⟦1pkl⟧ غرفتهم صامتة. العيون كلها ترمق الرجل الجالس أمام المكتب. آرثر فاليريا وخادمته ماري ينظران إلى رولاند باهتمام بالغ. رولاند متوجس. لا يدري كم يكشف من الحقيقة. عمّال الألغام كشفوا بعض التفاصيل. وإن لم يرهم يتحدثان إلى آرثر، فقد أتيح للطرفين الوقت الكافي للحديث معا.
«لعلهما التقيا بعد العودة إلى المدينة. ليس غريباً أن يكون ذلك الويدامير قد أفشى بكل شيء...»
ويدامير، القزم الذي أنقذه من الموت، رأى منجمه والنفق السرّي المؤدي إلى المستويات العليا. ثم هناك ياسمين، تلك الرامية التي رافقت جماعتهم. لم تر النفق الآخر لكنها عبرت النفق الخارج من المنجم. إن أنكر أمر الألغام والممرات السرية، فسيتبين لآرثر كذبه بوضوح.
«لا داعي لإيقاعي في الكذب، فلديهما ما يكفيهم من معلومات بالفعل. لا أظنهما يشتبهان في أيّ سوء هنا، فلابد أنهما يعتقدان أن الليدش لم يكن سوى مسخ طارئ أو فخّ مفعّل...»
رولاند لا يصدق أن أحداً يعلم بوجود الزنزانة الأخرى. يكفي ندرة ارتباط زنزانتين إحداهما بالأخرى. خروج وحش منها لم يُوثَّق قط. ليس في الأدبيات التي طالعها على الأقل، وربما احتُفظ ببعض الاكتشافات بعيداً عن النبلاء الأصاغر كأسرته وعامة الناس. هذا مستبعد، إذ سيعرض المغامرين للخطر، وهو ما لن تسمح به النقابة غالباً.
«لكن ما غايته هنا؟إنه إما شديد السذاجة أو شديد اليأس...»
آرثر يتودد بلا سبب. هذا يريبُه. المفترض أن يحيط به عشرة حراس برماح مسددة إلى رقبته. سيّد المدينة يعرض نفسه لخطر محتمل بسماحه لرولاند بدخول هذه الغرفة. حتى وإن كانت ماري تراقبه من الخارج، فلن يتطلب الأمر الكثير لتفعيل تعويذة تنسف هذه الغرفة عن بكرة أبيها. لابد أنهما يعلمان ما يملكه من قدرات الآن، وهذا ما يجعل المشهد غريباً.
«أحقاً يحتاج إلى أن أثق به إلى هذا الحد؟»
يبدو آرثر نبيلًا يائساً يححث عن حلفاء. هل بلغ بهذا النبيذ الصغير اليأس حد الاحتجاج بصانع رون مشبوه ذي خلفية غامضة؟ أم أنه أطيب من أن يحمل شرّاً، ويسعى إلى مصادقة شخص قد يكون قادماً من خلفية مشابهة؟
«الخيار الأول أرجح، والسؤال... ماذا سيصنع بعد بلوغ غايته؟»
هذا هو السؤال الأكبر. انضمام رولاند التام إلى معسكر آرثر يضعه حتماً في دائرة الخطر. آل فاليريا، كغيرهم من البيوت النبيلة، يأخذون حرب الخلافة على مَحْمَل الجد. إن تحالف مع آرثر حقاً، فسيضطر لاحقاً لمواجهة إخوته الكبار وأتباعهم.
«أظن أن أبي العزيز سيصيبه مس من الجنون إن علم أنني صرت تابعاً للسيادة النبيلة المنافسة.»
وِنتوُورث آردن متعصب عمياء للعائلة المالكة. ورغم قوة هذا المعسكر، فليس هو الوحيد. أرستقراطيون قدماء أشداء يشكلون طرفاً ثانياً لتحقيق التوازن. لهم مكانتهم، وعليهم مراقبة ملك عاجز وإزاحته لحماية أمن المملكة. الطرفان يبقيان على أهبة الاستعداد، مما يسهم في تعزيز قوة المملكة برمتها. لكن هذا لا يعني أن أياً منهما لا يطمح للانفراد بالحكم بلا حدود.
«أظن أن بعض الحقيقة ستنكشف عاجلاً أم آجلاً متى شرع الأقزام بالتعدين، فسيقعون على مدخل الزنزانة الأخرى...»
رولاند يعلم هذا. حتى وإن كتم المعلومات الآن وأنكر كل شيء، فسيرتد الأمر عليه لا محالة. لا مشكلة في ذلك إن قرر الفرار كما فعل سابقاً. ربما يزور إحدى الدول المجاورة ويلتمس فيها الملجأ. لشخص على وشك اقتحام الفئة الثالثة، لن يكون الأمر عسيراً. ثمة مشكلة صغيرة مع ذلك. جذوره في هذه المدينة امتدت عميقاً. لا يرغب حقاً في البدء من الصفر كلما ظهرت مشكلة. ربما لم يكن ثمة خيار آخر في الماضي، لكن الأمر اختلف الآن.
مستواه ومعرفته نما بما يكفي لمجابهة هذا الموقف. حتى عند مقارعة عبدة الأوثان، لم يعد عاجزاً. الفرصة سانحة أمامه الآن لوقف المدّ والعبور من هذا بقلل من الخسائر.
«ألديك ورق أو رقاق قابلة لتشبع المانا؟»
«لست أدري، لكن يمكن تدبير ذلك. أتقصد صنع...»
تكلم رولاند أخيرًا بعد صمت دام ثوانٍ عدة. أراد الثقة بآرثر وجماعته، لكنه بحاجة إلى طمأنة. إن ساءت الأمور، فلا بد من وسيلة يمسكها عليه. لاختبار صدق النبيذ الشاب أو يأسه، هو بحاجة إلى عقد مُلزم.
«نعم، عقداً سحرياً. إن توصلنا إلى اتفاق، فلا مانع لدي من إخبارك بكل شيء.»
«أرى... صانعو الرون يملكون مهارات لهذا الغرض...»
المعروف حقاً أن فئات صانعي الرون مجبرة على ارتياد فئة كُتّاب المانا للترقي. هذا يسهل الأمور كثيراً؛ فلا داعي ليطلع أحد غير من في هذه الغرفة على محتوى العقد. يكفي تحرير نسختين متطابقتين وتسليم واحدة لكل طرف. رولاند لا يدري كيف تعمل هذه العقود حقاً، لكنها تربط الناس على مستوى أسمى. من يحاول الالتفاف على العقد بطرق ملتوية يقع تحت تأثير اللعنة. حتى لو أُتلف الورق الذي حُرِّر عليه، فالعقد باقٍ.
الإجماع يقضي بأن العقود تحت إشراف كائن سماوي من نوع ما. لذا فالسبيل الوحيد للالتفاف عليها هو التدخل السماوي، وهو أمر ليس باليسير المنال.
«نعم، لن يكون ذلك مشكلة، لكن أتريد المضي فيه حقاً، حتى وإن كانت العقوبة قاسية؟»
«قاسية؟ بماذا تود إيقاعنا إن خالفنا الاتفاق؟»
العقود كلها مزودة بمانع سحرية يسميها الناس لعنات أو حطماً للقدرات. قد تكون هذه الحالة خفيفة كالهبوط الطفيف في الخصائص، أو قاسية كالعمى المستديم. لا يريد رولاند الذهاب بعيداً، لكنه يحتاج لاختبار صدق آرثر. إن وافق على تأثير لعنة تمنعه من السمو فوق إخوته، فربما أمكن الثقة به.
«ثمة ما يمكنني فعله بمستوياتي الحالية...»
«تدهور العقل والجسد.»
«يا سيدي، إياك أن توافق على هذا النوع من العقود، كيف لك أن تقترح شيئاً كهذا أصلاً؟»
«اهدئي يا ماري، أمهليني وقتاً للتفكير.»
الأثر الضار الذي يقترحه لعنة رفيعة المستوى بحق. عادة لا يستعملها إلا السحرة المظلمون أو أمثال عبيد الهاوية. لسبب ما، يمكن تجاهل الكثير من الشروط المسبقة بتوقيع العقد. كأنه ثغرة أُنشئت لمساعدة الناس على أخذ هذه العقود بجدية. وكما يشير الاسم، يفعل تدهور العقل والجسد ما وُصف به تماماً. يحول المرء إلى كائن أشبه بغول منه ببشر. تتساقط أشعارهم ويفوح من أجسادهم نتن منفر. ليس هذا فحسب، بل يعاني المرء مع الوقت هبوطاً هائلاً في الذكاء وقوة الإرادة.
بالنسبة لشخص كآرثر، يحتاج فطنته وجاذبيته للمضي في حياته، ستكون كارثة. لن يقدر على حضور أي حفلات نبيلة أو محادثة تجار نافذين. ستهوي جاذبيته إلى ما دون العشرة ولن يطيق أحد حضوره. لشخص يحافظ على صورته العامة، سيكون الأمر فظيعاً حقاً.
«تلك لعنة عقد خبيثة للغاية يا وايلند... أليست متطلبات تدوين تلك بالذات هائلة، وأنت تدعي قدرتك على إنتاج عقد كهذا؟»
يبدو آرثر مهتماً لا غاضباً من المقترح، بينما تحدق ماري في رولاند نظرة الموت. تدهور العقل والجسد يلقي عبئاً على الكاتب، ولا يخفف حدة العقد إلا خصائص نقية. واضح تماماً أن القادر على وضع تعويذة قوية كتلك على الورق يملك أرقاماً متفوقة في صفه. يكاد الأمر يكون اعترافاً بأنه كان يخفي مستواه الحقيقي منذ البداية.
«نعم، لن يكون ذلك مشكلة.»
أجاب بثقة كأنه خبير خفي يتوارى في العراء. حقيقةً، لا يضمن إن كان الطرف الآخر سيقبل الصفقة، فاللعنة رُميت أيضاً لإخافة آرثر ليتراجع. سيعطيه هذا عذراً لعدم الإفصاح بالحقيقة أو كتم بعض الأمور على الأقل.
«لن يقبل الصفقة على الأرجح، وسأضطر لتفكير في طريقة أشرح بها ظهور ذلك الليدش. ربما إخبارهم أنني أطلقت فخاً ما حين وجدت مدخل تلك الزنزانة الأخرى يكفي؟ إنه لأكثر تصديقاً من إخباري لهم بأنه مشى خارجاً من تلقاء نفسه حين كنت غافلاً.»
«حسناً، أقبل عرضك، لكن لا تظن أنك ستفلت سالماً أنت الآخر يا وايلند. يا ماري، أحضري الرقاق السحرية وقلمي، عليّ مراجعة بعض المسودات مع السيد وايلند قبل أن نستقر على العقد.»
«يا سيدي، أمتأكد من فعل هذا؟ أرجوك تفكر في الأمر مطولاً، ماذا لو...»
«لقد فكرت في الأمر سنين، ليس هذا أوان التردد، علينا التحرك قبل أن تجتاح هذه المدينة. اطمئني، لا أنوي توقيع عقد من طرف واحد أيضاً.»
في عيني آرثر وميض يذكره برئيسه القديم في إيدالغارد. درس هذا الرجل كثيراً في عاصمة الجزيرة قبل قدومه هنا، بينما تلقى رولاند تربية غير مألوفة. إن كُتب العقد بالفعل، فعليه قراءته مراراً وتكراراً لئلا يُخدع.
«لا تبدو واثقاً بي يا سيد وايلند، سنفعلها بالطريقة التي تريدها.»
«أمتأكد؟ ما إن توقعه، فلا رجعة فيه.»
رولاند لا يدري لمَ يبتسم النبيذ بعد مطالبته بتوقيع عقد غير مواتٍ نسبياً. أولاً، يريد من آرثر أن يعِد بعدم تسريب أي معلومات شخصية تخصه. ويريد أيضاً الإعفاء من أي عقوبة سجن إن أمكن. لا يبدو أن ذلك سيشكل مشكلة كبرى، فغايته كسب ثقة رولاند. ثمة بالطبع حد لما يمكنه وضعه هناك، لكن صديقه الجديد يبدو كمن يريد بوح مكنون صدره.
«أنا متأكد، فهل أنت كذلك؟ يبدو حقاً أنك لا تريد مفارقة الحقيقة حتى بعد توقيع عقدي.»
هذا صحيح، فرولاند لا يرغب في الغوص في ماضيه ونبش عظام دفينة. لو لم يكن منغمساً في المدينة هكذا، لكان قد رحل فور خروجه من الزنزانة. نيل هوية جديدة في عالم كهذا ليس بالعسير، فقد فعلها من قبل وقادر على تكرارها.
«لنقل إن الثقة بالناس لا تأتي سهولة بالنسبة لي.»
«آمل أن أعالج هذه السمة، بعد اتفاقنا بطبيعة الحال.»
«مم.»
أومأ رولاند برأسه، فهو في الواقع يفضل معاشرة ناس يمكنه الوثوق بهم. أما هذا السيد فخليط غريب. من جهة، يبدو مستميتًا لنيل رضاه، ومن جهة أخرى، يرى نفسه مستغلاً كدرجة سلم اللحظة التي تظهر فيها مشكلة. لهذا السبب، سيفكر في طريقة تحيد الخيانة المستقبلية أو تقللها على الأقل. اللعنة ليست مطلقة، فثمة علاجات باهظة تخفف حالة التدهور ولا تدوم الأبد. لا يريد لارتيابه أن يغلبه لكنه مطالب بالحذر.
عليه ألا ينظر إلى هذا كميثاق صداقة، بل كأي عقد تجاري آخر. آرثر يريد دعمه، وربما يُطلب منه أداء مهام أخرى مستقبلاً. قد يتطور هذا إلى علاقة سوية تنطوي على زمالة. يعتمد هذا بالطبع على فعل آرثر بعد بلوغ غايته. غير أن استبداله بآخر ومنحه الإذن بالرحيل سيكون أمراً حسناً يود إدراجه في العقد.
«هنا يا سيدي، هذه أفضل الرقاق السحرية التي نملكها.»
«عظيم. إذن، لنناقش العقد قبل إعداده. واثق أنك ترغب في كتم المعلومات التي تبوح بها يا سيد وايلند، لكنني لن أدعك تطؤني ببساطة.»
ابتسم آرثر وشرع في إخراج ريشة مستعملة بكثرة. تبدو كأنها عانت الكثير من الأوراق لكنها ما زالت متماسكة. الريشة ليست بمثل أهمية الحبر السحرية التي تحتاج لتشبع بالمانا على الورق.
«لا أنوي كتابة عقد غير مواتٍ، ولن يصبح صفقة سليمة إلا برضا الطرفين...»
تراشق الرجلان بنظرات يملؤها الوميض. ماري الواقفة جانبًا لا تدري كيف تشعر بينما يبدأ اثنان في خط الكلمات على الورق. يبدو الاثنان بارعين في البيروقراطية وعالمين بكل الثغرات الصغيرة التي قد يجلبها العقد.
«أتراني ولدت البارحة يا سيد وايلند؟ إن أردت إدراج ذلك الشرط، فعليك قبول هذه الإضافة الصغيرة...»
«ربما استخففت بك يا سيد آرثر، لكن لا تظن أن الأمر انتهى بعد...»
«...سأحضر المزيد من الشاي والطعام...»
ما هي إلا لحظات حتى خرجت ماري لتجلب الطعام. واضح تماماً أن الكتابة ستستغرق وقتاً ليس بالقصير. عليها مراقبة الغرفة وما يدور في الخارج مؤقتاً. إن هاجمت المسخ الهيكلية لسبب ما، فيجب إيقاظ آرثر من غفوة الأوراق. منذ قدومها إلى هذه المدينة وهي تخوض غمار هذه العمليات، لذا فهي موقنة أن خصمه لن ينال منه بسهولة. قد يحمل العقد لعنة مزعجة، لكن بصياغة الورق السليمة، ستكون فرصة وقوع سيدها ضحية لها ضئيلة للغاية.
رغم أن خصمه وايلند لا يُستهان به. يقال إنه نبيذ أيضاً وتلقى تربية علمية على الأرجح لقدرته على مجاراة آرثر. تبادل الفقرات والأقسام والأقسام الفرعية والشروط يجعل رأس ماري يكاد يطلق أبخرة. لا فكرة لديها البتة عما يتحدثان عنه. وصف وظفتها قاتلة وحارسة شخصية، الأوراق المعقدة لا تجلب سوى الصداع.
«استغرق الأمر وقتاً، لكن أظن أننا أنجزناه، ألا توافق؟»
«نعم، سيفي بالغرض.»
أومأ رولاند ناظراً إلى الورقتين بين يديه. العقد ليس بالأطول، لكن الكاتب السحرية يمكنه حشر كلمات أوفى على قطعة الورق بفضل الحروف المضغوطة. وهي إحدى حيل الصنعة، إن كانت الحروف الدقيقة أصغر من أن تقرأ، فسيُخدع الطرف الآخر بسهولة. حيلة كشفها آرثر بسرعة لارتدائه نظارات سحرية تتيح له قراءة النص الدقيق. تلقى في النهاية اتفاقاً راسخاً كالصخر بين الطرفين. يمكنه الآن بثقة الإفصاح بالمعلومات المتعلقة بمنطقة المنجم برمتها والزنزانة السرية أيضاً دون قلق من السجن.
واقع الأمر، توقع من آرثر الابتهاج بالمعلومات المسلمة إليه. أولاً، رغم اتفاق الأقزام مع آل فاليريا، فهذا لا يعني ضرورة منح آرثر المنجم فعلاً. بل يمكنه عقد اتفاق مع نقابة المغامرين أو إرسال رجاله إلى هناك. مع اكتشاف زنزانة الفئة الثالثة، ستكون مساحة يجب أن تخصه.
«حسناً إذن، يا سيد وايلند، ما رأيك أن تخبرني بما جرى حقاً في الزنزانة.»
«حسناً، قد يستغرق هذا وقتاً، لكن هذا ما حدث...»
أمضيا ساعات عدة في العقد، لكن الأمر لم ينتهِ بعد. آن أوان كشف بعض الأسرار، رغم أن بعضها لا يحتاج للبوح لعدم وجوب الإفصاح بكل شيء تعاقدياً بعد. ربما تنمو الثقة مع شريكه الجديد في الجريمة فتتكشف هويته الحقيقية.