبض على ساحرة.
"أيكون العثور على بدلاء أمراً شديد الصعوبة؟"
سألت ذلك بينما كنت أفكر مسبقاً فيما قد أفعله بكلّ الأرصدة التي ستجنيها شركتنا، مفكّراً في كلّ الاحتمالات التي ستُفتح بمجرد أن نوسّع نطاق وصولنا ليشمل المدينة بأسرها لا المدرسة وحدها. هزّ رأسه.
"بهذا الشكل؟"
أشار إلى وجهه.
"لن يعمل أيّ رماديّ ذي سمعة في هذه المدينة لصالح عمدة استعدى عائلة كروساك. ليس قبل أن يغادر اللورد كروساك الإقليم على الأقل".
"وماذا عن الزوفي والأنواع الأخرى؟"
وضعت يدي على كتف نيكو لأستخدمه مثالاً حيّاً.
"يبقي الغرانار أنفسهم في منطقتهم الخاصة. ولا يصغي الزوفي إلا لقادتهم".
تنهّد فيرنيك.
"والدرياري؟ بعضهم جيل رابع وُلد في هذا العالم وما زالوا لا يتقنون لغتنا من شدّة التعجرف".
انتظر لحظة... أتعمل النجوم لصالحي اليوم إلى هذا الحدّ الساخر؟ جئت إلى هنا لأطلب من العمدة مساعدة لبيع نظامي، لكن ماذا لو صورت الأمر على أنني أنا من يقدم المساعدة بدلاً من طلبها؟ قبل أن أدرك، كان فمي يتحرك بالفعل.
"هذا سيّء للغاية، أليس كذلك؟ لكن ماذا لو أخبرتك أن اليوم هو يوم سعدك يا عمدة؟"
حدقت بي عينا رجل لا يشعر بأن اليوم يوم سعده وهو يعقد ذراعيه، مدركاً بالفعل أنه سيكون ضحية لعرضي البيعي. مع ذلك، لم أتراجع.
"يا شباب"
صرخت، "تعالوا إلى هنا من فضلك. العمدة رجل طيب، أعدكم أنه لا يعض".
كانت تلك الكلمات موجهة إلى بقية فريق المبيعات، زيرا، ليلي، كيب، وكاب. وتمنيت لو استطاعوا سماعي عبر المسافة الفاصلة بين باب القصر وبوابة العقار. بشكل مذهل، وقبل أن يسأل العمدة عمن كنت أنادي، ظهر كيب وكاب من البوابة مع حقيبتي ظهريهما الهائلتين. وجاءت زيرا وليلي بعدهما مباشرة، بحقيبتي ظهر أصغر وأذنين مدببتين منخفضتين بينما كانتا تتفقدان حديقة العمدة الكبيرة. ابتسمت وهما يقتربان منّا.
وقبل أن يتمكن الأخوان من أداء انحناءة الاحترام المعتادة، كنت أتحرك بالفعل نحو حقيبتيهما، فاتحاً كلتيهما. أخلت يدي داخلهما، واستخرجت واحدة من آلاف الكرات التي صنعناها في الأيام السابقة.
"هذه"
قلت، "منتج ثوري سيغير مدينتك نحو الأفضل إلى الأبد".
مع ابتسامة عريضة، جعلته يتأمل العدد الساخر من الكرات الورقية داخل حقيبة الظهر.
"تقدّم ترجمة سلسة. وتتتبع تقدمك في التأمل والتدريب البدني. وصدقني، إنها الأداة التي ستساعدك على بناء جسور بين الأنواع وحلّ الكثير من المشكلات التي تعاني منها حالياً".
وكأنني أثبت نقطة ما، أحطت بذراعيّ حول كيب وزيرا، محتضناً إياهما بطريقة بدت غريبة بعض الشيء. مع ذلك، بذلا قصارى جهدهما لأداء دوريهما وعدم إفساد عرضي البيعي.
عندما أطلقتهما، قلت: "ما رأيك يا عمدة؟ هل أنت مهتم بأن تكون جزءاً من هذه الثورة التي أوشك على إطلاقها في مدينتك؟"
كنت بلا حياء تماماً، كنت أعلم ذلك. كنا أنا وساحرة أكثر من يحتاج إلى المساعدة، وها أنا ذا، أصوّر الأمر برمته وكأنها فرصة لا تتاح إلا مرة واحدة في العمر بالنسبة للعمدة. مع ذلك، لم أشعر بالسوء. لم أكن أكذب. وفقط لأنني احتجت حقاً إلى الثراء في مدى زمني قصير نسبياً، لم يَعْنِ ذلك أنني لم أؤمن بعرضي البيعي وبمنتجي. تأمّلنا فيرنيك برهة.
"متى أصلحت الانزعاج الناجم عن تعويذة الترجمة؟ والزوفي، والغرانار، والدرياري يعملون معاً بتناغم؟"
قال، مشيراً إلى نيكو والآخرين.
"كلّكم بقيادة طالبين في السنة الأولى من نوعين ناديرين".
ضحك.
"يمكنني القول الآن إنني رأيت كلّ شيء".
"ما زال لدينا متسع لرماديّ"
قلت.
"ولكلّ منا الكثير ليجنيه من هذا. أيمكنك مساعدتنا في بيع كلّ هذه الكرات اليوم يا عمدة؟"
اتسعت عيناه. فتح فمه، لكنه توقف في منتصف الطريق. أعقب ذلك لحظة صمت قصيرة.
قبل أن أتمكن مما كان يجري، قال: "لماذا تعرض عليّ هذا بعد أن خذلت ساحرة وإياك حين احتجتم إليّ أكثر من أيّ وقت مضى؟"
"لقد هددوا عائلتك. لم يكن لديك خيار، أليس كذلك؟"
مددت يدي.
"لكن لا يزال بإمكانك مساعدتنا في هذا، وسأتعامل أنا مع عائلة كروساك بنفسي لاحقاً، أعدك بذلك".
بعيون بكل الألوان تراقبنا، خطا العمدة خطوة إلى الأمام. رفع يده ببطء، وحين صافحني، بدا الأمر وكأنّه يعنيه حقاً.
"سأبذل قصارى جهدي لمساعدتك يا إريك نيفرمور"
قال.
"من أجل مصلحتك، ومن أجل مصلحتي. آمل فقط ألا تنتهي هذه الصفقة باضطراري للفرار من مدينتي".
* * *
أوفى فيرنيك بوعده، فأخذنا إلى مستودع كبير في سيارة طائرة، مقوداً إياها بنفسه نظراً لأن عائلة كروساك استأجرت حتى سائقه. طلب منّا تنظيف المكان، وجعله لائقا لبعض الشخصيات المهمة التي سيحضّرها، وتركنا هناك دون تقديم الكثير من الشرح. ساعد الطاقم بأكمله، واستفدت حتى أنا من قوتي وبنيتي المحسّنتين لنقل بعض الطاولات والكراسي الثقيلة، لكي يبدو هذا المكان شبيهاً بعمليات بيع لشركة جادة نوعاً ما.
في النهاية، جمعنا طاولة لكلّ نوع، ملئين إياها بنسب النظام بينما انتظرنا عودة فيرنيك بالعملاء المحتملين. استفدت من وقت الفراغ لأصعد إلى الطابق الثاني، حيث استخرجت قنينة من حبر ناقل للمانا من جبي, وبدأت في رسم نسخة من تعويذة الاتصال بعيد المدى. كان الشخص الذي أودّ التواصل معه واضحاً، وكنت قد تركت نسخة توأمية لهذه التعويذة في البرج قبل أن نغادر المدرسة في هذه الرحلة البيعية إلى المدينة.
مع ذلك، لم أفعلها فوراً. انتظرت حتى عاد فيرنيك، وراقبْت مجموعة من الناس من الأنواع الثلاثة المألوفة تتبع العمدة إلى المستودع. كان معظمهم عجائز، وبدا عدد لا بأس به منهم مرتدياً ملابس باهظة الثمن. بدت مجموعة الدرياري بوجه خاص أثرياء جميعا، لدرجة أنهم بدوا منزعجين من حقيقة أن هذا المستودع لم يلبّ معاييرهم الرفيعة.
"أعلم أنكم لست مغرمين باجتماعات المقاطعة، ناهيك عن حدوثها بمثل هذا الإشعار القصير"
قال فيرنيك.
"لكن خذوا حريتكم في تجاهلي والتحدث فقط مع هذين العضوين من نوعكم الخاص، فسيعرّفانكم بحلّنا الجديد حتى لا يضطر شعبكم للشكوى بعد الآن من نسيان أطفالكم للغتكم الخاصة".
لدهشتي، كان العمدة ماهراً جداً في التعامل مع المجموعات المختلفة، مستفيداً تماماً من حقيقة أن لدينا فريقاً كاملاً من ممثلي المبيعات من كلّ نوع. ومن خلال مراقبة ذلك، استنتجت أن هؤلاء الأشخاص الذين أحضرهم إلى هنا كانو قادة مجتمعات لشعوبهم. ألفا الزوفي، وشيوخ الغرانار، وقادة الدرياري المنتخبون. وحين ابتسم الحظّ لنا عبر زيرا، التي أنهت بيع ستمائة وحدة في غضون دقائق، فعّلت أخيراً تعويذة الاتصال وناديت ساحرة من مكان وقوفي في الطابق الثاني.
لم يحدث شيء في البداية، إذ توهّج الدائرة السحرية لدرجة جعلتني أتساءل عما إذا كان الشيء يعمل بالفعل. لكنني سمعت عندها صوت ساحرة في عقري عقلي عبر التعويذة، وقد تُرجم بالفعل عبر وحدة مخصصة.
"إريك؟"
قالت.
"أَتستخدم فتاة هذه التعويذة بالطريقة الصحيحة؟"
تجاهلت سؤالها.
"حزّر ماذا حدث للتو؟"
سألت بمشاكسة.
"هل قمت ببيعتك الأولى؟"
عبست. لم أقم بالبيع مباشرة، ولكن كيف بحق الجحيم خمنت ذلك بهذه الدقة؟
"إلفتنا الذهبية فعلت سحرها مجدداً"
قلت.
"ستمائة كرة مباعة، خمسمائة رصيد لكل منها".
نعم، ثلاثمائة ألف رصيد في بيعة واحدة، وكنت قد تعمدت عدم إخبار ساحرة بالرقم لكي تضطر إلى إجراء الحسابات بنفسها. حلّ الصمت على مكالمتنا بعيدة المدى. ومع ذلك لم يزعجني ذلك بأقل قدر. راقبْت نيكو يضع يده على كتف أحد ألفا الزوفي ثم ينظر إليّ مبتسماً بإبهام مرفوعة. وكان كيب وكاب يعرضان النظام أيضاً على أصدقائهما ذوي الحراشف، وكنت أعلم أنها مسألة وقت فقط قبل أن يتما بيعة.
أجابت ساحرة أخيراً: "ثلاثمائة ألف رصيد؟ أعدت فتاة الحساب صحيحاً؟"
"نعم"
قلت.
"عشرة بالمئة منها عمولة مبيعات. لكن نيكو أنهى بيعة أخرى بينما كنت تجرين الحسابات، وهناك مجموعة كاملة أخرى الآن".
حلّ الصمت على مكالمتنا بعيدة المدى مرة أخرى. وحين كسرت الصمت، محت سعادتي بعبارة واحدة.
"أتمنى لو كنت هناك لأرى ذلك".
لم أردّ فوراً هذه المرة. نعم، بقدر ما كان الوقوع في شرك ذلك البرج لفترة هو الشرّ الأهون، إلا أن ساحرة ظلت تقنياً سجينة طالما أصر اللورد كروساك على تبنّيها. والأسوأ هو أنني لم أتمكن من معرفة مدى تصميم عائلته فعلاً على الحصول على ساحرة خلال الأيام الثلاثة الماضية، رغم أن حقيقة عدم مغادرة اللورد كروساك للمدرسة في تلك الأيام الثلاثة كانت دليلاً جباراً. وبتجنّبي المتعمّد لهذا اللقاء، ربما عقدت وضعي الشخصي بخصوص الجندي الذي فقد حياته بسبب تعويذتي أيضاً.
مع ذلك، لن استسلم.
"سأعود إلى المدرسة رجلاً ثرياً الليلة"
قلت.
"فقط اصبري قليلاً وستكون الأمور على ما يرام".
ما لم أقوله هو أنني لم أكن متأكداً مما إذا كنت سأنجح في شراء حريتنا. وبينما كنت أراقب فريق المبيعات وهو يعمل، لم استطع إلا التفكير في مدى قطعنا للمسافة منذ أن انفجرت تلك الكرة الأولى اللحظة التي لمستها فيها ساحرة. مهما حدث تالياً، فقد قطعنا هذا القدر معاً، وكنت أعلم أننا سنكتشف شيئاً ما.