صانع الرون: حدّاد العوالم الفصل 41 — في المجاري

اقرأ صانع الرون: حدّاد العوالم الفصل 41 — في المجاري باللغة العربية على مانجا تايم.

عمّت بلبلة صاخبة الحي الجنوبي. في منتصف الليل دوّى انفجار قوي من أحد المستودعات. كان صوته أرفع من أن يفوته سكّان المكان فاستيقظوا فزعين. وصل الحرّاس إلى مسرح الأحداث كعادتهم متأخّرين. انتظروا أن يجدوا حادث مختبر كيميائيّ غير مرخص لكنهم اصطدموا عوض ذلك بجثة مقنّع قتيل. إلى جوار الجثة وقف شاب يرتدي عباءة داكنة. ووجدت شخصية مقيدة على الأرض أمام المستودع. أحد النوافذ هُمشّت وكان الدخان ينبعث منها.

بدا كأنّ أحداً حاول القفز عبرها إلى الخارج. تبدّى للحرّاس أنّ الفردين على الأرض يحملان المظهر المعتاد للّصوص. ذاك الحي كان موثاق الوفاق وكان كمّامة محشوة في فمه المحترق. ولم يكن وضعه الصحّي بمستطاع فإحدى ذراعيه بدت مهشمة. الملابس التي ارتدَاها مُزّقت أيضاً واحترقت كأنهما شُويا على نار حامية.

"استغرق وصولكم وقتاً أطول ممّا ينبغي، حاول هذان سرقتي".

أزاح الشاب غطاء رأسه للوراء وتكلّم. كان شعره داكناً ونظراته تنضح بالكآبة. تبادل الحرّاس اللذان وصلا أولاً النظرات ثمّ رمقوا اللصّين المفترضين.

"علينا مرافقَتُنا لتقديم التفسيرات اللازمة...".

كان الوقت يقارب الثانية صباحاً وقد تجمّع بعض الأشخاص الآخرين هنا. لم يكن في هذا العالم ما يشبه مركز الشرطة بل تولّى حرّاس المدينة مسؤولية حفظ النظام. على الرغم من أن رولاند كان الشخص الذي كاد يلقى حتفَه فلم يتوفر دليل يثبت ذلك بعد. توجّب عليهم اصطحابه إلى نقطة الحرّاس واستجوابه برفقة الشهود. أطلق رولاند زفرة حارّة، فقد ناله التعب ويريد الآن مرافقة هذين الأحمقين.

لم يشأ التورّط في مشكلات فاكتفى بالإيماء. اعتُبر الوقوف في وجه حرّاس المدينة جناية لذا كان الفراغ من الأمر أفضل. بحسب ما تبدّى له فسيقضي ليلته في الحبس إذ لم يعتقد أنهم سيشرعون في استجوابه في هذه الساعة المتأخّرة.

تولّى المسؤولون الأكابر عمليات «الاستجواب»

برمتها بينما كان هذان مجرّد حرّاس بسطاء. وفيما كان رولاند تمتم بشتائم تحت أنفه وصل شخص آخر إلى مسرح الجريمة. بقي هذا الشخص بمنأى عن الأنظار لاصطناعه بالظلال. لم يستطع الحرّاس رؤيته وهو يتسلّل إلى المبنى. امتزج الدخيل بالظلّ كأنه جزء منه. لم يكن هناك أحد في الداخل. انبثق شخص الغريب من العتمة وبدا كأنه سحابة دخان شديدة السواد. اتخذ الدخان هيئة امرأة. ارتدت المرأة درعاً قماشياً أسود يغطي كامل جسدها الذي اتسم بانحناءات بارزة.

وقفت في الغرفة حيث وقع كلّ شيء وكانت الدماء لا تزال طازجة. أدركت أن أحدهم استخدم مهارة مشابهة لتلك التي أدّتها لتوّها. استشعرت عنصر الظلام في الهواء فاستحوذ ذلك على اهتمامها.

"هل استخدم الصبي إحدى لفائفه؟"

غطّى وجهَها قناعٌ وتميزت بهيئة لصوصية مماثلة للمهاجمين. البارز الوحيد تحت غطائها كان عينيها الفضيّتين الساطعتين. شرعت تتفقد المستودع بخطى سريعة ومن خلال مهاراتها المعززة تمكنت من استشفاف المكان الذي تسلل منه اللصان. استطاعت التخمين بقدر ما أن اللصوص فوجئوا بغير توقّع. تلاشت المرأة عائدة إلى الظلال وغادرت بعد هنيهة قصيرة. وخلال ارتحالها في جنح الليل تعززت خصائصها مما مكّنها من بلوغ وجهتها سريعاً.

البقعة التي قصدتها كانت الحي الأغنى في هذه البلدة ويُدعى هايتاون. بدا المبنى من الخارج بالغ الأناقة. شُيّد بحجارة رمادية وزُيّن بخشب الصنوبر الأصفر. سمحت النوافذ العالية الواسعة بنفاذ الضوء الكافي إلى المنزل وجرى توضيعها بتناظر دقيق. اتخذ المبنى شكلاً مستديراً وأحيط بحديقة صغيرة. كان السقف مرتفعاً ومثلث الشكل ومكسوّاً بقرميد بنيّ. استقرت مدخنة صغيرة عند جانب المنزل وانبعث منها دخان خفيف.

انفتحت إحدى النوافذ قليلاً وتسرب منها ضوء خافت. شقت المرأة طريقها إلى الداخل مستفيدة من قدرتها على ارتحال الظلال. وما إن عبرت حتى أبصرت ظلاً ينعكس عن ذلك الضوء. كانت هيئة شخص يجلس إلى مكتب ويفلّي بعض الرقوق.

"أزيليانا، أأنتِ هذه؟ أُخبرتكِ ألا تتسللي نحوي هكذا، يمكنكِ استخدام الباب كشخص سويّ".

صدح صوت القزم الذي يعمل لديه رولاند في أرجاء المسكن. انبثقت هيئة المرأة من الظلال لتجعل وجودها ملحوظاً. بدت مختلفة قليلاً عن المعتاد. تحوّل شعرها الذهبي إلى أبيض ناصع واكتست بشرتها بلون بني داكن. كانت تلك السحنة المعتادة التي يمتلكها جُنّيّ القمر.

"لكن الأمر أكثر إمتاعاً هكذا~".

أطلقت ضحكة خفيفة بينما توقف المدير عن الكتابة فعدّل نظاراته ودفع كومة الأوراق جانباً قبل أن يسأل.

"أوجدتِ شيئاً؟"

تملّكه الفضول إذ نادراً ما عادت «مساعدته»

في منتصف الليل بغير سبب وجيه فلا بدّ أن شيئاً ما قد حدث.

"ربما... الأمر معقد بعض الشيء".

ارتفع حاجب القزم لكنه صمت منتظراً إياها لتتم كلامها.

"وقع حادث صغير في الحي الجنوبي".

"في الحي الجنوبي؟ ليس لدينا هناك سوى القليل من الأصول".

قاطع المدير أزيليانا، فمتجره يعمل أساساً في الأجزاء الأرقى من المدينة. لقد اشترى بعض العقارات في الأحياء الفقيرة فقط لرخص ثمنها. وقد نبع رخصها من سوء الظروف المعيشية هناك.

"كفّ عن مقاطعتي ودعني أُنهي كلامي! الأمر يخصّ الفتى، أنت تعلم ناسخك المفضّل".

"رولاند؟ أحدث شيء؟ أمات؟"

فرك القزم ذقنه، فحيثما تواجدت هذه المرأة لم يكن الموت بعيداً. لم يكن الأمر مستبعداً إن تورّط الصبي معها.

"لا، ليس هو. رغم أن أحدهم قضى نحبه على يده...".

بدأت أزيليانا تصف الموقف. بأن رولاند قتل لضاً من المرتبة الثانية وأسر آخر كان قريباً من مستوى مغامر فولاذي رفيع. وأمدّته أيضاً بمعلومات حول استخدامه تعاويذ تشابه مهاراتها. لم يشكل هذا الجزء مفاجأة كبيرة للقزم فقد طلب منه رولاند من قبل تزويده بشتى أنواع لفائف التعاويذ. الجزء المدهش تمثل في أن طفلاً لم يبلغ الثالثة عشرة بعد استابَ القضاء على لص من المرتبة الثانية.

"أوباش ملاعين!"

هوى القزم بيده على الطاولة وبدت عرق نبض فوق حاجبه واضحة للعيان.

"أولاً يحاول أحدهم تقويض عملي والآن هذا".

توقف لحظة قبل أن يلتفت إلى مساعدته جنية القمر.

"أتدرين من المسؤول؟ قلتِ إن أحد اللصوص نجا؟ أتتعرفين من يكونون؟"

رسمت أزيليانا ابتسامة ساخرة قبل أن تجيب.

"لقد كانوا بوضوح جماعة من النقابة وذاك اللص كان القائد على الأرجح. لم أزر المكان منذ مدة، أفأزورهم؟"

اتسعت ابتسامة المرأة أكثر مما دفع المدير إلى الارتجاف قليلاً إذ أدرك ما كانت تطلبه منه. تفكّر للحظة وأومأ؛ توجب عليه إظهار أنه وموظفيه ليسوا عرضة للعبث. كان أفراد نقابة اللصوص أقوياء لكنه امتلك معارفه الخاصة ولم يخشَ العواقب.

"خذي زيرون معك، إن لم يمنحوك المعلومات فتعرفين ما ينبغي فعله...".

"وماذا عن الصبي؟"

سألت المرأة وهي تلتفت مستعدة للمغادرة.

"أرسل من يجلبه في الصباح، فذاك الغلام سيؤنبني صباحاً على الأرجح. لا يحترم من يكبرونه".

أومأت المرأة وغادرت بينما تنهّد المدير مستغرقاً في التفكير فيما ستؤول إليه الأمور. أدرك تماماً كيف تدير هذه المرأة أمورها لكنهم تجرؤوا على مهاجمة أحد أصوله التي يرعاها. وتيقّن أن رولاند يمتلك مستقبلاً باهراً أمامه فهو يصنع معدات مسحورة بالفعل. علم أنه إن نجح في عقد صفقة معه فسيجني مالاً وفيراً. فصّانو الرون الواعدون ليسوا بالشيء الذي يصادف كل يوم. وأولئك الذين ليسوا أقزاماً يعدّون أندر.

لقد كان يتقدم بوتيرة أسرع بكثير ممّا توقّع ممّا أثار خوفه حيال ما قد يتوقّعه الفتى في العقد القادم. توجب إرجاء هذا ريثما ينظر في أمور أشد أهمية. وعلى رأسها المشكلة المتعلقة بمن يحاول تخريب متاجرّه. بدأ الأمر بادعاءات واضحة البطلان حول منتجات معيبة ثم تلاه سرقات وتعرض شحنات للنهب. والآن يحاولون اغتيال أحد عماله مستخدمين قتلة نقابة اللصوص. وجب وضع حدّ لهذا بأسرع وقت، فعلى النقابة تسماء أسماء المسؤولين وإلا تجرّعت العواقب.

تحرك القزم عن مقعده منتقلاً إلى غرفة أخرى. استقرت فيها مرآة زخرفية مستديرة يحيط بها عدد من البلورات. تعذر على القزم رؤية انعكاسه في تلك المرآة لأنها كانت قطعة أثرية سحرية صُمّمت لغاية مختلفة. مدّ يده نحو إحدى البلورات وضخّ فيها بعضاً من مانا الخاصّة به. وما إن فعل حتى شرعت البلورات تتوهّج بلون أزرق. وبعد دقائق معدودات تحوّل توهّج البلورات من الأزرق إلى الأخضر. وفي تلك اللحظة ظهر مخطط باهت لشخصية داخل المرآة.

اتسم مظهر الشخصية بالضبابية أول الأمر لكنه غدا أكثر حدة ببطء.

"أحدث شيء؟ نادراً ما تتصل".

سأل الشخص الطرف الآخر من الجهاز السحرّي. لم يماطل المدير فهذه الأداة السحرية تحرق البلورات السحرية بلا هوادة.

"نجل، أحتاج منك أن...".

ألم القزم اضطراره لإجراء هذا الاتصال. سيتعين عليه إنفاق بعض من تلك النقود المكتظة بعرق الجبين لكن لا مفرّ من ذلك. استمر الحديث دقيقة وتوارى الشخص على الجانب الآخر مع انتهاء المحادثة.

"هذا يفترض أن يفي بالغرض...".

عاد القزم العجوز أدراجه إلى غرفته فيما استمر الليل في مسيره. لم ينتهِ الأمر بعد إذ إن الجزء الرئيسي من المساء قد بدأ للتو. كانت المرأة الجنية التي في هايتاون تشق طريقها بالفعل نحو مكان محتمل لوجود رجل معيّن فيه. المنطقة التي اعتاد المكوث فيها كثيراً كانت مكاناً تكره ارتياده. إنه حي الزهور ذو الاسم الظريف والذي لم يكن له صلة بالزهور حقاً. لقد كان حي الدعارة حيث تستقر بيوت الطاعة وجميعها تملكتها إحدى شخصيات المجلس.

ظهرت أزيليانا في أحد بيوت الدعارة الذي يرتاده زميلها وحالها الحظ بإيجاده هناك. وكعادته عُثر عليه عارياً تحيط برقبته امراتان من أعراق مختلفة. اقتحمت الغرفة بينما كانا متلبسين بالعملية وسط استياء مالكي بيت الدعارة. عُرفت جنية القمر حق المعرفة في هذه الأرجاء فلم يحاولوا إيقافها. وبمجرد أن رآها الرجل تدخل بادرها بتحية مشفوعة بابتسامة.

"أهلاً، أغيرتِ رأيك أخيراً؟"

سأل الرجل المسمّى زيرون دون أن يبذل جهداً يذكر لتغطية عورته. بل أشار بشبق برمحه نحو الجنية ذات البشرة الداكنة التي عقدت حاجبيها فحسب.

"ارتدِ ملابسك، لدينا عمل لننجزه. سأنتظر بالخارج، أمامك دقيقة واحدة".

لم تكن في مزاج يسمح لها بالمجادلة مع هذا الشخص إذ سيكتفي بمضايقتها كعادته. لم تحب العمل معه لكنها أدركت أن مهارته تضاهي مهاراتها. وبالخارج، ظهر زيرون أخيراً. كان قميصه مفتوح الأزرار وتبينت آثار أحمر شفاه على جسده المش