٨.٣ حدّقت جول في المغزل. ثم التفتت نحو الأم. كيف بدت قادرة بلا عناء على أخذ حزمة صوف وتحويلها سحراً إلى خيط على تلك القطعة البسيطة الصغيرة من الخشب والحجر. لو أن بقية من في المكان اضطررن إلى التركيز بحدة مثلها لبلوغ أناقة الغزل وإتقانه لما شعرت جول بهذا القدر من السوء. لكن الأم وجميع النساء الأخريات كنّ يتحدثن باستمرار دون أن يعرن الجهد أدنى اهتمام. حتى الفتيات اللائي كنّ ما زلن يتعلم بأنفسهنّ بدين قادرات على صرف انتباههنّ طوال الوقت تقريبًا.
وكانت جول تخجل من الاعتراف بأنها تغار منهنّ لكون جلّ همومهنّ ودروسهنّ محصورة في بضعة أعوام من النمو ومضاعفة الحجم على أكثر تقدير! لقد تضاعف طول جول ما يقارب أربعة أضعاف منذ فقسها! علّقت الأم وتحدثت عن أحوال الأطفال في القرية وكيف تمضي أمور الرجال. وسمعت بضع ملاحظات عتاب على الكدمات التي رأينها بسبب تعامل جول الخشن. تلتها اعتذارات قيلت بكل أريحية وضحكات طيبة وابتسامات مشجعة.
لم تكن جول بعد ما يكفي من خبيرات الغزل لتمنح التبريرات التفاتاً يذكر وسط كل تلك الثرثرة حولها. كان عليها حفظ تركيزها. كلما ازدادت جول طولاً وحجماً تغيّرت بلا توقف الدقائق والتفاصيل التي تعلمتها في الغزل العام الماضي. بدا وكأن عليها في كل عام أن تصارع شاقة لتبلغ الكفاءة من جديد. عندما كان عمرها أربع سنوات استطاعت أداء الأمر مثل الأطفال حين كانت أمها تغزل. لكنها بعد ذلك أصبحت أطول من أن تستطيع إبقاء نفسها منتصبة طوال الوقت.
لذا تعلمت لفترة قصيرة مدّ خيط الصوف أفقياً من يديها إلى قدمها قبل ترك المغزل يهوي. لكنها عادت فطالت حتى باتت تلك الطريقة أبعد من أن يسمح الصوف بقطعها واحتفاظ الجاذبية بقوة الشد. ثم حين نما لهيب تنينها وازداد عمقاً تسبب ذلك بأنواع أخرى من المشاكل. وكان ذلك كله بعد أن وجدت طريقة لتصنع ما تفعله الفتيات القرويات في نصف عمرها! بدت يداها وقدماه مخالفتين لطبيعة العمل. مخالبها حادة وتعمل بسهولة على اشتباك الصوف أو قطعه.
أما أصابعها ومع صلاحيتها للإمساك فافتقرت للمرونة في تفرعها. وكانت لحراشفها ملمس يختلف عن أي بشرة تخص النساء مما جعل المحافظة على حركة الصوف بوتيرة صحيحة عبرها أمراً بالغ الصعوبة. ثم نمت أطرافها الأربعة جميعاً وازدادت سعة توهج لهيب التنين الخافق فيها تضخماً. في وقت ما استخدمت جول حتى الإصبع المخلبي لأحد جناحيها للمساعدة في إنزال الصوف نحو المغزل لكن ذلك بالكاف لم ينجح في أحسن الأحوال وبات مستحيلاً حين اتسعت جناحيها قليلاً.
كان الغزل على الأرجح واحداً من الأعمال التي تُعدّ جول الأسوأ فيها على الإطلاق. لكنه الواجب اللائق بأي سيدة أن تعرف كيف تغزل الخيوط وتنسج القماش وتصلح الألبسة وتطرز الثياب. لذا كانت جول هناك مع الأم وخمس وعشرين امرأة وفتاة من القرية يعملن على صوف الأب من جزازة العام الماضي. أطلقت جول زفيراً ساخطاً وتحركت لتتخذ وضعية أخرى. لقد غدت كبيرة بما يكفي لدرجة أن الطريقة التي اعتادت بها إمساك نفسها سابقاً جعلت الخيط ضعيفاً للغاية.
كانت تتحرك محاولة إيجاد الحل الوسط المناسب وتقوم بطي جسدها وتكديسه لضبط قدميها ويديها على المسافة الصحيحة بينهما من جديد. تصارع لضبط الزوايا. كانت ذراعاها موضوعتين بغرابة شديدة! فقد كانتا إما متقاربتين لدرجة تمنع إعطاء المغزل مساحة تلائم يديها مع فراغ ملائم بينهما أو متباعدتين بما يكفي ليصعب عمل يد الطفلة. تنقلت وتحركت على جانبها من غرفة الغزل. وغرفة الغزل هي تلك التي يحالفها النور الجيد في ذلك اليوم بالذات وتتسع لعمل الأم وعُشر الغزالات لذلك اليوم في الغرفة ذاتها مع جول طوال الموسم.
لقد كان ذلك أحد اقتراحات الأم قبل سنوات بأن تتخلى جول عن محاولة الغزل بدقة مثل امرأة بشرية وتسعى عوضاً عن ذلك لاستغلال الهبايا التي مُنحت لها بصفتها تنّيناً. وقد ساعد ذلك. مؤقتاً. كلما تمكنت جول من إيجاد وضعية ملائمة وفّر حجمها الوسيلة للتعامل مع كميات هائلة من الصوف دفعة واحدة. وحين كانت تفشل في مواءمة الوتيرة بحيث يصبح الخيط ضعيفاً كانت تتلقى غالباً الإطراء على جودة خيطها ومتانته.
لذا كانت تستخدم حجمها لإحداث سقطة أطول باستخدام مغزل أثقل. وحين تنجح في ترتيب الأمور جيداً كانت جول قادرة على غزل الخيوط ببراعة حقاً. كان بإمكان جول أن تكون رصيداً نافعاً. لكن ذلك يفترض قدرتها على ضبط الوتيرة والدوران والتوازن بما يناسب أبعادها الأخيرة. ثم يفترض أيضاً نجاحها في التكيف مع حراشفها التي قد تكون شديدة النعومة وشديدة الإمساك بالصوف في الوقت نفسه! وهي صفة دقيقة تتغير تبعاً لمزاجها بقدر ما تتغير مع عمرها!
وهو ما يعني أن جول نادراً ما حظيت بأفضل من نصف موسم من كل خمسة تشعر خلالها بأنها نافعة حقاً في الغزل. كانت جول تواصل النمو والتغير في كل عام وتتبدل حراشفها لتقوم بأفعال محبطة في الطريقة الدقيقة التي تنحدر بها على أصابعها كلما وُجد المزيد من الأصابع لتغطيتها. ثم كان هناك أمر آخر؛ حين تدع لهيب تنينها يشتد حرارة يبدأ الصوف بالانحناء والالتصاق بها من شتى أنحاء الغرفة ويشبك بعضه ببعض.
وهو ما يعني أنها لم تكن تستطيع فرط الحماس أو الانفعال أو الإحباط ولا حتى السماح لنفسها بالاسترسال في أحلام اليقظة كما تفعل بعض الفتيات حولها حين يمللن الحديث. كي تغزل كان على جول أن تكون هادئة مستقرة وساكنة وفي سلام لا في المظهر فحسب بل وفي الواقع. حاولت مجدداً وهي تمسك بالصوف والمغزل والخيط بدقة. الكتلة الأساسية ممسوكة في يدها اليمنى وتتغذى من حزمة مستقرة على لفائفها.
والخيط المرتب باسترخاء يجري فوق إصبع يدها اليسرى خلف قاعدة مخلبها مباشرة ومن هناك ينحدر مسرعاً على طول جزءها الأوسط المطوي إلى المغزل المثقل المتدلّي فوق الأرضية بقليل. كان موضع القلق في وضعيتها الحالية هو إيجاد المكان الذي تحتاج فيه للتبديل بين قدمها اليمنى واليسرى لإبقاء المغزل مستمراً برفق. ركّزت جول داخلياً على مجرد إحساس الصوف وهو يمر من اليد إلى الإصبع وينزل نحو مهمة إعادة تعلم وإتقان المدة التي تحتاج لانتظارها حتى يصبح الخيط متكيناً.
أبقت لهيب تنينها يجري بخفة طفيفة عبر أطراف أصابع يديها وقدميها لمساعدة الألياف على الالتصاق بحراشفها الملساء سواها دون شد الخيط لقطع خلال اللف. راحت تتنفس بعمق وببطء شديد كي لا تزعج أياً من النساء والفتيات الأخريات في عملهن. نعم سيفلح هذا على الأرجح. الخيط يخرج متيناً بالشكل المطلوب. استغرق الأمر منها ربع وقت غزل الصباح قبل وجبة الظهيرة لكنها كونت أخيراً فكرة عن المكان الذي يجب أن تمسك فيه جسدها.
الآن، ومن هذه الوضعية، كانت تحاول محاكاة رشاقة أمّها، بل وحتى بعض نساء القرية الطاعنات في السن، وهن ينتقلن بسلاسة من غزل خصلة من الخيط إلى لف الجزء المنجز حول المغزل وسحب المزيد من الصوف لتشكيل خيط جديد يغزلنه. كُلُّ ذلك في آنٍ واحد! كتل الصوف تنزلق بين الأصابع وتتدفق لتصبح خيطاً طازجاً. البارعات بينهنّ (وكانت الأم تقريباً أفضلهنّ) كنّ يحافظن على انسيابية الحركات واستمراريتها دون توقفات محرجة أو تعثرات كانت جول تعاني منها مراراً وتكراراً.
وحين أخفقت في الحفاظ على الحركات الانسيابية للمرة الخامسة في ذلك الصباح، اضطرت جول إلى كتم أنين محبط. لكن ذلك كان يعني بالطبع أن نيران جوفها لم تعد محبوسة إلا في أطراف أصابعها ومنابت مخالب قدميها. سرى الاضطراب في جلدها مع تصاعد نيران الجوف لتجذب خيط المغزل نحوها، ملتقطة ذرات الألياف المتناثرة والغبار. تجمعت على حراشف جول قبل أن تتمكن من استعادة توازنها. تعثر الحديث قليلاً لكنهنّ كنّ يعلمن جميعاً كم يزعجهنّ أن تقاطع ثرثرتهنّ.
كانت مهام الأم تجاه الأب مهمة. فالتحدث مع نساء القرية الأخريرات أثناء الغزل لم يكن مجرد ملء لمغازل الخيوط فحسب. كانت الكلمات والثرثرة المتبادلة بينهن نبض حياة القرية. ولهذا أصرت الأم على أن تتناوب نساء القرية على العمل في غزل مخزون صوف الأب يوماً بعد يوم بين مختلف البيوت. باستحضار هذا في ذهنها، عثرت جول على مركز توازنها. ساعدها التركيز على شيء آخر غير إخفاقاتها. عادت الرخاوة إلى الصوف المحيط بلفائفها بينما تركز ذلك الوخز المرتعش لنيران الجوف مجدداً في أصابعها وأقدامها وفي أعماق جوفها قرب قلبها.
ألقت جول نظرة خاطفة على طريقة تحرك أكبر الغازلات وأكثرهن ثقة حولها. كان هناك نوع من الإيقاع في الأمر. في أصواتهن، في طريقة كلامهن، في طريقة تحرك الصوف بين أيديهن ثم تحوله إلى خيط. كان التذبذب الطفيف للمغازل وهي تحيك الخيط ليصير حقيقة مجرد سحر. نوع مألوف من السحر. توقفت جول عن صراعها، واسترخت، تاركة مغزلها يهدأ. كان هذا مألوفاً. شرعت جول في التحرك مجدداً، لكن الأمر بدا مختلفاً هذه المرة.
أنصتت إلى الهمهمات والثرثرة، وأكثر من ذلك أنصتت إلى الموسيقى الكامنة فيها. شعرت بها في نيران الجوف التي تسري بشرارة دقيقة في كل إصبع يد وقدم. ليس في جسدها وحدها بل في أجساد الأخريات أيضاً. في ذلك الطنين الخفيف الذي يصدر عن الصوف وهو يعبر أصابعها وينزلق فوق نعومة حراشفها. اللف الدقيق عكس اتجاه ألياف الخشب، ليس في مغزلها وحدها بل في مغازلهن جميعا. كان هناك طنين في الخيط قيد الصنع.
وجدت جول نفسها تههم بخفة مع تلك الموسيقى المتواريّة فيه. شعرت كيف تريد تلك الموسيقى أن تتحرك. كيف يغني الصوف والنور والخشب والألياف. وبدأت في تغيير وضعيتها، محركة ساقيها ولفائفها وأراعيها وعنقها. لتجعل الصوت أكثر دقة. ولتجعل الحركة أكثر انسيابية. هدأ الحوار من حولها قليلاً لفترة وجيزة. قدمت بضعة فتيات ونساء طاعنات في السن أغانيهن الخاصة. أغاني قديمة سمعتها جول من قبل عندما كانت تتجول في القرية.
خارج المنازل حيث تتعلم العائلات حقائق قديمة لا تشاركانها مع الأب أو أي من الحرس. لكنهن كن هنا لغزل الخيط من الصوف. وسرعان ما عادت الثرثرة والحديث، وإن لم تختفِ همهمة جول كلياً. تفاجأت جول عندما وجدن أنفسهن قد نفدن من حزم الصوف دون أن يصلن حتى إلى وجبة منتصف النهار. أو لكي نكون أكثر دقة، بدأت جول تأخذ من حصصهن من الصوف لتغزل المزيد منه في خطها الخاص. وعندها نفد منها العمل تماماً لتؤديه.
بدا الجميع يحدقون بها بدهشة وتسلية إزاء المغزل المحمل بغزارة مذهلة من الخيط الذي صنعته. أشرقت الأم وجهاً وهي تنظر إلى جول، ثم التفتت إلى بقية النساء والفتيات اللائي جئن لتأدية واجبهن كغازلات. إلى الصوف المغزول بالكامل والذي كان يفترض أن يكون ثمرة جهد مجموعة بهذا الحجم لمدة ثلاثين يوماً أخرى على الأقل. صار كل شيء ملفوفاً ومرتباً بأناقة الآن. شعرت جول برغبة في بسط جناحها وهي ترتفع لكنها التزمت بالوقار الذي توقعته منها أمها.
"حسناً إذن! يبدو أننا قد انصرفنا لعملنا اليوم ايتها الفتيات! من ترغب في الانضمام إليّ في شراب احتفالي مع خبز الظهيرة؟!"
لم تستطع جول إلا أن تضحك. كانت الأم رائعة لكنها كانت تعشق خمرها.