قال: "سيّد صانعي الرون؟ أهذا لأنّني هزمتُ ذلك اللوتش... لكنّه لا يبدو خبيثاً إلى هذا الحد... ثمّ ما قصة حسّ التسمية هذا مجدداً، أيّها السيّد العالي صانع الرون؟"
علق رولاند ناظراً إلى الجنيّة التي سبقت اسم فئة السيّد العالي صانع الرون الطويل.
مع أنّه كان منطقيّاً أن تحافظ الفئة الفاخرة على جزء "السيّد"
من الاسم إن كانت فئة صانع الرون الأساسيّة هي الأصل. ثمّ كانت هناك فئة سيّد صانعي الرون التي خلت من هذا اللقب وبدت في موقع أعظم شأناً. كانت هناك مخلوقات تُدعى أسياداً في هذا العالم، وهي أموات أحياء من الفئة الرابعة وعالية المستوى تبدو كالعملاق مقارنة بأبناء جنسها. واللوتش الذي واجهه ينتمي إلى عائلة الوحوش نفسها ويمكنه التطور ليصبح سيّداً. السيّد هو ميت حيّ من الفئة العالية يمكنه في الواقع استدعاء لوتشات أخر لتنفيذ أمره.
إن كان اللوتش يمثّل تهديداً بمستوى مدينة، فالسيّد سيمثّل تهديداً بمستوى مملكة. عدد الجنود الأموات الأحياء الذين يمكنه هو وأتباعه إنتاجهم كان مذهلاً. وكانت هناك سجلات لبلدان أصغر حجماً اجتاحها مثل هؤلاء الوحوش الأموات الأحياء ولم يُهزموا إلّا بجهد مشترك وصل من الخارج.
"أكانت هناك نوعٌ ما من الشروط المسبقة الخفية التي نجحتُ في بلوغها؟ أهو هزيمة اللوتش بمفردي أم مجرد قتل أعداد غفيرة من وحوش الأموات الأحياء من الفئة الثالثة؟"
كان هذا لغزاً مثيراً للاهتمام، ولو لم تكن فئة سيّد صانعي الرون موجودة لتوجّه فوراً نحو خيار السيّد العالي عوضاً عنها. ربّما كانت تشبهه إلى حدّ كبير، نسخة أعظم شأناً من فئة صانع الرون السيّد تمنح مضاعفاً أكبر من ذي قبل وتتيح له في الوقت عينه نيل معرفة أوسع متعلّقة بسحر الرون.
في العادة لم يكن صانع الرون العادي بارعاً جداً في تعديل "نظام تشغيل الرون"
الخفيّ داخل الرون. في الواقع لم يكن هناك الكثير من صانعي الرون مثله ممن يستطيعون تعديل كل شيء بأنفسهم. لم يكن غريباً أن يستعين آخرون بسامح رون للمساعدة في ضبط بعض الإعدادات قبل نسخ الرون المعدّل بعد ذلك. وبفضل فئة سيّد صانعي الرون التي دمجت الفئتين إلى حدّ ما، استطاع بسهولة تعلّم جانب سامح الرون.
"انتظر، لقد استغرقتُ وقتاً طويلاً في التفكير في الأموات الأحياء، فالسيّد ليس بالضرورة وحشاً ميتاً حيّاً، وهناك إشارات إلى ظهور وحوش نخبويّة تحمل هذا اللقب..."
عند التفكير في السيّد كان نوع الأموات الأحياء يتبادر إلى أذهان أغلب الناس. كانت إحدى أكثر القصص شهرة في هذا العالم ولذا شرد ذهنه في ذلك الاتجاه. غير أن تطوراً مثل سيّد الأورك كان ممكناً أيضاً. وبدا أنّه تطور فائق القوة لا يقتصر على استدعاء مخلوقات الأموات الأحياء.
"كان هناك ذلك السيّد الأوركيّ الواحد الذي أثار الرعب في منطقة بمملكة أخرى في الماضي، هممم..."
حاول رولاند استرجاع أي معلومات يمتلكها عن متحولات وحوش السيادة. كان هناك عدد قليل منها في الماضي وكلها سببت ضجّة في البلدان التي ظهرت فيها. متحول الأموات الأحياء كان وحشاً مؤكّداً من الفئة الرابعة ولكن لم يكن هناك ما يثبت المتحولات الأخرى. ثم عندما تعلق الأمر بالفئات التي تحمل هذا اللقب، ومثل فئتي السيّد والسيّد العالي، لم تكن هناك أي معرفة متاحة له. وكالعادة كان هذا سرّاً تحتفظ به معظم العائلات لنفسها وتوزّعه حسب الحاجة لمعرفته.
ربّما لو أنفق الكثير من المال لدى وسيط معلومات لاستطاع الظفر ببعض شتات البيانات لكن رولاند لم يتقوقع على توقع وجود أي شيء ذي قيمة. كل الأجزاء الأفضل إما ستكون مغلقة خلف خزنة أو مباعة في مزاد سرّي بسعر لن يقدر هو حتى على تحمله.
"إجراء المزيد من البحث لن يفيدني كثيراً بل سيهدر وقتاً إضافياً لا أملكه..."
إن معرفة متحولات وحوش السيادة المعروفة بشراستها توحي بالفعل بمكانتها الفاخرة. وبحسب الجنيّات الظاهرة على الشاشة فإنّ فئة سيّد صانعي الرون هذه كانت أسمى من فئة السيّد العالي صانع الرون التي كان يسعى فعلياً للحصول عليها. وبعد بلوغ أقصى حدّ لجميع المهارات المتعلقة بفئة سيّد صانعي الرون السابقة وبلوغ أقصى حدّ لفئته الثانية من الفئة الثانية استطاع أخيرًا فتح جميع المتطلبات اللازمة لها.
كان هذا يسير دائماً بالشكل نفسه، فنصائح الفئة كانت ماثلة على الشاشة أمامه. إحداها كانت الاسم الذي بدا واضحاً للعيان. خياران كانا ماثلين أمامه، فئة السيّد العالي أو السيّد بدا وكأنّهما الطريق القويم. ورغم امتلاكه خيار المضيّ قدماً بنسخة مطوّرة من مهندس رون فإنّ ذلك لم يبدُ أفضل من فئة سيّد صانعي الرون. ربّما لو نجح في رفع مستوى شتى المهارات التي تلقاها من متحول الفئة الثانية لظهرت نسخة أكثر فخامة.
غير أن الوقت كان ينفد وهناك جوانب أخرى عديدة لهذا التغيير كان قلقاً بشأنها، كان عليه اختيار أفضل فئة ممكنة وتلك الاثنتان ستمنحانه غالباً ما يبتغيه. النصيحة الثانية كانت هيئة الجنيّة، إذ كانت تروي قصتها الخاصة عندما كانت الفئة غامضة. وحين اختار فئة سيّد صانعي الرون بدلاً من صانع الرون العادي كان الأمر ذاته. كانت الجنيّة ترتدي درعاً أفضل وإلى جانب المطرقة كانت تمسك بسيف إشارة إلى أن الفئة مخصصة للمعركة.
النسخة المطوّرة لفئة السيّد العالي صانع الرون بدت مشابهة، فالدرع بدا أكثر تعقيداً بعض الشيء وكانت الجنيّة أكثر وضوحاً أيضاً. بدا كلٌّ من جنيّات الفئة الأولى والفئة الثانية كأنهما ثمانيتا بتات بينما الفئات التي كانت من الفئة الثالثة فبدت ست عشرية البتات. كانت أكبر حجماً بقليل وأظهرت تفاصيل أكثر دقة فيها. وربّما كان هذا رمزاً للتغيير الهائل الذي يمرّ به المرء حين ينتقل من الفئة الثانية إلى الثالثة.
لقد كانت هوّة أخفق كثيرون في عبورها، وعالم برمته كان في انتظارهما على الجانب الآخر والآن جاء دور رولاند ليقوم بتلك القفزة. كانت الجنيّتان متشابهتين إلى حد ما. فكتاهما كانتا ترتديان درع صفائح كاملة جميلاً ومجهّزاً أيضاً بعباءة نبيلة المظهر للغاية. فئة السيّد العالي كانت تملك واحدة زرقاء بينما سيّد الرون كانت تملك واحدة حمراء. كل جنيّة كانت مجهّزة بخوذة جميلة المظهر تعلوها عُرف، وقد عكسن ألوان العباءات لكنّ السيّد جاء بشيء بدا كأنه أجنحة على الجانبين.
وبشكل عام كان جليّاً أن جنيّة السيّد العالي قد نُسخت ثم أُجريت عليها بعض التعديلات لابتكار متحول السيّد.
"حكمًا من واقع سير الأمور هنا... قد تمتلك فئة السيّد المكافآت والمهارات ذاتها التي تمتلكها فئة السيّد العالي مع بعض المكافآت الطفيفة..."
بينما كانت الجنيّتان تمشيان استطاع رؤية توهّج خافت على الدرع المرقّط الذي يُرجح أنه كان يفترض أن يكون روناً أو تأثيرات سحرية. وفي اليد اليمنى كانتا تمسكان بسيف كبير بينما تمسكان بمطرقة في الأخرى، شبيهة بفئة سيّد صانعي الرون. كل شيء كان أكبر حجماً وأكثر تعقيداً للإيحاء بالتطوير. ثم النصيحة الثالثة والأخيرة التي استمالته نحو اتجاه الفئة التي اختارها كانت الموقع على الشاشة.
فكلما اتجهت الجنيّة يمين شجرة التطور، كانت الفئة أفضل. لم يكن متأكداً ممّا تستخدمه منطقة الاختبار هذه للحكم على ندرة الفئة أو قوتها لكنه كان شيئاً نجح معه عادةً. في المرة السابقة كانت فئة سيّد صانعي الرون في ذلك الموقع والآن حلَّ السيّد هناك.
"قد يشبه الأمر الفرق بين فئة عادية وأخرى متقدمة في الفئة الثانية."
معرفته السابقة ميرتل ساحرة الجليد كانت تمتلك إحدى تلك الفئات. إحداهما كانت ساحرة جليد والأخرى ساحرة جليد متقدمة. الاثنتان كانتا في الفئة ذاتها لكنّ الثانية أتاحت للمرء نظير مكافآت أعظم لتعاويذ الجليد مقارنة بالأولى. وكانت المكاسب في حدود خمسة وعشرين بالمئة وقد يتشابه الأمر في هذه الحالة.
"لم أكن أتوقع تغييراً في الخطة عند هذه النقطة لكن ها هو ذا..."
عند الاسترجاع بالذاكرة لتجربة سيّد صانعي الرون كانت مزيجاً من القتال والصناعة. عادةً عندما يختار المرء فئة مشابهة تصبح التجربة أيضاً أشبه بذلك. وعند السعي وراء ترقية مباشرة فارجحٌ أكثر أن تكون مجرد نسخة أكثر تقدماً من النص السابق. المشكلة الوحيدة كانت في أنه لم يكن يتجه نحو فئة متقدمة مباشرة بل نحو نوع من المتحولات الجانبية المتفوقة.
"لن أعرف ما لم أجرب لكنّ ثمّ ثمناً ربّతో يُدفع."
استند رولاند إلى الوراء على كرسي الألعاب الذي قضى فيه الكثير من حياته السابقة. اتُّخِذ القرار لكن كان هناك دائماً عامل ضار. كلما علت الفئة على شجرة التطور، غدت التجربة أصعب. لقد انتقل من نقش رون أصغر على بعض الورق وصولاً إلى قتال سرب من الوحوش في حلبة ثم قضاء أشهر في بناء آلات. هذه التجربة ستكون الأصعب حتى الآن وكان عليه إعداد نفسه معنوياً للمهمة الماثلة أمامه. ولو أتيح له بعض الوقت الفراغ لودّ إجراء المزيد من الأبحاث وربّما ترقية جميع مهاراته المتعلقة بالهندسة، بيد أنّه مع بزوغ الزنزانة الجديدة باتت القوة مطلباً ضروريّاً له.
لبرهة نهض من مقعده وشرع يتلفت حوله في الشقة الصغيرة التي اعتاد العيش فيها. لم يكن هناك شيء هنا ليُهدئ روعه، بل مجرد تذكير بحياة عُرِشت مرّة ولم تُقدّر حق قدرها. لو أُتيح له العودة إلى منزله القديم الآن لربّما بذل قصارى جهده لترك وظيفة لم يُقدّر فيها أو وجّه لمديره إنذاراً أخيراً على الأقل بينما يعمل نحو مسعى جديد عوضاً عن لعب ألعاب الفيديو.
"العمل لثماني ساعات، خمسة أيام في الأسبوع لا يبدو سيئاً إلى هذا الحدّ بعد الآن..."
بعد بعض الخطوات ذهاباً وإياباً جلس مجدداً وأعطى أخيراً نقرة لفئة سيّد صانعي الرون. ظهرت نظارة الواقع الافتراضي كالمعتاد وارتداها بسرعة. طغت على رؤيته ومضة بيضاء قبل أن يُؤخَذ إلى منطقة اختبار الفئة الثالثة الجديدة. في البداية كان المكان مظلماً لكن ما لبثت مشعل أن اشتعلت على الجانب وتلتها مشاعل كثيرة أخرى.
"ما هذا... مستودع تحت الأرض؟"
شرعت المشاعل المثبتة على الجدران تضيء المكان الذي وجد نفسه فيه لتكشف عن بعض الأغراض التي كان مألوفاً بها مثل الرماح الحديدية والسيوف. غير أن جودتها لم تكن تلك الخارقة وبعد أخذ أحد السيوف استطاع استشعار كلال النصل بمجرد لمسه فقط.
"إنه أصغر من أن يكون مستودعاً، يبدو مرآباً قديماً ألقى فيه أحدهم بعض الأشياء غير الضرورية."
وإلى جانب الأسلحة، وُجدت بعض رداءات الجلود القديمة والأحذية ومجموعة أخرى من الأغراض منخفضة الجودة التي يشاهد المرء المغامرين البرونزيّين يستخدمونها. أيمكن أن تكون التجربة هي ترميز هذه الأغراض لترقية رتبتها؟ لكان هذا منطقيّاً لو كانت مهنة حرفية بحتة لكنّه توقّع في مكان ما أن يلعب القتال دوراً.
"انتظر... ماذا أرتدي حتى..."
اعتادت هذه التجربة منحه ملابس جديدة وكان يرتدي هذه المرة نوعاً من الأزياء النبيلة. كان النمط العام أحمر والمصادر المستخدمة ستُباع بثمن باهظ في السوق. الحذاء كان عالي الجودة أيضاً متجاوزاً ما اعتاد ارتداءه في الواقع الحقيقي. وعلى صدره لاحظ أيضاً بعض الحروف الأولى التي تُلمّح إلى اسمه.
"ر. أ.؟ رولاند آردن؟ أظن أن التجربة لابد عالمة باسمي الحقيقي وبأنّني نبيل، ربّما لن يتمكّن سوى نبيل من بلوغ هذا الحدّ أساساً؟"
كان هذا العالم مجحفاً للغاية إذ كان يصنف البشر في طبقات حتى عند خوض تجارب كهذه. لقد سهّل الأمور على الأثرياء الذين مهد أسلافهم السبบบ لهم بينما جعل الأمر أصعب بكثير على أي صاعد جديد.
"ليس بغريب على النبلاء تطريز أحرفهم الأولى على ملابسهم لكن ما الغاية من هذا..."
بعد تفقد هذه المساحة المحدودة قرر أخيرًا التوجه نحو الباب الخشبي الثقيل في النهاية. لم يبدُ أن هناك أي نوع من آليات القفل أو ثقب مفتاح يمكنه التطلع من خلاله. لم يكن رولاند أكثر الناس ثقة بطبعه لذا فبعد الإمساك بأقل السيوف كلالاً حوله ضخّ فيه مانا الخاص به. افتقر هذا المكان إلى أي نوع من أدوات الحدادة لمساعدته لكن هذا لم يعني تعذّر نقشه لبعض الرون على هذه القطعة المعدنية.
كان مستواه عالياً جدّاً وكذلك تدفق مانا الخاص به. وبحسب المادة، أصبح إنتاج الرون أيسر. ومع أن الحديد كان أحد أسوأ المواد في الاحتفاظ بالرون إلا أنه كان سهلاً في التعامل. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد توفرت هنا أيضاً بعض السكاكين والخناجر، وبفضل مهارته في نسخ الرون تحولت بسرعة إلى قنابل قابلة للرمي. وإن كانت أي وحوش تنتظره في الخارج فسيكون بحوزته ما يقاتلها به على الأقل.
في العادة لم يكن ليكون بهذا الحذر قبل بدء التجربة لكن هذا كان اختباراً من الفئة الثالثة. وحسب ما سمع فقد كانت هذه التجارب أشد خطورة بكثير من سابقاتها. لقد قرأ عن بعض الناس الذين أخفقوا خلال الدقائق الأولى لدخولهم نوعاً ما من الفخاخ. لم تمنح كل التجارب تعليمات محددة وتطلبت أحياناً من المرء اكتشاف الأمر بالطريقة الصعبة. ولذا فحين توجه نحو الباب الذي لم يمتلك آلية قفل أو ثقب مفتاح حافظ على مسافة أمان.
واستُخدم أحد الرماح لفتح الباب قليلاً ليتسنى له التلصّص نحو الجانب الآخر. ومن الزاوية التي وقف فيها لم يرى سوى ممرّ شرع يضيء بالمشاعل. لم يبدو أن هناك أي فخاخ هناك وحتى حين رمى أحد الخناجر ليرى إن كان شيء ما قد تفعّل، لم يصدر أي رد فعل. لم يكن هناك ما يقتله ومهارة تصحيح الأخطاء خاصته لم تظهر أي فخاخ رونية مخفية أيضاً. وبدون خفض حذره ولج الممر ليدرك أنّه كان قصيراً وضيّقاً بشكل لا يصدق.
وفي غضون خطوات قليلة وصل إلى صف من الدرج الذي كان يؤدي إلى باب آخر. هذا الباب جعل حاجبه يرتفع حين لاحظ بعض الضوء يتسلل عبر شقوقه.
"أهذا... ضوء النهار؟"
كان هناك فرق صارخ بين ضوء المشعل وضوء الشمس. السطوع هناك أشار إلى أنه إن عبر هذا الباب فسيجد نفسه في الخارج. كان هذا مثيراً للدهشة حقّاً إذ دارت جميع الاختبارات السابقة في أماكن مغلقة لكنّ الأمر ربّما كان مجرد مصدر إضاءة أكثر حداثة أو بعض السحر قيد التفعيل. تجربته الأخيرة وضعته في مستودع حديث لذا لن يكون غريباً إن امتزج عالمه القديم والعالم الجديد. وإلى جانب الضوء، بدأ يسمع أيضاً بعض الأصوات الخافتة.
بدا الأمر وكأن ثمة شيئاً ما في الخارج. قد يكون هذا عدوه الأول لذا شرع بالاقتراب ببطء من المخرج. لحسن الحظ سمحت الشقوق في الخشب بالنظر من خلاله ليرى شيئاً لم يتوقعه.
"هاه؟ ما هذا المكان؟"
في البداية تسمّر مكانه مذهولاً بالمنظر الماثل أمامه. وسرعان ما دفع الباب مفتوحاً دون خوف من أي شيء يهاجمه. في الخارج، استقبله صوت زقزقة الطيور وصوت الخنافس المزعج الذي يظهر عادة خلال الصيف. اللحظة التي خطا فيها عبر الباب أحس فيها بنقاء الهواء ودفئه. استقبله سماء زرقاء تتخللها سحب معدودة واستطاع الإحساس بأشعة الشمس تلامس وجهه. لم يكن في زنزانة تحت الأرض أو مستودع عملاق، بل وجد نفسه هذه المرة في عالم فسيح يبدو شبيهًا بالعالم الحقيقي.
وكان واضحاً أن هذا العالم نوع من الوهم لكنّه بدا حقيقياً للغاية. مع ذلك، كان هناك فرق كبير واحد اتضح جليّاً بسرعة. صوت زقزقة الطائر استقطب انتباهه وما إن رأى هذا المخلوق حتى أدرك أنه ما زال في التجربة. الطائر كان مصنوعاً من الخشب، وبدا أشبه بدمية. لقد كان شديد الشبه بتلك الطيور الشاربة الشهيرة التي أحب اللاعبون استخدامها للضغط على زر المسافة. فقط مع امتلاكه لمجموعة من الأجنحة على الجانب وأقدام متحركة حقيقية.
لقد كان يتحرك بطريقة ما ويصدر صوتاً زاقزقاً، وكان البعض الآخر يطير حول المكان الذي وجد نفسه فيه.
"إنه السيّد، لقد أتى لينقذنا!"
"هاه؟"
وبينما كان مذهولاً بالحيوانات المزيفة في المكان ظهر أمامه شيء أغرب. صرخ وجه خشبي في وجهه من مسافة بعيدة، وبدا مشابهاً للدمى التي رآها خلال تجربته الأخيرة وكان يركض الآن نحو موقعه. ولم يكن الوحيد هناك إذ ظهر خلفه اثنان آخران أكبر حجماً بقليل كانا يرتديان بعض قطع الدروع الصدئة ودرعاً جلدياً قديماً يتدلى بخيط واحد. ولم يكن متأكداً ممّا يعنيه هذا لكنّه بعد التلفت حول المكان الذي وجد نفسه فيه بدأ يستوعب سريعاً ماهية مهمته...