"سيدي."
"أخبرتك برغبتي في ألا أُزعج يا ريجنالد. آمل لأجلك أن تمتلك سبباً وجيهاً لهذا..."
"أعتذر بشدة ولكن الغربان السوداء أرسلت تقريراً طارئاً."
"طارئ؟ أيعتزم يوليوس تدبير شيء؟ يستحيل أن يكون إيفان إذن فهو... تيبالت؟"
"إنه من منطقة فولاند يا سيدي."
"من ذلك اللعين؟ أحدث مكروه لإيمرسون؟... هات التقرير وحسب."
"حاضر يا سيدي."
خطا الخادم إلى داخل الغرفة حاملاً رسالة ختمت برمز غراب. اختلفت هذه المرة قليلاً إذ غلب عليها لون قرمزي خفيف عوضاً عن السواد الحالك. شرع ثيودور فاليريا سيّد المكان يطالع الكلمات. تتبعت عيناه السطور بعجلة إذ عجز عن تصديق ما تطالعه. لم يلبث ورقة الرسالة أن تحولت إلى كتلة ممزقة ليرميها في المدفأة المجاورة.
"كيف أفلح في الإخفاق؟ ألهذه الدرجة من البلادة... أكان ثمة متغير؟ لا، هذا لا يمت للواقع بصلة... من يكون هذا الفارس المجهول؟ أيعقل أن يعمل هذا اللعين مع أحد..."
أرخى الرجل ظهره على مقعده مستغرقاً في التفكير. أمور كثيرة استعصت على فهمه وأعظمها حيازة آرثر فارساً قائداً يفوق إيمرسون قوة. رغم إخفاقه ما كان لهزيمته أن تكون بهذه السهولة، فمغامر بلاتيني عادي يعجز عن إنجاز هذه المهمة.
"أجمع الغربان معلومات إضافية؟ أأفصح ذلك اللعين عن شيء؟"
"ليس بعد يا سيدي، ننتظر مطالبهم، احتُجز العديد من فرساننا غير أن أي ثمن لم يعرض علينا."
"يبدو قبيحاً أن نُبادر بالاتصال بهم، لذا انتظر..."
"أأتصل بالمحاسب؟"
"افعل."
أرخى الرجل ظهره على المقعد مجدداً محاولاً بلا توقف إدراك الخفيّ خلف كل هذا. استحال تصديق قدرة أخيه الأصغر على بلوغ أمر كهذا. لابد من جهة تسنده وأخواه هما المصدر البين لذلك. توجب الحفاظ على صورته كقائد نبيل. رغبته في ترك أولئك الفرسان يتعفنون جانباً ستشكل وصمة على اسمه. بدا النزال مبرراً بعد مطالعة التقرير غير أنه استطاع دائماً محاولة إنكار تلك المزاعم. احتاج إلى مزيد من المعلومات قبل اتخاذ قرار، فثيودور لم يكن متسرعاً، وحان وقت التراجع خطوة للخلف ما دام متغير قد ظهر.
"دع الغربان تراقب ألبْرُوك، أريد معرفة إن تواصل أحد إخوتي مع ذلك اللعين، لا يعنيني إن اضطررتم لتفتيش البيت الرئيسي بحثاً عن دليل، فربما عملا سوياً منذ البداية!"
"أمرك يا سيدي."
أومأ الخادم متلقياً الأوامر. حدقت عيناه بالرجل أمامه الممعن في إلقاء التوجيهات ببطء. استغرق وقتاً يسيراً في كل مرة ليتدبر كلماته المنطوقة ويبقى هادئاً. لم تكن بنيته ضخمة ولا ضئيلة واعتُبرت ملامحه وسيمة كباقي إخوته. أوصلته طبيعته التي تقتصر على التصرف ضمن حدود إمكانياته وعندما تسمح المعلومات المجمعة إلى هذا الحد. استطاع الخادم التبين منه محاولاً توقع بضع خطوات تسبق الخصم المجهول لفك اللغز المطروح أمامه.
شكل الحذر الذي أبداه المقاربة الأكثر أماناً غير أنه أعاقه أحياناً عن تحقيق اختراق. غادر الرجل قريباً حاملاً قائمة بالتعليمات لتنفيذها. تفلّت زنزانة من الفئة بي من أيديهم جعل هذه المسألة أكبر حجماً مما توقعه أي منهم. ضاق الوقت المتبقي بلا طائل في ظل تهديد تدخل أحد الإخوة الآخرين. مع ذلك غاب عن نظره رؤية سيده يقدم على ردة فعل هجومية قبل إعداد تقرير كامل. ...
"هذا يجلّي الأمور مع آرثر ولكن ماذا الآن؟"
كان رولاند في طريقه إلى بيته عقب القضاء على إيمرسون في النزال المرخص. انتهى حديثه مع آرثر أيضاً وما استهدفه فحسب العودة إلى المنزل. لم يعد هذا يعنيه حتى وإن تردد قرب قدوم المغامرين البلاتينيين. غادر على عجلة فاستحوذ أهل الديار على فكره وحده. تحطمت درعه القديمة في المعركة لا على يد خصمه بل بفعل روناته وحدها. امتلك حصيلة بيانات كافية لمهارة إعادة تجميع الآلات السريع حصراً الآن بعد الاختبار القتالي الحيّ.
اتضح له جلياً غياب اللانهاية فيها وكلما كثر استخدامها تلف المزيد من صنعه. تلاشت بعض المواد مع كل مرة أعاد فيها خلق درعه. غاب ما يمكن ترميمه في النهاية إثر تحطم الروابط الجزيئية الممسكة بالبُنى تماماً.
"على الأقل ارتفع مستواها كثيراً..."
مثلت إعادة تجميع الآلات السريع آخر مهارة تلقاها من صف مهندس الرونات. بلغت المستوى الثامن في هذا الوقت واقتربت من بلوغ الأقصى. ظلت مهارة من الفئة الثانية استخدمت مراراً على عتاد عالي الجودة كالغوالم ودرعه. عزز ترميم مكونات رونية معقدة بكثرة أثناء الاشتباك إمكانيات ترقية المهارة.
"أأتساءل إن كانت ستتطور لمهارة جديدة بعد المستوى التاسع."
لم يتيقن من إمكانية هذا غير أن الاحتمال قائم إن تحلى صف سيّد الطغاة بالهيبة الكافية. بديهيّ إمكانية تحويل المهارات المكتسبة بصف سيّد صانعي الرونات إلى نسخ أعلى من الفئة الثالثة لكون الصف ترقية مباشرة للقديم. وجدت احتمالية لكونه أعلى من مهندس رونات محترف من الفئة الثالثة بالنظر إلى كون صف سيّد الطغاة صفاً رفيع الشأن يفوق أمثال صانع الرونات المحترف. عُدَّ الأمر نعمة إن صحّ هذا لاستخدامه المتكرر لهذه المهارة مستقبلاً.
"آووو!"
"هاه؟"
سمع عواء مألوفاً أثناء استغراقه في أفكاره. توارى منزله عن الأنظار لا يزال محاطاً بالأشجار. لم يمنع هذا رفقي المخلص من الرقض للقائه. بعث منظر ذئب الياقوت الناجي بأعجوبة البسمة على وجهه.
"أغني، أتشعر بتحسن؟"
"ووف!"
سارع كلب الياقوت للقفز بين ذراعي سيّده. يرتد جسم أي شخص عادي للوراء بفعل الوزن والزخم. بدا رولاند بخصائصه الحالية كجدار قرميدي غير أنه اختار مجاراة ذئبه المصاب ليحط على ظهره تيسيراً للأمر.
"مهلاً، يكفي لعقاً لوجهي..."
"وورف!"
استجاب رولاند لتدفق اللعقات نحوه. اعوجّت الخوذة المعتادة حتى نزعها. أتاح هذا لأغني فرصة مثالية لتمرير لعابه على وجهه كاملاً. كان ليدفعه بعيداً في الأحوال العادية بيد أن رؤية أغني شارک على الموت ألان قلبه.
"حسن... يكفي هذا حقاً..."
تغطى وجهه باللعاب رغم إعطائه ذئبه بعض الحرية. وجد نفسه يبعث الذئب المفرط في الحماسة بعيداً قريباً ملاحظاً عدم مجيئه وحيداً. ظهر شخص ذو أذنين ممطولتين خلفه مباشرة مسارعاً لمناداته.
"أأنت هذا يا وايلاند؟"
"لوبيليا؟ ماذا تفعلين هنا؟"
"ماذا تقصد؟ سمعت بما حدث فأسرعت! أرى وجهك الآن، إنه يلائم فارساً بحق."
"إذن، أنت تعلمين..."
"بالطبع!"
ابتسمت لوبيليا مانحة رولاند إشارة إيجابية بابهامها. انتمت إلى نقابة اللصوص لذا ما استغرب علمها بالأخبار. ينتشر ظهور فارس قائد من العدم بسرعة فائقة. تسارع كافة الشركات السرية البائعة للمعلومات بإعلام زبائنها بالحدث. تغير اسم وايلاند صانع الرونات إلى وايلاند الفارس القائد. فكر في منح نفسه هويّة سرية ثانية للحظة. تغطى وجهه بخوذته أثناء الفوضى. احتمل استمراره كحرفيّ نهاراً وفارساً ليلاً طالما تجنب إظهار وجهه.
توجب عليه طرح تلك الفكرة من النافذة بسرعة مع ذلك. تبرز مشكلة أساسية أولاً في تسويغ النزال. بقيت وثيقة الأرض مسجلة باسمه الأصلي. أمكن تزييف السجلات باسم آرثر بيد أن الأمر بدا خطيراً. يمتلك ثيودور عذراً للانتقام إن تمكن أي جاسوس من كشف الأمر. استلزم الأمر التزامه بمعايير محددة كفارس أيضاً. تحتم نزع خوذته أمام نبيل أحياناً. تتكشف هويته عاجلاً أم آجلاً لذا تخلى عن الفكرة.
آثر التركيز على ازدياد القوة بجانب تبين مكانته ضمن هذا العالم عوضاً عن ذلك.
"حين أفكّر بالأمر، بمن أثق هنا حقاً..."
تبدلت نظرته للعالم عقب مرور ما يزيد عن عام من الحروب. أبان الاختبار وجوب معرفة الحلفاء لدى الولوج لعالم النبالة والقيادة. يقبل على عالم جديد يغمره التجسس والمؤامرات والكذب. هذا ما ابتغى تجنبه إثر قضاء خمس سنوات كطفل في عائلة أردن. اقتنع حتى اليوم بإرسال شخص ما لذلك الجندي لقتله.
"ينبغي أن أصنع قائمة."
شاركت لوبيليا هنا في المصارعة مع أغني عائديْن إلى منزله. شرعا في مناقشة الحدث الجاري في طريقهما.
"لم يُعرف الكثير إذن، هذا جيد. أيمكنني طرح سؤال؟"
"أوه؟ سل ما بدا لك!"
"أفكرت يوماً بالخوض في مجال عمل مختلف؟"
"مجال مختلف؟ ماذا تقصدين؟"
"أعني، مجالا بعيداً عن العالم السفلي، شيئاً أكثر شرعية."
"لطرحك هذا، لابد من وجود أمر ببالك؟"
أومأ رولاند للوبيليا عاقداً العزم على عدّها جديرة بثقة ما. لن تقدم نصف القريبة على فعل أرعن غالباً طالما ارتبطت بأختها الكبرى إيلوديا. امتلكت خبرة كمتعقبة وامتلكت بعض الصلات. شكلت هذه مجموعة مهارات ممتازة لتغدو جزءاً من شبكة استخبارات نبيل. مثلت ماري خادمة آرثر قائدة محتملة لكيان مماثل إن وُجد في صفوف آرثر. يغدو بحوزته شخص بالداخل إن تمكن من جعل لوبيليا تبدل عملها وتعمل رفقة خادمة القطة.
مثّل آرثر أمراً وبدت ماري كالنوع الدافئ لحافّة إن مكّن ذلك سيّدها من إنجاز مهمته. رافقت منصبه مسؤوليات جمة لكنها احتوت بعض الهبات. شارك الفارس القائد إيمرسون المنصب ذاته الحائز على كتيبة جنوده الخاصة. احتمل قيادته لآلاف الرجال تماماً كالاختبار المنتهي. شكّل استقطاب أشخاص أكفياء لجانبه أمراً بالغ الأهمية لنجاته. يبدو غريباً دسّ جواسيس بين بعض الجنود الجدد المجندين.
تواجد احتمال لعمليات رشوة قائمة أو انتماء أحدهم لمعسكر العدو مسبقاً.
"نعم، أعلم كرهك للنبلاء لكنني أظن ملائمتك الجيدة."
"أترغبين بعملي لأجل ذلك النبيْل؟ لكنني لست فارساً."
"لا حاجة لكونك فارساً، ستغدو جزءاً من الوحدة الخفية."
"أوه، قاتل مأجور!"
"حسن، الأمر يقارب ذلك لكن ليس تماماً..."
بدت لوبيليا مهتمة للحظة لكن خيالها حلق بعيداً. لابد من سماعها شتى الشاعات عن امتلاك النبلاء لفرق اغتيال جاهزة لحز رقاب منافسيهم. لم يبعد هذا كثيراً رغم عدم تخطيطه لوضعها بموقف كهذا ما لم تختر تلك الحياة فعلياً.
"علينا مناقشة التفاصيل لاحقاً، وربما اصطحاب ذلك الأحمق أيضاً، فلربما أجد له مكاناً ما."
"حتى هو؟ بما توتّر؟"
"لست متأكداً بعد..."
توقف رولاند للحظة بوصولهما أخيراً إلى بيته واستقبالهما من إيلوديا وبيرنير. بدا الاثنان بحال جيدة لكنهما قلقان، وبلغت معلومات نزاله هذا المكان غالباً لوجود لوبيليا هنا لذا انتفت الحاجة لشرح الكثير لهما.
"هه، أيعطيني هذا مكانة حامل درع الآن؟"
"قد يحدث فعلياً... ربما أجدر بي صنع سيف ودرع ملائمين لك..."
"وه، رويداً يا رئيس، كنت أمزح فحسب... فعجز عن ركوب حصان حتى!"
أخذ بيرنير يتصبب عرقاً عقب مجاراة رولاند للمزحة. سيتطلب توظيف حامل درع واقعياً لذا لم يبدو جعل بيرنير يؤدي المهمة سيئاً. أثار إجباره على الذهاب لبيوت النبلاء والحفلات السخرية ربما لكن الأفضل إبقاؤه في الورشة كساعده الأيمن. باتت الرحلات خارج المدينة محتملة لانتمائه لحاشية آرثر. أمكن إصدار أمر له بفعل المثل تماماً كمغامرة إيمرسون بالخارج لتولي الأمور.
"أثق بتعليمك إياه مع الوقت."
"أشعر بغباء قلقي عليك."
اتجه إصبع لجنبه أثناء سخريته من بيرنير. تواجدت إيلوديا هناك هازّة رأسها لرولاند المتصرف كمراهق. ولج الجميع للداخل لمناقشة بضع أمور قريباً. احتاج لشرح تغير الأمور بعد غدوه الفارساً القائد.
"آسف بشأن هذا لكن علينا الحديث عما سيحدث. أصبحت فارساً كما سمعتم مسبقاً."
جمع المحيطين به لاجتماع استراتيجي مصغر عقب بعض الحديث العابر. لم يعني قبول منصب الفارس القائد هنا اضطرار الجميع لمجاراته. مثّل عرض العمل للوبيليا طلقة في الظلام لعدم تيقنه من نظرها في الأمر حقاً.
"قرار اتخذته، وسأتفهم رغبتكم بتجنب أي أمر يتعلق بالنبلاء."
"ما تحاول قوله؟"
سألته إيلوديا باغتياظ طفيف تجاه ما يلمح إليه رولاند.
"أقول باحتمال تكرار ما جرى اليوم لاحقاً وأتفهم رغبتكم بالرحيل."
اقتصرت الغرفة على بيرنير، لوبيليا، إيلوديا وأغني. غاب المعرفون أو الأعزاء بكثرة. مثلا بيرنير وإيلوديا الأقرب له وبلوغ الأمر خطورة بالغة برأيهما سيلقى قبوله.
"ما تقوله حتى."
"وه..."
لم يمض ثان تلقيه ركلة بقدمه من إيلوديا. تلفت الضرر للقدم الراكلة وحدها لفرط صلابة جسده.
"سؤال غبي لطرحه، رغبتي بالرحيل لكانت تحققت مسبقاً."
تحركت يميناً ويساراً عقب تلقي إبهام قدمها الحصة الكبرى من الهجوم. بادر بيرنير ثانياً متحدثاً بضحكة مبتهجة.
"كرهت النبلاء دوماً لكن باستثناء رئيس، يحق لي الاستثناء! وأرغب بمشاهدة وجوه أولئك اللعناء من النقابة أيضاً... هه."
بصر بمساعده ضاحكاً ومخططاً لشيء يخص الأقزام الآخرين. سيخشاه الأقزام لغدوه فارساً قائداً. استطاعوا مقاطعة مثله سابقاً باعتباره عامياً. سيبصقون علانية على منزل فاليريا لتقليدهم ذات الفعل الآن.
"حسن، عدّني ضمنهم أيضاً... قد أنظر في ذلك العرض."
هزت لوبيليا كتفيها لعدم اكتراثها القوي بالأمر بالمقابل. اقتصر تورطها بكون أختها المصابة على يد فارس فاليريا. انعدم فعل الكثير بغيابه الموت بوفاة هذا الفارس مسبقاً. أومأ رولاند مناقشاً أموراً أخرى مع المجموعة. تضمن أحدها جلب شعار فاليريا أبهى وتعليقه بالخارج. سيفكر الجميع مرتين قبل جلب أي مشاكل أخرى بوجوده هناك.
"أحتاج بلوغ الجميع لقوة أكبر، وقابلة الاستخدام لرفع المستوى..."
امتلك خطة برأسه مسبقاً لمنح بعض رفقائه الجدد قوة إضافية. تمثلت الأولى بماري الغادية مورداً جيداً مستقبلاً. يسهل بلوغها المستوى مئة وخمسين باعتماد أدوات قديمة احتاجت مراجعة. مع ذلك، تشمل خطوته التالية رسم مخطط لإبداعه الأحدث قبل انطلاق هذا.
"قد يقل وقتي لهذا لكنني لست مضطراً لصنع الأجزاء كافة دفعة واحدة..."