أبت عضلات جول عن الاستجابة. بدا دمها ثقيلاً وراكدًا وخاويًا من الحياة. أنهكت العظام وتشتت, وتصاعد خفقان قلبها بحدة وسرعة كلما عجزت عن فعل شيء. ألمٌ يغمر كل شبر. كادت لا تملك ذراعًا سليمة غير ملتوية وغير منخلعة من مكانها. غير أن ألكسندر كان هناك, كالكاظ لنفسه بالكاد, تحرك شفتاه بوجه الخدم وهم يصطفون درعًا أمام الخنزير. سحبت مورييل سيفها ووقفت إلى جانب ألكسندر مباشرة.
يدٌ على المقبض والأخرى ممدودة إلى الجانب في وضعية استعداد طالما رأتها عندما كانت مربيتهم تدرب ألكسندر على السيف. أبت عينة جول أن ترمش. كادت لا تبصر بها. بدت جول هامدة لا تفوق أشجار المحيط وتراب المرج الممزق بشيء, حيث عاث الخنزير بها فسادًا بكل استهتار. أي تنين عظيم وقوي تكون جول؟ حتى يغلبها خنزير يقل عنها وزنًا بكل هذه السهولة؟ ما هي إلا كالتراب الذي ترقد عليه. بيد أن ذلك التراب الممزق ضم حياة.
دفئًا وميضًا متراقصًا لنيران التنين رغم تناثرها وتوزعها في كومة. حية تمامًا مثلما كانت مجتمعة في مكانها اللائق. ودودة ومتوقدة لمشاركتها بكل ما نبت فوقها ووطئها من الأشياء. لم يزعجها الشجار المضطرب أكثر مما أزعجها وقع خطوات الظباء الهادئة في اليوم السابق. أو جذور العشب على مدار الربيع. بدا ذلك لطيفًا. ربما لن يكون التحول إلى تراب سيئًا إلى هذا الحد. كان الخنزير يهم بالهجوم.
تمنع أحد الصيادين وانتظر, ثم قفز ليغرس رمحه في عنقه. رأت جول بعينها الشاردة وغير الواضحة كيف استقر رأس المعدن في لحمه الثقيل. دفقة الدماء حوله والانحناء العميق في عود الخشب حين التقى ثقل الوحش والصياد في أليافه. لكن الخنزير لم يتوقف, حتى بعد أن اخترق الرمح جلده الثقيل وغاص برأس المعدن بأسره في لحم الكتف. بدا كل شيء بطيئًا للغاية, وظهر وجه مورييل مشوهًا بشكل غريب, بملامح ملتوية وفم فاغر وعينين متقدتين.
سيف يتزحلق على كتف الوحش وجبهته. يخدش أذنًا. فاضت الدماء لكنه لم يلتفت نحوها. بل قفز إلى الأمام. لم يكن الصياد الثاني محظوظًا كالأول. تعذر على جول تذكر ملامحه في خضم الاندفاع رغم ذوبان كل شيء كالوحل. تلقى الخنزير رمحه بفمه. انتزعه من يديه بلفتة من رأسه, ثم واصل اندفاعه بطعنة مباغتة للخلف من حيث أتَى. نشب الناب في فخذ الرجل, أسفل الموضع الذي قد يحميه فيه درعه المبطن والجلد.
ثم شق الناب للأعلى. لم تستطع جول سماع شيء فوق هدير دمها الميت في رأسها. لكنها كادت تشعر بانقسام وركه في مسار ذلك الناب. الدماء المتجمعة من اللحم الممزق في رشقات ونوبات شريانية والدرع المرفوع من الأسفل برأس الناب بينما تأرجح رأس الوحش ودفعته وتيرة اندفاعه إلى الأعلى مخترقة جذع المسكين. تشققت الأضلاع وانسكبت أحشاؤه على خطم الحيوان تمامًا كما تناثرت أحشاء الأمعاء والفضولات الأخرى من الأرانب التي اصطادوها.
حاولت جول أن تضحك لكن حلقها أو رئتيها رفضا إطاعتها. خفق دمها بغلاظة وصخب جعلها تتمنى لو يتوقف. لو يكف قلبها عن محاولة النبض بعنف ويتركها لتسكن وتهدأ, كتراب المرج. فقط لكي تتمكن من سماع ما يدور حولها, ألا ترين؟ ربما يقل الألم قليلاً أيضًا؟ قذف الوحش بالرجل. لقد فارق الحياة حتماً حتى وإن لم تدرك ذلك أطرافه المتخبطة وعيناه المذعورتان بعد. التفت نحو الخدم المارين وخفض رأسه.
غرس حوافره لكبح الهجوم. ممزقًا المزيد من المرج الذي بدا مرحباً بالأمر كترحيبه بأمطار الصيف القادمة. أخفق الخدم الاثنان في فعل شيء يُذكر, مجدداً. قصر رأس أحد الرمحين عن ملامسة جنبيه الملطخين بالدماء حتى. بينما أصاب الآخر جمجمة المخلوق وكاد يفلت من قبضة الرجل وهو ينثني ويتزحلق دون أن يجد مساغاً يثبت فيه. حافراً المزيد من الخطوط الحمراء الغاضبة على جبهة الخنزير. مرنت جول لهيب تنينها, جارة عينها لمتابعة ما يحدث, لتساعد نفسها على الطرف حيث عجزت عضلات وجهها المرهقة والمتألمة عن فعل ذلك.
سحبت الأشياء في ضبابية مترنحة قبل أن تكشط بؤرة التركيز لتعود إلى مكانها من العدم. حاولت مورييل الضربة مجدداً, بطعنة كاملة هذه المرة, دافعة للأمام بكلتا يديها, إحداهما تقبض بإحكام على المقبض, وراحة الأخرى عند الرمانة. سخرت كل شيء للاندفاع. بيد أن جول استعادة وعيها في الوقت المناسب لترَى أنها سددت الضربة بشكل خاطئ وحدث انثناء طفيف في السيف حين علق في لوح كتف المخلوق.
أدى التفاف الحوافر إلى إدارة الوحش وجهًا لوجه في العشب ودفعة للضربة من قِبل الخنزير دفعت السيف عائدًا نحو مورييل وكادت تجردها من سلاحها, مما اضطر المربية إلى التراجع خمس خطوات حتى استعادت توازنها. تفرق الخدم الثلاثة الناجون وفقدوا توازنهم إثر الهجوم الأخير. كانت مورييل خارج موقعها بسبب الارتداد. استقرت عينا الوحش الحاقدتان على ألكسندر. كان عليه الهرب! كان ألقاها يرتجف, يرمق الأنحاء بنظرات متباينة, ويداه تقبضان على الرمح بإحكام شديد.
أرادت أن تعنفه على ذلك, لقد تدربوا بشكل أفضل من هذا! يحتاج المرء إلى قبضة حاسمة لكنها مرنة على الرمح وإلا انتقلت صدمة الضربة على طول ذراعيه! التقت نظرات ألكسندر بنظرات جول. لا أبدًا. أخوها الغبي, الغبي للغاية. شعرت جول بقلبها المذعور ينقبض بشدة حتى أقسمت أنه لابد قد فجر شيئًا ما في جسدها المرضوض. لقد عرفت تلك النظرة. وتأكيداً لمخاوفها استعد, وأرخى قبضته وخفض ورسيه وثبت الرمح في مكانه.
مواجهًا الخنزير, وشفتاه تتحركان بكلمات لم تستطع سماعها وبتلك النظرة المصممة بغباء التي تظهر عليه أحيانًا. علت الدموع عينيه لكن جبهته استقرت وانكمشت غضبًا, وكل عضلة في فكه توترت. ظنت أنه لابد يصرخ. كان على وشك الموت. استغرق الخنزير لحظة لينفض عنه الغبار, ناثراً الدماء الآدمية ودماءه الخاصة, ثم تنفس بقوة جعلت جول ترى البخار. كان أخوها على وشك الموت. جذبت جول لهيب تنينها على نحو لم تفعله قط.
وليكن إن أغلق حلقها مسدودًا. وليكن إن تقادم دمها وجاع للهواء. وليكن ماذا؟! كان ألكسندر يتصرف كأحمق أطلس ويقف في وجه خنزير أطاح بتنين يفوقه وزنًا بأضعاف مضاعفة. وكان هذا الأحمق الأبدي يتأهب لأنه انزعج لأجل ألمها! أيها الأبله التام! أيهاغ اللص الأغشم! أيها الأحمق البطولي! رمت جول بنفسها من الأرض نحو الخنزير بأقصى ما تستطيع. لا بعضلات لم تجد سندًا أو رافعة ملائمة بل بلهيب التنين الخام.
انفتح فكها كفصل سيء الصنع, وشعرت باللحم يتمزق عند المفصل. بالكاد أدركت أنها لم تكن الوحيدة التي تتحرك. كانت مورييل تركض بأقصى ما تستطيع لإبعاد ألكسندر عن طريق اللصوص لصالح أن تُدحرج مكانها. كما كان أحد الخدم الناجين يندفع معها. برمحه في كلتا يديه, جاريًا نحو الوحش مباشرة. اصطدمت جول أولاً. قبضت على جسدها كالبلهاء التي أهانتها بشدة, ولفته حول الوحش لتحاول صرفه عن مساره بعيدًا عن أخيها (أو مورييل, ولكن أخيها غالباً).
لم تكن المعاملة الخشنة رحيمة بإصاباتها, فقد صرير عمودها الفقري وتوترنت عضلاتها احتجاجًا. ولم تتقبل أحشاؤها الأمر بسلاسة أيضًا لكن جول شدت نفسها بلهيب التنين والإرادة وحدها حول عنق الخنزير ثم صكت فكها بقوة على وجهه الغبي المنيع حتى شعرت بسن تنثني بشدة في جذرها. ظل قلبها اليائس ينبض, ضخًّا لدم خاوٍ ولا قيمة له عبر رأسها وعنقها وأشياء أخرى. لكنها لم تحركها قوة دمها.
كان الخادم الوحيد الشجاع (أو الغبي) بما يكفي للانضمام إلى هجومها قد رمى بنفسه تحت الوحش وأخذ يتدحرج ببراعة تحت الخنزير المذعور فجأة والذي كان يتخبط ويركل. أعمته جزئيًا فكها العليا المضغوطة بقوة على وجهه... أدركت جول خطأها وسحبت فمها لتحاول إغلاقه على جمجمة الخنزير بالكامل... لكن رأس المخلوق كان أعرض بكثير من أن تسيطر عليه! لذا ضغطت بقوة على ذقنها حتى شعرت بانفصام فكها وتكسر أوتارها صراخًا حتى تمكنت من إمساك رأسها في وضعية عصابة عينين/ملزمة ارتجالية.
لهيب التنين الذي يخط ويئز من حراشفها لدغ وسوّد شعيرات الخنزير الغبي الخشنة. لكنه لم يشبه شيئًا مما كان سيحدث لو استطاعت جول تنظيف حلقها. كم تمنت التنين لو تستطيع حرق المخلوق إلى رماد. تركه في جمار وغبار محروق تمامًا بكرهها. للأسف عجزت عن تركيز ذهنها لأجل ذلك, بل فقط للطهارة الحاقدة المتمثلة في وقف الوحش عن إيذاء أخاها! أخيرًا وجد الخادم القابع تحته مكانًا ملائمًا (أما زال حَيّاً؟!)
وصدح صرير رعدي من الألم. استطاعت جول الشعور بالدم في الجسد المضغوط على حراشفها. يدوي بالذعر وحرارة المعركة, تمامًا مثل دمها الراكد. ثم يخفت حتى يتوقف. ليعثر على صمت أبى قلب جول أن يتماهى معه. تداعت الأرجل بعد ذلك. كادت جول ألا تقلب المخلوق, لكنه كان ليتردى حتمًا ويسحق حليفها. وهو الذي قتل الخنزير اللعين! لقد مات. هل ألكسندر بأمان؟ أطلقت سراح جسدها من لهيب تنينها. ودون القوة التي تشده بإحكام هوت كالعشب المبلل.
وتسمرت عيناها اللتان هجرهما اللهيب في السماء بنظرات خاوية وشاردة. كان المطر على وشك الهطول. سُرت جول. على الأقل ستغدو نظيفة. ابتهج التراب كذلك.