"ألا ترين أن عليك مشاهدة أولى معاركها بدل إضاعة وقتك في نسخ التعاويذ يا إيريك؟"
رفعت رأسي عن القطعة التي أعمل عليها فوقع بصري على ذات الأذنين المدببتين أمامي فوجدت زيرا تحدق بي وقد عقدت ذراعيها. كانت تفعل هذا لأن مجموعة الرماديين التي جلبتها للتو إلى صاعة المقامرة كانت منشغلة للغاية بخسارة أرصدتها لصالح آلة القمار خاصتي، وكان الخمسة يحتفلون ويلعنون في كل مرة يشدون فيها ذلك الذراع المصنوع من الوهم.
"أتقاتل ساهيرة الآن؟"
لقد فقدت حساب الوقت نوعاً ما. لم يكن في هذا المكان نوافذ أو أي شيء آخر يدل على الوقت، وكان ذلك متعمداً تماماً بما أن إبقاء المقامرين الرماديين هنا لأطول فترة ممكنة يعني أرباحاً أكثر لنا جميعاً.
قالت زيرا: "بالطبع تقاتل. ستواجه غرونار ضخماً من المدرسة الشرقية. لست تخطط لتفويت الأمر أليس كذلك؟"
التفت كيب وكاب اللذان جبلا بطبعيهما على الثبات لساعات طويلة دون تذمر نحو نا تذكرا نوعهما. وكأنهما أرادا هما الآخران ترك موقعيهما كحارسين ليروا كيف ستؤدي ساهيرة أمام أحد بني جنسهما. انتظرت زيرا ردي وحسب، وكان ذلك عرضاً غير مباشر لأخذ زمام إدارة هذا المكان نيابة عني بينما أذهب إلى الخارج لأقدم الدعم المعنوي لساهيرة.
"سترغب ساهيرة في أن أستمر في فعل ما أفعله."
كنا قد تناقشنا في هذا الأمر صباحاً وقررنا أنها تريد مني أن أرى معركتها فقط حين تصل إلى النهائيات حيث ستواجه المالتروني حتماً.
أصرت زيرا: "مهما قالت لك أؤكد لك بلا أدنى شك أنها ستسعد إن ذهبت وشاهدت معركتها. وستكون معركتك أنت التالية. لا تقل لي إنك تخطط لتفويت تلك أيضاً."
حسناً، بصفتي الجديدة كمسؤول في المدينة كان بإمكاني تفويتها تماماً دون خوف من العواقب. لكن هل كان هذا أفضل ما يمكنني فعله حقاً؟ حتى لو أصبح المدير الحقير عاجزاً الآن عن الانتقام منا بأي طريقة مجدية فلا يزال قادراً بالتأكيد على جعل حياتنا أكثر إزعاجاً. ثم لم أكن متأخراً عن جدول إنتاج الكرات. بختم القطع ربما يمكنني صنع أربعين كرة في اليوم وما زال أمامي ستة أيام حتى موعد التسليم المتفق عليه مع العمدة.
وحتى لو كنت أعمل على نماذج الترجمة الأولية لأختبرها مع ساهيرة في مكان ما خارج المدرسة في أسرع وقت ممكن كان بإمكانني وضع تلك الأشياء جانباً الآن لأتفقد مجريات البطولة. دفعت مقعدي إلى الوراء ونهضت.
قلت: "حسناً أظن أنك محقة. أنت مسؤولة عن هذا المكان ريثما أغيب."
ترددت: "أ-أنا؟ مسؤولة؟"
ابتسمت.
"ابقي تلك الإيوزة الذهبية التي أنت عليها وستكونين بخير."
قلت هذا كله بينما عبرت باب الوهم وشققت طريقسي نحو منطقة التدريب.
* * *
تجمع التجار والنبلاء والمعلمون من المدارس الأخرى حول حلبة القتال المؤقتة. وقف نيكو وليلي جنباً إلى جنب على الأرض قرب المدرجات حيث تحرك الضيوف الرماديون إلى مقاعدهم لمشاهدة المعركة الوشيكة. كان الثنائي مخفيين عملياً في زاوية مظلمة حيث ظنا على الأرجح أن الليل يكفل ألا يلاحظهما أحد.
"أه."
لم أستطع الصمت عندما اقتربت ملاحظاً محاولة نيكو التخفي وهو يمسك بيد ليلي. وبدت هي محرجة للغاية وهي تلفت يميناً ويساراً وكأنهما يرتكبان شيئاً أكثر فضيحة بكثير. اشتعلت نيران الانتقام في قلبي كما لم تفعل من قبل.
قلت: "نيكو يسعدني رؤيتك هنا! كيف حالك وحياة رفيقتك؟"
كان من الصعب للغاية الحفاظ على تعبير وجه محايد إذ انفصلت يداهما وكأنهما أصبحتا مشعتين فجأة. اتخذت ليلي موقفاً دفاعياً بسرعة بالغة.
قالت بغطرسة: "هذا الحيوان الغبي لا يعرف كيف يحترم الحدود! الزوفي كلهم هكذا، تمنحهم مساحة كبيرة وقبل أن تنتبه تجدهم يمسكون يدك وينامون في سريرك!"
لاحظت أسرع مني ومن نيكو مدى سوء اختيارها للمثال فاحمر وجنتاها ووقع نظرها على الأرض وكأنها أصبحت فجأة أمتع شيئ في العالم. حدق بي نيكو بارتباك وبناءً على الطريقة التي كان يحكي بها الفرو قرب خطمه بإصبع مخالب أدركت بيقين تام أنه بات يعلم كيف نشعر أنا وساهيرة في كل مرة ينعتنا فيها برفيقي حياة.
تغلب على ارتباكه أخيرأ وقال: "أهلاً يا صديقي. أنت ورفيق–"
توقف ثم أعخاب صياغة جملته.
"أنت وساهيرة ستتقاتلان تالياً. لقد وصلت في الوقت المناسب تماماً لتشاهد معركتها."
أضفت الملح على الجرح: "هل يمكنني المشاهدة من هنا أم أنني أقاطع شيئاً ما؟"
تدلت أذنا ليلي المدببتان إلى أسفل واحمر وجهها لدرجة شعرت معها بقليل من الذنب بسبب انتقامي الصغير. أما نيكو فقد تنفس الصعداء فحسب كأنه يعلم أنه يستحق كل لحظة ارتباك أسبغها عليه.
"بالطبع يمكنك المشاهدة من هنا يا إيريك."
أطلقت زفيراً مرحاً ومضيت متقدماً قليلاً عن الثنائي لئلا يزعجهما وجودي. من هذا الموقع الجديد استطعت رؤية لاهارا بجوار السلبة. كانت تعدل ثوب ساهيرة الأبيض الخفيف وهو لباس يذكرني بالكيمونو وله جيوب واسعة للتعاويذ. كذلك لم أستطع إغفال حقيقة أن هذه هي المرة الأولى التي أراها تجمع شعرها الأسود في كعكة تحضيراً على الأرجح التزم به كل المتنافسين ذوي الشعر الطويل. استغرق الأمر بعض الوقت لتلاحظني، ولكن تماماً كما توقعت زيرا غطت وجهها ابتسامة صغيرة مليئة بالأسنان لحظة رأتني وسط الحشد.
لوحت لها فاتسعت ابتسامتها وحدها. مع ذلك كانت اللحظة الدافئة قصيرة الأجل لأن المدير الحقير قفز إلى وسط حلبة القتال بتعويذة براقة ليصبح فوراً محط كل الانتباه.
مسح الحشد بعينيه قائلاً وهو يواجه الخيام المفتوحة الخاصة حيث يجلسا لأثرياء: "أيها الضيوف الأعزاء من شتى أنحاء القارة. ستشهدون الليلة أولى المعارك بين أبطال الأجناس النادرة وأفضل المحاربين الذين يمكن للأجناس العامة الثلاثة تقديمهم."
ساش ببطء نحو ركن حلبة القتال حيث وقع نظره على ساهيرة.
"واليوم ستلمحون أخيراً ما يمكن لأندرهم فعله في قتال حقيقي."
وجدني وسط الحشد بطريقة ما وعندما تقاطعت نظراتنا قال: "سأشارك بضع كلمات أخرى بعد معركتها. هذا كل شيء في الوقت الحالي."
تفاعل الحشد بالكاد مع كلماته معتبرين إياها مجرد إعلان عابر بين معركتين. لكني شعرت بشيء غريب في نبرته ووقفته وشككت في أن نظرته وحدها كانت تخفي أكثر مما تفصح عنه كلماته. أدركت أياً ما كان فلن يكون جيداً بالتأكيد. رغم ذلك لم يدم هذا الشعور طويلاً وسرعان ما وجدت نفسي أشاهد ساهيرة وهي تصعد السلالم المؤدية إلى حلبة القتال. ألقت نظرة أخيرة عليّ قبل أن تتخذ وضعيتها. ومن الجانب الآخر صعد غرونار ضخم إلى حلبة القتال وقد امتلأت جيوبه عن آخريها بالتعاويذ مما أظهر مدى عناية مدرسته في تزويده بترسانة متكاملة.
يا للظرافة. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تبادرت إلى ذهني. لقد زودت ساهيرة بنسختين من تعويذة واحدة فقط لمعركتها. كنا نعلم نحن الاثنين أن أكبر قيد تصميمي واجهني لم يكن القوة الخام بل تقييد إخراجها عمداً لئلا تقتل خصمها عن غير قصد وهي احتمالية واردة جداً نظراً لكمية المانا الهائلة التي تمتلكها.
"كم تستغرق برأيك لتفوز يا إيريك؟"
اقترب مني نيكو وليلي من تلقاء نفسيهما وفي حين كانت لا تزال تتجنب النظر المباشر إلى أي منا جعلني عدم رحيلها أشك في أن هذين الاثنين قد يصمدان لأكثر من بضع أيام معاً...
قلت: "عشر ثوان. ربما أقل."
لم أكن أقلل من شأن خصمها لكن لمعرفتي بأن الغرونار يمتلكون عادة قدراً ضئيلاً من المانا عجزت عن تخيل كيف يمكن لهذا المسكين ذي الحراشف مقاومة التعويذة التي تحملها ساهيرة.
"إنها تبدأ."
حتى ليلي نبذت كل حرج جانباً عندما أطلق المدير الحقير كرة متوهجة في السماء إيذاناً ببدء القتال. كانت ساهيرة تمسك بالفعل نسخة من تعويذة موجة المانا وتستقر كلتا يديها فوق وحدات استنزاف المانا. كان الحشد على أحر من الجمر. لم يُظهر الرماديون حماسة كبيرة وكأنهم خائفون من أن يبدوا أغبياء، لكن التجار القلائل من الزوفي بينهم كانوا النقيض تماماً فأطلقوا العنان لأنفسهم ونهضوا لمشاهدة تيارات المانا وهي تبدأ في التدفق من ساهيرة إلى الورق.
اكتفيت بالابتسام حين بدأ ثوبها الأبيض يطفو كأنها في انعدام جاذبية وأخذت خصلات من شعرها تتطاير كأنها مغمورة تحت ماء غير مرئي. حاول الغرونار على الجانب الآخر من حلبة القتال إيقافها. ألقى نسخته من تعويذة السرعة. أحضره القفز أقرب إلى ساهيرة حيث سيكون في ذروة قوته. مع ذلك تفعّلت موجة المانا قبل أن يقترب. حدث الأمر في لمح البصر. كبرت موجة متوسعة من المانا الزرقاء متخذة من ساهيرة مركزاً لها.
أصابت الغرونار ومرت عبر جسده مباشرة. توقف عن التقدم وبدأ يرتجف بينما انثنت ركبتاه واقعاً تحت تأثير الذهول تماماً مثل أولئك الميميك.
قال نيكو: "لا بد أن هذا مؤلم."
لم أجب فمن الواضح أنه كان مؤلماً. رغم سوء مظهره كان هذا آمناً على حياته في الواقع. فموجة المانا لم تكن سوى نسخة أكثر تعقيداً للتعويذة غير المكتملة التي أبطلت مفعول الميميك حينها، وقد تم تقييد مخرجات رونات إسقاط المانا بعناية عبر ثلاث وحدات أمان فائضة. نهض الحشد بأسره وهتف بينما رفع الغرونار كلتا يديه معلناً استسلامه دون حتى محاولة الوقوف والمقاومة. ابتسمت ساهيرة بخبث وألقت نظرة في اتجاهنا.
لكن سعادتها لم تدم طويلاً. قفز المدير الحقير فجأة إلى حلبة القتال مسانداً بتعويذة وأمسك بمعصم ساهيرة فجأة رافعاً ذراعها لتقديمها كفائزة. لاحظت أن قوة قبضته جعلتها تشعر بعدم ارتياح طفيف لكنه للأسف أمر سيتعين عليها تحمله في الوقت الحالي.
"أول ناديري يطأ قدمه في نافار يفوز بهذه المعركة."
وضع نفسه خلفها لتكون ساهيرة هي من تحتل دائرة الضوء.
"إذن فقد حان وقت تلك الكلمات الإضافية التي وعدتكم بها."
ابتسامة مشؤومة غطت وجهه.
"لقد رأيتم جميعاً ما تستطيع فعله. ومهما بلغت كمية المانا التي تملكها الآن فهي ليست سوى جزء بسيط مما يمكنها الحصول عليه مع عشرين سنة أخرى من التأمل المنتظم."
وقع بصر المدير الحقير عليّ.
"نحن نتحدث هنا عن إمكانات قريبة من درجة رئيس السحرة. ذلك النوع من القوة الذي قد يكون مفيداً لعائلة نبيلة أو لشركة أو لشخص مهتم بأن يكون أول من ينشر أبحاثاً حول شكل حياة جديد كهذا."
كان تعبير ساهيرة الحائر صعب الاحتمال. ومثلي تماماً بدت وكأنها تواجه صعوبة في فهم ما يرمي إليه زوريك. لكن الفهم جاء سريعاً.
"وكل تلك الإمكانات يمكن أن تصبح ملكك إن كنت مستعداً لتوقيع الأوراق التي تضمن توفير تعليم خاص ملائم لها."
التفت إلى الخيام الخاصة التي تضم أغنى الأثرياء وأضاف: "وبالطبع مساهمة صغيرة لهذه المدرسة لتسهيل الإجراءات الورقية وتغطية نفقات الأضرار التي ألحقتها بالفعل بمرافق التدريب المتواضعة خاصتنا."
كان هذا سخيفاً لدرجة استغرقتني عدة ثوان لأصدق ما أراه عياني. حتى لاهارا نفسها وبقية المعلمين حدقوا في زوريك بعد تصديق لحقيقة أنه كان يبيع ساهيرة في المزاد علناً بطريقة لم أستطع حتى الجزم بقانونيتها وفقاً لقانون الرماديين. لقد كانت حماقة حقيرة لا تصدق لدرجة غلى معها دمي وراح عقلي يقلب التعاويذ المخزنة في مكتبة عقلي موازناً ما يمكنني فعله. مع ذلك وبينما حاولت التهدئة مقنعاً نفسي بأننا بما أننا أصبحنا مسؤولي مدينة الآن فإنني سأجازف بجعل الوضع أسوأ إذا تحركت ازداد الأمر سوءاً فحسب.
"ابتعد أيها الزوفي الفقير."
كان رمادي أنيق المظهر يدفعه تاجر زوفي جانباً محاولاً الوصول إلى ساهيرة قبل الآخرين.
"لا يمكنك حتى تغطية عرضي. لماذا تكلف نفسك عناء مغادرة مقعدك أصلاً؟"
بدأ عدة رماديين بالتحرك نحو حلبة القتال دفعة واحدة وتسلقها بعضهم على عجلة محيطين بساهيرة والمدير ومتقاطعين في الكلام وسط الفوضى. والأسوأ أن بعضهم أمسك بثوب ساهيرة دافعين وجاذبين إياه كحشد من مصوري المشاهير المحاولين التحدث إلى نجمة. وللحظة بدا حقاً وكأنها لا تعرف ما تفعله. كان ضغط الاضطرار للتعامل فجأة مع حشد مزعج واحتمال تورطها في مشاكل إن هاجمت أولئك الأثرياء بموجة المانا أكثر بكثير مما تستطيع تحمله على ما يبدو.
حدقت بي بعيون متوسلة وكان هذا كل ما يتطلبه الأمر لأثب إلى العمل.
"انتظر يا إيريك أنت–"
حاول نيكو قول شيء ما لكن مساعد التلفظ خاصتي كان قد صاغ تعويذة السرعة قبل أن يكمل جملته ففعّلتها فوراً مندفعاً إلى الأمام باتجاه الحشد. ألقيت تعويذة السرعة مرة. ومرتين. وأوصلتني المرة الثالثة قرب ساهيرة كصاروخ. لم أتردد ولحظة لامست قدماي الأرض كنت قد ألقيت بالفعل تعويذة انبعاث ضوئي بسيطة لكنها قوية ودون استخدام حبر. لمحت العديد من الرماديين يغطون أعيانهم وكان المدير الحقير يستعد لاستهدافي بإحدى تعويذاته بينما كانت إحدى يدي في جيبي بالفعل وتفعلت تعويذة محو الحضور اللحظة التي أمسكت فيها بساهيرة.
اختفينا فوراً عن إدراك الحشد. وما زلت مسكاً بساهيرة أحرقت مناتي لألقي تعويذة السرعة مرة أخرى معيداً استخدام النسخة ذاتها التي استخدمتها لبلوغ سطح المدرسة لأجري محادثتي مع نيكو. دفعتنا إلى الأعلى والأمام في آن معاً في قفزة فوق الحشد أتبعتها بتعويذة تباطؤ. لم أتمكن من رؤية وجه ساهيرة طوال هذا لكنني علمت أنها لم تكن معترضة على الفرار من حقيقة بسيطة مفادها أنها كانت تمسكني بإحكام شديد لدرجة أنني بالكاد احتجت لبذل جهد لحملها.
لم أتوقف عن إلقاء تعويذة السرعة إلا عندما اختفى الحشد خلفنا وأخذتها إلى غرفة دراسية فارغة. لم تكن لدي فكرة عما تدور في ذهنها حين غادرت ذراعي إذ تمثل أول ما فعلته في تفقد حال ثوبها الذي تعرض للدفع والجذب حين أساء أولئك الأغبياء استخدام كافة الحدود محاولين شراءها. حين التقت عيناها بعيني كان لا يزال هناك بعض عدم التصديق وأثر خوف على وجهها.
قالت: "كان هذا... أكثر من اللازم."
قلت: "أكثر من اللازم؟ لقد كان جنوناً تاماً!"
لبرهة لم يتكلم أي منا وظلينا نستمع فحسب إلى الفوضى في الخارج ولكن من مسافة آمنة الآن. لاحظت أن يدي ساهيرة كانتا ترتجفان وهي تستمع إليه لكنني لم آت على ذكر ذلك مانحاً إياها مساحة بعد تلك التجربة المروعة.
قالت: "شكراً لك."
اقتربت من تلقاء نفسها ضاغطة بجبهتها على صدري دون أن تعانقني وكأن كل ما تبتغيه الآن هو لحظة سلام تفكر فيها في الوضع المجنون الذي مررنا به. تركت لها المجال فمكثت هناك برهة. وحين تحدثت مجدداً بدا صوتها نادماً.
"ستفوت معركتك الآن."
قلت: "لا أبالي. أتمنى فقط ألا يمنح هذا المدير الحقير أي مبرر للانتقام. لن نشارك في هذا الشيء بعد الآن وأشك في أننا نستطيع حتى النوم في غرفتنا الليلة."
رفعت رأسها عن صدري.
"صالة المقامرة؟"
حسناً جعلها تعويذة الوهم على الباب آمنة ويمكننا نيل بعض القسط من النوم على المقاعد وإن كان قضاء الليل هناك سيئاً للغاية بلا شك. تنفست الصعداء.
مبتسماً بتهكم على النفس أضفت: "أظن أن هذا أفضل ما يمكننا فعله الليلة. أترين أن معظم مسؤولي المدينة مضطرون لتحمل هذا أم أننا نحن وحدنا من حظي بهذا القدر من النحس؟"
على فداحة الموقف نجحت نكتتي فردت بابتسامة خاصة بها.
"علينا التحدث إلى العمدة قريباً فتاة ما لن تذهب إلى أي مدرسة خاصة."
أومأت برأسي متخذاً عدة قرارات في التو واللحظة. سنختبر نموذج الترجمة الأولي الخاص بنا غداً بعيداً عن المدرسة على أمل تفادي مواجهة مباشرة مع زوريك والنبلاء المهتمين بإمكانات ساهيرة. كان الأمر مؤسفاً لكن خيارنا التكتيكي الأفضل في هذه الحرب المتصاعدة تمثل في تجنب الصراع. لكن فقط إلى أن نعرف بدقة مدى قانونية هذا المزاد المتخفي وكيف سنرد الصاع صاعين لكل هذا الجنون.