بدأ الأمر ببطء، شبح هيكليّ واحد أو اثنان في كلّ مرّة. لم تواجه المدافع مشكلة في تسديد النيران نحو المخلوقات الميتة الحيّة التي اندفعت بلا أيّ اكتراث لحياتها. كانت شبيهة بصواريخ موجّهة تقصد الكائن الحيّ الأقرب أو الغرض السحريّ المجاور. في هذه الحالة، كان أحد مدافعها الذي لم يحتاج حتى إلى التحرّك لإطلاق النار نحو الهيكل العظميّ المشتعل المندفع. في كلّ مرّة يُقضى فيها على أحدها، كان ينال قدراً ضئيلاً للغاية من نقاط الخبرة.
بدا هذا مزعجاً للغاية، إذ إنّ القضاء على هذه الأعداد الهائلة من المخلوقات لكان ساعده على بلوغ المستوى الثالث بسرعة أكبر بكثير. مع ذلك، وجب عليه إرجاء القلق بشأن ذلك ريثما يعتني بالمشكلة الماثلة أمامه. كان هناك طريق رئيسيّ واحد يقود من الزنزانة إلى المدينة. شهد رولاند مسبقاً كيف تتبعت المسوخ حتى المسارات الاصغر مثل ذلك المؤدي إلى منزله. على الأرجح، سينتهي المطاف بغالبية هذه المسوخ عند أبواب المدينة بينما يُقذف بعدد أقلّ نحو جانبه هو.
"أهلاً، أيّها الرئيس."
"ما الأمر؟ هل تسللوا من الخلف؟"
"لا، إنّها رسالة من السيدة."
استدار رولاند نحو بيرنير الذي هبط في تلك اللحظة من على الأسوار. بل توجّه عوضاً عن ذلك نحو الورشة ليتأمّل الخريطة هناك. على الرغم من كون الخريطة المصغّرة في درعه شبيهة بذلك، إلا أنها كانت شاشة أصغر بكثير. بدا تصفّح الكبرى الموجودة أسفل الورشة في الأسفل أسهل بكثير. إلى جانبها، توقفت كرات الاتصال البلورية المعتادة، إحداها كان قد أعارها إلى إيلوديا قبل أسابيع قليلة.
جاءت مزوّدة ببضع حزم بطاقات طاقة وخط اتصال سريع بورشه.
"إذن أحضرها إلى هنا، أستطيع استخدامها بلا معدّات الدعم."
تحرّك بيرنير بسرعة حاملاً الكرة البلورية. عادةً، احتاج أيّ شخص يرغب في استخدام هذه الأدوات ولم يكن ساحراً إلى الاستعانة بأجهزة رونية متخصّصة. مع ذلك، كان رولاند هو صانع هذه القطعة، وامتلك المانا المطلوبة لتشغيلها. وما إن استقرت الكرة الوامضة في كفّه حتى ضخّ بعض المانا فيها. بدأ السطح يلمع ببريق ساطع قبل أن يهدأ ويُظهر صورة مقرّبة لأنف إيلوديا.
"لا داعي لأن تقتربي هكذا..."
"آه..."
ابتسم بخفة من تحت خوذته حين رآها تنتفض مبتعدة لتبدو ملامح وجهها بالكامل. كانت الكرة البلورية الموجودة في الملجأ مخبأة داخل خزانة متينة. لذا، وعقب فتحها، دأبت إيلوديا على الانحناء بقرب شديد دون أن تدرك أنّ ذلك سيعيث فساداً في وضوح الصورة. وجد حلّ لهذا، فلو نفّذ عيناً غولميّة لاستطاعت أداء دور كاميرا الوب. جاءت الكرات البلورية مزوّدة بهذه الميزة بصفتها إعداداً افتراضياً، لذا لم يكلف أحد نفسه عناء تغيير التصميم.
ربما عُدّ ذلك تحجيماً لرفاهية الحياة، بيد أنّ بيعها لأشخاص اعتادوا التكنولوجيا القديمة ظلّ أمراً عسيراً.
"أرى أنكم بأمان، هل أنتم جميعاً في المنزل؟"
"نعم، لوبيليا معنا."
لبرهة، استطاع سماع بعض الأصوات المنبعثة من خلف إيلوديا ممّا جعل السماع عسيراً. لم تكن إيلوديا الشخص الوحيد في الغرفة إذ تواجد الأيتام هناك. لم يحظ الصغار قط بفرصة اللهو بجهاز سحريّ مماثل، لذا واصلوا طرح الأسئلة بعيون متسعة.
"أهلاً، أهذا العم وايلاند؟"
"أهو هو، لمَ يرتدي تلك الخوذة المضحكة؟"
"يكفي هذا، إلى خارج الغرفة جميعاً!"
"بووو!"
استمع إلى صوت لوبيليا وهي تتشاجر مع بعض الأيتام. لحسن الحظّ، نجحا في إخلاء الغرفة في غضون دقائق معدودة، واستطاع أخيراً محادثتها على انفراد.
"كيف الوضع؟ هل فرضوا إغلاقاً على المدينة؟"
"نعم فعلوا، قرعوا جرس الإنذار ولا يسمحون للناس بمغادرة المدينة. كانت لوبيليا بالخارج، ويجبر الجنود الأهالي على العودة لمنازلهم بينما يتواجد البقية في الساحة."
"ما الذي تفعله النقابة حيال هذا الأمر؟ هل ينظّمون شيئاً؟"
"صدر إعلان عن سيّد المدينة، إنهم بصدد تشكيل ميليشيا، وقرر أرماند الانضمام إليها."
بدا أن لوبيليا هي المقاتلة الوحيدة المتبقية في الملجأ. وكالعادة، رأى أرماند في الأمر فرصة للاستعراض، ومع ذلك لم يكن بهذا القدر من البلادة. لا بدّ أنه اقتنع بأن إيلوديا والأطفال سيكونون بأمان في الملجأ، وإلا لكان مكث معهم.
"أفعل ذلك؟ هذا يشبهه، وماذا عن الخارج، ألم يلمحوا أيّ أموات احياء؟"
"نعم، لكنهم تمكّنوا من القضاء عليهم قبل أن يبلغوا الأبواب، وهم يطمئنون الجميع بأن هذا لن يستغرق طويلاً... ولكن ماذا عنك؟ هل أنت بأمان؟"
"أنا بخير، رغم أنني لم أتوّقع ظهور بيرنير، لا بدّ أن ديانا ساخطة بجنون..."
"لقد كانت كذلك... لكنها نجحت في التهدئة وتفهمت الأمر."
أومأ رولاند برأسه إذ عرف أن نجاح بيرنير وديانا وسبل عيشهما مرتبطة بورشه. إن اجتاحتها المخلوقات الميتة الحيّة، فسيستغرق التعافي وقتاً طويلاً.
"لا تقلقي، الهياكل العظمية ضعيفة نسبياً، ولن تُشكل مشكلة، فالمدافع الرونية ستفي بالغرض."
أومأت إيلوديا برأسها، لكنه لم يكن واثقاً إن كانت تصدقه. في الواقع، لم يكن متأكداً تماماً من كيفية انجلاء هذا المأزق. لم تكن المسوخ قوية إلى هذا الحدّ، بيد أنها كانت كثيرة العدد. ثمّ كانت هناك تلك الأموات الحية المتفوقة التي شكلت مصدر إزعاج حقيقيّ، ولو ظهر أحدهما عند عتبة بابها لغدا الأمر حامياً.
"أمتأكد أنت؟ ألم يكن أفضل لو عدت إلى المدينة، أنا واثقة أن بإمك.. بإمكاننا إعادة بناء كلّ شيء لاحقاً، لا داعي بتاتاً لتعريض نفسك للخطر."
"لا داعي ها؟"
درى رولاند أنه لو عاد مجرّد عودة إلى المدينة لسار كلّ شيء على ما يرام على الأرجح. ولتيسّر كلّ شيء بطريقة أو بأخرى، وربما لم يتعرض منزله حتى للدمار، فما كان مهماً هو الورشة السفلية لا ما يعلوها. غير أنه وبعد عيشه الطويل في هذا البيت، بدأ يستسلم للمشاعر. لم يستطع تقبّل ترك هذا المكان للدمار هكذا عياناً بياناً. وهناك سبب آخر أيضاً، فقد سئم الهروب المستمر. كانت هذه فرصته كي يقاتل أخيراً وألا يفرّ كمرتين سابقتين.
وفي اللحظة الراهنة، راكم ما يكفي من المعرفة والخبرة لصدّ هذا المدّ.
"لا أستطيع فعل ذلك، وكفي عن القلق، فلن أعرض حياتي للخطر، سنبقى أنا وبيرنير هنا لبضعة أيام ريثما يستدعي سيّد المدينة فرقة بلاتينية للعناية بالليتش، ولن يمثل الأمر مشكلة."
"ولكن..."
"سأكون بخير، ثقي بي فحسب!"
أطلقت إيلوديا تنهيدة وأومأت. بدأت الكرة البلورية ترمش قليلاً إذ اقترب موعد انقضاء وقت المحادثة. شأنها شأن أيّ جهاز سحريّ، وُجد حدّ زمنيّ محدّد. في هذه الحالة، صُمّمت لتحديد مدى تدهور الرونات، ولو طالت المكالمة أكثر من اللزم لتحطّمت الكرة تماماً.
"لقد بلغت الكرة البلورية حدّها، سأعاود الاتصال بك لاحقاً، ابقوا بأمان."
"أنت أيضاً، لا تقم بأيّة أمور خطير..."
قُطع كلام إيلوديا في نهاية الجملة، لكنه أدرك ما كانت ترومه. ومع أهمية ورشته ومنزله، فإنهما لم يكونا جديرين بالتضحية بحياته في سبيلهما. وبصفته شخصاً اقتراب بشدة من نيل فئة مستواه الثالث، تظلّ فرصة إعادة البناء قائمة دوماً. حتى طلب اللجوء في الأكاديمية السحرية سيغدو خياراً متاحاً، إذ استطاع العمل كساحر رونيّ بفضل مجموع مهاراته.
"يا رئيس، لدينا وضع طارئ... هناك الكثير منهم قادمون!"
نادى عليه بيرنير، غير أنه كان واعياً للأمر مسبقاً بفضل خصلة تفكيره الموازي. بدأت المدافع الرونية تطلق دخاناً في المكان وهي تواصل إطلاق النار على الهياكل العظمية المتقدمة. وبدأ كوم العظام أمام متجره يتضخم، حتى إن المسوخ شرعت في التراكم من اتجاهات أخرى. وأخيراً، عبر أحد المسوخ وبدأ يقرع البوابة بقبضاته العظمية. امتلك الكائن قدراً مذهلاً من القوة حتى إنّ كلّ ضربة قبضة جعلت البناء المعدنيّ يخشخش قليلاً.
تفاعل رولاند وفقاً لذلك مستخدماً بضع تعويذات سهام مانا موجّهة في مواضعها الصحيحة لإسقاط المسوخ. لم ينتهِ الأمر هنا مع ذلك، فالمزيد والمزيد أخذوا يعبرون الدفاعات، وبلغت المدافع حدّها أخيرًا. ومع تصاعد الدخان المنبعث منها، شرعت في الشروع بإجراءات التبريد للحفاظ على بنياتها الرونية. ومع دخولها في حالة إغلاق مؤقت، بات الأمر منوطاً به وببيرنير للتعامل مع الأهداف المتزايدة.
لحسن الحظّ، إن تعلق الأمر بالقوة النارية فما زالتا تحظيان بالأفضلية.
«العصا»
الكبيرة التي أمسكها بيرنير بكلتا يديه أخذت تتوهج بالرونات قبل أن تطلق سيلاً من صواعق الطاقة الزرقاء الصغيرة. كلّ واحدة منها كانت قذيفة طاقة ضئيلة ومكثفة تشبه الرصاصة إلى حدّ ما. ورغم خلوّ هذا السلاح من الدقة عند استهدافه عدداً ضخماً من الأهداف، إلا أنه فاق غيره. احتاج بيرنير فحسب إلى توجيهه صوب الاتجاه العام للهياكل العظمية الأربعة التي كانت تندفع نحوه لتُقابل بوابل من رصاص المانا.
وقبل أن تبلغ السوار الذي يقف فوقه، كانت قد غُدت مثقوبة بالكامل. كانت تلك طريقة القوة الغاشمة لبلوغ قلوبها، لكنها أدت الغرض ببراعة في هذا الوضع. تأمّل رولاند مساعده الصارخ بصوت مرتفع، وأراد أن يضحك على تقليد رامبو الذي كان يؤديه. أما هو، فاتبع طريقته الموثوقة في قفل الاستهداف على المسوخ بمعاونة نظام توجيه درعه. لم تكن هناك حاجة لاستخدام هجمات واسعة متى ما كفت الصواريخ السحرية الموجهة وحدها.
انطلقت كرة طاقة ضخمة من مطرقته لتنفجر في أعلى السماء. وأمطرت صواعق المانا كأنها شهب لتُبيد عدداً غفيراً من الأعداء بمعدل فاق بكثير معدل المدافع. لقد تعززت إحصائياته لدرجة أن طلقة واحدة كانت تكفي لتفجير مسخ بأسره. ومع تصدي الحدّادين لاثنين للدفاع عن ورشتهما وسط قتال محتدم، نالت المدافع وقتاً كافياً لتبريد نفسها والعودة للعمل. تحولت المنطقة برمتها إلى اللون الأزرق، وعلت أصوات الانفجارات السحرية في كلّ مكان.
أغني الذي تلقى أمراً بالبقاء خلف البوابة بالأساس، انضمّ إلى الاثنين على السور العلويّ هو الآخر. ورغم تمحور تخصصه حول النار التي قاومتْها الهياكل العظمية، إلا أنها لم تكن منيعة ضدها. كان مستواه المرتفع مقارنة بهم كفيلًا بأن يجعل كرات النار التي يطلقها تلحق أضراراً حرجة. ورغم ترويه في إخراج كل تعويذة، إلا أن المعدل كان مفيداً بحق. للوهلة الأولى، ربما بدا أن المسوخ الميتة الحيّة ستتمكن من اجتاح المسبكة الرونية، لكن خطأً فادحاً في مقاربتها سرعان ما تجلّى بوضوح.
ومع حيادها عن المسار الأصليّ قليلاً، غاب أيّ ذكاء عن نهجها. فلم تحاول محاصرته أو اتخاذ الأشجار دروعاً، بل تدفقت الهياكل العظمية بلا أيّ اكتراث لسلامتها الخاصة. كانت أعدادها هائلة، بيد أن القوة النارية في جانب رولاند كانت طاغية، ومع الوقت بدأت تلك الأعداد تتضاءل. لم يكن رولاند متأكداً ممّا يدور في المدينة، لكن لو تصرفت المسوخ على هذا النحو فهناك أمل. ومع الاستعدادات كافة ضد عبدة الشيطان، زُود الجانب المواجه للزنزانة بمدافع.
كما حاز الجنود أسلحة سماوية ستكون مدمرة بحق ضد الأموات الأحياء.
"قف... كان هذا آخرهم."
"آآه... ها؟"
كان بيرنير يصيح بصوت مرتفع حين وضع رولاند يده على كتفه ليعيده إلى الواقع. انتهت موجة المسوخ، لكن وابل الرصاص السحريّ من سلاح بيرنير واصل انطلاقه نحو الأشجار.
"أكان هذا كلّ شيء؟ أانتصرنا؟"
"حتى الآن."
رأى رولاند بيرنير يهوي على مؤخرته عقب تأكيد انتهاء الهجوم. ورغم بدوه سليماً، إلا أن عرّقاً غطى جسده برمته وارتجفت ساقاه. اعتمد السلاح الذي استخدمه على مصدر طاقة خارجيّ، لكن ذلك لم يَعْنِ انتفاء التعب من إطلاق النار طوال هذه المدّة.
"حتى الآن؟ ما الذي يعنيه هذا؟ أهناك المزيد في الطريق؟"
"أووو؟"
نادى أغني من الخلف بأذنين منتصبتين إذ استشعر شيئاً أعمق في الغابة واستطاع سيّده أخيراً ملاحظته.
"لا، لا أرى أحداً في الجوار..."
"يا رئيس؟"
قبل أن يفلح في الإجابة، لاحظ شيئاً على خريطته. قبل لحظات، خلت من أيّ نقاط تمثل الهياكل العظمية، لكن نقطة أخرى ظهرت الآن. ليبدو الأمر عادياً، جنديّ هيكليّ إضافي لن يغير شيئاً، بيد أن هذه النقطة كانت أكبر بكثير من البقية، ممّا يمثل مسخاً يفوق المستوى الثاني. لم تكن هذه هي الغرابة الوحيدة، فقد توقفت النقطة الواقفة عند حافة المنطقة التي يمكنه رؤيتها. كانت تقف على المسار ذاته الذي سلكته المسوخ الأخرى فور اكتشافه.
تصرف المسخ بغرابة وعلى الأرجح لم يكن أحد الهياكل العظمية المشتعلة الصغرى.
«أخرج ذلك الليتش من الزنزانة؟»
بات هذا مأزقاً خطيراً حقاً، ولو كان الليتش لوقع في مأزق عظيم. وعلى الرغم من تواجده في ملعبه، إلا أن ذلك لم يَعْنِ قدرته على إبادة مسخ من المستوى الثالث بمفرده. فالمدافع التي تطلق النار حتى مع تغير نمط المانا لن تتمكن من اختراق درع الساحر الميّت.
"أم أنه أحد أتباعه عوضاً عن ذلك؟ ليبدو ذلك منطقياً أكثر، لمَ قد يخرج بمفرده دون الكثير من الأتباع حوله؟"
كان هذا التحول الواقعي للأحداث، والنقطة التي كان يتأملها تعود على الأرجح لأحد الهياكل العظمية السوداء. لقد تشابهت إلى حدّ ما مع المغامرين ذوي فئات المستوى الثالث الأقل في نفس المستوى. ومع تشكيلته الحالية من الدفاعات ودرعه، لربما أمكنه الخروج منتصراً. كانت طائرات العنكبوت العنكبوتية ما زالت تنتظر أمراً بالهجوم إذ احتفظ بروناتها مؤقتاً. ثمّ كانت هناك الورقة الرابحة التي ادّخرها لمعركة مماثلة، التعويذات السماوية التجريبية.
"قد يقبل كائن ضخم، استعد لكن اترك جلّ القتال لي، ولا تخشَ التراجع للورشة إن تجاوز السوار."
"تبّاً، كائن ضخم؟"
لم يكن بيرنير جازماً بما ينتظره، لكن لو أخذ رولاند الأمر بجدية فيجب أن تكون مسألة جسيمة. مع ذلك، انقضت دقيقة ثم أخرى، وسرعان ما مرّ ربع ساعة دون ظهور أعداء في الأفق. دفع هذا بيرنير أخيراً للتطلع إلى رولاند الذي التزم الصمت لفترة.
"إذن... أه... أهو قادم أم لا؟"
"يبدو أنه قادم إلى هنا، ولكن ببطء شديد..."
تصرّف المسخ بغرابة، ألعله لم يكن ميّتاً حيّاً؟ أيمكن أن يكون هناك مسخ آخر من المستوى الثالث توغل في الغابة لسبب مختلف؟ كان هذا احتمالاً وارداً، لكن بالنظر إلى المسوخ الأخرى التي تمشي ببطء خلفه، بدا الأرجح كونه جزءاً من جيش الأموات الأحياء. سرعان ما وصل على مقربة تسمح لرولاند برؤيته. لقد استعان بتعويذات لتعزيز بصره وتقريب الصورة على الشيء الواصل، وكما توقع تماماً، كان هيكلاً عظمياً مؤلفاً من عظام سوداء.
كان ذات صنف الساحر الذي شاهده أسفل الزنزانة، ولربما كان ذاته الذي فرّ منه. على الأرجح لم يحضر هنا للثأر لرفيقه الذي انفجر، لكنه لم يأتِ لمهاجمته أيضاً. فور اكتشافه من قبل رولاند، واصل السير حتى نقطة معينة وتوقف. تجمعت معه نحو خمسة عشر هيكلاً عظمياً، لكنها تصرفت بشكل مغاير. احتمل امتلاك المسخ نوعاً من السيطرة على هذه الوحدة. أظهرت الهياكل السوداء مستوى أعلى من الذكاء مقارنة بالبقية، ولربما استطاعت أداء دور وكلاء لقائدهم وقيادة مجموعات أصغر من الأموات الأحياء الصغرى.
وبعد قليل، وقبل نشوب قتال، استدار المسخ وغادر. وحين تأمل المسار الذي سلكه، تبيّن أنه عائد إلى الزنزانة التي قدموا منها. أيعني هذا أن المعركة قد وضعت أوزارها، أم أنه يحضّر لشيء ما؟
«يبدو هذا مريباً... أكان يجمع معلومات لسيده؟ أم أن الليتشية أذكياء إلى هذا الحدّ عادة؟»
تركت هذه اللقطة برمتها طعماً مراً في فمه. لقد جعلت المسوخ تبدو كأنها تختبر القرى بالخارج لترصد ردود أفعالهم حيال هجوم الهياكل العظمية. لو تُركوا لشأنهم لفترة أطول، لاحتمال محاولتهم هجوماً آخر، لكن هذه المرة بأعداد أكبر وبخطة محكمة...