⟦1꒱ قال رولاند: "إذن كيف كانت الواجبات؟"
وملأ صوت المعدن الغرفة وهو يوجّه سؤاله إلى مساعده.
فقال بيرنير، وضرّج الإرهاق عينيه من العمل الإضافي الذي تطلّبه الليل، وهو يهز رأسه: "لا تذكرني يا سيّدي، أكاد أصاب بصداع. لمَ لا نترك هذا ونركّز على ما بين أيدينا؟"
فضحك رولاند حين سمع شكوى بيرنير من قراءة ملاحظاته.
"أحقّاً تريد التركيز؟ أم يتعيّن عليَّ ذلك؟"
"بلى. ناولني إياها الآن."
وتمتم بيرنير بضجر وهو يناول رولاند ما بدا وكأنه أنبوب عاديّ، ولم يكن الفارق الحقيقيّ سوى المقدمة التي اتخذت شكل مخروط أنفيّ، بينما كانت النهاية الأخرى مفتوحة وواسعة بما يكفي لضمّ عدة قذائف رونيّة كرويّة منتجة بالجملة.
"ماذا تفعل بهذا بحقّ الجحيم يا سيّدي؟"
"أستعمله تحت الماء."
"تحت الماء لِمَ؟"
"لاصطياد بعض الأسماك الكبيرة."
ولم يكن المساعد يفهم جيداً ما يفعله رولاند داخل الزنزانة، فواصل طرح الأسئلة إذ لم يبدو له أيّ من هذا منطقيّاً.
"كيف سيُجدي هذا نفعاً أصلاً يا سيّدي؟"
"حين أغلق المؤخرة، سأضيف رونة للدفع، وحين يصطدم بالهدف سينفجر. الأمر في غاية البساطة."
وأجاب رولاند وهو يربط قطعة المؤخرة في مكانها لإحكام إغلاق الكرات المتفجرة الثلاث في الداخل. وكانت هذه النهاية أطول قليلاً لاحتوائها على شيء ما في باطنها. وبدا هذا الطوربيد الأوليّ قصير نسبياً مقارنة بالنسخ الحديثة، إذ لم يتطلب قسماً للمحرك أو مراوح تدفعه إلى الأمام. بل ستتولى بطارية رونيّة صغيرة مخفية في القطع المربوطة، إلى جانب رونة رياح، دفعه عبر الماء.
"لكن لِمَ هو مفلطح هكذا؟ ألم يكن أفضل لو استدقّ كرمح؟"
وحكّ بيرنير رأسه وهو يمسك بأحد الأنابيب. وبدا الأمر عديم المعنى تماماً لشخص من هذا العالم؛ فحين يخرج الناس للصيد يستعملون الرماح، ولم يطور أحد قط أسلحة بعيدة المدى تحت الماء.
"الأسباب كثيرة. سأحتاج إلى شرح الإرادة ومقاومة المائع والديناميكا الهيدروليكية أيضاً."
"مقاومة ماذا الآن؟"
"فلنقل إن هذا الشكل المخروطي الأملس أكثر استقراراً من رأس رمح بسيط. إنه ليس تامّاً، لكنه سيؤدي الغرض الذي تخطط له."
وفحص رولاند النموذج الأوليّ في كفّيْه. وكان شيئاً يمكن إنتاجه بكميات كبيرة بسهولة، لكنه تطلب مع ذلك جولات عدة من الاختبارات. وصعّب الأمر خلوّ المنطقة من أيّ بحيرات حقيقية؛ إذ تعذر عليه إجراء اختبارات حيّة داخل السراديب، فاحتاج إلى الارتجال.
«لا أحتاج إلى حوض كامل. ما يكفي ليكون طويلاً وعريضاً سيف بالغرض.»
وبعد أن أومأ برأسه لنفسه، اتجه رولاند صوب إحدى الغرف الأرضية غير المكتملة. فقد كانت منشأة الاختبارات الحالية شديدة التحصين بما يتجاوز حاجته، واحتاج إلى تربة لم تُصلّب لتجربته القادمة. وتثاقل بيرنير في إثر خطاه متسائلاً عما ينويان فعله.
"أسنفجر شيئاً آخر؟"
"شيئاً من هذا القبيل. ابتعد لبرهة ريثما أجهز المكان."
كانت جدران الغرفة مدعومة بالأعمدة والمعدن، ومع ذلك ظلت الأرضية على حالها. لقد كانت المكان الأمثل لاستعمال سحر الأرض لشق خندق طويل للاختبار القادم. ومدّ يده فتبدلت الرونيات على قفازه حتى تشكّلت التعويذة الصحيحة. ولم يكن رولاند يرتدي درعه الكامل، بل استعان بأجزاء ميثريل معادة التدوير ليصنع قفازاً يمكّنه من إطلاق تعويذات محددة، من ضمنها هذه التعويذة التي تشكّل الأرض تحته.
وحين أخذت التعويذة شكلها، بدأت الأرض تستجيب. وتحرر الرمال في أمواج وهي تنفصل عن المركز. وتردد صدى طحن في أرجاء الغرفة مع ارتخاء التربة وتحركها. وفي غضون ثوانٍ، هبطت الأرض أمام رولاند نحو الداخل وأعادت تشكيل نفسها لتغدو خندقاً مستطيلاً طويلاً. وتجمع الرمل الفائض على الجانبين في تلال ستتم معالجتها لاحقاً.
«السحر حقاً عمليّ عند البناء. لا حاجة إلى حفّارات أو مجارف أو أسمنت ملائم.»
ورغم قيامه بذلك مراراً، ظل عقل رولاند الحديث مندهشاً من مدى فائدة السحر. فلا غرابة في أن يركز تقدم هذا العالم على التعويذات لا الآلات. فتأجير ساحر أرض أو استعمال الغوليمات أشد كفاءة بمراحل من صنع مركبات مأهولة. ومع ذلك، وبوجود رولاند، بات بإمكانه تخيل التقدم متجهاً نحو مسار مختلف، مسار يدمج سحر هذا العالم بأفكار عالمه القديم ليخرج بحلول جديدة تبدو منطقية. وحين بلغ الخندق العمق والطول المطلوبين، أطلق تعويذة أخرى لتصليد القاعدة وتنعيمها.
وجعلت التعويذة الأرض صلبة، إلا أنها لم تكن كالخرسانة وستلين حتمًا ما إن تتبدد المانا. وكانت هذه هي سقطة استعمال سحر الأرض في البناء، رغم بقائه عوناً عظيماً لتشييد المنازل والهياكل بسرعة. وستبرز المشكلات إن لم تُدعّم الهياكل لاحقاً. ومع إعداد كل شيء، كانت الخطوة الأخيرة هي ملء الخندق بالماء. ومجدداً، تبدلت الرونيات على قفازه طفيفاً، وانطلق جدول ماء من راحته. وكانت ظاهرة مبهرة إذ بدا أن الماء يظهر من فراغ تامّ.
غير أن ثمة ثمناً؛ فقد غذت المانا العملية وكان هذا العالم مشبعاً بتلك الطاقة الحاضرة أبداً.
وعلّق بيرنير على المنتج النهائي قائلاً: "إنه حوض استحمام عملاق لطيف يا سيّدي."
كان الخندق بعرض متر، وعمق مترين، وطول عشرين متراً. وسيری الكثيرون الجهد بأسره إهداراً للوقت أو الموارد، غير أن رولاند امتلك دوماً سبباً لكل ما يفعله.
"يمكنك السباحة فيه بعد أن ننتهي إن شئت."
"هاه، أفضّل ألا أفعل. إذن أتريد مني وضع هذا الشيء في الداخل؟"
وتوق بيرنير لوضعه في الداخل، لكن شيئاً واحداً كان ناقصاً.
"إن وضعته في الماء هكذا فحسب، فسيسطر. أولاً، نحتاج إلى ما نُطلقه منه."
فرمش بيرنير.
"نُطلقه؟ يا سيّدي، هذه ليست مجانيق، أنت تصنع... ماذا سميتها؟ طور-بيدو؟"
"طوربيد. ونعم. أنا بحاجة إلى شيء ثابت لأطلقها منه. وما إن نستقر على ذلك الجزء، حتى نجرب قذفها."
ومدّ رولاند يده نحو صندوق في الزاوية. وفي داخله كانت عدة قضبان معدنية ومفاصل قابلة للتعشيق معاً. ولم تكن هناك حاجة للحام أو حدادة لكون الأجزاء مصممة للاتصال. وبعد تعديلات معدودة، صنع منصة ثلاثية القوائم بارتفاع متر تقريباً مع سطح مربع صغير يتيح للطوربيد الاستقرار عليها.
"سيفي هذا بالغرض."
وأمعن بيرنير النظر في المنصة الثلاثية بشيء من الريبة.
"إذن... نضعه هناك ونأمل أن ينطلق بخط مستقيم؟"
فهز رولاند رأسه.
"ليس تماماً."
فركع وعدّل زاوية المنصة بحيث ينزلق الطوربيد إلى الأمام دون أن يغرق فوراً أو يرتطم بسطح الماء. وتضمن الاختبار الأول الدفع الأمامي الأساسي فحسب، وأُوقفت المتفجرات في الداخل مؤقتاً.
"لا لنُهدر مزيداً من الوقت إذن."
وسرعان ما بدأ الاختبار الأول، وظهرت المشكلة الأولى فوراً، إذ لم يكن الطوربيد عائماً بالقدر الكافي لبلوغ الاستقرار في الماء. وكان متوقعاً منه ذلك، وبعد تعديلات عدّة على طوله وكمية الهواء في داخله، بلغ التوازن التام. وأضاف رونيات إضافية على الجانبين ليمنح نفسه سيطرة محدودة على القذائف تحت المائية. وفي المستقبل، سيغدو ابتكار برنامج توجيه مبسط أمراً مرجحاً. غير أنه احتاج في الوقت الراهن لاستعمال عقوله المتعددة لإنجاز كل عملية حسابية وتعديل سلوك الطوربيدات.
«يمكنني تطبيق نظام نمط مانا بسيط لتوجيه هذه لاحقاً، لكنني أحتاج أولاً إلى ابتكار أسلوب توجيه شامل.»
وكان أحد العوامل المقيدة عند بناء أجهزة كهذه هو البرنامج الرونيّ في داخلها. وبمعنى ما، عمل الطوربيد كغوليم على شكل سيجار ومُمدّ برونيات رياح محدودة يحملها. ولم يسبق لأي حدّاد آخر أن ابتكر شيئاً كهذا، فاضطر لتصميمه من الصفر. ولحسن الحظ، لم يعد بيرنير مساعده الوحيد، إذ حضر سيباستيان دائماً الآن، وحين تعلق الأمر بتطوير تعديلات البرمجيات الرونيّة الجديدة، فقد غدا ماهراً للغاية.
ولدى البعض، سيبدو هذا مبالغاً فيه. فإن كان قادراً على إحداث تأثيرات سحرية بمفرده عبر درعه والأدوات الخارجية الأخرى، فلمَ قد يصنع متفجرات موجهة تتطلب موادّ ووقتاً إضافيين؟ بيد أن رولاند قدّر الاستعداد فوق الراحة. ولم تكن احتياطيات مانا لديه بلا حدود، ويمكن صنع قنابل كهذه من موادّ أدنى. وحتى الفولاذ العميق كان قادراً على تحمل رونة من المستوى الثالث لفترة وجيزة، وهو ما كفا لإطلاق انفجار.
وكان هذا البحث ضرورياً لخخطه بعيدة المدى أيضاً. فقد بدأ بالطوربيدات، غير أن الصواريخ بدت ممكنة أيضاً. ولم يكن بمقدور الجميع استعمال السحر، وظل قلقاً على سلامة المقربين منه. ويمكن للتقنيات التي يطورها أن تدعمه هو نفسه والآخرين كذلك. وما إن ينتهي من هذا العمل، حتى يتمكن من الشروع في تصميم سفن جوية وحتى غواصات. وظلت أجزاء واسعة من العالم غير مكتشفة، وبإمكانه أن يكون أول من يبلغ أماكن جديدة.
«يمكنني رعاية استعراض فحسب عوضاً عن ذلك، والأفضل ألا أختبر حظي...»
ولم يكن رولاند شخصية مغامرة للغاية، ولم تكن فكرة مصادفة وحوش بحرية عملاقة وتعرضه للأكل بفنجان شايّه المفضل. وفي الوقت الحالي، ركّز على عمله. وحين صار الطوربيد يمرق ذهاباً وإياباً وبات بالإمكان توجيهه بيسر، حان وقت المرحلة التالية من الخطة.
"يكفي هذا، ضع أحد الأهداف في النهاية يا بيرنير، ثم توجه خلف درع الانفجار. لنرَ مدى قوة هذا الشيء."
"حاضر يا سيّدي، احرص على السلامة فقط!"
"أنا حذر دائماً."
وضحك بيرنير على ذلك الرد حين تذكر بضع تجارب حادت عن مسارها. ووضع النموذج الجديد على منصة الإطلاق وانتقل سريعاً إلى مسافة آمنة. وما إن وقف خلف لوحة صلبة سميكة وارتدى نظارات الأمان، حتى حان وقت الاختبار.
* * *
"مساء الخير يا سيدة وايلد."
ابتسمت إيلوديا لأحد الحراس المدرعين. حياها الرجل وتنحى جانباً ليسمح لها بعبور بوابة الدخول. التفتت للحظة نحو مدخل متجر الرون. وقف عدد قليل من المغامرين بالخارج وتأملوا الأسلحة المختلفة المعروضة.
"كيف يمر الوقت بهذه السرعة."
تمتمت لنفسها بعد أن دخلت وتساءلت عما إذا كانت ستلتقي بزوجها اليوم. كان جدوله مزدحماً دائماً لذا لم تره بالقدر الذي تتناهى إليها أمنياتها. زاد الطين بلة أن عملها الأخير في المدرسة الجديدة تطلب قدراً كبيرراً من اهتمامها.
"إنه يبدو سهلاً للغاية بين يديه..."
كان دورها مديرة للمدرسة. هي القائدة ورغم أنها استطاعت طلب المزيد من التمويل على الأرجح فقد فضلت الاقتصار على ما قُدّم لها في البداية. كانت هذه المرة الأولى التي توضع فيها في موقع القيادة. امتلكت خبرة واسعة في الإدارة والبيع وليس في اتخاذ جميع القرارات بنفسها. إدارة ما يُمنح للمرء شيء وتحديد كيفية تشكيل كل شيء شيء آخر تماماً.
"وورف!"
"أهلاً، أگني، لقد عُدت."
ابتسمت حين رأى بصرها التعبير الأبله على وجه الذئب الضخم الذي كان ممدداً في بيته بحجم الإسطبل. قضمت أنيابه قطعة لحم كبيرة بدا أنه طهاها باللهب الخاص به.
"إذاً، بما أنك هنا، فهذا يعني أن سيدك أيضاً..."
تألقت حماستها للحظة عند فكرة أن زوجها في البيت ومستعد لتناول العشاء معها. تحركت بخطوات سعيدة إلى الأمام ولكن ما إن خطت خطوات قليلة حتى حدث ما لم يتوقع.
"هاه؟"
"ووف!"
سَمِعَها أگني قبل أن تسسمعها فوقف متأهباً بينما اهتزت الأرض تحت قدميهما للحظة. استدارت فوراً باتجاه مختبر راستيكس. هذه المرة، لم يبدو أن الأمر ناتج عن أي شيء يفعله، بل من تحت الأرض.
"..."
أطلقت تنهيدة فأسرعت بخطواتها متجهة نحو البيت. هرعت إلى جهاز الاتصال الذي تستطيع التحدث إليه من خلاله.
"أكل شيء على ما يرام في الاسفل؟"
ضغطت زر الاتصال وبعد لحظات سمعت صوته عبره. كان زوجها يسعل قليلاً.
"آه... كل شيء على ما يرام، عزيزتي، لقد أسأت حساب بعض الأمور فقط..."
"بعض الأمور، ألا حقاً؟"
أدارت عينيها مللاً من الإجابة. بينما آمن المحيطون بهم جميعاً أن رولاند عبقري لا يُشق له غبار، عرفت هي الحقيقة. تكرر فشله مرات عديدة لكن عبقريته الحقيقية انبثقت من العمل الشاق الذي سكبه في كل شيء. كلما تعثر تراجع وتكيف وحاول مجدداً. لم يكن كاملاً وشابت شخصيته عيوب كثيرة وبالكاد تذكر الوقت، ومع ذلك شكّل كل هذا سبب تميزه بالنسبة لها.
"نجل... مجرد أمور قليلة، لا داعي لأن تقلقي بشأن أي شيء."
"بالتأكيد... حين تنتهي، لمَ لا تصعد وتتناول العشاء مع زوجتك لمرة واحدة؟"
"عشاء؟ آه، بالطبع، سأصعد بعد لحظة."
"من الأفضل لك."
أجابت بابتسامة خفيفة على وجهها ووضعت حقائبها جانباً. أمكن الوثوق به في مواقف كهذه على الأقل. كلما قطع وعداً وفى به. ومع عودة الابتسامة إلى وجهها شرعت في التمتمة مجدداً. لم تكد تطيق صبراً لتخبره بما حدث في المدرسة لكنها تساءلت أيضاً عما كان يفعله طوال اليوم.
* * *
قال: "أمتأكد أنك لم تخطئ السمع؟ ليس غريباً أن تضلّ بعض الوحوش طريقها. ربما كانت تطارد أحداً".
وقف جماعة من المغامرين عند مدخل غابة. ومعهم شخص خامس لا يبدو من ركبهم. رجل طاعن في السن غطى عينه اليسرى رقعة، ووجهه متغضن عابه الإرهاق. وعلى جنبه الأيمن علّق شارة من نقابة المغامرين.
قال رجل يرتجل درعاً ثقيلة ويشير نحو الأشجار: "لم نُخطئ. انظر. ماذا ترى؟".
قال: "...لا أرى شيئاً حقاً".
قال: "بالضبط. منذ متى كانت هذه البقعة خالية هكذا من الوحوش؟ ألا يبدو ذلك غريباً لك؟".
أومأ الرجل المسن واقترب. كانت عدته خفيفة، وعلّق قوس صيد على كتفه. ووقف إلى جواره ذئب رمادي ضخم يضايقه أحدهم.
قالت المرأة الوحيدة في الجماعة قبل أن يتأكد أكان المغامرون الأربعة صادقين أم لا: "أيها الرجل... أيمكنني أن أداعبها؟".
رفض فوراً: "لا، لا يمكنك".
قالت: "آه...".
قال ذو الأذنين الطويلتين: "دعي الرجل وشأنه يا سيل. دعيه يعمل".
عبست المرأة طويلة الأذنين، لكنه لم يعرهن التفاتاً. تقدّم وركع حين لمح شيئاً على الأرض. غرز الصياد إصبعين في التراب وفعّل مهارة ما. انبثق وتيض أصفر نحو الغابة، وانتظر الجميع.
جاء السؤال من رجل ملثم شُدّ خنجران إلى جنبين منه: "هيه، ماذا يفعل؟".
أجاب صاحب الدرع الثقيلة: "وكيف يبدو لك يا هايستر؟".
"كأن إصبعي...".
قبل أن يتم كلامه، صفعه رجل مسن يرتدي رداءً على قفا رأسه.
قال: "إنها مهارة صياد خاصّة. يستطيع بها استشعار مسافات بعيدة عبر قراءة الاهتزازات في المحيط. اصمتوا ودعوه يركّز".
سكت الجميع. أغمض الصياد عينه الباقية وركّز. بدت الغابة ساكنة، ساكنة أكثر مما ينبغي. لا حفيف، لا صرير بعيد، ولا حتى نداء طير خافت. ثم شعرت حواسه بارتجاف هائل كأن سرباً من الوحوش قد أُطلق. سرت في التربة هزة عميقة جعلت بعض الحصى تتقافز.
هتفت المرأة وقد أدركت أن أمراً ما ليس على ما يرام: "ها قد عادت مجدداً!".
احتدم الارتجاج لحظة، لكن ظاهرة غريبة أربكتهما معاً. اهتزت الأرض تحت أقدامهما من غير أن يصعد صوت من بعيد. لم يفهم الصياد ولا المغامرون الآخرون ما يحدث. ثم حين تجمعت الهزات كلها في ضربة ثقيلة واحدة، خيم صمت مطبق.
حكّ المسن لحيتَه الشعثة بحيرة وقال: "همم؟ أزالت؟".
لم يعد يشعر بشيء البتة. تلاشت كل آثار الارتجاج كأن الوحوش بأسرها قد مُحيت في ومضة واحدة...