لم يكن من حقّ جيل أن تتكلّم في غير أوانها. كانت هذه غرفة أبوها ومفاوضاته، أرضه ونطاقه؛ وقد أتى السحرة إلى هنا لاسترضائه. كانت ابنته وكان عليها أن تثق به. لكنّها اضطُرّت إلى استمداد كلّ طمأنينة من الحجارة الوديعة تحت سجادة الغرفة لتمسك نفسها عن طلب تفسير. عزّز هذا الارتياحَ نظرةُ قلق وعطف رقيق من أبيها حين أدرك ارتباكها الجليَّ بنظرة واحدة.
"ساحر واحد؟ ألاحظ أنّ هذه الشروط ليست لشخصك وحدك، اللورد الساحر فيزبانشز".
وقف السحرة الثلاثة باستقامة أكبر ورمقوا أباها بنظرتهم الخاصة التي تجمع بين التجمّل والثبات. ووجدت جيل في الأمر سخرية مضحكة مبكية إذ كان أقلّهم إثارة للتهديد يطلّ من عين تسولوغوثولان الجزئيّة الانغلاق والمعتذرة. كان الصمت على شفير الغرابة لولا أن نطق فيزبانشز أخيرًا محنيَّ الرأس في إيماءة مبهمة لانحناءة احترام.
"نعم، سيكون من غير اللائق أن تُكره على قبول خدمة الشخص ذاته الذي انتهك شرف عائلتك. كما لن يكون صواباً أن تطلب استمرار مثل هذه الخدمة ممّن تعدّه غريباً تماماً الآن، بغير مقابلة واعتبار ملائمين. أو أن تترك بلا الفائدة الكاملة لعرضي إن وجدت شيئاً غير مقبول في أيّ مرشح ماثل أمامك قبل سداد الدين".
لم يبدو أيٌّ من السحرة منزعجاً بعد الآن. لم تكن هناك نظرات خفيّة ولا تبدلات في المواقع بينهم، بل وقفوا متحدين وميقنين. انتابت جيل مشاعر غريبة ومثيرة بعض الشيء بأنّها تفصيل ثانويّ في الغرفة. لم يسبق لأيّ زائر أو نبيل أن حصر تركيزه كله في أبيها هكذا حين كانت حاضرة من قبل. كان التنين يتطلب نظرات عابرة على الأقل حين يظن الآخرون أن لا أحد يلاحظ. لكنّ السحرة تجاهلوا وجودها ذاته فيما كان هذا الأمر يُعرض على أبيها.
أمعن أبوها التفكير قبل أن ينظر إلى ساحرة الخريف ثم الغريب المستنقعي.
"أكلاكما راغب في تنفيد دين اللورد الساحر كما يلمّح؟ أقرّ بأنّني لا أعرف الكثير عن مراتب السحرة لكنّ ألقابكما بدت لي متقاربة".
لم تكتف أوراق يوين العنبريّة المائلة إلى الحمرة بالايماء بل انحنت في تحية، والتفت حواشي رداءيها إلى الجانبين من غير أيّ أثر كمّ أو يد لتوجيههما. أومأ تسولوغوثولان انحناءة جليلة وهزّة رأس ذكّرت جيل بحركة بجعة أو دجاجة أكثر من إيماءة بشرية.
"توجد بين السحرة مزايا كثيرة مستحقة للورد الساحر، غريب كلّ الازقّة والأسطح والمجاري في مدينة جيرهجينتات الثلاثيّة الطبقات. وماملكه من تعاملات يغني عن الثلاثة وحدنا كخيار للإجابة عن هذا الدين أيها اللورد روتشفورد. رغم أن استدعاء بعضهم قد يكون مهمّة تجعل الدين يُقضى في انتظار وصول البديل".
دفع ذلك أباها إلى توقّف متأمّل وطرق خفيف لأصابع على مكتب دراسته. كان خشباً قديماً متيناً، خشباً وجدته جيل ودوداً وصبوراً.
"هذه الفائدة تعويض مقبول لتعديكم، رغم أنّ قرار أيّ منكم الثلاثة سيخدمه هو أمر سأتشاور فيه بما لا يسبق مساء الغد. والآن، أما عن الأمر الذي ابتغيتم مقابلي لأجله بعد ظهر اليوم".
كان اللورد الساحر مغروراً لدرجة جعلت جيل تفاجأ لعدم تقاطره من كلّ شارب فيه كالسلنجبين.
"بالطبع أيها اللورد روتشفورد. لقد سافرت أنا ورفقتي من الزملاء السحرة إلى أراضيكم رغم الحاجة إلى ترك أراضينا لنحظى بفرصة دراسة ابنتكم ووصفها".
أظلمت عينا أبيها وحاولت جيل كبح توجسها. بدا هذا تدخُّلاً سافراً ومزعجاً، وربما متبوعاً بشيء من الحيرة. لماذا هذا التركيز على وصفها؟ يستطيع أيّ بلاطيّ وصف كلّ ما يخصّها. أيّ حاجة تدعو إلى ساحر؟ ما الأهمية البالغة فيها؟
وكأنه يجيب عن فكرتها، تابع الهرّ: "إنها بيضة التنين الأولى في رعاية البشر التي تفقس منذ سبعة قرون وفقاً للسجلات التي بحثتها بمواردي وموارد زملائي الحاضرين وغيرهم".
أمعنت جيل التفكير في ذلك، فقد قرأت أن عدداً غير قليل من البيض مُنح للبيوت المعنية بعد حرب الطاغية. لكنها حتى الآن كانت الفقس الأول في المقاطعة. غير أنه كان هنالك أكثر من دزينة في الغنائم! ولم يكن التنين الطاغية التنين الوحيد. كان الفرسان ينقلون أخبار وحوش التنانين البرية طوال الوقت، ووقعت عملية قتل العام الماضي فحسب في دوقية كاهفهايم المجاورة بثلاث بيضات في الكنز!
وهو ما يعني مجتمعاً أن فرد عائلة التنانين يجب أن يكون فائدة نادرة لا فريدة تماماً لعائلة. لكن أن تكون جيل الوحيدة التي تفقس في سبعمائة عام؟ في مدى أراضٍ على اتساع مبلغ وصول هرّ السحر؟ حتى الأم لم تكن على معرفة بالعالم الذي أتى منه هو وحزبه. إن كانت الوحيدة؟ فهذا يجعلها مكسباً قيّماً وخطيراً للغاية. وهذا ما يجعل عائلتها عرضة للخطر بشدة. كانت الكونتيسة باتوري هناك لحمايتهما لكنّ الأم والأب كانا أشدّ خوفاً من ثلاثة سحرة يسافرون مع فارس واحد ممّا كانا عليه قط تجاهها.
"لقد جئنا إليكم لترتيب الشروط والأحكام لوصولنا الحصرية إلى شخصها للدراسة السحرية. وسيمتدّ هذا الوصول المشروط ليشمل على الأقل الغرباء الثلاثة الحاضرين وإن أمكن زملاء آخرين يحملون علامة سحرية تبيّن أنهم جزء من طبقتنا النبيلة".
لقد قرأت جيل رسائلها حول الأحكام في تواريخ مع ألكسندر. كان جلّ عمل لورد يتناول أموراً مثل الوصول الحصري إلى الأشياء. الأرض، الماء، الحيوانات، وحتى البشر في حالة الزواج أو التبني. لقد كانت مهارة حيوية لدى اللورد وعائلته لفهم التعاملات والمسؤوليات المتوقعة منهم. وكانت هذه صفقة تتعلق بالوصول إلى جيل! وهناك المزيد من السحرة المحتمل تورطهم؟! هؤلاء الثلاثة كانوا فقط من جُمعوا في الطريق؟
لقد قرأت جيل تواريخها، وعرفت قوة الحلفاء وحتى الآن مُنح كل ساحر هنا على الأقل لقب لورد، أو ليدي، أو ما يعادل ذلك. وضعهم ذلك على الأقل في مصافّ الأب من حيث الرتبة وحدها، وربما أكثر أو أقلّ اعتماداً على ألقابهم الأخرى وثراء إقطاعيتهم. وهذا اللورد الساحر فيزبانشز يُدان بفضائل كافية من سحرة آخرين لتملية تمركزهم خارج إقطاعياتهم الخاصة؟! لسنوات؟! أطول ممّا كانت حية! لم يكن لدى الكونتيسة حتى هذا النوع من السطوة على الأب!
مما يعني أن اللورد الساحر فيزبانشز، ورغم تساويه في الرتبة النبيلة، كان حاكماً على لوردين على الأقل بسطوة أشدّ إحكاماً من الكونتيسة نفسها! وجدت جيل نفسها تنكمش بقوة تجاه السجاد والأرض حتى أصبحت كتفاها تقريباً دون مستوى مكتب الأب.
"مع تضمين الدعم من جميع الأعضاء المستفيدين منه لضمان أمانها وأمان منزلكم من أيّ وكلّ مطالبين آخرين أو قوى أو سلطات أو أشخاص خارجيين، وذلك بأي سحر وسلاح في حوزتنا".
وكانوا يتحدثون عن الحرب أيضاً. لم يُنطق بالأمر صراحةً إذ كان ذلك سيعتبر إعلاناً وإهانة محتملة للجميع.
لكنها عرفت ما تعنيه عبارة "ضمان بأي سحر وسلاح في حوزتنا".
ببساطة مجرد امتلاك "الحقّ في الوصول"
و"الحق في الوصف"
لجيل كان سبباً للاستعداد لحرب مع سحرة آخرين؟! أثار ذلك زفيراً حاداً من الصدمة لدى الأب. لماذا قد- آه... لم تكن تلك الشروط للسحرة فقط. بل كانت إعلاناً مفتوحاً بالحماية من كل القادمين. سيمنح السحرة الأب حماية من لوردته الكونتيسة باتوري إن وُجد تهديد أو خطر من تلك الناحية بثلاثة سحرة أو أكثر! ممن هم مستعدون لخوض حرب مع من لا يحنون الركب (مجازاً ربما) للورد الساحر فازبانشز من أجل حقّ الوصول إليها؟
ارتجفت رقبة جيل مع توتر لمقاومة رغبتها المتصاعدة في حفر طريق عبر سجادة الأب الفاخرة وإلى حضن الحجر الآمن بالأسفل.
"فضلاً عن كل الإقامات الملائمة، والحدود، والعرَف القانوني، والبنود التي ترونها ضرورية. لراحة ابنتكم، وصحتها، وحمايتها بالطبع".
ومرة أخرى كان صوت فيزبانشز كله عذوبة ولطفاً. لكن جيل لم تستطع رؤية ما إذا كان وضعه الجسدي يتطابق مع ذلك. كانت مشغولة جداً بإخفاء رأسها تحت جناح والارتجاف في كرة متراصة قدر ما تستطيع تحمله. محاولة الانكماش لتصبح أصغر استحالةً من البيضة التي فقست منها. لم تستطع رؤية أيّ شيء، بل سمعت الكلمات فقط. كانت كلمات الأب أبرد من تلك التي استمعت إليها سسراً حين كان يصدر حكماً على قاتل ذي قُربى.
"لقد منحتموني الكثير لأفكر فيه لكنّ الوقت متأخر. وقد سافرتم طويلاً للوصول إلى هنا. سنناقش هذا لاحقاً أيها اللورد الساحر حين تتاح لنا جميعاً فرصة الراحة والتفكير. أتمنى مساء هادئاً لكم ولمرافقكم تحت ضيافتي".
بقيت جيل منكمشة، حتى حين أشارت أصوات الشخصيات المغادرة والأبواب الموصدة إلى أن السحرة الثلاثة قد رحلوا. ارتجفت واهتزت عند ملامسة يد أبيها لكتفها. ولم ترتخِ إلا ببطء مع نفس مرتجف بينما مرر أصابعه خلال لبدتها.
"كل شيء على ما يرام، جيل الصغيرة. إنهم يطلبون منا منحهم الشروط. وسنمنحها لهم لحمايتك. سيكون كل شيء على ما يرام. لا داعي للقلق".
شعرَت بثقل الأب يستقرّ ضد ملفوفاتها الملتوية بإحكام والتفت ذراعه حولها لعصرها من الجانبين بينما استمرّ في مداعبة شعرها بلطف وتمتمة بصوت خفيف. في مرحلة ما شمّت رائحة الأم تقترب من باب الدراسة. وسمعت الباب ينفتح وأمها تتنفس بشدة قبل أن تستقر هي الأخرى إلى جوار ابنتها لتهدئتها وتسكينها برفق. لم يكن هذا لائقاً، كان يجب أن تنام في غرفتها وفراشها الخاص كما اعتادت منذ بلغت السابعة وتدع والديها يحصلان على راحتهما في غرفتهما.
لقد كان كلاهما يتعاملان مع كلّ هذا لنصف اليوم على الأقل وكلّ ما يلزم لتجهيز وليمة بهذه السرعة. لكنها لم تبرح أرضية الدراسة، مجبرة أبويها على البقاء معها حتى وجدت جيل النوم أخيراً.