انفتحت البوابات الضخمة حين دفعها رجل مرتدٍ درعًا. نظر آرثر للحظة إلى الشخص الجالس في الداخل. إنه أخوه الأكبر يوليوس، وهو رجل لم يلمحه إلا لمحًا خلال إقاماته السابقة في القصر. يكاد الفارق العمري بينهما يبلغ عشرة عوالم منفصلة، وقد عاش كل منهما دائمًا في عالمه الخاص. عومل آرثر كَسَجِين، ومُحِيز في فضاءات وهمية تحت ذريعة الأمان. سُمح لوالدته بالخروج أحيانًا، لكن حتى ذلك توقف حين تكررت محاولات اغتيالها.
كان آرثر يرى إخوته الأكبر سنّاً خلال تجمعات النبلاء النادرة، غير أن أياً منهم لم يُظهر أي اهتمام به قط ولم يكلمه. كانت معظم ذكرياته عن تلك المناسبات متمثلة في الجلوس بهدوء في زاوية، بانتظار أن ينتهي المساء. بالنسبة لطفل لا يريد سوى اللعب واللهو، كان الأمر مُمِلّاً إلى حدّ الألم. والآن، يجلس أمامه أبرز إخوته شأنًا. يُعَدّ يوليوس مرشحًا قويّاً ليصبح الدوق القادم، مع أن حظوظ ثيودور وافرة أيضًا بسبب عدم ثقة أبيه بالكنيسة.
"آه!"
جلس يوليوس إلى طاولة وفي يده فنجان شاي. حين انفتحت البوابات، رفع نظره فرأى أخاه الأصغر. ومما أثار دهشة آرثر، ارتسمت ابتسامة على وجه يوليوس. لم يكن الاثنان مقربين قط، لكن بعد حادثة أتباع الظلام الأخيرة، أصبحت علاقتهما أدفأ قليلاً.
"طاب يومك، أخي يوليوس."
دخل آرثر الغرفة بتجهم، غير مستقرّ على طريقة للتصرف. حاول أن يأتي بانحناءة خفيفة، تلك التي يمنحها نبلاء الرتب الأدنى لمن هم فوقهم. خلال الهجوم، لم يكن بمثل هذا التذلل، بل إنه أصدر أوامر لأشخاص أعلى منه مرتبةً، لكن الوضع اختلف الآن. وقبل أن يتم حركته، رفع يوليوس يده ليوقفه.
"لا حاجة لذلك يا آرثر. نحن إخوة ورفاق سلاح."
استقام آرثر في وقفته، غير متأكد أمن وُدّ يوليوس صدارة حقيقية أم مسرحية مرسومة بعناية. لو التقى به قبل زيارة والدته، لغمره الفرح بهذه المعاملة، لكنه لا يدري الآن كيف يفكر. من الجائز أن يكون أخوه أو الليدي أوريليا قد ألحقا الأذى بوالدته. وإن كان هذا صحيحًا، فسيتعين عليه طلب الثأر، وسيصير يوليوس عدوه.
"أرى هذا. إذن، أخي يوليوس..."
"نادني يوليوس فقط."
"أنا... حسنا إذن ياوليوس. لماذا أردت رؤيتي؟"
بدا أن أخاه يود الاقتراب منه، ولم يكن آرثر في موقع يتيح له الرفض. كما كان مهتمّاً باكتساب حلفاء جُدُد وجمع المعلومات. وإن كان يوليوس عدوّاً، فإن كسب ثقته سيسهل عليه معرفة المزيد عنه. في الوقت الحالي، بدا يوليوس صادقاً وقادراً على طي الضغائن القديمة ومسائل الرتب. لم يبدو شخصاً سيئاً، لذا قرر آرثر منحه فرصة الشك لصالح حتى إشعار آخر. حمل الهواء داخل حجرة يوليوس رائحة خافتة لزيت الورد.
تنساب أشعة الشمس عبر الزجاج المعشق، ناثرةً نقوشاً ملونة فوق الطاولة حيث ترقد عدة رموز دينية بجانب خريطة للمنطقة.
"أولاً وقبل كل شيء."
بدأ يوليوس حديثه وهو يصب فنجان شاي آخر.
"تهانينا على نيل رضا الأبي. هذا ليس إنجازاً هَيّناً. لكن عليك الحذر من ثيودور. فلن يدع هذا الأمر يمر بسهولة على الأرجح."
"أنا واثق من أنه لن يفعل، لكنني لا أنوي تركه يفعل أيضا."
"هاها، هذا أخي الأصغر حقاً!"
بدا يوليوس سعيداً بصدق وهو يتحدث مع آرثر، مما فاجأ الأخير.
"مؤسف، إنه لأمر مؤسف حقاً."
قال يوليوس، تاركاً آرثر في حيرة من أمره.
"ما الذي يُؤسف له؟"
"يؤسفني أن هذه هي المرة الأولى التي أجري فيها محادثة حقيقية مع أخي. كان حريّاً بنا فعل هذا منذ زمن طويل..."
لم يدر آرثر كيف يفسر هذا. فإن كان يوليوس يكذب، فهو يخفي ذلك ببراعة. بدا أخوه نادماً بحق على الكيفية التي آلت إليها علاقتهما. وبصفته الابن الأكبر، حمل يوليوس الحظوة لكنه حمل أيضاً مسؤوليات جِساماً. أبعده تدريبه ليصبح فارساً مقدساً لسولاريا عن الجزيرة الرئيسية لفترة، وفي غيابه، تمكن ثيودور من اللحاق به.
"ما مضى مضى. لا فائدة من اجترار الماضي حين ينتظرنا المستقبل."
"هاها، بليغ ما قلت!"
رد يوليوس بدفء وأسند ظهره إلى الخلف. تَبَادَلَ الاثنان أحاديث عادية في محاولة لتعويض ما فات، لكن يوليوس أفصح أخيراً عن سبب تخصيصه وقتاً من يومه للتحدث مع آرثر.
"أخبرني يا آرثر، هل الشايعات حول الوحش المقدس في مدينتك صحيحة؟"
"آه؟ ذئب ضوء الشمس؟ نعم، إنه موجود."
بدا أن على آرثر شكر صديقه مرة أخرى، إذ تبين أن كاسر الجليد هو أغني، وحشه المُستأنَس. بالنسبة له، لم يعدو كونة مخلوقاً عادياً، لكنه يمثل للكنيسة حامل حظ سعيد وشيئاً مقدساً ينبغي حمايته. لم يكن متأكداً من السبب، لكن ذلك لا يهم. فوجود يوليوس إلى جانبه يساوي أكثر بكثير. وإن تقاربا، فستتاح له فرصة لقاء الليدي أوريليا التي قد تسلط الضوء على مشتبه بهم محتملين آخرين مثل الليدي ليلى وسيليست وسكارليت، حتى إن ثبتت براءتها.
"هل... هل يمكنني رؤيته؟"
بدا صوت يوليوس خجولاً بعض الشيء، كأنه غير معتاد على طلب المعروف من الناس. وحمل صوت أخيه فضولاً صبيانياً تقريباً. ونسي آرثر شكوكه لحظةً فلم ير منافساً أو مدبراً للمكائد، بل رأى أخاً فضولياً لا أكثر.
"حين تزور ألبْرُوك، سأرتب الأمر."
"أيمكِن حقاً، بمثل هذه البساطة؟"
"لا أرى مانعاً. إنه وحش قائد فرساني المستأنس. لقد التقيته بالفعل."
"ذلك الرجل مجدداً؟ أين عثرت على شخص بمثل هذه المواهب؟"
ضحك آرثر بخفة، غير مستقر على إجابة للسؤال. في الحقيقة، لم يفعل هو نفسه سوى القليل، ودُفِع به إلى الأمام بفعل عبقرية رولاند بشكل رئيسي. في الحدث الأخير، خلط الناس بين خطط رولاند وخططه واعتقدوا أن آرثر مسؤول عن كل شيء، لا صانع الرون. ورغم ذلك، وتحت مباركة رولاند، التزم الصمت وقبل معظم الثناء.
"كنت في المكان المناسب والوقت المناسب فحسب."
"هاه، يقول البعض إن الحظ السعيد مهارة أيضاً!"
"يقول البعض ذلك حقاً."
ضحك الاثنان وتابعا الحديث عن ألبْرُوك. لم يفاجأ آرثر بمعرفة أخيه المسبقة بأمر فرسان نظام سولاريا الذين اتخذوا ألبْرُوك موطناً لهم. ومع قدومه، سيهتم المزيد من الناس بالمدينة على الأرجح، فلا داعي لرفضه هذا الطلب. لم يكن متأكداً مما يمكنه طلبه مكافأة، لكن يوليوس كان قد عرض شيئاً بالفعل.
"رائع. ربما بعد زيارتك لمدينتي، تود زيارة مدينتي. سأريك ثمار الإيمان الخالص بالملكة."
كان أخوه متعصباً بعض الشيء، وتضم مقاطعته عدداً كبيراً من الكنائس ودور العبادة. وتعد زيارة مناطق أخرى عبر الجزيرة فكرة جيِّدة لمعاينة ما يواجهه، رغم أن السفر يحمل مخاطره دائماً.
"سأضع ذلك في الحسبان. حين أتفرغ، سأحرص على المجيء والزيارة."
"هاها، سأحرص على تذكيرك لاحقاً."
ضحك يوليوس برقة، ثم حول بصره نحو الخريطة.
"للأسف، أعتقد أن علينا إنهاء الأمور هنا. لقد كان والدي منقطعاً مؤخراً، ولا يزال النبلاء الآخرون في مشاورات."
"بالتأكيد."
نهض آرثر عن كرسيه بينما أنهى الاثنان أعمالهما واتفقا على اللقاء لاحقاً في ألبْرُوك. وبقي والده بعيداً كعادته وبدا مهتماً بشؤون الجزيرة أكثر من اهتمامه بالتحدث إلى ابنيه اللذين نجيا لتوّهما من مواجهة موت وحياة. وحدها ثلة من كبار النبلاء الموثوقين بقيت في القصر، تعقد اجتماعات استراتيجية لم يُدعَ إليها الإخوة.
"أه، وقبل أن تذهب."
التفت يوليوس نحو إحدى الخادمات الواقفات بالجوار. فتقدمت حاملةً عدة لفافات مختومة تحمل شعار الدوق.
"يبدو أن والدك تذكر وجودك أخيرًا. هذه هي الوثائق الرسمية لإدارة ألدبورن. أنت سيدها الشرعي الآن، بصكوكها وكل ما يلزم. لا مزيد من جدال ثيودور أو الآخرين."
لم يدر آرثر سبب تسليم هذه الأوراق لأخيه الأكبر كي يوصلها، لكن الأمر ليس مستغرباً من أبيه أو بقية النبلاء. تسلم اللفافة في صمت. وبرق الختم الذهبي الشمعي بضعف في الضوء.
"شكري لك يا أخي."
"لا حاجة للرسميات."
لوح يوليوس بيده مهوناً، وافترق الأخوان بمصافحة قوية. لم يبقَ لآرثر ما يفعله هنا. فإخوته الآخرون لا رغبة لهم في الحديث معه. لقد رحل ثيودور بالفعل، وحُبِس إيفان في مكان مجهول، ولم يكن تيبالد في أي مكان يُرى. بناءً على هذا، غادر آرثر عاصمة الجزيرة. ولم يعترضه أحد هذه المرة. رافقته مجموعة من الجنود إلى الأراضي الوسطى، حيث كان في انتظاره ماري وفارساه.
"سيدي آرثر!"
صاحت ماري وهي ترشح نحو آتية نحوه. وتبعتها السير غارث والسير مورين عن كثب، وقد شاح وجهيهما كأنهما لم يناما طوال المحنة. ولم يكاد آرثر يملك وقتًا للكلام حتى وضعت ماري يدها على صدره، كأنها تحتاجه لتيقن أنه حقيقي.
"لم يدعونا نخل، سيدي! لقد انتظرنا هنا ما يقارب الأسبوع!"
"أسبوع كامل؟"
أومأ غارث ومورين برأسيهما، مما جعل آرثر يرمق البقعة التي قدموا منها. ولاحظ ما يشبه خيمة من بعيد.
"أبقيتم في تلك؟ لم لم تنتظروا في القصر؟"
"وكيف لنا أن ننتظر هناك يا سيدي آرثر؟ احتجنا للبقاء هنا لنرحب بك! لقد رفضوا إخبارنا بأي شيء!"
اهتز صوت ماري غضباً. وسددت نظرة غاضبة نحو أحد الجنود القريبين، فاستدار بسرعة وقد ملأ الرعب عينيه. ولم يدر آرثر بعد ما جرى، لكنه اتضح جلياً أن ماري كانت تضايق الحراس منذ بدء الحادثة.
"ماري..."
تكلم آرثر برقة ووضع يده فوق يدها. وتوقف ارتعاشها فوراً تقريباً، رغم أن شفتها السفلى ظلت ترتجف من الغضب.
"أنا بخير. لقد استغرق الأمر وقتاً أطول من المتوقع، لكن كل شيء انتهى الآن."
بدت ماري غير مصدقة، لكنها أطلقت سترته وتراجعت للوراء. وتبادل غارث ومورين النظرات وقد غمر الارتجاف وجهيهما.
"إذن... السير وايلند؟"
سأل مورين بحذر.
"ألَيْس معك يا سيدي؟ أهو..."
هز آرثر رأسه.
"هو بأمان. أو هكذا كان آخر مرة رأيته. لقد مكث في الخلف ليُنهي بعض العمل مع السحرة. سيعود قريباً."
ولم يضف بقية الكلام لأنه لا يدري حقاً أين استقر بالمطاف برولاند. والمعلومات الوحيدة التي تلقاها كانت تفيد بأن رولاند يعمل مع باحث الدوق الرئيسي، ويساعده في بناء شيء قد يعارض التأثير السحيق ذات يوم. 'أتساءل إن كان سيشارك هذه المعرفة مع فصيل الموالين للملك أو يحتفظ بها ورقة ضغط.' وبينما عاد آرثر والآخرون إلى قصرهم المؤقت، لم يستطع منع نفسه من التفكير في صديقه. فإن قرر الدوق، يمكن إجبار رولاند على البقاء داخل القصر وعدم العودة أبداً.
إنه يحوز معرفة قيمة يمكن بيعها لفصائل أخرى مقابل أموال طائلة. ولا تشارك كنيسة سولاريا أسرارها بطيب خاطر أيضاً؛ وإلا لكان الدوق قد علم مسبقاً بكيفية عمل الآثار، ولانتهت الحادثة برمتها قبل أن تبدأ.
"لا تقلق يا سيدي آرثر. يجد السير وايلند دائماً مخرجاً من المتاعب. أنا واثقة من عودته قريباً."
"لعلك محقة. ما رأيك في تناول طعام ما؟ تبدون أنتم الثلاثة كمن لم يأكل منذ فترة."
وفي التوقيت المناسب، اخترق صمت المكان هدير معدة صاخب. لم يصدر عن أي من الفارسين، بل عن رئيسة الخادمات التي احمر وجهها وخفضت أذنيها القطيتين خجلاً. غطى آرثر فمه وضحك بخفة، وسرعان ما عاد الثلاثة إلى القصر للاستمتاع بوجبة فاخرة يستحقونها بجدارة.
* * *
امتزجت الأيام معا. طغت عليها أصوات الأدوات السحرية خافتة والطرق المستمر على عديد القطع. لم يعد مختبر هالبراخت يبدو سجنا. لكن رولاند ما زال شعور الاختناق يلاحقه. كأنه حبيس طبقات متكاثفة من الفضول والبيروقراطية.
توقف منذ زمن بعيد عن إحصاء المرات التي ناداه فيها الأستاذ بعبارة «يا زميلي العزيز في البحث»
أو «يا صديقي العبقري».
قال هالبراخت بصوته الجهوري مجددا بينما تلألأ إسقاط باهت باللون الأزرق فوق وحدة تحكم الرون: "مذهل. إنه يعمل. ومن المحاولة الأولى أيضا. أنت يا صديقي عبقري حقا. لا يسبقك في العبقرية سواي".
راحت الرموز والحروف ترقص فوق الإسقاط. لم تكن تلك الرموز العشوائية المعتادة. بل لغة فعلية وخطوط هندسية منسابة شكلت واجهة نظيفة ومنظمة. تنهد رولاند وهو يتفحص نظام تشغيل الرون المبسط الذي أعاد صنعه.
ثم قال: "إنها مجرد واجهة استخدام وليست معجزة. كان بإمكانك فعل هذا بنفسك لو أنك ركزت على أمر ما ولو لمرة واحدة".
لقد ضغط عليه رفيقه الجديد ليدفعه إلى الإفصاح عن بعض معارفه وإجراء عدة ترقيات بغية تحسين برج السحرة. كانت وحدات التحكم التي استخدماها بدائية للغاية. اعتمدت على نظام سحر عفا عليه الزمن وكان أقل كفاءة بكثير من تصاميم رون رولاند الخاصة. بات بإمكانهم بفضل التعديلات الجديدة تنظيم أبحاثهم وإدارتها بالشكل الملائم.
ابتسم هالبراخت وقال: "لا يمكنك لومي".
"هنالك الكثير من العجائب في هذا العالم فحسب. ستصبح أعمالي بهذه الترقية أكثر كفاءة بنسبة ثمانية وسبعين فصلا خمسة وخمين بالمئة بالضبط".
"ثمانية وسبعين فصلا خمسة وخمسين بالمئة هاه؟"
كان رولاند يرتدي خوذة. لذا لم يلاحظ أحد شيئا كلما أدار عينيه بضجر. رغم ذلك لم تذهب جهوده سدى تماما. فقد كان يترك انطباعا لدى رجل ذي نفوذ معتبر. كان الرجل رئيس الباحثين لدى الدوق ويملك سلطة عظيمة. إن وُجد شخص قادر على مساعدة رولاند في العودة إلى ورشته الخاصة فهو هذا الرجل بالذات. كان هذا هو السبب الرئيسي وراء قرار رولاند مشاركة بعض معارفه ليقدم نفسه حليفا مفيدا. لقد اختار إحدى نقاط البحث التي طرحها عمدا لكونها تتطلب مغادرته البرج كي ينجزها.
قهقه هالبراخت بينما حرك أحد مساعديه أصابعه فوق وحدة التحكم الجديدة.
وهتف: "والآن لنختبر الشاشة الرئيسية. أرنا المخططات الأساسية".
شابه نظام تشغيل الرون المبسط حاسوبا حديثا. استخدم لوحة مفاتيح عادية وفأرة للتنقل بين الرموز والعمليات البسيطة. استغرق المساعد لحظة كي يعثر على المجلد الذي يضم المخطط. لكنه ظهر قريبا على الشاشة الجديدة كليا. وهتفت مجموعة البحث مبتهجة مرة أخرى.
"ها هو ذا. نظام شبكة الرون الإذاعية. الاسم يناسبه تماما. كيف توصلت إليه؟"
كذب رولاند بيسر وقال: "لقد خطر ببالي فحسب...".
كانت موجات الراديو مفهوما مجهولا في هذا العالم. اعتمد كل شيء على أنظمة سحرية تؤدي الوظائف ذاتها التي تقوم بها التكنولوجيا الحديثة. وُجدت الكهرباء والميكروويف وموجات الراديو. لكن الوصول إليها اقتصر حصرا على معارف لم يمتلكها سوى قلة قليلة. أجرى أبحاثا مسبقة لإنشاء أبراج راديو قادرة على استبدال التواصل السحري عبر الكرات البلورية. كانت التكنولوجيا قابلة للتنفيذ. لكنه افتقر إلى الأموال اللازمة لبنائها على نطاق واسع.
استطاعا أخيرا البدء في بناء تلك الأبراج وإدخال تكنولوجيا الراديو إلى العالم بدعم من الدوق ومشروع رسمي. حتى نقل البيانات عبر الكابلات بدا مُمكنا. وأمكن استخدام الأنفاق الأرضية للغرض ذاته أيضا.
"رائع! تخيل الأمر. رسائل مستحيلة التعقب كليا بأي طريقة معروفة. إن صحت هذه النظرية فستشكل نظاما جديدا كليا. تكنولوجيا لم تُشاهد من قبل قط. وسيحفر اسمي هالبراخت الثالث في التاريخ. سأكون أعظم حتى من جدي!"
انفجر الرجل ضاحكا بينما امتلأت الغرفة بالتصفيق. لم يكترث رولاند بمن سينال الفضل لقاء هذا الاختراع إذ فضّل بقاءه بلا ذكر. 'آمل أن يكون هذا كافيا لإخراجي من هنا...' تمثل هدفه الحقيقي الوحيد في نيل حظوة هالبراخت والمغادرة. مع ذلك نوى أخذ شيء مفيد معه. لفتت المواد الجديدة انتباهه مسبقا. مثل المادة شبيهة الزجاج وعملية صنعها. اتسمت الجوالق المتمركزة على طول الجدران بتقدم هائل.
وقد تساعده في حل مشكلات تصاميمه الخاصة. استطاع الاستفادة حتى من نظام برج الراديو أيضا.
"والآن فيما يخص مغادرتي—"
استدار العجوز وضربه ضربة قوية على ظهر قبل أن يتسنى له إنهاء كلامه.
"ها ها. جيد جيد. استرح الآن يا صديقي. ساعدني في الصباح على فرز أوراق البحث هذه. ما زلت غير متأكد من كيفية عمل موجات الراديو هذه".
"..."