بذلنا قسماً كبيراً من الجهد لنصل إلى المدرسة مبكرين. لكن الليل كان قد أقبل حين ألقت بنا عربة النقل المستأجرة قرب المدخل. تجاهلنا فشل سحر إخفاء الحضور السابق، واتّكلنا عليه كلياً ونحن نسرع نحو برج إيليثا. بقينا نراقب محيطنا بحذر لنضمن عدم وجود المزيد من أولئك الأشخاص المدرعين بانتظارنا لنصب الكمائن.
"أتظنّها ستسمح لي بالدخول؟"
لم تكن ساهرة قد دخلت برج إيليثا من قبل. فكرت قليلاً في سؤالها قبل أن أمدّ يدي نحو مقبض الباب.
"إن دخلت ولم تنقلك هي إلى الخارج فوراً، فهذا يعني أنك نلتِ إذنها. صدقيني، هي تعلم بوجودنا هنا بالفعل."
فتحت الباب بلا تكلّف. أمسكت بيد ساهرة وقُدتها إلى الداخل. تبادلنا نظرة قلق حين لاحظنا المانا المحيطة تتجه نحونا. لكنّ مدّ المانا مرّ عبر جسدينا على غير توقع، وأغلق الباب خلفنا ببساطة.
"لماذا أحضرت ضيفة إلى برجي، خروفي الصغير؟"
جاء صوت إيليثا من كل مكان. لم يشي نبرتها العادية بشيء سوى أنها على الأرجح تعلم سبب إحضاري لساهرة إلى هنا.
"وقّع زوريك أوراق تبنّي ساهرة. صارت الآن مسؤولية عائلة كروساك قانوناً."
بلعت ريقي.
"وحين أتى جنودهم لأخذها، قتلت قائدهم في وسط الشارع."
انبعثت ضحكات من كل مكان، وتردّدت أصداؤها بين الجدران بطريقة جعلت الكاحنة تبدو كأنها تقف أمامنا مباشرة. خطت ساهرة خطوة إلى الأمام، وشبكت ذراعينا بإحكام. جعلني هذا أدرك أنها خائفة على الأرجح بالطريقة نفسها التي شعرت بها أنا حين زرت برج إيليثا للمرة الأولى.
"لنتحدث في مكان آخر."
التوى الفضاء من حولنا فجأة، واجتاحنا شعور مزعج بالتنقل عبر الفضاء معاً. قبل أن تعتاد عيناي على البيئة الجديدة، شعرت بنسمة باردة. أدركت ساهرة مكان وجودنا أسرع مني.
"هذه المدرسة..."
قالت.
"نحن فوق البرج."
تعرّفت إلى المكتبة، وأدركت أن هذا ليس الطابق الأخير للبرج بل السطح نفسه. وكانت إيليثا هيرثسترونغ هنا أيضاً. كانت تقف بخطورة قريبة من حافة البرج وتعطيني ظهرها. أمسكت بعصابتها بين أصابعها، وكان الغرض يرفرف مع الريح بينما بقيت ععيناها المفقوءتان مخفيتين عن أنظارنا.
"كيف هي ذكرياتك، خروفي الصغير؟"
قالت.
"ألم تكن المرحلة الثالثة كافية لملء الفجوات في معرفتك؟"
"ليس كلها. لكني أتذكر ما يكفي الآن على الأرجح لمساعدتك في إنشاء سحر كشف ضوء بدقة تنافس بصرك المفقود."
لم أكن قد قررت بعد كيف أطرح موضوع طلب المساعدة من إيليثا، لكن قبل أن أدرك، فعلها شخص آخر نيابة عني.
"أهذا يعني أن إريك ثمين بما يكفي لديك لكي لا تدعي السجن يطاله بتهمة القتل؟"
"منع تبنّي ساهرة يجب أن يكون أولويتنا الأولى إن كنت تستطيعين مساعدتي."
استدارت إيليثا وابتسامة تغطي وجهها. شهقت ساهرة مذهولة لرؤية وجه إيليثا للمرة الأولى. لم أستطع إلا أن ألاحظ أن الكاحنة كانت تفعل هذا عن قصد؛ إما لتتأكد من أنني حفظت أسرارها عن ساهرة، أو لمجرد أنها قررت مشاركتها بنفسك.
"الحب جميل،"
قالت إيليثا.
"إنه لأمر مؤسف أنه لا يكفي لإبقائك حياً طليقاً. تحتاج لأجل ذلك إلى القوة. ما يكفي منها ليفكر أعداؤك مرتين قبل استخدامك سلّماً لتحقيق مصالحهم الخاصة."
بعد كل ما مررنا به، لم أستطيع القول إن إيليثا كانت مخطئة في منطقها. لكن لماذا قالت ذلك؟ أكان هذا يعني أنها تنوي مساعدتنا أم لا؟ بدت ساهرة تفكر في الشيء نفسه.
"أتمتلكين ما يكفي من القوة لإبعاد إريك عن السجن؟"
التقطت عينا إيليثا المفقوءتان نظرات ساهرة. ابتسمت الكاحنة، وأجابت عن سؤال بسؤال.
"أترين أن القوة شيء أنقص منه؟"
حوّلت انتباهها إليّ.
"أما أنت، فينبغي لك أن تتعرف أكثر إلى الأشخاص الذين تقتلهم، يا خروفي الصغير."
قررت أخيراً ربط عصابتها خلف رأسها، وثبتتها بعقدة في الخلف.
"لقد قتلت نبيلًا من عائلة صغيرة. كان شخصاً استقدمه السيد كروساك حديثاً من الأكاديمية العسكرية. ذلك النوع من المعروف الذي يضمن ألا يواجه الشاب النبيل خطراً حقيقياً في حياته، وكل ذلك مقابل ولاء وخدمة مدى الحياة."
قبل أن أتمكن من التفكير في العواقب بنفسي، شرحت لي إيليثا حجم الورطة التي غرقت فيها.
"لقد خرقت ذلك العقد. خسرت عائلة كروساك مجرد زوج آخر من الأيادي، لكن عائلته ربما خسرت وريثها وراتباً مدى الحياة. ما الذي تحسبه سيحدث الآن؟"
أبقيت على أفضل تخمين لدي.
"ستأخذني عائلتي إلى المحكمة وتحاول حبسي في زنزانة بقية حياتي؟"
ضحكت إيليثا.
"سيكون الأمر كذلك في الظروف العادية،"
قالت وهي تبتسم.
"لكن ما الذي تعتقد أنه سيحدث حين تعلم عائلة كروساك أن كلاكما قد صار زوجاً مترابطاً، وأن سلاحها لن يبلغ طاقته القصوى أبداً بلا الإنسان الذي حبستموه في زنزانة؟"
تبادلنا أنا وساهرة النظرات، لندرك الآن فقط الهدف الخفي وراء تبنّيها. سلاح. رأت عائلة كروساك إمكانياتها وقررت أنها تريدها. مع ذلك، بقيت بضع أسئلة بلا جواب. أمن الممكن حقاً أن يُنقذني ارتباطي بساهرة من السجن؟ لكن حتى لو كان الأمر كذلك، أفلن تأتي تذكرة خروجي من السجن بثمن العبودية مدى الحياة؟ لن نكون أنا وساهرة المالكين الأحرار لشركة ستغير هذا العالم إلى الأبد بنظام، بل مجرد حيوانات أليفة نادرة لمجموعة من النبلاء...
لا. لم أستطيع تقبّل هذه النتيجة.
"ما الذي يتطلبه الحصول على مساعدتك لحل هذه المشكلة؟"
"حل هذه المشكلة؟"
أدارت إيليثا ظهرها إلينا مجددن، واقتربت من حافة السطح مرة أخرى.
"لن أقتل عائلة كروساك من أجلك، إن كان هذا ما تقترحه. كما أنني لا أملك النفوذ لأوقفهم. ماذا تتوقع مني أن أفعل؟"
شعر بارد تحرك داخلي. لكن قبل أن أتمكن من التفاوض، قدمت ساهرة عرضاً بنفسها.
"لا تستطيع الفتاة فعل الكثير الآن،"
قالت.
"لكن إن كان أولئك الناس يظنون أنني سأكون قوية بما يكفي لأُعتبر سلاحاً ذات يوم، فلا مانع لدي من أن أدين لك بمعروف إن ساعدتنا. أقسم أنني سأرده لك في المستقبل."
"أيتها الفتاة الحمقاء،"
قالت إيليثا.
"ليس هناك ما تستطيعين فعله في المستقبل ولا أستطيع فعله أنا بنفسي في الحاضر."
إذن... هذا كل ما في الأمر؟ لن تساعدنا إيليثا، وعلينا ترك هذه المدرسة والاختباء في مكان ما؟ لم يعجبني ذلك. في الواقع، كرهته حتى صميم عظامي.
"لا. ستساعديننا،"
قلت.
"خشيتك حين دخلت برجك للمرة الأولى، لكني عرفتك بصورة أفضل بكثير الآن."
ضربتني ساهرة بمرفقها محاولة تحذيري من صوتي العالي، لكني تجاهلتها.
"تستمتعين بحواراتنا، وتتعلمين الكثير في الواقع كلما تحدثنا، تماماً كما أتعلم منك."
أخذت نفساً عميقاً وسألت: "فلماذا لا تتخطين كل هذا الهراء وتخبرينني كيف أخرج نفسي من هذه الورطة؟"
فجأة، انبعث هالة حمراء خافتة من إيليثا، وسرعان ما ازدادت حدتها حتى فاقت أقصى طاقة أصدرتها ساهرة. ولم تتوقف عند ذلك، بل تجاوزت أي مقياس معقول.
"أتعلم أنني أستطيع قتلك بسهولة بسبب قلة الأدب، أليس كذلك، يا خروفي الصغير؟"
بدت ركبتاي وكأنهما ترغبان في الانثناء. حتى ساهرة كانت تعاني تحت الضغط الهائل. ومع ذلك، ابتسمت ببساطة.
"يمكنك قتلي،"
قلت.
"لكنك لن تفعلين. لأنه حتى بعد كل ما فعلوه بك، ما زلت تحبين تعلم أشياء جديدة، ولم تصبحي شريرة. لهذا أعتقد أنك أقوى شخص سأعرفه على الإطلاق، وأقول هذا بغض النظر عن مدى قوتك."
بعد لحظات من نطق تلك الكلمات، تلاشى ضغطها كأنه لم يكن قط. سيطر الصمت لفترة قصيرة. ثم تحدثت إيليثا.
"ستعيش الفتاة في برجي ضيفة. ستنظف. وستسقي النباتات. وستقرأ لي. وقد أعلمها بضع حيل كلما بدا لي ذلك."
سقط فك ساهرة، وبدت كل أسنانها الحادة ظاهرة دفعة واحدة.
"عائلة كروساك—"
"لن تجرؤ على أخذها،"
قالت إيليثا.
"وإن فعلت..."
لم تكمل جملتها قط، وأرسل الصمت الذي تلا ذلك قشعريرة في جسدي كله.
مع بقاء رأسها موجهاً نحو المدرسة رغم أنها بلا عيون ترى بها، أضافت إيليثا: "مع بقاء الفتاة خارج متناولهم، ستكون في وضع يسمح لك بالتفاوض. وكل ما تصنعه من ذلك هو مشكلتك وحدك."
ثم ذاب العالم من حولنا. بعد لحظات، وجدنا أنا وساهرة أنفسنا وحدنا في الطابق الأول من البرج، وكان الانتقال سلساً لدرجة يصعب استيعابها. حين تجاوزت الارتباك، حدقت ساهرة فيّ بلا تصديق، ونُقشت على وجهها تعابير شخص أدرك للتو أنه أصبح تلميذاً لكاحنة.
"تستطيع الفتاة سقي النباتات لفترة."
ابتسمت، ولم أقول شيئاً. فجأة، تردد صوت داخل رأسي. كان موجهاً لي، ولي وحدي لأسمعه.
"أنت تسئ فهم شيء ما بشأني، يا خروفي الصغير. السبب الوحيد لشعورك بأنني لست شريرة هو أنك أنت الفتاة لا تحملان قطرة واحدة من دم جراي الملكي تتدفق في عروقكما."
تعاملت مع ذلك التعليق كأنه شيء تخيلته، وأجبرت نفسي على تجاهل كل التبعات عدا واحدة. نعم، كانت هذه الكاحنة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
* * *
بقيت ساهرة في البرج حين شققت طريقي نحو المدرسة. لم أكن أعذب نفسي حتى باستخدام سحر إخفاء الحضور وأنا أمشي نحو مكتب المدير اللعين. حدق بي بعض المعلمين وحتى الموظفين بتعابير معقدة على وجوههم وأنا أتقدم، لكني تجاهلتهم وواصلت السير، مركزاً على هدفي. سفير عائلة كروساك. كان شخصاً يضغط باستمرار على زوريك بشأن مكان وجود ساهرة، وهو ساحر قوي حذرتني منه إيليثا. حين وصلت أمام مكتب المدير اللعين، طرقت الباب فوراً.
"ألم أخبرك بأن لدي ضيفاً مهماً ولا أستطيع التحدث الآن؟"
لم تكن لدي فكرة بمن ظنني زوريك، فمددت يدي نحو مقبض الباب وفتحته بنفسي. المنظر الذي استقبلني كان لزوريك جالساً على كرسيه، وأطول جراي رأيته على الإطلاق يقف أمامه. كان يرتدي معطفاً طويلاً، تزينه ثلاث شارات مميزة على عضديه.
"أنت..."
تلعثم زوريك حين رآني، ولم يعرف حتى كيف يتفاعل حين ظهر الشخص الذي كان يبحث عنه طويلاً من العدم. لم يقل السفير شيئاً، ورفع يداً نحوي، واستدعى دائرة سحرية معقدة. لكنه لم يفعل السحر.
"تتمتع ببعض الشجاعة لتظهر هنا بعد قتل أحد شركائنا."
"لقد كان حادثاً. لم أكن أعني قتله،"
قلت ببساطة.
"أين الفتاة؟ إن أخبرتني بمكانها، فقد أتمكن من منعك من قضاء ما تبقى من حياتك في زنزانة صغيرة."
قبل أن أرد، تفقدت زوريك. لقد تعافى بما يكفي من الارتباك الأولي ليبتسم في وجهي بتعبير شخص فاز بالفعل. ابتسمت له بالمقابل.
"ساهرة بأمان داخل برج الكاحنة،"
قلت، "لا تتردد في إرسال فريق إلى هناك للقبض عليها إن تجرأت على ذلك."
تبادل كل من زوريك والسفير نظرة ارتباك، ونهض المدير من كرسيه ليصوب إصبعاً نحوي.
"الإنسان يكذب،"
قال.
"لا تدخل الكاحنة أبداً في شؤون المدرسة، ولن تقف في طريق هذا التبنّي أبداً!"
"حسنناً، إن كنت لا تصدقني يمكنك الذهاب إلى هناك والتحقق بنفسك، لكن هذه ليست الميزة الوحيدة التي جئت أناقشها اليوم."
لم يتحدث أي منهما، بل حدا بي كما لو لم أكن بكامل قواي العقلية. أشرت إلى زوريك.
"خدع هذا الرجل عائلة كروساك."
قبل أن يقاطعني أي منهما، واصلت حديثي: "لذا لنكن واقعيين ونتخلى عن مصطلح التبنّي. أعلم أن زوريك باع ساهرة لعائلة كروساك. لكن ما غفل عن ذكره هو أننا لسنا أصلاً منفرداً، بل صفقة واحدة."
عبس السفير، وخفض قليلاً السحر الذي كان يهددني به.
واصلت، "نعم، لقد وصلنا إلى المرحلة الثالثة من الزراعة المزدوجة وارتبطنا ببعضنا الآن. ويمكنني إثبات ذلك إن اردت."
رفعت يدي، وتشكلت دائرة السحر الخاصة بسحر إحداث الألم فوقها. حامت نحو ثلاثين روناً مصنوعة من المانا الخقية في الهواء دون حتى استخدام مساعد الإلقاء. حين رأى السفير هذا، عرف فوراً أنني لم أكن أكذب. هز رأسه، وحدق في زوريك بتعبير يليق بشخص تعرض للنصب.
"كيف يكون ذلك خطئي؟ لم يكونا مرتبطان آخر مرة رأيتهما فيها!"
حاول زوريك الدفاع عن نفسه، لكن السفير واصل هز رأسه عدم إقرار.
"والآن،"
قلت، "إن رغبت عائلة كروساك في التفاوض بشأن هذا التبنّي المزدوج لساهرة ولي، فأخبرها أن عليها التفاوض معنا مباشرة من الآن فصاعداً. لأنه إن اعتقلتني، فلن تتطور أبداً إلى طاقتها القصوى. وكل ما أنفقته عائلتك بالفعل، الأوراق، والدفع لزوريك، والرجل الذي قتلته، سيكون بلا فائدة."
بالطبع، لم أكن أنوي التفاوض على أي شيء على الإطلاق، لكن التظاهر بأننا لم نكن معارضين تماماً وكسب الوقت كان في الواقع الاستراتيجية الأكثر حكمة. كل ما أحتجه فعله هو المماطلة قدر الإمكان وضمان ألا تصل هذه المفاوضات إلى نتيجة. أطلق السفير مانا وألغى سحره.
"لن أعتقلك اليوم، أيها الإنسان. سواء أسمينا الأمر فشل درع أم جريمة قتل فسيُبت في الأمر لاحقاً. سأعود قريباً، بمجرد أن أنقل الأخبار للسيد كروساك بأنك خدعتنا بربط نفسك بأصلنا."
تبادل السفير بضع كلمات إضافية مع زوريك، وغادر في منتصف تذمره بينما حاول المدير وفشل في إقناعه بأن الجزء الخاص به من الصفقة قد أُنجز وأن على عائلة كروساك دفع المبلغ المتفق عليه للمدرسة كاملاً. راقبت المشهد يتكشف بابتسامة، حتى بقي زوريك وأنا وحدنا في الغرفة.
"ببيعها، لعبت ورقتك الأخيرة، يا زوريك،"
قلت للمدير.
"لكن من الأفضل لك أن تحذر، لأنني لم أبدأ حتى في رد الجميل لك بعد."
غادرت بعد أن قلت تلك الكلمات، وأنا أعلم أن حريتي لا تزال معلقة بخيط رفيع، وأن إبقاء ساهرة داخل البرج كان حلاً مؤقتاً في أحسن الأحوال. ومع ذلك، لم أكن مهتماً كثيراً بعد الآن وأنا أعود إلى غرفتي، حيث كانت خطة لإخراجنا من هذه الورطة نهائياً تتبلور بالفعل في عقدي.