9.2 تنهدت جويل. لمَ يعيش هذا العدد الهائل من البشر بمثل هذا التلاصق؟! زارت كاكيتي مرة كل عام منذ أن بلغت الشتاء التاسع من عمرها، لكنها لم تدرك قط حقاً ما تعنيه ضخامة مدينة يقطنها عشرة آلاف نسمة! صدقاً، قد يتجاوز عدد الموجودين في كاكيتي في أي لحظة ما هو مسجّل. قد يكون هناك عشرة آلاف فقط يقيمون ويعملون رسمياً في كاكيتي، غير أن مئات أو آلافاً أخرى في الغالب كانت تعبرها!
كانوا يعادلون نصف الجيش الذي سار مع جويل إلى الحرب على الأقل. والآن، بدا نقص مريع في رجال المشاة المدرّبين ذوي الخبرة القادرين على حفظ النظام والسلام لمثل هذا الحشد المفرط في تقاربه من الرجال والنساء والأطفال، سواء أكانوا غرباء أم مقيمين. لم يبلغ مجموع رجال المشاة في روتشفورد وفالاسيك ودوجروف ما لعنته جويل. ولم يكن أولئك جميعا متاحين للإرسال إلى كاكيتي، أو ماهرين في إدارة العمل المطلوب.
كان التدريب على السلاح والسلوك متشابهاً، غير أن احتياجات فالاسيك أو روتشفورد أو حتى كلياتباترن تضاءلت حين وضعت في كفة مقابل المسؤوليات التي أُلقيت يوماً على عاتق رجال الكونتيسة! حرّاس البوابات والجسور وحدها! على الأقل، كانت المدن الوسطى تضم في الغالب عائلات وذوي مقدرة يتولّون حفظ نظامهم بأنفسهم. لكن بلدة البوابة؟ تلك الكتلة المحيطة من المباني الملاصقة لها خارجها مباشرة؟
انحدر ثلثا كاكيتي نحو الفوضى وشبه قطاع الطرق الصريح!
أوقف مرسومها عمليات تعليق «اللقطاء الملعونين»
على زوايا الشارع مجرّدين ومبرّحين بالضرب ومنتهكين، على الأقل.
لكن الأهوال كانت ما تزال تقع رغم إقبال أادلين على مسؤوليتها الجديدة بصفتها «متحدثة الشوارع».
كانت الفتاة التي ربما ما عادت لصوصاً تحظى بعلاقة وثيقة مع أهل بلدة البوابة، ممّا مدّ جويل بخط إمداد حيوي من المعلومات. ومثل فارس غريفون يستطلع الأراضي أمام مسيرة للجيش، كانت الفتاة الشابة تجوب المدينة لتقيس ما تخبئه أفق الغد لكاكيتي. ليت الأخبار التي استطاعت جلبها كانت أفضل. فمقابل كل اثني عشر من رجال المشاة السابقين ممن عُرفت أحوالهم، كان هناك واحد على الأقل مفقوداً أو مؤكد الموت.
وما امتلكت أادلين من نفوذ سوى القليل مع أهل دارها (رغم أنه كان أكبر مفاجأةً ممّا توقعته جويل من مجرد فتاة لصوص). ومع ذلك، حيث لم يُستهدف اللقطاء بالسوء، كثيراً ما كانوا يمارسون العنف بأنفسهم. في الأيام التي تلت إطلاق سراحهم، ما عاد المرء يرى أحداً منهم يتحرك في مجموعات تقل عن أربعة بعد حلول الظلام. والتزم معظمهم بحمل العصي والهراوات وما أمكنهم شراؤه من دروع جلدية أو أسلحة من الأجور التي منحتهم إياها جويل عند إطلاق سراحهم.
وعمد الكثيرون أيضاً إلى تغطية أفواههم بقطع قماش في الحد الأدنى. وبدأ لقطاء آخرون يفضلون الأقنعة الخشبية أو الجلدية! وكانت الشكاوى ضدهم أكثر بكثير من أن تتعامل معها حامية الحراس المتبقية والمهزيلة في المدينة. حتى مع فرض غرامات وعقوبات صارمة على الادعاءات الكاذبة. لطالما وجد لصوص ومتسولون وما شابههم في كاكيتي.
كانت تشمهم وتراهم كل عام، لكن الآن خرجت في الليل عصابات متحاربة من قطاع الطرق، سواء أكانوا من اللقطاء أم من «الرجال الكاملين».
وتعرّضت منازل ومتاجر للسرقة! وفي خضم مدينة يوشك ثلثها على الأقل على الانزلاق نحو الفوضى كل ليلة، كانت جويل تحاول كسب ولاة أمرها المتبقين! لمَ لم تكن هذه مسألة تخصّ وجهاء أو مقربين آخرين لتوفير القانون العرفي في كاكيتي؟ لأن الكونتيسة باثوري وجدت سبيلاً للرد على جويل من وراء محرقتها المحترقة والمبعثرة! لقد تألف رجال الكونتيسة من إجمالي الأفراد المعنيين بالالتماس للقانون العرفي في كاكيتي!
فعلى حد تعبير لعنتها، خدم كل محكّم للقانون العرفي أو مدافع عن رعاياها في كاكيتي ممن هم أدنى مرتبة ضمن رجال مشاة الكونتيسة. على الأقل أيّ شخص تمكنت من العثور على أثر له بعد! لأن أولئك الذين لم تزلزلهم اللعنة قد فرّوا من المدينة! كانت جويل وحلفاؤها وحيدين تماماً في كاكيتي. لم يكن هناك سواها، ومن رضي من الولاة بإعارة رجال المشاة (مع تنازلات في التزاماتهم بالطبع)، وعائلتها وبعض الحلفاء الحقيقيين.
والنقابات. لم تكن جويل مستعدة للنقابات. لقد قرأت عنها، وكانت على إحاطة عابرة بالفكرة. وتحدث تورزو عن نقابات إقطاعيته أحياناً في رسائله. غير أن جويل صُعقت بها على غير ميعاد. لم تكن روتشفورد وفالاسيك بحاجة إلى نقابات. وجد أحرار، وبعض الوجهاء لتمثيل القانون العرفي لشؤون الفلاحين. وقليل غير ذلك ممّا يشغل السيدة أو السيد. وكان هذا كله منطقياً جداً لقرى طيبة بسيطة لا تتعدى مئات الأفراد.
لكن كاكيتي كانت مدينة تكاد تلامس عشرة آلاف وفق السجلات. ومن فصل إلى آخر، قد يموت مئة أو نحو ذلك، أو يولدون، أو يتسللون خفية أو دخولا إلى المدينة. ومثل هذا العدد لم يحمل كميات مفزعة من القاذورات والنفايات الأخرى فحسب. بل عوضاً عن وجود حفنة معقولة من المهارين الحرفيين، ضمّت المدينة المئات! في كل حرفة وصنعة! وفي مهن لم تسمع بها جويل قط!
نقابات لأعمال الحديد، والصيد، وصناعة القوارب، النجارة، و«جمع الأقذار الليلية».
نقابات للبغاء والحمامات ودور الشراب. نقابة لعمّال الحجارة (على قلة ما وجد منهم). وحتى للحمّالين والتجار. لن تفاجأ جويل إن وُجدت نقابة للّصوص الأذلاء والمتسولين في هذه المدينة! وحيث بدا ولاة جويل مبغضين بعض الشيء على الأقل بفعل فعلتها في لعن أكثر من سبعمائة رجل بسبب جرائم الخيانة لمدينة كاكيتي والكونتيسة باثوري؟ كانت النقابات تتذمر بأدب شديد وإلحاح، بل بلا انقطاع!
نقابات النساجين والصبّاغين!
"لو استطعنا عقد صفقة للحصول على خيوط الأفعى المجنحة الجيدة في روتشفورد وقماشها أيتها الكونتيسة؟ ياللعار حقاً أن يكون السعر مرتفعة هكذا وأنت هنا معنا".
كانت نقابة العمّال الليليين (يا لهول الفزع حين اكتشفت جويل ما يفعلونه!) غاضبة بشكل خاص من جويل لأن أحد أعضائها ذوي المكانة الرفيعة بدا وكأن له ابناً بين الملعونين! وجد رجل شديد التأدب وهادئ تماماً في محكمتها هدّدها بصمت دون أن يزيح قدماً خارج إطار اللياقة الواجبة لمكانتها.
"حسنًا، نظراً للمشاكل قد لا نكون قادرين على أداء واجبنا أيتها الكونتيسة. لم تعد الشوارع ليلاً آمنة للعربات أتعلمين؟"
أرسلت نقابة الخبازين رجلاً مؤدباً بالمثل في الصباح الفائت ليقول إنه نظراً لكل الصعوبات فلن يتوفر القدر نفسه من الخبز المتاح في الحصن.
"آسفون بشدة أيتها الكونتيسة، لكننا نحن الخبازين علينا الاستيقاظ قبل الفجر بكثير، والأمر خطير للغاية الآن. غاية ما يمكننا فعله هو ضمان إطعام الناس الأجيال الصالحة".
ثم كان هناك الطحّانون.
"حسنًا، لا يمكننا حتى توظيف ما يكفي من الحراس لمراقبة عرباتنا أيتها الكونتيسة، عار حقاً، أنا أحاول لكن لا يمكنني دائماً إنجاز التوصيل إلا في ساعات النهار".
شعر جويل بأن المدينة بأسرها تفلت من بين يديها. كل هذه النقابات ابتسمت واعتذرت والأسوأ أن نادراً ما كان أي منها يكذب! كلا، إن أصرّت جويل حصلت دائماً على حقيقة الأمر. لقد عرضوا دائماً سعراً أعلى لتغطية التكاليف التي سببتها لهم حقاً. لكن الفضة لم تكن تحلّ سوى النذر اليسير. كانت كاكيتي تشبه حيواناً جريحاً ينزف الآن. كل ذلك لأن جويل أرادت تطبيق العدالة! بدا الأمر وكأن كل شيء يوشك على الانهيار حولها.
وحدث كل هذا حين عجزت تماماً عن تحمل وقوعه! احتجت المدينة لتكون مستقرة، وآمنة، ومحمية لتتمكن من المغادرة والعودة إلى الوطن وتسوية الأمور في فالاسيك! لتستطيع مواصلة العمل مع بول على كل التحالفات المعقدة واللباقة التي تطلبتها أدوارها! وربما احتجت للنظر في بناء قاعة وليمة أوسع نظراً لكل البشر الذين احتاجوا للقائها! بدا منزلها الحجري الصغير أصغر بكثير من حجم الشخصيات الهائل الذي توقعت التعامل معه بصفتها كونتيسة فيزنوف.
حتى مع توسيع معظم الغرف والحجرات لراحة جويل! لكن قبل ذلك كله، احتاجت إلى ولاية مضمونة من جميع البارونات وغيرهم من نبلاء فيزنوف. احتاجت المدينة لتكون مستقرة ومأمونة! احتاجت لكيلا تقلق بشأن مصدر فطورها! احتجت لتسوية الأمور مع النقابات وإعادة بناء مجمل جهاز القانون العرفي في كاكيتي بأي طريقة! انفَرَجت جناحا جويل، وتقوس عنقها، ولمست جانبي الحجرة وسقف قاعة الولائم اللعينة هذه بالكاد!
لقد نالت فرصة ضئيلة للهرب من هذه الغرفة الوحيدة في غضون خمسة أيام! ولم تحظَ بفرصة للطيران منذ اثني عشر يوماً! كيف كان أيّ من هذا صحيحاً؟! كانت جويل الكونتيسة! كانت القانون النهائي في أرض فيزنوف! ويفترض أن جويل حاكمة هذه الأراضي ومع ذلك شعرت بعجز يفوق ما شعرت به طوال حياتها! جعل ذلك النار في صدرها تندفع وتحاول الزحف هاربة من حلقها.