التنين اللامع الفصل 5

اقرأ التنين اللامع الفصل 5 باللغة العربية على مانجا تايم.

اقتربا من الحد الفاصل بين الغابة والمرج، فترجل الفرسان وأحكموا ربط خيولهم بأغصان الأشجار القريبة من الممر. تمدد ألكسندر وقام ببضع تمارين قرفصاء ليطرد التيبس عن فخذيه. لم يكن السرج مناسباً لأخيها تماماً، فهو سيشبّ ويدخل فيه لاحقاً. اضطر للجلوس مفرجاً ما بين ساقيه باتساع أكبر مما تفعله مورييل أو أي من الصيادين على خيولهم الخاصة. تحركت مجموعة الصيد بعد ذلك بهدوء على الأقدام.

خفضت جول خطواتها الصاخبة، مستقرة على زحف شبه بطني، وتلفتت باختلافات متعرجة يمنة ويسرى بدل تقويس عمودها الفقري على شكل سنام. بدا الحفاظ على الهدوء بهذه الطريقة أكثر صعوبة. تطلب ذيلها تركيزاً إضافياً لتتجنب اصطدامه بالأغشية والشجيرات. شكلت جناحيها عائقين محرجين بشكل خاص وحددتا الطرق التي يمكنها سلوكها، بينما استطاع ألكسندر والصيادون الأربعة ارتياد الممرات الضيقة بين الشجيرات والأعشاب البرية.

كادت أحذيتهم المصنوعة من الجلد الناعم وخطواتهم المنتظمة ألا تحرك العشب ولا تحدث أي صوت يذكر. التفوا حول جانب المرج ليبقى اتجاه الريح في صالحهم، واستطاعت جول استنشاق رائحة الجحر قبل أن تراه حتى. أدركت رائحة الوحوش وهي تقضم أوراق البرسيم الطرية حديثة الإبتسام وعشب المرج. تفشت التوسلات والتحذيرات الرهيبة في أنفها محاولة حشد أولئك المحيطين بها ليصبحوا أشد قسوة ضد هذا التهام لا ينتهي.

بدت رائحة فريسة الأرانب وهي تموت أقوى بكثير من روائحها الخاصة. جاءها رد نظرَة استئذان وجهتها إلى مورييل عبارة عن هزّة خفيفة برأسها. تلقى تضرع عيني جول نظرة استخفاف من المربية وهي تبطئ سيرها لتسير بجانب جول وتهمس برفق.

"أعلم أنك تستطيعين شمّهن يا بنيتي، لكن دعي أخاك يفوز باستحقاقه لا باستحقاقك. إنها صيدته ومجده هذا اليوم. نحن هنا من أجل شرفه، لنكون بجانبه في انتصاراته".

استطاعت جول سماع المعنى غير المذكور لكن الحاضر دوماً في نبرتها، وهو أنهن سيكونر هنا أيضاً لمواساة ألكسندر على إخفاقاته في هذا الصيد أيضاً، إن لم يتمكن من اصطياد أي من أهدافه بنفسه. لهذا لجمت لسانها على الرغم من تصاعد رائحة الأرانب وهي تأكل. امتزجت هذه الرائحة وتشابكت مع روائح الوحوش الأخرى التي كانت تتجول في المرج وما فيه من خضار. تواجد عدد كبير من طيور السمان وهي تقتات وسط العشب الاطول خلف مرتفع فاصل عن المكان الذي كان يتسلل نحوه الصيادون الأربعة وألكسندر إلى الأمام.

حرصوا على تجنب إثارة أي ضجة أو ترك أثر برائحة أو مرأى وهم يدخلون فسحة المرج المبرقعة بضوء الشمس. أضافت الحيوانات الأخرى روائحها حين توفقت جول عند حافة الفسحة. ربما يخفيها العشب، لكنه كان أخضر بغزارة تكفي لعدم إخفاء لمعان حراشفها بالكامل. لو كان ذلك في الصيف الثالث أو أوائل الخريف لامتزج العشب جيداً وحجبها. لكن براعم النباتات جميعها كانت لا تزال فتية وطرية رغم المجزرة التي تقضمها وتمضغها في كل مكان.

أومأت مورييل تأكيداً على ضبطها لنفسها ثم تقدمت وهي منحنية ومختبئة وسط العشب الطويل، متتبعة أخيها، تاركة إياها لتراقب المرج وتتجرع أنهار الروائح المحمولة على الريح. أعلنت حيوانات الحفر التي لم ترها من قبل عن وجودها من قلب الأرض. راحت فئران الحقول الصغيرة تزقزق بوجودها بين السيقان الأطول. حتى رائحة النحل الخافتة الحلوة وغيرها من أصغر طيور العالم استقرت في أنفها وهي ترفرف فوق أزهار الصيف قبل أن تعلو فوق الأعشاب الطويلة وتدخل في مدى رؤية جول.

إذ تقف بهذا القرب من الفرائس وآذانها منصبة، وتحاول تسديد ضربة جيدة نحو الجحر وأرانبه، كفت المجموعة عن الكلام. تعذر عليها رصدها عبر العشب المتطاير وكان عليها أن تخمن أنهم يتبادلون النظرات ويشيرون بحذر لتهدئة الموقف والنظر فيما أمامهم. داعب أنفُ عرقُ ألكسندر أنفها، إلى جانب مسك الصيادين الأربعة ومورييل الخاص. يشبه رائحة خيولهم كثيراً ومع ذلك فهو فريد بشكل مميز عن أي وحش آخر عرفته جول.

أضفت جلودهم عطراً فريداً تصدر المقدمة بلا أي حواس أخرى لتشتيت الانتباه. تخيلت جول أنهم لابد وجدوا نقطة مراقبة لضبط التسديد فلم تعد رائحتهم تتحرك عميقاً داخل الحقل. ولم تكن بعيدة جداً عن الوجود المشتت للأرانب ووجبة منتصف الصباح التي اصطادتها بالفعل. بنظرة سريعة للتأكد من عدم مراقبة أحد، أخرجت جول لسانها في الهواء لتتذوقه، تاركة الإحساس الغامض للوجود يتدفق إلى جداول واضحة من الروائح التي ترقص في الريح، وتتقوس فوق وتحت بعضها مثل نسيج السجادة.

جعلت كل أطياف النبات والوحوش واضحة وحادة في جميع أنحاء المرج. مما جعل طمس الرؤية أمراً ثانوياً بالعمل. نعم، كان هذا أخاها في وضع منخفض بما يكفي للانحناء، لكن التحول الواضح أشار إلى مكان تموضع ذراعيه، مما كعرض إبطيه أكثر وهو يسحب وتر القوس. تعذر عليها سماع شد الوتر وسط صوت العديد من الحيوانات في الحقل. روى الريح القصة، تصاعدت حدة التوتر، وصار يتنفس بصعوبة. تذوقته جول على الريح، تلعق التفاصيل من الهواء ثم رنين وتر قوس أطلق والانزلاق المكتوم وقعقعة سهم أخطأ اللحم وحفر بدلاً من ذلك أخدوداً في التراب.

صرخت النباتات القصيرة التي قطعها مرور السهم بأصوات دمائها في عطر المرج. حادة ومفاجئة وغير مشابهة لأي قضم أو رعي. صادمة لكل ما تنامى بمباغتتها. قفزت روائح الأرانب رعباً ووجدت جول نفسها غير مهتمة كثيراً بأنها قد تزعج الفرائس أكثر مما فعل الأرنب الهارب بالفعل. تقدمت بخطوات هادئة لكن بوضوح تام، على مسافة بعيدة بما يكفي لعدم إخافة السمان من تجمعه في العشب الطويل. سيكون الأمر فظاً تحسباً لعل الصيادين أرادوا أن يجرب أخوها التسديد نحوها.

وصلت إلى الفسحة، ولم يكن هناك أرنب واحد مرئي بل كثر يختبئون بعيداً عن الأنظار بروائحهم، وأخوها يخطو بقوة ليفحص سهمهه والصيادون الأربعة يحلون حبال الخيوط وسكاكينهم لصنع بعض الفخاخ وتركها قرب الجحور.

"يا له من حظ عاثر، سنحاول مرة أخرى في الفسحة التالية، سيدي الشاب، ونلتف عودة من هنا لنفقد الفخاخ. عند عودتنا طبعاً. لا تقلقوا، ما زال هناك متسع من النهار".

لفتت جول انتباه مورييل ثم حولت بصرها نحو الغيوم التي رغم تناثرها وزغبها بدأت تنبعث منها رائحة توحي بهطول الأمطار قريباً. أمكنها الإحساس بالبرق المنتظر، وهو يشد برفق على لهيبها الخاص. تأملت مربيتها السماء لكنها رفعت حاجبيها قليلاً. تجههم جول باختضاب، ثم استدارت لتنظر إلى المسكين ألكسندر وهو يتعقب سهمه متجهاً نحو الغابة. عاد أخوها إلى الفسحة بعد لحظات وهو يلهث، وكان لا يزال يفحص سهمه وكأن الأخير قد خانه شخصياً.

لكن قدر ما رأت جول، لم تتسخ ريشات السهم حتى من رحلته القصيرة بين التربة الرخوة والشجيرات. إذ أتيحت لها الفرصة، اقتربت من المجموعة ورمت مورييل بنظرة تحدّ ثم تحدثت بهق خفيف لتتجنب إخافة الفرائس التي كانت على وشك مشاركتها.

"هناك سرب من السمان متجمع في الشجيرات هناك، على بعد أقل من خمسين خطوة".

استدعى ذلك نظرة خاطفة من مورييل، لكن لم يكن أي منهم ليلاحظ الطيور بدونها على الأرجح. أيضاً، وبينما انشغل الصيادون وأخوها، التقت عينا المربية وأشارت بشكل أكثر وضوحاً بعينيها نحو أجواء المطر المتشكلة ببطء في الأعلى. كان الأمر واضحاً جداً لدرجة أن جول وجدت نفسها مضطرة أحياناً للمبالغة. نظرت مورييل مرة أخرى وبدت وكأنها استوعبت الأمر أهيراً ومع تنهيدة صامتة وأومة طفيفة وافقت.

من الأفضل ألا يضيع اليوم سدى بسبب الطقس، وكلما زادت محاولات أخيها قلّت مرارة عدم إصابة أي شيء مثله. كان للإصرار شرفه الخاص بعد كل شيء. كان ألكسندر ينظر بأمل إلى كبير الصيادين. كان كراوك يفرك لحيته ويتأمل ألكسندر، والقوس في إحدى يديه وسهم لم يكسر أو يتلطخ بالدم بعد في الأخرى. ردّ بنظرة قصيرة إلى مربيتهم التي وافقت برأسها صعوداً.

"حسناً، الأمر يستحق التسديد إن تمكنا من اتخاذ مواقعنا، السمان حذر للغاية ويفزع بسهولة، لذا من الأفضل أن نستقر ونبحث عن مخبأ لنرى إن كان بإمكاننا تسديد رمية واضحة بدل محاولة التسلل إليهم. أسوأ الاحتمالات، تأخذ موقعك ونحن ندفعهم نحو السماء من أجلك يا سيدي. أين حددت مكانهم، أيتها السيدة جول؟"

لم تصحح له أنها لم ترهم بوضوح بعد بل أشارت إلى حيث كانت الطيور لا تزال متجمعة بالقرب من الأرض تحت عشب الحقل المتمايل في الريح. تماماً عبر المرج.

"ممم، سنرغب في نصب كمين من هذا الاتجاه إذن. جيميليتسون، أنهِ نصب الفخاخ، خذا موقعكما على الجانب الآخر تحسساً لأي طارئ. من هنا، سيدي الشاب".

وبهذا تفرق الصيادون، بقي أحدهم هناك قرب الجحر المهجور غالباً (كانت هناك جراء في الأسفل، متجمعة للأمان، لكن لم يكن ذلك هدف الصيد اليوم) مع جول ومورييل، والتف اثنان بصمت إلى المرج من جهة بينما اختفى ألكسندر وكراوك عن الأنظار نحو الجهة الأخرى. راقبتهما مورييل بنظرة مألوفة نوعاً ما. تلك التي تتلقاها كلما أشارت جول لألكسندر عن كيفية تهجئة كلمة سببت له مشكلة أو لمحته بالإجابة على سؤال مباشر.

أدركت جول أن مورييل أرادت إلقاء محاضرة أخرى عليها بشأن الغش بروح النشاط. لكن نظراً لأنهما كانتا لا تزالان في رحلة الصيد، فقد اقتصرت توبيخاتها على نظرة حادة فقط. أثارت جول الأمر أمام أمها وأبيها مرة واحدة فقط بشأن كيف بدت مربيتهما تكرّه المسكين ألكسندر. لكن حين شرحت شكوكها وسببها ضحك الوالدان معاً ثم أخبراها برفق بألا تفرط في تدليل أخاها هكذا. الأسوأ من ذلك، أنهما بدآ يمنعانها برفق من مساعدة أخيها بالقدر نفسه منذ ذلك الحين.

استقرت جول في حلقة ملتفة كسولة في المرج. مسطحة العشب في لولب سيقان مبهج، وانتظرت صوت قوس ألكسندر. كان هذا الصيد مهمّاً لألكسندر. وكان واجبها كأخته مساعدته في العثور على شرفه هنا.