2.4 حين علمت جويل بأمره للمرة الأولى، لكانت قد صدمت لو قيل لها إن جيورجي تورزو من أرفا قد يصبح صديقا مرحبا به. حتى حين التقت الكونت للمرة الأولى، لشككت في ذلك. لم يكن رجلا مهيبا إلى حد بعيد في هيئته. أما صديقها جيورجي فكان كذلك، بل كان مرحبا به أشد الترحيب. كان غريبا حقا كم يمكن للحرب أن تغير الأشياء. كان لدى أبيها وعائلة روتشفورد عدد هائل من الكتب، كما اكتشفت، حتى إن مكتبتهم كانت من أكبر المكتبات الخاصة في وديان جبال ذيل الحافة.
لكن جويل أدركت أن كثرة الكتب لا تعني بالضرورة أن المرء قرأها كلها أو تذكرها. كان أبو جويل واسع الاطلاع، لكنه، مثل ألكسندر، لم يكن يحتفظ بما يتعلمه بوفرة الكونت تورزو نفسها. ما بدأ برسائل متصلبة رسمية، قابلها أبوها وأمها بريبة عميقة، تحول على مر السنين إلى سلسلة محببة من الأسئلة والنقاشات حول طبيعة العالم، والمحاولات الكثيرة التي بذلها الرجال لتدوينه في أنظمة. والآن، بعد أعوام من المراسلات منذ لقائهما الأخير، كان جيورجي تورزو من أرفا وعائلته بأسرها في طريقهم إلى الزيارة.
أو، للدقة، كانوا يصلون بوصفهم طليعة زيارة الملك الأعلى إلى كايكيتيه. وكان الملك سيمر بروتشـفورد بعدهم بعشرة أيام. أخليت قاعات القلعة، وأرسلت الكونتيسة باتوري العاملين والمؤن لضمان تجهيز روتشفورد، وغيرها من محطات الراحة في طريقه، لاستقبال الملك. حركت جويل لوالب جسدها وتململت في لفائف التقميط في الوقت نفسه. فأسكتت المرضعة نصفها الأصغر ودللتها. وكانت أختها غوين كثيرة التململ مثلها.
كانتا زوجا غريبا. وكانت مشاعر جويل تجاه أختها مضاعفة. كانت أكبر سنا وأضخم وأحكم بلا شك. أختا كبرى محترمة ترعى سلامتها. لكنها في الوقت نفسه كانت ندا لها، ورفيقة تكافح التحديات العظيمة في العالم. هشاشة جسد المرء. والصراع الذي لم يفلح أحد بعد في التغلب عليه، صراع البقاء منتصبا فوق عضلات ترتجف. والإحباط المشترك من محاولة التحرك على الأرض في زحف سهل، وهو أمر كانت جويل، حين تكون في ذاتها الكبرى ذات الأرجل الأربع، متمرسة فيه.
والضيق من كثرة ما يعبث البالغون بهما، فيحملونهما ويبعدونهما عما تريدان فعله. حين كانت غائبة عن ذاتها الكبرى، كانت ذاكرة جويل تقول إنها لم تتغير. لكن الأمر، عند مراجعته، لم يكن كذلك حقا. كان رأسها الأصغر ممتلئا بشكوك ضبابية. وكانت رؤيتها رديئة، وسمعها حادا أكثر من اللازم، ومع ذلك غير واضح. وكانت تفزع بسهولة من كل صوت وكل حركة مفاجئة. لم تستطع أن تجعل ذلك الحلق القصير الضيق يفعل أكثر من المواء والبكاء والتغريد.
كان أكثر من أربعة عشر عاما من التدريب بحلق أطول في الغالب من قامة الرجل بلا قيمة أمام العنق الصغير لذاتها الصغرى. ومن دون حضور ذاتها الكبرى، شعرت جويل بالتشوش والارتباك بطرائق أخرى أيضا. كانت للكلمات المألوفة معان قليلة أو خاطئة. وكان الصوت والنبرة يهيمنان على كل شيء. وكانت رؤيتها، رغم قصورها كله، تبدو واضحة بما يكفي حين تكون وحدها، فتراقب بتركيز شديد كما اعتادت دائما.
لكن التفاصيل كانت تضيع بطريقة ما رغم انتباهها. والأشد إثارة للاضطراب أن جويل، حين تكون وحدها في ذاتها الصغرى، لم تكن تسمع العالم ولا تشعر به. كانت الحجارة صامتة. وكانت الأشجار خرساء. كان كل شيء خانقا ومخيفا، فيجعلها تتوق وتسعى إلى الاتصال مجددا بذاتها الكبرى، وباليقين المريح والصواب الذي يحمله ذلك الاتصال، حتى حين كانت، قبل ساعات قليلة فحسب، تعرف أن عليها البقاء مع القائمين على رعايتها وطاعتهم.
ومن ذلك الاندفاع جاء الفعل. وبطبيعة الحال، كانت غوين، بما أنها ندها، تتبع ذات جويل الصغرى في تلك المغامرات سيئة التدبير.
أو بالأحرى، كانت تتبع "جيم".
بدا الاسم سخيفا لكلتيهما، غريبا وطفوليا على نحو شديد. كأن تسمي أصابع قدميك. لكن الجميع أصروا على أن ابنة جويل كيان منفصل، وأن عليها أن تحمل اسما خاصا بها. فقدمت حلا وسطا، ونالت بسببه قدرا كبيرا من السخط. وفي النهاية استسلمت جويل للموضوع بعد الضغط العنيف من البالغين. لم تستطع أن تشرح يقينها بأن الأمر ليس كذلك، كما لم تستطع أن تشرح لأبيها طبيعة السحر ونار ويرمها. ربما استطاعت، حين تتمكن أخيرا من إجبار حلقها الصغير على نطق كلمات سليمة، أن تزيل عنهم سوء الفهم.
لكن ذلك الصراع كان آخر تتقاسمه مع غوين. ومع ذلك. كان جيورجي تورزو من أرفا قادما في زيارة. سيصل بعد بضعة أيام أخرى، بحسب رسالته الأخيرة. قهقهت مع غوين، وقد غمرهما مزاج طيب، بينما كانت تتابع العمل في دفتر حسابات آخر بعيني ذاتها الكبرى. وبعد التفكير مليا، اتضح أن حادثا وقع أثناء تشييد إحدى قاعات قصرها. كانت إحدى العوارض متعفنة بشدة في داخلها، مع أنها بدت من الخارج سليمة ومتينة.
لم يكتشف أحد العيب، حتى حين تفقدت جويل الهيكل الأولي. لعل شيئا شغلها؟ لعلها كانت قلقة على ذاتها الصغرى في روتشفورد؟ أيا كان السبب، فلم يكن مقبولا. مات رجلان من رجالها حين عجز الخشب عن حمل ثقل الحجارة فوقهما. انهار السقف المقبب الجزئي الذي كان يفترض أن يكون إحدى ممرات قاعتها. وتشقق الحجر السليم حتى خرج عن شكله. وكان من المرجح أن يتأخر البناء عاما كاملا، ريثما تستخرج الحجارة وتقطعها وتشذبها، ثم يبدأ العمل من جديد في هيكل السقف ورصفه.
ركزت جويل على دفاتر الحسابات، تفكر في التكلفة والعمل، وتحاول أن تستشف، كما كان جيورجي يذكر كثيرا، الطريقة التي يمكن بها للمرء أن ينظر إلى الماضي ليرى المستقبل. لم تفهم بعد كيف ينجح ذلك بالضبط. لكن كثيرا من السحر والأعمال السحرية كانت مما لا تفهمه جويل. وكان من فنون السحر الكثير مما لم تعرف طريقته. لكن جويل ستتعلم.