4.7 بدأ مهرجان حصاد القمح. عبق الخبز المخبوز والكعك ورقائق العسل يملأ الأجواء في محيط القصر بأسره منذ ما قبل انقشاع الفجر. كان طاقم القصر عاكفاً على الخبز بجد لإعداد أطايب حلوة فاخرة منذ الصباح الباكر. لفائف مغموسة بالعسل وحتى وجبات خبز مطوية محشوة بالتوت. كانت هناك أيضاً أقراص صغيرة بحجم الكف من كعك القمح الأسود تُصنع في المعبد، لتُضيف عبقها المميز إلى الهواء. لكن ذلك كله وُضع ليبرد، وكانت فريضتهم الأخيرة هي عائلة جيل وفطور أهل البيت.
كانت وجبة الصباح عبارة عن عصيدة عادية مألوفة، وما مميزها حقاً سوى كونها آخر طعام يُتناول حتى المساء. وحينها مُنح الجميع حريّة فعل ما يحلو لهم طوال اليوم. أقام المعبد تجمّعاً عند الظهيرة للاحتماء من حرارة الشمس الحارقة والتمتع بظلال باردة منعشة، بينما يستمعون إلى العهود التي تقدمها الملوك. وممّا زاد الجذب لأولئك الحائرين تقديم أنبذة ممزوجة بالماء وبيرة خفيفة برّدوها في أقبينتهم.
حضرت عائلتها، ولحسن الحظّ لم تشرب الأم كثيراً هذه المرة. وبعد الفراغ من هذا الواجب غير الرسميّ لكن الإلزاميّ، وزّع طاقم المعبد كعك القمح الأسود الخاص بذلك الصباح على الحاضرين ليأكلوه قرباناً قبل الرقصة عند غروب الشمس، وتلك كانت نهاية أي التزام مفروض على أيّ كان. لقد كانت استراحة وهبة لجميع الفلاحين بعد كل شيء. وباستثناء تحضيرات احتفالات الليل، لم يُطلب أي عمل أو واجب من الفلاحين أو طاقم القصر.
وكان أمام الحرس طوال ساعات النهار تقريباً للتجوال وتدبير شؤونهم الخاصة، ولم يُطلب سوى أربعة منهم في كل مرة لتغطية مناوبات الحراسة. أمّا جيل فكانت تغلي ترقباً طوال اليوم. وأكثر من أمعائها الخاوية التي تبطّنها جوعة بطيئة النمو، كانت تشعر بحرقة متوهجة تدفعها للحركة، لترجيح جسدها وإيجاد إيقاع العالم وتقاسمه مع كل من حولها. لترقص أخيراً لا مع بضع حراس أو عائلتها فحسب، بل مع قرية بأسرها وطاقم بيتها.
وفي قرى أخرى عبر البارونية، كانت تعلم أن تحضيرات مماثلة تجري. لكن على عكس مهرجان الخنزير، لن يكون هناك سفر لقاءً بمعرض الأب. بل كان كل حصاد تجمّعاً محليّاً لكل قرية وبلدة. وعوضاً عن قرابة التسعمئة شخص الذين تدفقوا إلى باحة القصر خلال ذلك المهرجان، لن يكون هناك سوى مئة وعشرين ونيف من رجال الفلاحين والعاملين المقيمين في القصر، بالإضافة إلى النساء والأطفال البالغ عددهم مئة وسبعة.
تمددت جيل وتلوّت من مكانها بين الحدائق على طول أسوار القلعة. كانت تحب الحجارة هنا، فهي بناء حجريّ قديم يعود لما قبل حرب الطاغية. ومع بعض الاستبدالات حديثة القطع المندمجة بين جيرانها لاحقاً. كانت حرة في فعل ما تشاء والوجود حيث تريد طوال اليوم. لكن كل ما أرادته هو أن يبدأ المهرجان حقاً! لقد أشبه الأمر حكّة نابضة صعوداً وهبوطاً عبر لفائف جسدها وفي كل طرف وقشرة. ما عادت تطيق الجلوس بلا هُدنة فشرعت بخطو خطوات واسعة على طول الأسوار، متسللة بين أحواض الحدائق المحملة بالأعشاب والخضروات التي لم تبلغ موسم حصادها بعد.
تثب بخفة على طول الشقوق القديمة الملساء والبالية في الصخر. تلامس كل صديق مألوف يعتريه عيب أو باطن قدميها. شقّت جيل طريقها على طول أسوار القصر وأدت قفزة أطول قليلاً لتتخطى جزءاً منها. كان ذلك الجزء تحديداً من السور يبلغ ثلث عمر البقية. وضعف طول جيل نفسها. لقد نظرت وسألت لكن أحداً لم يدرِ لمَ أو كيف تطلب امتداد كبير كهذا من السور استبدالاً كاملاً. وقد افترضوا حدوثه أثناء حرب الطاغية غير أن أي معركة لم تبدو مطابقة تماماً للقصائد والتواريخ المُدوّنة.
لقد كان مجرد جرح غامض التئم في لحم بيتها. مجهول ومنسيّ من الجميع إلاها هي. الحجارة والملاط. قفزت من فوقه في إحدى جولاتها على الأسوار. ثم إذ أدركت كيف كانت تتجاهل حجارة لم ترتكب خطأ قط، حرصت على السطور بسلاسة وعن قصد عبره في مرورها الثاني. وبحلول جولتها الرابعة، كانت شمس المساء تحول لونها أخيراً إلى البرتقالي الذهبي والأحمر. كانت بالفعل ترتجف ترقباً وإحساساً بالموسيقى رغم أن صوتاً لم يصدح.
كان القرويون يتجمّعون، ويشعلون الشموع أو يحضرون المشاعل. متجمعين في أنهار ضوئية صغيرة عبر القصر مع بدء مسيرهم الهادئ البطيء نحو دار القصر وإلى الباحة حيث كُدست الخشبات عالياً لأجل محرقة الرقص. مُكدسة بمزيج دقيق من الأخشاب المفضلة ومضفورة بفروع الصنوبر الحادة الحلوة والشجيرات الأخرى. بعض الجذوع صُبغت بعصارات أو زيوت ذكية العطر أُعدت مع بدء موسم الجوع. لقد اقترب الأوان!
سيعلن الأب عن الرقصة عند غروب الشمس الأخير. وكانت المشاعل تُوضع بالفعل في أماكنها عند المحرقة الوشيكة، وكان الناس ينجرفون في حلقات حولها في الباحة. عبير الخبز الكثير المطبوخ والأطايب المحلية. المنجزة حديثاً إما في ذلك الصباح أو بعد الظهر كان يملأ الباحة ويثير شهيات كل الحاضرين. وجيل من بينهم. وأخيراً اشتعلت النار، فملأ عبق الأخشاب المعالجة بالزيوت بعناية والألباب المرتبطة لحزم الأعشاب ذكية العطر السماء بالدخان وأجواء الباحة بعطور حلوة مسكرة ضاعفت جوع اليوم حدّة.
وأخيراً، حان الأوان. شقّت جيل طريقها نزولاً من السور، مومئة لرعاياها ورعايا أبيها. منصتة إلى تمنياتهم القلبية الطيبة وامتنانهم للخيرات التي صنعتها لأجلهم طوال الشتاء. والتقدير لكرم أبيها الذي ضمن امتلاء بطونهم طوال صيف الجوع المجهد عادة. أخذت مكانها مع عائلتها، متلوية برخاوة على الأرض الصلبة الطيبة خلف الأب والأم. وقف ألكسندر بعيداً عن والديه على يمين الأبي. متمركزاً في موضع بحيث إن أمالت رأسها بالشكل الصحيح تمكنت من بعثرة شعره بنفخة أو زفير في محله.
كان الخطاب ذاته كما اعتادوه دائماً. تأكيداً للعهد والالتزام بمنصب الأب وسيداً وباروناً وحارساً لرعاياه من شبح الجوع. والذي تقاسمه معهم في يوم الصيام هذا. والكثير غير ذلك مما تمتم وحكّ تحت حراشف جيل. وقف تسولوغوثولان في بركتهم بعيداً بعض الشيء عن أبعد حلقة للقرويين المتجمعين. وأخيراً رفع الأب كعكته القرابينية. ومن بين ملابسهم، مد القرويون والطاقم المتجمعون أيديهم بكعكاتهم.
لم يمتلك الجميع كعكة كاملة لأنفسهم لكن العائلات الأقل حظاً كسرت كعكاتها قطعا وشاركتها مع أولئك الأطفال الكفاة لكي لا يبتلعوا الوجبة فوراً. عرضت الأم نفسها على ألكسندر وجيل كعكة كاملة بالطبع. كان القمح الأسود من العام الفائت في مخزن الأبي وفيرًا ليحصل أهل البيت أجمعين على حصة كاملة. وحين قدم كل من سيشارك قربانه أمام النار، التهم الأب الخبز الصغير الكثيف بعضة قوية.
مضغة واضحة وبلعاً متيناً ومسموعاً. وحينها وكجسد واحد تتبع كل من بلغ سن المشاركة. ابتلعت جيل كعكتها بأسرها دون مضغ يكُذكر. ومن ثم بصيحة من بين الواقفين أمام النار، حان الأوان. سترقص جيل.