2.4 أطلق الخنزير نخرةً بوجه جول ثم سدّد عينيه الدقيقتين نحو أخيها. ثبت في مكانه لبرهة. بدأت جول تشدّ نيران التنين داخله، وتحاول صفَّ طاقة الإبادة في عنقها. هل سيكون الوقت كافياً أصلاً؟مسافة واضحة من مئتي خطوة تفصل بين الوحش وبينهما. أليست هذه المساحة كافية يا ترى؟احتياطاً، خطت خطوة للأمام لتفصل بين الخنزير وألكسندر. لكن الوحش العملاق انفجر متحركاً بمجرد أن تحركت!وكأنه أُطلق من قوسه، كان في اللحظة السابقة بعيداً في أحراش الغابة.
وفي اللحظة التالية صار خارجها تقريباً!انقبض حلق جول وتناثر إمساكها بنار التنين وتبدد، فعجزت عن حفظ الهيئة الملائمة لتفعل أكثر من تعميته ربما؟لم تكن في موضع يحمي أخيها أو يُطلق لهيبها!لم يبدأ وجه ألكسندر بإظهار غير العزم الأبله إلا لتوه. في الوقت الذي استغرقه ليدرك حجم الخطأ الجسيم الذي ارتكبه، كان الخنزير قد اجتاز حدود المرج. تبخر نصف هامش الأمان المفترض في ومضة!استمعت جول إلى بقية رفقتهما وهم يهرعون عبر المرج.
لكنهم كانوا أبعد حتى مما كان الخنزير عليه!وأما ألكسندر، فلم يكد يدرك مدى خطورة هذا وحماقته حتى استدار هارباً مسقِطاً قوسه. بالطبع، بدأ أخوها يحاول الفرار الآن فقط. بعد أن أفسد أي فرصة لدع الحيوان وشأنه! لم تكن جول في مكانها، ونيران التنين بالكبير اجتمعت مجدداً بعد صدمة سرعة المخلوق التي شتّتها عبر حراشفها. أخوها لن يكون بأي حال بالسرعة الكافية. على الرغم من ضخامة الخنزير المقزّعة، كانت سرعته أكثر شيء مرعب رأته جول في حياتها.
تخيلت كيف سيجري الأمر، سيُطعن أخوها في ظهره، وربما في خاصرته وهو يحاول الاستدارة.مُحطّماً ومطعوناً بتلك الأنياب، ومطوّئاً بتلك الحوافر المشقوقة، وربما يُداس حتى يصير عجينةً بسبب حماقته. قد يصرخ مثلما فعلت الأرانب، وقد يسكن في رعب وألم. أحست باللهب يتجمع في حلقها، لكنه لم يكن كافياً!بدأت أجنحتها ترفرف هلعاً.انكمشت شفتاها كاشفتين عن أسنانها. لم يكن هناك وقت!أطلقت لهيباً مشوهاً وعديم الفائدة، فانفجر لهيب التنين بلا وعي أمام خطمها مباشرة ليومض الهواء ببياض اعمى.
آملةً على الأقل بصعق العملاق وقتاً كافياً لتصل إلى موضع تحمي فيه أخيها. تعثر الخنزير بقوة لكن ليس بالقدر الذي يجنبه حتمية سحق ألكسندر. لم تملك جول خيارات أخرى!فعلت الشيء الوحيد الممكن وانقضت بكل قوتها على الوحش. قفزة واحدة قطعت المسافة الفاصلة بينهما. أحست باصطدام جمجمة كالصخر، ودم حار وزلق من جرح السهم، فقُذفت صعوداً وبعيداً قبل أن تستطيع فعل أي شيء آخر، وعلق جناحها وانضغط بحدة، ودفع التراب الناعم وجهها فجأة، خط ضغط متعرج، يعلق في ملتقى أصابع الجناح، ألم.ألم.شعرَت بدوار وهي تنظر إلى جذع شجرة.
الأشياء تحدث في كل مكان منها. لهاث ويلهث بلا تنفس، عظام تشعر بالرضوض، شيء رطب في فمها. ماذا؟ماذا حدث؟ حوافر داسة في كل مكان على جانبيها وعنقها. زئير وغضب وعويل وصرخات مرعبة من الموضع الذي كانت تشعر فيه بأكبر قدر من الضرب والدهس. طعونات حادة لاذعة، صدرها، حلقها، شيء التوى بشدة خاطئة في كتفها الأمامية اليسرى ثم اختناق، لا تستطيع التنفس، أسنان قوية، عظام تحتك ببعضها، حراشف تنثني بقوة، لا تستطيع التنفس، لا تستطيع البلع، أين؟
ماذا؟!ثم اهتزاز، شد على جذعها ورأسها كأنها خرقة بالية. الكل غارق في دوامة حواس، وبصر لا يثبت أبداً وهي تحاول عبثاً ضبط عينيها. ثم صدفةً، رمى بها الاهتزاز بما يكفي لتخفيف الضغط على جانبي حلقها. كان يعبث بوحشية بوسط حلقها ويبذل أقصى جهد لسحب الحياة من عنقها. لبرهة مع هذا الارتخاء الإضافي، استطاعت جول البدء في محاولة معرفة أي لعنة حلت للتو؟!كانت الرضوض تملؤها بالكامل، وكلا جناحيها يعانيان آغلاماً تشبه شيئاً معطلاً ولن ينثنيا بالشكل الصحيح.
لم يكسر شيء حراشفها مع ذلك، ولم تظن أن عمودها الفقري تضرر، وبغض النظر عن عدم قدرتها على التنفس كانت جول تائهة في الغالب. حاولت جول تفقد الأجزاء التي لا يهزها الخنزير الغاضب. كان أطول من أن يُرفع بالكامل لتلك الضربة الأولى. لكن النصف الأمامي منها قُذف عالياً في الهواء قبل أن تملك حتى فرصة رد الفعل. ثم وكأنها مناورة عسكرية، أمسك الخنزير أحد أجنحتها المرفرفة بناب انزلق فوق الغشاء، والتواه بين الأصابع ثم استدار بنفسه لكي...
يرتطم بجسدها أرضاً ربما؟هذا انتزع مفاصل الجناح من مقبسها، والكتف والمرفق أيضاً ربما. لم يرد شيء التحرك هناك. ثم جاء الدوس، لم تكن جول واضحة تماماً كيف وأين لكن آثار الحوافر والانبعاجات المقلقة ملأت كل شيء من قفصها الصدري فصاعداً.كانت رجلها الأمامية اليمنى كارثة، مهشمة ومنتزعة عند معصمها وكتفها. تتدلى بألم بينما استمر الخنزير في محاولة حشر عنقها أعمق داخل فكيه حيث الأسنان الملتطمة.
لكن بدا أنه يلاحظ عبث ذلك وـ أهلاً بك. التقت عينا جول بعيني الخنزير فتدحرجت النظرة الدقيقة قبل أن يدور بجسده كله ليواجه رأسها، بينما كان يحفر ويركل التراب باحثاً عن موطئ قدم ليلقي بنفسه على وجهها. الفم مفتوح واسنانها منحنية مسبقاً لمحاولة طعنها عبر شيء أنعم مما وجدته حتى الآن. نقطة واحدة بدت موجهة بشكل مقلق نحو عينها تماماً!بطبيعة الحال، جذبت وجهها للوراء ولوّحت به بعيداً.ليس برشاقة بل بهلع أعمى محض.
ترمي برأسها كطرف سوط أكثر من كونها طبيعية أو بنية مقصودة. مفاصل عنقها تطقطق صعوداً وهبوطاً بينما تلطم رأسها بتراب المرج، أعماتها سحابة التراب. أنفض التراب، لا تفقدي أثر زوبعة الخنزير الغاضب التي تحركت كالبرق. هناك ضجيج ورائحة لألكسندر، ومورييل، والصيادين الأربعة، صرخات وصياح. لكن عيني جول كانت على شيْ واحد فقط. التأكد من أنها لا تفقد أثر الشراسة التي لا تزال تندفع نحوها.
زخم الخنزير نفسه منحها بالكاد وقتاً للتحرك للخور. بالكاد تستطيع التراجع في كومة مثيرة للشفقة. ثلاث أرجل صالحة فقط. جناح واحد. نيران تينينها متخبطة ومضطربة بلا قصد أو تركيز، مثل قفص دجاج مذعور يركض بلا تنسيق داخل لحم جول. كان المخلوق فوق جول قبل أن تتمكن حتى من محاولة تنقية حلقها المسحوق بما يكفي لإطلاق شظايا نيران التنين الفوضوية التي يمكنها توجيه أي شبه دليل بها.
ارتطمت تحت صراخها، مقلوبةً مجدداً في جولة ملتوية للعمود الفقري، شارطة أنياباً بطنين شبه موسيقي وهي تحاول سلخ اللحم عن أضلاعها. نزولاً إلى صدرها ثم إلى اللحم الأنعم قليلاً لبطنها. حراشف تُسحب بألم، لكنها لا تنزلق. رئتاها المنهارتاْن انكمشتا وتخبطتا بلا فائدة في صدرها، وصدرها يصفر بحدّة بالكاد يسحب أي هواء عبر قصباتها الهوائية المسحوقة. ثم حتى ذلك الهواء الطفيف صُعق هارباً وفشل صدرها حتى في الانثناء لتدبير ذلك اللهث الأصفر الضعيف.
كانت نيران التنين كجمر أُلقي متناثراً من موقد محطم. ارتد ذيلها وجفلت رجلاها الخلفيتان في الهواء قبل أن ينطبق لمس فم رطب بقوة على فخذها الأيمن وتشدّ بعنف. قارصة نصفها الأسفل فوق كتف الخنزير، لتلطمها في وجهها بوركيها!حاولت جول تنقية حلقها واستعادة إيقاع رئتيها. أستطيع الإحساس بنيران التنين في حالة اضطراب، متقطعة بصدمة وغير قادرة على إيجاد أي شيء تمسك به وتحرقه. ظنت جول أنها تسمع أصواتاً لكنها كانت تكتم تحت زئير، صمت مكتوم يتدفق كالأنهار في رأسها.
الدم الفارغ والجائع ركض في أذنيها. القلب ينبض كطبل يعلن عن موكب ضيوف. حاولت منعكسة رفع نفسها، لكن وزناً هائلاً سقط عليها كشجرة ساقطة. مثل ارتطاماتها عند تعلم الطيران لأول مرة. مثل المرة التي أطاحت فيها بسجل من تحت إحدى طاولات الوليمة فمادت الطاولة بأكملها وسقطت عليها. انهارت أضلاعها من مفاصلها إلى عمودها الفقري وعظم قصها، طقطقات إسفنجية ناعمة تردد صدى ضربات الحوافر المشقوقة.
لم تنكسر ـ ظلت أضلاعها سليمة تماماً ـ لكنها لم تكن متساوية، فقد جُرفت خارج نطاق اصطفافها، ضاغطة بإزعاج على رئتيها، ومفرقة بعضها عن عظم القص. ألمها. ألم يفاقم كل ما كان، لكن جول بالكاد استطاعت الانتباه للألم لغرقها في بحره. رعشة من إحدى ساقيها تعرضت لهجمات جذب وعض غاضبة، تهز رأسها بهوس، ضاربة وركيها وقسمها السفلي بالأرض حتى أعلنت طقطقة رطبة أن آخر طرف سليم لها خلع من مفصله.
هناك أصوات، هناك ناس هناك لكن جول بالكاد استطاعت جعل عينيها تركزان ضد أمواج الألم واللهب المتبقي. أطلق الخنزير نخرة رضا وهز جلده من عيدان الخشب الغريبة التي انغرست في ظهره. طعن ناب عنقها وقلب جسدها الخامد. لم تتحرك جول. وفقط حينها وهي خامدة وترتجف، وتكافح حتى للتنفس، وتشعر بقلبها يبدأ بالتلعثم التفت الخنزير عن التنين الصغير. نحو الأشكال الغامضة التي جذبت غضبه. بالكاد استطاعت جول التركيز لكن.
كان هناك شيء مهم. شدّت على شرارتها وجمراتها التي بالكاد تحترق، سוחبة إياها لعين واحدة. جالبة نيران التنين الملتهبة إلى العدسة والتميرات الصغيرة في الداخل، تحرك عينها هكذا وهكذا، تفتح وتغلق وتجهد. تجد الصورة تتضح. كانوا يلوحون بالرماح. السيقان المتناثرة كانت سهاماً.الخنزير لم يردعه شيء. نزف لكنه جمع شتات نفسه نحو الأشكال الستة التي أمامه على أي حال. لم تستطيع جول التركيز على كل وجوههم، فنقص الهواء عطل أنفها.
لكنها جذبت عينها الواحدة لتركز. كان أحد أقصر الأشكال الستة يُمسك به من قبل البقية. لكنه رغم ذلك يكافح للابتعاد، رمح طويل مقبوض في يديه، يصرخ بكلمات لم تعد جول قادرة على سماعها ضد الصمت العنيف في رأسها. ألكسندر. ما زال يلاحق ألكسندر. شعرت جول بأن لهيب تنينها يكاد ينطفئ تماماً عند هذه الفكرة. لا!