ما دامت ساحرة وأنا نود العودة إلى الأمان ومعرفة ما حلّ بأصدقائنا، لم تكن العودة أمراً سهلاً البتة. كنا نخشى أن تكون معركة لاثارا مع ملكة المُحاكاة لا تزال محتدمة، لذا قررنا استعادة بعض المانا وإعداد تعاويذ إضافية قبل العودة. استهلك ذلك ساعات أُخر من الليل. واضطررنا أيضاً إلى كسر إقفال بعض الصفوف الدراسية، محطّمين آليات قفلها بتعويذة بسيطة صمّمتها في الحال. كل ذلك وسط مكابدة عدم الإتيان على ذكر القبلة التي تبادلناها.
حين صافحنا الضوء الأول للفجر، كانت ساحرة تقف قرب نافذة أحد الصفوف، وقميصها مرفوع إلى النصف بينما ساعدها ضوء الصباح على تجفيف تعويذة محو الحضور المكتوبة حديثاً على ظهرها. وجدتُ نفسي أملي ناظري بها، بشعرها الأسود وبشرتها الشاحبة اللذين شكلا تناقضاً حاداً مع ضوء الصباح.
"هل... نحن نفعل هذا حقاً؟"
كنت أعلم بالطبع أنها لا تتحدث عن مغادرة الصف ومعرفة ما حلّ بملكة المُحاكاة ولاثارا. اقتربتُ وتوقفتُ مباشرة أمامها، فحولت بصرها عناية فوراً.
وبأقل بلاغة ممّا ينبغي لي ربما، قلت: "أظننا نفعل".
انحنيتُ أقرب وقبلتها على جبينها. التقينا بالعيون، وانتهى الأمر. بلا تبادل عبارات إطراء أو وعود.
بلا تحديد لما تعنيه كلمة «هذا»
حقاً. بلا حتى الاكتراث بكل تلك الأمور التي ستعود يطاردنا حتماً في المستقبل بسبب قيود خصوصيتنا وانعدام تواصلنا السليم. حين جفّ الحبر أخيراً على ظهرها، ومع بضع نسخ طازجة من السرعة محشوة في جيوبنا المحطّمة نصف تحطيم تحسّباً، غادرنا الصف. ولحسن حظّنا الهائل، لم نجد معركة محتدمة في انتظارنا. بدل ذلك، وجدنا جدراناً متضررة، ودوداً ميتة متناثرة في كل مكان، ومدرسة تخضع لحظر تجوال ممدد.
جاب حرّاس رماديون الممرات، مانعين حشود الصباح المعتادة المزدحمة من مغادرة غرفهم والتجمع في ساحة الطعام.
قلت بتردد: "أظن... أن علينا زيارة المدير الغبيّ".
أومأت ساحرة برأسها، وتجهنا نحو جناح الإدارة. كل رمادي مررنا به حدق بملابسنا الرثة، لكن أحداً لم يتساءل بطريقة ما عن سبب وجودنا خارج غرفنا أثناء حظر تجوال ممدد. حين بلغنا الممر خارج مكتب المدير، وجدناه مكاناً مزدحماً. اكتظ الممر بالمعلمين والموظفين حتى اضطر كثيرون منهم للوقوف خارج المكتب نفسه، متبادلين نقاشاً حاداً لدرجة مكّنتنا من سماعهم قبل وقت طويل من وصولنا.
وللاسف، لم نتمكن من فهم كلمة واحدة ممّا كان يحدث فعلاً. ولم تكن الترجمة هي المشكلة، إذ كل ما بلغنا كان عاصفة من الشتائم الصارخة ورماديين يتحدثون فوق بعضهم بعضاً. لم أره قط رماديين يتصرفون على هذا النحو من قبل. وها أنا ذا أشاهد العشرات منهم يفعلون ذلك دفعة واحدة. ما إن تلاشت المفاجأة الأولى، حتى انزلق بصري أبعد في الممر، بعيداً عن الصخب. كان نيكو، وليلي، وزيرا، والشقيقان الحرشفيان جلوساً على الأرض الباردة تحت نافذة، وقد لاحظوا وصولنا اللحظة التي وصلنا فيها.
ابتسمتُ فوراً. وبجانبي، أطلقت ساحرة تنهيدة طويلة من الارتياح. بالحكم على المظاهر وحدها، كانت مخاوفنا بلا داعٍ. مقارنة بنا، بدا وضعهم سليماً تماماً. كانت ملابسهما سليمة، أو في حالة نيكو، لم يبدو فِراؤه أسوأ من المعتاد. تبادلنا ساحرة وأنا نظرة قبل أن نتوجه نحوهم كزوج من الجنود يعيدون لمّ شملهم بفرقتهم بعد معركة ضارية. ولمفاجلأتي، كان الشقيقان الهدئوان بطبعهما أول من تكلم.
قال كيب: "لماذا تبدوان وكأنكما جُسستما للتو..."
وأتمّ كاب: "...داخل بركان نشط؟"
انفجر نيكو ضاحكاً فوراً. حتى إن ليلي وزيرا حاولتا إخفاء تسليتهما، مع أن أياً منهما لم تنجح في قمع الابتسامات الزاحفة على وجهيهما. غير أن ساحرة كانت الوحيدة التي لم تجد المزحة مضحكة.
مشيراً بأصبعها إلى جيوبها التالفة وبقع الجلد المتفحم الظاهرة تحت ملابسها الممزقة، قالت: "على الفتاة دفع ثمن لإنقاذ مؤخراتكم من المُحاكات بعد أن استدعيتموها، وههكذا تعاملونها؟"
قضت تلك الجملة الواحدة على التمترس فَوْراً. إذ لم أرد أن يصبح الجانب العاطفي ثقيلاً للغاية، قررت المزاح عوضاً عن ذلك.
قلت: "حين ظهر الزعيم الأخير، احتاجت الفتاة أيضاً إلى من ينقذ مؤخرتها".
لاّف ذراعاً حول كتفيها، أضفت: "لكن لا يمكننا لوم ساحرة على ذلك، أليس كذلك؟ حتى المعلم كان يواجه وقتاً عصيباً ضد ذلك المخلوق المخيف".
مبتسماً، وجهت المحادثة إلى وجهة أخرى.
"بالمناسبة... أيفقه أحدكم بما حلّ بالاثارا وملكة المُحاكاة؟"
اتسعتا عيناها ليلي.
"ملكة مُحاكاة؟ إذ ذاك هو سبب تصرف جميع المعلمين بغرابة شديدة".
أطلق نيكو نفخة استياء.
"كيف تكون دودة أضخم سبباً كافياً لإلغاء الفطور؟"
سألت زيرا بهدوء: "هل... هل تقاتلتما معها أنتما الاثنان؟"
إذ رأيت المحادثة تحيد عن مسارها، كررت سؤالي.
قلت: "سأروي لكم كل شيء لاحقاً. لكن هل رأى أحدكم لاثارا اليوم؟"
تبادل الأربعة نظرات غير مؤكدة.
أجابت زيرا: "هي... من أحضرتنا إلى هنا هذا الصباح وأمرتنا بالانتظار".
أومأ نيكو.
"كانت رداؤها نظيفة... لكني استطعت شم رائحة الدماء عليها".
تكلم كيب وكاب بعد ذلك.
"رأيناها تلتقي بالمدير قُبيل الشروق".
"بدا الاثنان منهكين... وربما مصابين".
عبستُ. لم يبد أي منهم مدركاً أن نيوري قد استُحوذ عليها من قبل مُحاكٍ قبل أن أخبرهم بذلك. مع ذلك، كانت الأنباء السارة أن لاثارا على قيد الحياة. ربما انضم المدير الغبيّ إلى المعركة بعد ملاحظته خللاً ما عبر كرة المراقبة. ما لم أكن أعرفه بعد هو ما آلت إليه ملكة المُحاكاة. أقُتلت على يد لاثارا والمدير؟ إن كان الأمر كذلك... فماذا يعني ذلك بالنسبة لصفقة الإبادة التي عقدناها؟
من الناحية التقنية، لم يوافق أحد قط على هزيمة ملكة مُحاكاة عندما تفاوضنا على الصفقة. لكنها ظلت منطقة رمادية. إن أجهزا عليها بنفسيهما، كنت واثقاً من أن المدير الغبيّ سيرفض الدفع لنا. والجزء الأسوأ هو أنه حتى بعد كل ما خاطرنا من أجله، كانت لاثارا هي من قضت على معظم المُحاكات. لم تستطع ساحرة وأنا حتى تدمير السرب الأخير بعد أن احترق فايو وجميع نسخه الاحتياطية في ذلك الهجوم الدقيق بشكل غريب.
أطلقت تنهيدة طويلة.
"بغض النظر عن لاثارا «مخربة العلاقات»... أيعلم أحدكم لمَ يغضب الرماديون هكذا اليوم؟"
بدل الإجابة، صمت كل واحد منهم. والأسوأ أنهم لم يكونوا يحدقون بي ولا بساحرة. بل كانوا يحدقون من خلفنا. ابتلعت ريقي بصعوبة واستدرت ببطء. كانت لاثارا نفسها تقف هناك. كانت ذراعاها متقاطعتين على صدرها بينما تنقل بصرها بين ساحرة وبيني. ومثل كل مرة، شكلا الكمان الأخضر من رِدائها تناقضاً حاداً مع بقية ملابسها السوداء. التقت عيناها الزرقاوان العميقتان بعيني، بهدوء كافٍ لجعل نهر جليدي يبدو قلقاً رغم كل ما حدث.
قالت ببرود: "أنتما الاثنان، أرجو أن تتبعانني إلى مكتب المدير".
حين استدارت، تذكرت فوراً آخر مرة جُرّرنا فيها إلى هذا المكتب بعد أن دمرنا غرفتي القديمة لقتل مُحاكٍ. تلك المرة، خرجنا من هنا مفصولين قسراً، وتطلب الأمر منا جهداً ضخماً لإلغاء ذلك. أخبرتني نظرة خاطفة نحو ساحرة أنها تتذكر الشيء نفسه. أستندتُ بيد رقيقة على أسفل ظهرها، ومعاً تبعنا لاثارا بينما انفرجت حشود الرماديين خارج المكتب لتفسح لنا الطريق. لم أتعرف على معظم الوجوه، لكنني لمحت بعض الحراس، وحتى هوكو، الذي كان واقفاً عند المدخل بنصف جسده خارج المكتب.
انزلت لاثارا عبر فجوة ضيقة بينه وبين المعلمين المحتشدين عند المدخل، وتبعناها للداخل. لمفاجلأتي، لم تتوقف النقاشات حتى بعد أن دخلنا.
قال رمادي حسن الأناقة: "لا تبدو مدركاً. ملكة مُحاكاة تختطف جسد معلم تأمل كفء ليست حادثة بسيطة كما حاولت إقناع مستشاري بها. لا أستطيع تصديق أنك أجبرتني على المجيء إلى هنا في أول الصباح لأخبرك بهذا شخصياً، أيها المدير".
أجاب المدير الغبيّ من خلف مكتبه: "كان مجرد سوء فهم. لم تكن هناك حاجة لقدومك يا فيرنيك. هذه المدرسة خالية رسمياً من المُحاكات الآن، وكل شيء سيعود إلى طبيعته حالما نزيل جثث الغرانار المساكين الذين فقدوا حياتهم على يد تلك المخلوقات الغازية البشعة".
بينما انتظرت لاثارا فرصة لإعلان وصولنا، انحرفت أفكاري نحو طلاب الغرانار الكبار الذين انهارت جثثهم لحظة تخلي الدود عنهم. ماتوا دون أن تتاح لهم فرصة المقاومة أبداً. ونعم... لمت المدير الغبيّ أكثر بكثير مما لمت نفسي لعدم تطوير قدرات النظام الاستشعارية بسرعة كافية لمنع تلك المأساة. تنحنحت لاثارا أخيراً.
قالت: "معذرتي على المقاطعة، أيها العمدة، أيها المدير. لكن طلاب السنة الأولى المسؤولين عن خطة الكشف والإبادة قد وصلوا، كما طُلب".
التفتت كل عين في الغرفة نحونا. نظر إليّ زوريك بخيبة أمل واضحة قبل أن يهز رأسه ببطء. تأملنا الرمادي حسن الأناقة، الذي بدا أنه العمدة، بصمت. بينما مكث بصره، سكتت الغرفة تدريجياً للمرة الأولى منذ وصولنا.
قال: "هذا هو الجزء الوحيد من هذا الوضع بأكمله الذي أعجز عن فهمه حتى الآن".
انتقلت عيناه بين ساحرة وبيني.
"ومع وجود ساحر عظيم متمركز هنا، وطاقم تدريس كفء، ومدير تخرج من أرفع أكاديمية في نافار... كيف لا يزال طالبان من السنة الأولى ينتميان إلى سلالات نادرة يقودان جهد الإبادة؟"
قال زوريك باحتقار: "هذان الاثنان؟ ليسا طالبين عاديين بأي حال. أحدهما مسخ للطبيعة يمتلك مانا تفوق بعض المعلمين، والأخرى تنتمي إلى تلك السلالة من المخادعين التي يعرفها الجميع في الأكاديمية".
ومبتسماً، أضاف: "لمَ أخاطر بمعلميي ما دام هذان الاثنان تطوعا للعمل؟"
أخبرتني ومضة المفاجأة القصيرة على وجه العمدة أن أمامي فرصة.
قلت: "حين تقول تطوعا، فهذا يجعل الأمر يبدو وكأننا لا نتقاضى أجراً".
ابتسمت.
"سَنُتقاضى أجراً، أليس كذلك؟ كانت تلك الاتفاقية قبل أن نكتشف وجود ملكة مُحاكاة".
لم أكن أدري بعد ما حلّ في النهاية بملكة المُحاكاة، لكنني حرصت تماماً على ذكر أجرنا أمام العمدة وكل معلم في الغرفة. وكان ذلك تصرفاً مقصوداً قد يؤتي ثماره أو لا. لكن لم يستغرق الأمر طويلاً لكي أدرك أنني اتخذت القرار الصحيح حين اندلعت موجة أخرى من النقاشات المتقاطعة. بلغت أذني بعض التعليقات.
"ألم نتفق على أن هذين الاثنين خطيران للغاية بحيث لا يمكن بقاؤهما معاً؟"
"لمَ يعقد زوريك صفقات دون استشارة هيئة التدريس؟"
"أود بشدة معرفة تكلفة هذا على خزينة المدرسة".
اخترق صوت فجأة جميع الأصوات الأخرى.
"اصمتوا!"
كان العمدة. ما إن هدأت الغرفة مجدداً، حتى نظر إليّ مباشرة.
"كم وعدكم زوريك؟"
لو قلت إنني لم أكن أستمتع باتجاه هذه المحادثة، لكنت كاذباً.
أجبت بابتسامة: "ثلاثون ألف رصيد. وقد دفع عشرة آلاف بالفعل".
لم يتفاعل العمدة مع الرقم. مع ذلك، بدا بقية الغرفة وكأنهم يكافحون للصمت. تكلم زوريك قبل أن يستطيع أحد غيره.
قال: "تضمنت اتفاقيتنا الإبادة الكاملة للمُحاكات. وهي مهمة فشلوا في إنجازها بوضوح، كما يرى الجميع هنا".
تجاهله العمدة فيرنيك وسار نحونا. شبه غريزياً، تحركت ساحرة أقرب حتى تلامست كتفانا. توقف على بعد خطوات معدودة فحسب. وعلى عكس إليثا، لم يكن حضوره مخيفاً. بل كان حازماً إنما يصعب قراءة نواياه بوجه عام. التفت خلفه نحو زوريك.
قال: "لقد أتيت إلى منزلي طالباً التمويل بعد اكتشاف أول جثة في مدرستك. أعطيتك ثلاثمائة ألف رصيد ولم أطلب شيئاً بالمقابل".
عاد بصره إلينا.
"أيمكنك تخيل شعوري عند معرفتك أنك وكلت المهمة إلى طالبين في السنة الأولى بجزء ضئيل من ذلك المبلغ... ولم تدفع لهما بالكامل حتى؟"
استقرت عيناه على ساحرة، ثم عليّ.
"بلّورات رصيدكما".
تبادلنا نظرة، وأدركت فوراً أنها لا تحمل بلّورتها. مبتسماً، أخلت يدي في الجيب الصغير الذي كان محظوظاً بكونه أصغر من أن يُستخدم لتخزين التعاويذ، وهذا سبب نجاة بلّورتي من ذلك الهجوم المحرق للورق. مدرتها. تحت عيون الغرفة بأسرها المراقبة، رفع العمدة بلّورته الخاصة. توهجت الاثنتان. ظهر رقم ضخم جداً بالنسبة لبلّورة صغيرة كهذه على الوجه العلوي. +20,000 لمفاجأتي، التفت إلى ساحرة فوراً.
"أَتثقين به ليعطيك حصتك؟"
انتظر... لمَ سيسأل ذلك؟ أحقاً بدوت كنوع الأشخاص الذين يسرقون شريكهم المؤسس وأياً ما أصبحت عليه الليلة الماضية؟ بدت هي الأخرى متفاجئة، لكن لفترة قصيرة فقط. ثم شبكت ذراعها بذراعي وجذبتني أقرب.
"أثق في أنني أستطيع أخذ حصته حتى لو أردت".
ابتسم فيرنيك، مكافحاً لقمع ضحكة. وفي تلك الأثناء، بدا بقية الغرفة متفاجئين أكثر بكثير من تعامل العمدة العرضي مع الموقف، ومن مدى انفتاح ساحرة في تصرفها.
وهي في كامل راحتها أثناء إمساكها بذراعي، سألت: "لا نزال لا نع