2.8 كانت جويل تتوقع ما هو أكثر من ملك كانتور العظيم. لكنها قدرت أنه لم يولد بعد نبيل يضاهي أباها هيبة. اضطروا لاستخدام إحدى كبرى قاعات الحفلات في حصن روتشفورد وفرش ثلاث طاولات لتستوعب حاشية أرفا وملك المملكة. اصطف الجميع على طاولتين متقابلتين، وتوسطتهما طاولة ثالثة طويلة. جلس الكونت تورزو عن يمين الملك، على الطاولة المقابلة لأبي. وعن يمين أبي جلست أمي، وعن يساره جويل، والتفتت ذيولها خلفهم.
وعن يمين أمي جلس تسولوغوثران. وعن يسار جويل جلس السير كراك. اختلط ألكسندر وسميثسون وحاشية تورزو على الطاولة الوسطى بين الرأسين، ومعهم بضع رجال ظنت جويل أنهم من نبلاء حاشية الملك الصغار. كانت الوجبة جهداً مشتركاً بين طهاة روتشفورد وأرفا وملِك المملكة. سمعت جويل مشاحنات ضارية بين طهاة الطرفين تتناقلها الآذان عبر القصر من المطبخ، ولم يكن ذلك لقوة سمعها الاستثنائية.
استمر ذلك من الصباح حتى الظهيرة، لأن كبير طهاة الملك وصل مبكراً بيوم كامل تقريباً مع ثلاث عربات محمولة بالمؤن. خضع طاهي تورزو بمعظمه لكبير طهاة الملك، لكن جويل شعرت ببعض الفخر لأن طهاة روتشفورد لم ينحنوا كالقصب المبتل في عاصفة شتوية. استقرت الوجبة على مزيج من نقانق الخنزير المتبلة الخاصة بروتشفورد مع طائر الفازان الغريب الذي يفضله ملِك المملكة ظاهرياً. أما التوابل، فكانت تزخر بطبقة سميكة من العسَل كما يليق بأي وليمة لائقة في بيت جويل منذ استحواذهم على معبد السيدة الفضية.
وبالمثل أضيئت القاعة بأجمل شموعهم وأصهاها. وبرز الفلفل الأسود المجروش بوضوح، مع لمسة خفيفة من الأعشاب الحادة وتوابل التوت المجفف المكبوسة مع باقي الطيور المنقوعة في الملح. لكن غاب تماماً حتى أثر الزعفران. وعلى هذا دار أعنف شجار سمعته جويل بين طاهي الملك ورئيس طهاة روتشفورد حتى كادت تقع الأيدي. لكن حرب الكلمات، والملاعق الملوحة (ور ربما سكاكين اللحوم أيضاً إن صدقت إشاعات الخدم) وتملق طاهي أرفا حسمت الأمر في النهاية.
كانت جويل قد أخبرت أباها وأما مكافأة عظيمة لجميع طهاة المطبخ لصمودهم دفاعاً عن شرفها. أضطر لابتلاع طعم الزعفران البغيض في بيتها؟ لا ترغب جويل في معاناة أمرّ من هذا، حتى من أجل ملِك المملكة. ورفق أطباق اللحم، وُجد طبق مقارب بشكل رائع ليخنتها المفضلة. وعلى الرغم من أنه لم يماثل يخنة هوزانكا ماسوندوتير المفضلة لدى جويل، فقد عقدت الآمال على أن تثمر مساعيها لتوظيف الابن الثالث لصاحب النزل رئيساً لطهاة قصر فالاسيكت.
وقد أبدت استعدادها لقبول خدمته رجلاً حراً أو قناً، أيهما يفضل. وستدعم خياره بكل ثقل رتبتها بصفتها سيدة ولاحقاً كونتيسة. وبالطبع، لتمام الوجبة، حضر خبز الدقيق الأجمل والأبهى، مشكلاً دوائر ذهبية مخبوزة. وقُدم مع بعض أفضل أنواع جبن الغنم المتوافرة في روتشفورد. كانت وليمة رائعة، وبحسب عين جويل، استمتع بها كل من حضر تقريباً. اندمج إمري في الحديث مع ألكسندر، في إطار مساعي أخيها المستمرة لتلطيف انطباع وريث أرفا عنها.
كان أخوها قد انتهى من الحديث عن شجاعتها وبراعتها في اليوم الثاني. ومنذ ذلك الحين، انتقلوا إلى مواضيع أخرى. في الآونة الأخيرة، حاولت جويل ألا تلتفت بينما اختار أخوها قصصاً تربك إمري أو حتى تثير ضحكه. يا ليت تلك القصص لم تكن محرجة إلى هذا الحد لجويل. على الأقل، بدا أن إيجادهما أرضية مشتركة في مناقشة ما أسموه حماقة الأخوات يقربهما من بعضهما. مع أن إمري نال في أكثر من مناسبة نظرات حادة لا تقبل الخطأ من أخواته الكبييرات.
اعتبرت بنات تورزو، ومما يبعث على الأسف، أن حرج جويل الشديد من ثرثرة أخيها فشل في إشعال روح الزمالة حين عانين هنَّ أنفسهن من الحرج. خلافاً لأخيهن، لم تكن أي من الفتيات مرعوبة تماماً من جويل. لكن بدا أيضاً أنهن توحدن حول موقف يرفض ترحيبهن بانضمام جويل إلى دائرتهن حين يمارسن الفنون النسائية. قد تكون سيدة، لكن مكانة جويل في أرفا كسيدة محارب خدمت في الحرب عزلتها تماماً أكثر من مكانتها كدودة أرض عملاقة.
وهو أمر غير عادل البراعة في نظر جويل. فليست جويل هي من قررت الذهاب للحرب. إن رفض نداء المعركة حين تملك جويل قوة دودة أرض يعد خيانة وعاراً لعائلتها بأكملها! لكن لا! في أرفا، طردت جويل (ومورييل أيضاً على ما يبدو) من جميع مجالس الأنوثة وأماكنها! جعلت التعديات منهن أسوأ من الرجال. أو هكذا زعمت الهمسات التي سمعتها جويل بين الفتيات وحاشيتهن. اكتفت جويل بتجاهل الغرابة الأجنبية المقرفة.
صحيح أن مورييل أقل تمرساً بالواجبات النسائية، لكن هذا لا يعني حرمانها حتى من المشاركة في الحديث! وجويل؟! يمكنها الغزل والنسيج أفضل من مجمل حاشية تورزو المباشرة مجتمعين. أصابها الإحباط فركزت على الطعام أمامها، وتناولت وجبتها بحيوية تليق باللحوم والأطباق المحبوبة. مظهرة للخدم وجوب افتخارهم بجودة الوجبة التي أعدوها لأجلها. أكلت أمي وأبي وبقية أفراد عائلة روتشفورد على نحو مشابه.
لكن، وكما أصبح عادة طوال الأيام العشرة التي قضوها معهم، كانت حاشية أرفا أقل تهذيباً بكثير. قطعوا طعامهم والتقطوه في حصص شحيحة وقضمات صغيرة. ليس بالسوء الذي يجعلهم لا ينهون أطباقهم، لكن إن لم تراقب الابتسامات على وجوههم أو الدفء في أعينهم؟ لظننت أنهم يكرهون الطعام المقدم أمامهم. لكن أسوأهم الآن كان ملِك المملكة نفسه. الذي تشمم، وانتقى، وقطب جبينه أمام طبقه. أخذ لقمة، ورغم انه بلع الطير المطهو باتقان، مقرمش الجلد على حافة البنفسجي الذهبي والغني بدهونه الكامنة، إلا أنه لم يستمتع به.
بغض النظر عن جودة تتبيله بالفلفل والملح والأعشاب وتغطيته بالعسل، بدا في كسيّد عظيم بشأنه. وأخيراً بادر الكونت تورزو مخاطباً ملِك المملكة.
"أهناك مشكلة في الطعام يا مولاي؟"
أنزل الملك ماتياس الثاني من البيت الشريف ستاين، سيد سيد أبي، والمنتظر أن يكون سيدها يوماً، نظراته إلى الطير المطبوخ باستياء مكشوف.
"همم، ألا يطعم بمذاق... غريب بعض الشيء بالنسبة لك؟ اللون أيضاً غير معتاد، أفسدت التوابل منذ وليمتنا الأخيرة؟"
بدا تورزو حائراً أمام العبارة ثم هز رأسه.
"على الإطلاق، فقد أكدت جودته ولونه عند وصوله صباح اليوم. لكن بما أنك ذكرت ذلك-"
تحدثت جويل، حارصة على ألا تثقل كاهل روح إمري الصبورة، لكنها أضفت على لسانها نبرة قاطعة.
"لا يطعم مذاق الزعفران لعدم وجود ذرة زعفران واحدة في هذه الغرفة بأسرها. يا صاحب الجلالة"
أوقف ذلك الملك وصديقه قصراً. قاطعت جويل للتو أعلى صوت في المملكة. قبل أربعة أعوام، لعدت جويل ذلك أمراً لا يصدق. لكن ذلك كان قبل الحرب. ذلك كان قبل أن تقابل الكونتيسة باتهوري وتتحدث معها بثقة. ذلك كان قبل أن تصبح وريثة فيزنوف. ومخطوبة لابن امرأة تكرهها وتلعنه الأقدار. حدقت جويل عبر الطاولات في ملِك المملكة، متلاقية معه بالأعين، رغم أنها أبقت رأسها منخفضاً باحترام دونه (والذي كان أقل بنحو قدم كاملة من أبي).
خرج صوت تورزو مشدوداً بعض الشيء.
"آه، لمَ ذلك، يا دودة فيزنوف اللامعة؟"
تناولت جويل طائر فازان كاملاً من الاثنين الباقيين على طبقها، وأمسكته بمخلبها الأمامي الأيمن، ثم وضعته ببطء شديد على لسانها وأطبقت فكيها عليه. ببطء وبصوت مسموع سحقت العظام، واللحم، والجلد المقرمش المطهو بإتقان، والنخاع العصاري، وحشوة الخبز المحلى بالعسل، وجبن المعز، وبهارات الأعشاب. نقلته إلى مؤخرة فكيها، إلى أسنان بدت، بصراحة، غير مناسبة تماماً لمهمة الطحن والهرس كأسنان البشر.
كانت أسنانها حادة للغاية وأرفع بكثير وأحادية الشكل. مصممة في الغالب للتمزيق والقطع. لا للهرس أو الطحن. لكن جويل أمضت أكثر من عقد في التدرب على الأكل السليم مثل أبويها وأخيها. إن حركت فكيها بالشكل المناسب ولم تطبقهما تماماً، وُجد مسك كافٍ في الفراغات بين الأنياب الخلفية لتنزلق بدقة بين بعضها البعض بينما تحرك فكها من جانب لآخر. ومع عضلات التنين وقوته والتطبيق الطفيف لنار دودة الأرض لتعزيز الأسنان، استطاعت جويل تقليد طريقة المضغ المعتادة للإنسان أو البقرة.
بصخب أكبر قليلاً من كليهما. وأخيراً بلعت بوضوح وصوت عالٍ. عصارة اللحم وشظايا العظام تمر عبر رقبتها وتتكسر بوضوح تام وهي تضيق وتلوي جوف رقبتها. تعلمت جويل في سن مبكرة أنها تستطيع المضغ حتى أسفل حلقها الضخم. عرضت ابتسامة دافئة من الاستمتاع وخفضت رأسها قليلاً متى ما خلا حلقها بما يكفي للكلام.
"المعذرة يا صاحب الجلالة، لكني أمقت طعم الزعفران مقتاً شديداً. وهذا معروف تماماً لدى طهاة روتشفورد، وتفادياً لإحراج رفضي مشاركتكم الطعام في بيت عائلتي، أجريت هذه الترتيبات."
كان الجميع يرمقونها، وإمري بنظرة لم تكن جويل متأكدة من إيجابيتها. لم تكن رعباً، بل حملت طابعاً مزعجاً يشبه إلى حد كبير المظهر الذي يعتلو وجه ألكسندر قبيل إقدامه على أمر أحمق بشكل هائل. أحدق بها ملِك المملكة، عين بعين. لم تنحن ولم تركع، ولم تخفض رأسها حتى بوصة إضافية عما تقتضيه المجاملة لمكانته. جاءت كلماته قاسية كوجهه.
"أيمكنني سؤال دودة فيزنوف اللامعة وريثة الكاونتية عما يمكن لتابل مكلف ورفيع أن يفعله ليجلب كل هذا الغضب؟"
قدمت جويل ابتسامة تدربت عليها منذ أن رأت تلك المرأة لأول مرة. قاسية، لكنها مهذبة تماماً. مشبعة بالخبث والغضب والتهديد المرعب بعنف شديد دون التصريح به علانية. قد تكون الشفاه التي أظهرت لها تلك الابتسامة مكروهة، لكنها لم تستطع إنكار قوة التعبير. ثم تحدثت، بأخف صوت استطاعته احتراماً لجهد إمري، لكنها سعت جاهدة لحشو كل قطرة كحقد تكنه لذلك الوحش المرعب من النساء.
"خنزير مطلي بالعسل والزعفران هو المفضل لدى الكونتيسة باتهوري، يا صاحب الجلالة."
ارتفع حاجبا ملِك مملكة كانتور دهشة، ثم انفرجت على وجهه ابتسامة واسعة لدرجة أنها لوت أطراف شاربه الأشقر حتى خافت جويل من أن يفقأ عينيه. برق وميض في نظرته لم يكن موجوداً من قبل. وبحركة مفاجئة من الشغف وكل معالم الحماس الفوضوي الهائل، انتزع ساقاً من طائر الفازان الخاص به وقضم نصف الفخذ بقضمة واحدة قوية. طحن الملك بجوع حتى رذاذ الأعشاب والفلفل والدهن انتشر فوق طبقه والطاولة المجاورة له.
استقرت قطع البهارات وشظايا الجلد والدهن في لحيتة وشاربه. وتدلت قطرات العسل من طرف شاربه الأيسر. لم تر جويل أحداً ينجح في إبعاد الطعام عن فمه إلى هذا الحد منذ أن كان ألكسندر في الثانية عشرة. ابتسم الرجل لجويل على وسعها وقطع اللحم عالقة في أسنانه وضحك بصوت عال وقوي. أشبه بزئير حقاً أو عواء مرح. جعل ذلك بعض بنات تورزو يقفزن ذعراً. مستيقظات من حالة التماثيل المتجمدة التي أدركن للتو أنهن صرن إليها.
ضحك الملِك ماتياس الثاني من آل ستاين معها وأثنى بإعجاب.
"حسنًا، يبدو هذا سبباً ممتازاً للغاية! وليمة رائعة، والتحية لضيوفنا الكرام!"
تناول كُوباً من نبيذ العسل الجديد الذي بدأ روتشفورد في حفظه منذ أن أخضعوا معبد السيدة الفضية ووفرة العسل جنوبهم. ردت جويل نخب الكأس مع كل الحاضرين. لكنها وملِك المملكة لم يرفعا أعينهما عن بعضهما حتى فرغت كؤوسهما. شعرت جويل ولأول مرة بالأمل حيال زيارة الكونتيسة.