⟦1꒱ هتف أرمان عاري الصدر وهو يضيّق عينيه ناظراً إلى الأفق: "لا أستطيع الرؤية... أانتهى الأمر؟".
أمامه، توقف الجنود عن الحركة، وبدأ الغبار يترسب فوق ساحة المعركة. وقف إلى جواره رولاند مرتدياً درعه، وتوهج قناعه وهو يمسح المشهد.
قال: "تقريباً".
وقف رولاند بلا حركة. لم يعد هناك سبب للقلق. لقد حُسمت المعركة. ومع ذلك، لم يكن ينظر إلى الماحة ولا إلى الجيش الساكن. استقرت عيناه على شخص واحد يتحرك بحذر وسط المخلفات محاولاً تفادي لفت الانتباه. حجبت عباءته الداكنة معظم ملامحه، لكنه تعرف إليه فوراً. *(إذن أتت بعد فوات الأوان... لا، بل حضرت حقاً).* كانت ماري، فتاة القطط التي تبعت آرثر حتى إلى هذه المعركة الدامية. ظلت متخفية عند أطراف القتال.
رأى رولاند أنها طرحت عدداً من الأعداء أرضاً وزرعت متفجرات دفعت الخيول للركض نحو حتفها. لكن الأهم من ذلك كله كان تلك اللحظة التي ضربت فيها ألفونس. ألقت أحد خناجر الرون التي صنعها لأجلها. كانت شفرة مصممة لإذابة أغلب التعاويذ القياسية. شكّلت تلك الضربة وحدها نقطة التحول، والخطوة التي جعلت النصر ممكناً. بدت ساحة المعركة التي كانت بحراً من الفوضى هادئة الآن. امتزج في الهواء عبق الدماء المعدني برائحة خفيفة من الدخان.
أنين الجرحى يعلو. الأسلحة المكسورة والأحلام المحطمة تفرش البقعة. ولكن وسط أنقاض المعركة، سادت حقيقة واحدة: لقد خرج آرثر فاليريان وقواته منتصرين. تمدد ألفونس على الأرض، أسلحته محطمة، ودرعه منحني ومحترق. كان تنفسه ضحالاً، والدماء تنزف من جرح في خاصرته. وقف غاريث وموريان وويشارد فوقه مصوبين أطراف أسلحتهم نحو عنقه. التقت عينا ألفونس، اللتان ملأهما الغضب والذهول، بعيني آرثر حين اقتراب.
ترجل النبيل الشاب ببطء. لم يعد يرتجف. بدا وجهه هادئاً، وخطواته بطيئة وموزونة. ثقل القيادة الذي كان ينوء به، صار مألوفاً الآن. توقف على بعد خطوات معدودة من الفارس الساقط.
قال آرثر بصوت خلا من السخرية أو التكبر، واقتصر على العزم وحده: "لقد قاتلت بشجاعة".
ثم أردف: "لكن هذه المعركة قد انتهت".
سعل ألفونس وقد لطخت الدماء شفتيه. بدا الرجل غاضباً بوضوح ممّا جرى وغير مستعد للاعتراف بالهزيمة.
رد بصوت متقطع: "انتهت...؟ ربما. بيد أن... هذه الحرب... لم تبدأ سوى الآن..."
قبل أن يتم جملته، سددت ضربة قوية إلى مؤخرة رأسه. وعلى الرغم من كونها من فارس من الفئة الثالثة، فقد غاب عن الوعي فوراً على يد أحد فرسان آرثر ممن لم يستسيغوا النبرة التي يخاطب بها سيّدهم. لم يطرف جفن آرثر. اكتفى بإيماءة، فحُمِل الرجل بعيداً. ظل وضعه كأسرى حرب على حاله، وظل الهدف قائماً في نيل مكافأة تسليمه. *(لقد أحرزنا بعض التقدم اليوم، ولكن ماذا الآن...)* حدق رولاند في الأفق.
بدا المشهد بأكمله سريالياً. لقد كان يستعد للتصفيات طويلاً، وها هي تصل إلى نهايتها أخيراً. ومع ذلك، لم يستطع الاسترخاء. لم يكن مسموحاً له بذلك. على الرغم من اكتمال هذا الجزء من الخطة، إلا أن العمل لم ينتهِ بعد. المدينة في أيديهم مؤقتاً، لكن ثيودور لن يصمت. كان عليهم التحرك سريعاً قبل أن يعود العدو إلى أعتابهم.
سألت لوبيليا: "إذن، ماذا نفعل الآن؟".
استطاعت عيناها الحادتان رصد الجنود البعيدين وهم يلقون بأسلحتهم ويستسلمون بعد سقوط أغلب أصحاب الرتب من الفئة الثالثة.
أجاب رولاند وهو يستدير: "في الوقت الحالي، علينا البقاء هنا والحفاظ على أمان المدينة".
لم يبدو بحاجة حقيقية للمساعدة في ترتيب فوضى آرثر.
ابتسمت لوبيليا وقالت: "البقاء هنا؟ حسناً، لكنك تعلم أن ذلك سيكلف أكثر، أليس كذلك، أيها القائد الأعلى~".
وما إن انتهت حتى انضم إليها أرمان بابتسامة أوسع. جعله ذلك يرغب في صفعه.
رد بحزم: "ناقشوا الأمر مع سيّد العملات لاحقاً. اذهبا للراحة الآن. نحتاج أن تكون حواسكم حادة إن ظهرت أي متاعب".
كانا لا يزالان واقفين باستقامة، لكنه استشف علامات الإرهاق عليهما. وعلى الرغم من تناولهما جرعات تعافي متعددة، إلا أن شيئاً لا يعوض ليلة نوم هانئة. لم يستغرقا وقتاً طويلاً للاختفاء من فوق الأسوار، تاركين رولاند وحدها مع شقيقه ولسيل.
علق روبرت مرتدياً درعه الروني، بينما بدأ هو ولسيل بالسير بجانب رولاند: "ثيودور فاليريان لن يصمت حيال هذا".
كان أگني قريباً، منتظراً في الأسفل داخل المدينة، إذ إنه سيشغل مساحة أكبر من اللازم فوق الأسوار المكتظة بالجنود والمدافع الآلية.
رد واثقاً: "لا أظن ذلك".
"هاه؟ ماذا تقصد؟".
باغت الرد روبرت، فبادر رولاند بالشرح سريعاً: "بعد تحليل شخصية ثيودور، خرجت بنتيجة. يعاني الرجل من عقدة نقص تجاه أخيه الأكبر ويميل إلى المبالغة في تحليل الأمور. على الأرجح، سيفترض أن جوليوس هو من دبر الأمر بأسره ويظنها مجرد فخ".
"أهكذا إذن؟ إذن..."
"نعم. هذا يعني أن لدينا ما يكفي من الوقت لتنبيه المحاكم وترتيب الأمور برمتها قبل أن يتحرك، ولكن أولاً، لنستعد لاستقبال سيّدنا..."
أعاد رولاند نظره نحو البوابة. كانت رايات النصر لجيش آرثر ترتفع بالفعل فوق الطرق الخارجية، ترفرف على إيقاع هتافات الجنود. دقه أجراس المدينة ببطء، إيذانًا بأن المعركة قد وضعت أوزارها، وهُزم العدو، وفصلًا جديدًا على وشك البدء.
"افتحوا الأبواب".
في الوقت الراهم، كان هو المسؤول. استجاب الحراس الذين بقوا على السور دون تردد، فقد شهد كل منهم قتله لوحش التمساح العملاق. بدأ المواطنون بالتجمع، خارجين بحذر من منازلهم الموصدة بعد أن زال الخطر. انتابهم الخوف والريبة في البداية مما يقترب. لكنهم ما لبثوا أن تعرفوا إلى الرجل الذي رأوه قبل قليل يلقي خطاباً مهيباً عبر الصورة المجسمة: آرثر فاليريان.
"أيمكن أن يكون هو حقاً، اللورد فاليريان؟".
"أأنقذنا حقاً؟".
"لا بد أن هذا يعني أن الأمر انتهى. إنه أحد أبناء الدوق!".
"لكنه غير شرعي حسب ما سمعت..."
"الجم لسانك!".
بدأت الحشود بالتمتمة، وامتلك بعضهم الحكمة الكافية لاسكات من يثيرون مسألة شرعية آرثر. ومع ذلك، وسط الهمسات، لم يستطع أحد تجاهل ما رأوه. شاب لم يُختبر حتى اليوم، قاد قوة نحو النصر وأرسل خيرة محاربيه لحماية المدينة من الوحوش القاتلة. لا تزال الأسوار قائمة، ويعرف الجميع لمن يدينون بالفضل في بقائهم على قياة الحياة. راقب رولاند الأبواق والطبول وهي تعلن وصول آرثر. تقدم الجنود في تشكيل منتظم، محطمين ولكن بفاخر، حاملين شعارات بيت فاليريان ورايته.
خلفهم عربات محملة بالجرحى والأسرى، تلتها جولات مدرعة تصدر طقطقة وتصفيراً مع كل خطوة. امتطى آرثر المقدمة وقد أزال خوذته ليرى الجميع وجهه. لم تعلو جلده قطرة عرق واحدة، وبدا شعره مغسولاً حديثاً. وما إن ظهر للعيان حتى أسرت ملامحه الشبيهة بالجن وخصلاته الفضية أنظار الحشود فوراً. بدا مظهره الخالي من الشوائب وكأن المعركة لم تكن سوى لعبة. لن يدركوا أبداً أنه استعمل السحر لتنظيف نفسه وترتيب هيئته قبل دخول المدينة.
حين عبر آرثر أسفل قوس البوابة، علت هتافة. كانت مترددة في البداية، لكنها تعاظمات شيئاً فشيئاً مع إدراك الناس للحقيقة. لم يكذب منقذهم المرتجى عليهم. لم تُخترق المدينة قط، وقد نجا الجميع. وقف رولاند على درجات ساحة المدينة يتابع المشهد يتكشف أمامه. كان قد جهز المنصة مسبقاً، ولسيل تقف إلى جواره تضبط أدوات التحكم الرونية. نابضت لوحة متوهجة بالحياة مع تفعيل التعاويذ الأخيرة.
أصبحت المسرحية جاهزة. سيوجه آرثر حديثه للحواد قريباً، متحدثاً عمّا جرى للتو وموضحاً انتقال السلطة. احتاج الناس لإدراك أن المدينة باتت تخص آرثر لا ثيودور. استمرت الساحة، المكتظة بالجنود والمواطنين، بالامتلاء بينما خطا آرثر نحو الظهور. على الرغم من قيادته للآلاف في ساحة الوغى منذ أقل من ساعة، إلا أنه واجه تحدياً مختلفاً الآن. توجب عليه الحديث كنبيل، مقدماً نفسه لشعبه الجديد.
راقب رولاند باهتمام. مقارنة بآرثر، شعر بعدم الاستعداد لمثل هذه اللحظات، ليس لافتقاره إلى ثقة القائد، بل لقلة خبرته في إلقاء الخطب أمام حشود البشر. اعتلى آرثر المنصة دون تردد، وكانت حركاته خفيفة. ورغم أن قلبه لا يزال ينبض بقوة في صدره متأثراً بأدرينالين المعركة، إلا أنه لم يظهر ذلك. وقف منتصب القامة، عريض الكتفين، ودرع الميثريل الفضي يعكس ضوء الشمس. خيم هدوء مميت على الساحة.
كل العيون مصوبة نحوه، بعضها يملأه الأمل، وأخرى يشوبها الشك، وقليل منها يحمل التحدي. لكن أحداً لم يستطع تحويل نظره عنه. أومأ رولاند بخفة من جانبه، وبتمريرة من يده، تلألأت الصورة المجسمة بالحياة. ومثلما حدث قبل أيام قليلة، ظهر طيف آرثر فوق المدينة، لكنه لم يكن مسجلاً مسبقاً هذه المرة. تقريباً كل مواطن في ألدبورن تجمع ليشهد ذلك.
"يا مواطني ألدبورن... أقف أمامكم لا كفاتح، بل كحامٍ".
تمتمت الحشود، ثم عم السوت الصمت مجدداً بينما تردد صدى صوت العرض بوضوح. حملت كل كلمة رنينًا غريبًا ومُهدئًا، بفضل تعويذة أضافها رولاند للمساعدة في ضمان استماع الناس بصدق.
"هُجِرت هذه المدينة. وتُرِكَت أسوارها تنهار. وتُرِك أهلها للموت حين انكسرت الزنزانة وتدفقت الوحوش. أخي، اللورد ثيودور، الذي أحكم سيطرته هنا، لم يأتي. لقد أدار ظهره. وتَرَككم لمصيركم".
دوى الحقيقة في الساحة كدق ناقوس. وحتى أولئك الذين حاولوا إنكارها لم يجدوا موطئ قدم. لقد رأوا الوحوش، وعاشوا وسط الفوضى، وأدركوا أنه لم يأتِ أي عون من ذاك المفترض بحمايتهم. كان رولاند ومجموعته هم من وصلوا في الوقت المناسب لإحداث الفارق.
"لكنني أتيت. أتى حلفائي. ولم نأتِ طلباً للمجد أو المال. لقد أتينا لأن أرواحكم تهمنا. ولأنه ما كان ينبغي أبداً تجاهل معاناتكم".
رفع آرثر يده ببطء، وعكست الصورة المجسمة كل حركة له. غدا صوته أقوى، ولم تعد نبرته تخص نبيلاً شاباً بل قائداً، وزعيماً حقيقياً.
"منذ اليوم، لن تُنسوا. ولن تُرَك هذه المدينة مهجورة. أنا، آرثر فاليريان، أتولى إشراف ألدبورن. لا باسم أبي، بل باسم العدالة والحماية والواجب. أطالب بهذا المكان كعبء على عاتقي، وأقسم أمامكم جميعاً، لن تُرَك بلا دفاع مجدداً أبداً".
سرى موج من الطاقة عبر الحشود. ثم اندلعت الهتافات، عالية ومشحونة بعواطف شتى. كان على رولاند أن يقر له بذلك. عرف آرثر كيف يخاطب الحشود. كل كلمة، وكل وقفة، كانت مقصودة ومحبوكة بمهارة. وحتى لو لم تكن كل كلمة صادقة، فقد صدقه الناس. لقد استمالهم، على الأقل في الوقت الحالي.
"هذه المدينة تحت حمايتي الآن. والولاء لأخي ثيودور أحرار في المغادرة متى شاءوا. ولن يُلاحَقوا قضائياً. وإن رغبوا في البقاء، فسأرحب بهم بأذرع مفتوحة..."
استمر آرثر في خطابه، واعداً المواطنين ببداية جديدة. تحدث عن فرص العمل المستقبلية وخفض الضرائب حتى يتم ترميم أسوار المدينة وتحسينها بالكامل. وبعد فترة، تذبذب العرض المجسم وتلاشى تدريجياً في النور، مذاباً كالضباب. ظلت الحشود متأججة بالطاقة، تهتف مع بدء تجذر رؤية حياة أفضل في قلوبهم. نزل آرثر عن المنصة، لكن آخرين واصلوا الحديث. احتجت المدينة إلى الوحدة، وتعين حشد المواطنين والمغامرين للمشاركة في إعادة بنائها وإدارتها.
كان لزاماً إزاحة من خدموا تحت إمرة ثيودور عن مواقع النفوذ واستبدال أفراد موثوق بهم بهم. كانت لحظة تغيير، وفرصة لصعود قادة جدد. أتيحت الفرصة لأي شخص طموح ليصنع لنفسه اسماً في هذه البداية الجديدة. وقف رولاند في الخلف، يراقب الاحتفال بصمت. بدا كل شيء يسير على ما يرام، وبدأ الناس بالاحتفال، لكن عبوساً مظلماً غطى وجهه تحت خوذته. كانت هناك جوانب من انهيار الزنزانة تقلقه بشدة.
وأحدها بالذات تلك الأشكال الغريبة وغير الطبيعية التي اتخذتها بعض الوحوش. امتلك نظرية، لكن تعذر تأكيدها من خلال مهارة تحديد الوحوش الخاصة به أو حتى بالتشريح الذي حاول القيام به بالفعل. لإثبات شكوكه، سيتعين عليه العودة إلى الأنفاق العميقة تحت المدينة وتتبع مساراتها. أدرك أنها لن تكون مهمة بسيطة. فرسم خريطة المتاهة تحت الأرض قد يستغرق أسابيع، أو أشهر، أو حتى أطول. امتدت الكهوف عبر الجزيرة كشبكة هائلة، واهتدى عليه العثور على نقطة أصلها.
حتى ذلك الحين، ستظل أسئلته بلا جواب. ومما زاد الطين بلة، عائق آخر منع رولاند من مواصلة التحقيق. لقد انهارت الأنفاق المؤدية إلى الكهوف بالأسفل وتلاشت فور انتهاء التصفيات. وبينما بُنيت الممرات الرئيسية على مدار عقود عديدة وعُزّزت بالمانا، كانت أنفاق الخروج المتصلة بالسطح أحدث بكثير. وما إن توقف تدفق المانا حتى فقدت استقرارها وانهارت، مما استحال معه الدخول مجدداً من الأعلى.
مع ذلك، كانت هناك فائدة من هذا الانهيار. ومع عدم تبقي أي مداخل مرئية، سيبقى وجود شبكة الأنفاق السرية طسماً دفيناً. منحه ذلك الوقت اللازم لدراستها بلا تدخل. والآن بعد أن تبدد تلوث المانا، بات قادراً على إرسال آلياته إلى الاعماق لتنفيذ الجزء الأكبر من الاستكشاف. وقبل حدوث أي من ذلك، استوجب عليه العودة للديار. ولفعل ذلك، توجب عليه تجميع بوابة انتقال آني قصيرة المدى تتيح له قطع الرحلة...
* * *
تحرّكت جماعة من الفرسان بغتة، واطّرد قرع دروعهم بخفة على الأرضية الحجرية وهم يهرولون عبر ما بدا أنه جوف قلعة. توسط تشكيلهم رجلٌ وحيد، يسعل بعنف ويسنده اثنان آخران. اكتسى جلده لوناً رمادياً مائلاً للخضرة، كأنما مُصّت الحياة جزئياً من بدنه. تمددت تحت البشْر عروق تشبه جذوراً سوداء ملتوية، تنبض بضعف وتوهج أرجواني شاذ. تردد نفسه في شهيق ممزق وراشح، وعلق به أريج نتن. كان حارقاً ولاذعاً، لا رائحة دم ولا تعفّن، بل شيء أسوأ بكثير.
كانت رائحة الفساد، كأنّ لعنةً ضربت جذورها في أعماقه.
قال أحدهم: "برفق الآن."
عدّل الفارس قبضته وهم يعبرون باباً خشبياً ثقيلاً إلى غرفة نوم مظلمة. أضاءت الحجرة بضع مسارج خافتة متدلية من مشاعب الجدران. كانت الستائر المخملية الثقيلة مسدلة بإحكام، ورشح الجو برائحة بخور خفيفة. سدد الفرسان الرجل نحو الفراش، فأنزلوه برفق فوق الملاءات الناصعة بينما تلوى جسده في نوبة أخرى من السعال القاسي المقعقع بالصدر. خرج قماش ملطخ ضُغط على فمه وهو أسود بالمخاط وخطوط حمراء.
قال وهو يئن بصوت مبحوح: "لا تدع... أحداً يراني. هذا أمر، أأنتما تعيان؟"
دفع الكلمات عبر أسنان مصطكة. كان صوته أجش، لكنه حمل نبرة أمر لمن ألف السلطة. حاول النهوض، لكن موجة ألم أخرى ضربته، فأرسلت ارتعاشات في أطرافه.
"عليكم إخفاء هذا؛ لا يجب أن يعلم أحد..."
التف رأس الرجل ببطء، كاشفاً عن عينيه للمرة الأولى. تحول البياض إلى صفرة مريضة، وتراقصت حدقتاه باتساع غريب. حتى شاربه الذي كان وضّاءً يوماً ذبل وصار يرتجف فوق شفته العليا.
قال: "سنمضي كما خططنا."
قال أحدهم بصوت نضح بالقلق: "لكن يا صاحبي..."
انقض النبيل فوراً، فقطع صوته الغرفة كصاعقة.
"الصمت. ستفعلون ما أأمركم به."
قال الفارس بارتجاف: "ح-حسناً، يا صاحبي..."
تراجع الفرسان هلعاً. خبت المسارج المتلألئة لحظة، وضغط ضغط خفيّ على صدورهم. رغم وقوف الرجل أمامهم بحال واهية ومريضة، بقيت سطوته مطلقة. لم يملكوا إلا الإيماء صامتين. كانت كلمته قانوناً، وما تجرأ أحد على الجزيرة لمخالفته قط...