"تبّاً... رأسي يكاد ينفجر، ما كان لي أن أذهب مع تلك الفتاة..."
"أَعَمِلْتَها مجدداً؟ ألَمْ أُحذِّركَ مراراً من الاقتراب من فتيات حيّ الزهور، فهنّ لا يجلبنَ سوى المتاعب."
"لا تكن قاسياً هكذا، تعذر عليّ ر رفض طلبها لكأسين عندما توسلت بلطف... ومناسبة القول..."
"لا تقل لي... تريد اقتراض المزيد من المال."
"مبلغاً زهيداً فحسب."
"تلقينا أجورنا قبل أيام فقط، كيف أفلستَ بالفعل؟"
"حسناً، تعرف كيف تدور الأمور..."
"لا، لا أعرف بتاتاً!"
تجادل حارسان عند مدخل زنزانة مدينة ألببروك بشأن مسألة تافهة. كان الصباح في بدايته ولم يكد يوم عملهما ينطلق. بدا أحد الحارسين كثير الكلام وواصل سرد مغامراته من الليلة الماضية. أُوكل إلى الرجلين حراسة مدخل هذه الزنزانة غير أن شيئاً لم يحدث قط ليستدعي انتباههما. مهمتهما الحقيقية الوحيدة تقتصر على تفحّص بطاقة مغامر كلّ مارّ قبل السماح له بالعبور إلى الداخل. وإن حاول بعض الشبان التسلّل أحياناً من دون بطاقة فلن يؤثر ذلك عليهما حقاً.
إن قضى أحدهم نحبه على أيدي الوحوش في الداخل فتلك مسؤوليته وهما موجودان فقط لتقليص الخسائر إن لمحا شيئاً ما. مثل أيّ يوم آخر، بدا هذا اليوم مملاً إلى أقصى حد. لم يدقّق اثناهما حتى في البطاقات على نحو سليم وهما مستمرّان في الثرثرة. غير أنهما سمعا فجأة صرخات تنطلق من داخل المدخل.
"أفسحوا الطريق!"
كانت امرأة جنية تركض بسرعة فائقة. امتاز الحارسان بمهارة في رصد الحسان، وكانت هذه الجنية ذات الرتبة الذهبية تتحوّل بسرعة لتصبح إحدى المفضلات لدى الجمهور. أول ما رصداه هو أنها كانت متعرقة للغاية، وأدركا فوراً أنها لا بد كانت تركض لفترة طويلة. ما الذي يمكن أن يجعل مغامرة برتبة ذهبية على هذه الحال؟ حتى في المستويات الدنيا، لم تكن هناك وحوش كثيرة تتجاوز المستوى المائة، لا بد أن أمراً خطيراً قد وقع.
"أيها الأحمق، انتبه!"
انحنى عدد من مغامري الرتبة الفولاذية بسرعة إلى الجانب بينما كاد آخرون يتعثرون على السلالم حين ركضت المرأة ذات الشعر الذهبي متجاوزة إياهم. لم تنطق بكلمة بل راحت تتفادى المارة برشاقة وهم يحاولون تسجيل حضورهم لعملهم الصباحي المعتاد. ترك الجميع في حالة تذمّر بل وتفوّه بعضهم بكلمات نابية بحق المرأة الهاربة. أراد الحارسان الاستفسار عمّا جرى غير أن ذلك لم يكن مدرجاً في مهام وظيفتهم حقاً.
ربما مات أحدهم في قاع الزنزانة وبات لزاماً تشكيل فرقة إنقاذ. أمور كهذه كانت تقع أسبوعياً، فهناك أعداد غفيرة من مغامري الرتبة البرونزية والفولاذية لا يعودون أبداً. كان الناس ينسون أحياناً أن الوحوش بالداخل قادرة على سحقهم بسهولة إن غفلوا عن الانتباه. لم تكن المستويات العليا شاسعة كتلك السفلى غير أن الضياع فيها كان أمراً سهلاً أيضاً. بعد رسم الخرائط تراجع عدد الوفيات لكن بعض المبتدئين واصلوا الموت دون أن يروا جدوى من إنفاق المال على أدوات مساعدة باهظة الثمن.
"ما شأنها؟"
"أعلمُ علمي بحالها، أنت تعرف أولئك أصحاب الرتب الذهبية، يتوقون حقاً لبلوغ الرتبة التالية."
"هذا صحيح."
ضحك الحارسان إذ كانت الرتب المتوسطة في أغلب الأحيان الأكثر خطورة. كان العديد من المغامري ن يعرضون أنفسهم للخطر أثناء محاولتهم الظفر بتلك المكافآت الأعلى مرتبة. سقط الكثير من أصحاب الرتب الفولاذية والذهبية جراء إرهاق أنفسهم بقسوة وفي وقت مبكر جداً. غير أنه بعد أن اختفت الشابة في الأفق، وقع أمر غريب. بعد نحو ثلاثين دقيقة وصل مغامر آخر، من صنف الدرجة الفضية. ومثل الجنية النصفية قبل قليل، سارع الرجل لصعود السلالم لينطلق هارباً في البعيد.
وعقب ذلك بقليل، أخذ المزيد والمزيد من المغامري ن يتوافدون متدفقين، مما أشر إلى أن خطباً ما كان يدبر بليل.
"ما الذي يجري؟"
"أنت! لماذا تركض، ماذا حدث؟"
أمسك أحد الحارسين برجل من كتفه أخيراً بعد مرور عدة أشخاص عبر المدخل. ارتدّ الشخص ذعراً كأن ثمة خطباً أرعب الحارس. ما الذي كان يمكن أن يقع ليخلف ردّ الفعل هذا، هل كان هناك نوع من الوحوش القوية طليقاً في الزنزانة؟ إن وُجد، فلن يكون بمقدوره بلوغ هذه المستويات العليا ومنطقة الأمان التي عند المدخل.
"ل... لقد ظهر ليتش! دعوني وشأني الآن."
تفلّت الرجل من القبضة وانطلق عادياً بكل سرعة مع سائر المغامرين الذين أخذوا يتدفقون من الداخل. كان بعضهم يصرخ راوياً حكايات عن وحوش هيكلية غريبة تطل برأسها في المناطق السفلى. لكن الجزء الأكثر رعباً لم يكن كونها موتى أحياء، بل قدرتها على ارتياد المستويات العليا من الزنزانة.
"ليتش؟ ألم تُعدّ تلك المخلوقات بالغة الخطورة حقاً؟"
"نعم، ألا تحتاج كاهناً رفيع المستوى لقتل أحدها؟ ألم يتطلب الأمر كتيبة من الفرسان للقضاء على ذاك الذي ظهر في البر الرئيسي؟"
"أعتقد ذلك... لكن ذاك كان ليتشاً طليقاً واستولى على قرية بأكملها، وهذا واحد حبيس زنزانة لذا ينبغي ألا يكون سيئاً إلى هذا الحد... أليس كذلك؟"
تبادل الحارسان نظرات تخيم عليها الريبة. لماذا كان الجميع يفرّون، هل بمقدور الليتش الخروج إلى هنا والنيل منهما؟ ذلك أمر مستحيل، فوحوش الزنزانة لا يمكنها الفرار. لم تكن هناك سوى حالة واحدة يحدث فيها ذلك ولم تكن شيئاً يمتلك أحدهم إجابة له بعد، إنه انهيار زنزانة... …
"هاه، أتريد إخباري إذن أنه كان ليتشاً من الفئة الثالثة طوال الوقت؟"
"نعم، يلزمك التواصل مع مغامري الرتبة البلاتينية أو حمل ذلك الوغد فالريان على دفع بعض الفرسان! الوقت ينفد، أرمان وويلاند ما زالا هناك."
"هيا اهدئي، لا يمكنك شتم النبلاء هكذا، إن ضبطوك تفعلين فسيعاقبونك بالجلدان علناً."
"لا أبالي، علينا فعل شيء، ما رأيك في استدعاء أولئك الرجال من النظام الذهبي، أليسوا هنا في الجوار يقاتلون تلك الطائفة؟ أليس الليتش من الكائنات التي أقسموا على اجتثاثها؟"
كانت لوبليا تبدو غاضبة للغاية وهي تصرخ في وجه رجل أصلع متجهم. ووقفت إلى الجانب سيدة جنية جميلة كانت قد أغلقت الباب للتو خلف لوبليا التي هرعت داخل اجتماع الصباح. بدا جلياً وجود مشكلة غير أن عضوي النقابة هنا لم يصَدّقا حقاً أنها بالدغاشة التي صورتها الجنية النصفية.
"أيتها الفتاة، لا يمكنك توقع اتصالي بكنيسة سولار بشأن أخبار غير مؤكدة."
"لكنني أؤكدها الآن!"
دكت لوبليا بقدمها الأرض بينما كادرت تركل المكتب الضخم الذي يجلس خلفه سيد النقابة. ومع أنه لم يرغب في الاستنتاج المتعجل فلم يكن بمقدوره تجاهل ادعاء بوجود ليتش من الفئة الثالثة طليق في الزنزانة. ويبدو أن الشخص الذي نقل الخبر أحدث بالفعل بعض الفوضى وسيتسبب بخسائر مالية إن كان الادعاء زائفاً.
"سولانا."
"سأتواصل مع النقابات الأخرى، سيد النقابة."
أومأ أوردحان استجابة للرد السريع من مساعدته. ومع أن الادعاء تطلب توثيقاً من مزيد من الأشخاص فلم يكن بالإمكان غض الطرف عنه. إن صحت أقوال لوبليا فسيتعين إيقاف عمل الزنزانة. لم يكن سيد النقابة منزعجاً تماماً حيال سلامة المغامرين مع ذلك، فالخسارة الأكبر ستتمثل في حجم الأموال التي ستتكبدها النقابة. كانت الزنزانات المحيطة بالمملكة مناجم ذهب حقيقية. استُخدمت لزراعة مواد شتى وحتى لاكتساب الخبرة.
وامتلك مواطنو المملكة مرفق تدريب مجانياً لا يضطرون للدفع مقابله من ضرائبهم الخاصة. قد يؤدي إخضاع ليتش إلى تأخرهم أسابيع أو حتى أشهر إن لم يُتخذ أي إجراء. كان قد أرسل المجموعة إلى هناك بنفسه لكنه لم يتوقع البتة أن يشكل الليتش مشكلة. إن لم يُعالج الأمر فوراً فربما سيكلفه ذلك تأخيراً يزيد على بضعة أشهر. وماذا لو كان هذا شيئاً متكرراً؟ لا يمكنه توقع بقاء مغامري الفئة الثانية في زنزانة خطرة كهذه ولن تنتظر الفئة الثالثة لقتل ليتش قد يظهر على فترات عشوائية.
"أأتستمع إليّ، علينا إخراج أرمان من هناك!"
"سمعتك بالفعل، توقفي عن الصراخ في أذني واخرجي!"
"هيا، لا يمكنك مجرد..."
"بلى أستطيع. أنا سيد النقابة، اذهبي لتبريد رأسك قبل أن أرميك من النافذة."
هوى سيد النقابة بكفه الضخمة على المكتب مما أدى إلى اهتزاز الغرفة بأسرها. ضيقت لوبليا عينَيها ناظرة إلى الرجل الذي يفوق حجمه ضعف حجمها. همت في البداية بقول بضع كلمات مختارة، غير أن عامل الترهيب كان جلياً. بدل ذلك، اكتفت بالسخرية من الرجل الأصلع قبل أن تهرع خارج مكتبها، لتكون وجهتها الزنزانة مجدداً حيث مكث أرمان. كانت معارضة لبقاء ويلاند وازدادت معارضة بعد أن قرر أخيها البقاء كحارس شخصي.
والآن صار اثنان ممن تقرب إليهما في خطر وأدركت أن الاعتماد على النقابة ربما كان قراراً سيئاً.
"إذن؟ ما الذي تنتظرينه؟"
أومأت سولانا وهي تطالع سيد النقابة الغاضب. أدركت أنه من الأفضل ترك الرجل يهدأ قبل سؤال أي شيء. وما إن غادرت حتى اتجهت نحو جهاز الاتصال الخاص بنقابتهم. كانت كرة بلورية اعتيادية يمكن استخدامها بواسطة ساحرهم الوحيد المدرج في جدول رواتبهم. كان هذا الشخص يقضي أغلب وقته في متجر سحر منعزل مما قد يطيل أمد طلب المساعدة أكثر. وما إن غادر السيدة الجنية حتى نهض سيد النقابة من مقعده متوجهاً نحو النافذة.
وهناك أتيحت له إطلالة جيدة على منطقة التدريب التي أخذت تعج بالضجيج. بدا أن لوبليا توجهت إلى هناك وباتت تخبر الجميع بالحدث الغريب في الزنزانة.
"ليتش من الفئة الثالثة ها؟"
وأثناء إنصاته للضجة، نظر الرجل الضخم إلى الجدار القريب حيث علقت فأساً ضخمة. بدا أن هذا السلاح يستعيد بعض الذكريات القديمة التي أراد الرجل طمسها. غير أنه مع وجود أزمة ماثلة، بدأت كفه تمتد نحو هذه التحفة من الماضي.
"لِنَتأنَّ... لا يزال هناك وقت، ما رأي في ترك الصغار يتولون أمرها..."
بعد أن كبح نفسه، تحرك نحو كرة الاتصال البلورية الخاصة به. كانت هذه مختلفة بعض الشيء ولا تتطلب ساحراً منفصلاً لطلب الرقم الذي يبغيه.
"يجب أن أنبه ذلك الوغد النبيل أولاً على الأرجح، فهو المسؤول عن هذه المدينة، وسيكون مثيراً للاهتمام رؤية كيف سيتعامل مع الأمر."
توجب إبلاغ حاكم المدينة بهذا المأزق. كان آرثر فالريان يمتلك حصة كبيرة في الزنزانة التي شكلت عصب الحياة في هذه المدينة تقريباً. لم يترقب الكثير من الشاب الطموح غير أنه قد يكون مثيراً للمراقبة ما سيقدم عليه الشاب. لحسن الحظ وبصفته نبيلاً، امتلك آرثر أيضاً كرة بلورية بحوزته مما سيجعل العملية برمتها أسرع بكثير. …
"كم عدد هؤلاء اللعناء؟"
"أكثر مما يمكننا احتماله فـي اللحظة."
"يا ويلاند، ألا تمتلك المزيد من تلك الأشياء المتفجرة بحوزتك، أليس كذلك؟"
"لا."
أجاب رولاند وهو يطالع المشهد الطبيعي المليء بالمحاربين الهيكليين البيض. كانت المجموعة قد تراجعت طوعاً حتى مدخل المستوى السفلي. والسبب الوحيد لبقائه تمثل في شعوره بالذنب لإطلاقه الليتش داخل الزنزانة. وحيث لم يعد هناك شخص آخر يمكنه إنقاذه، فقد حان وقت انسحابه. لسبب ما، قرر ويدامير البقاء هنا. ربما شعر بمزيد من التعاون بعد رؤية رولاند يساعد عمال المناجم أو ربما بسبب الدرع السحري الذي أُعير له.
أحب الأقزام حليتهم السحرية وكانوا يرون في من يصنعونها بشراً جديرين بالاحترام.
"مهلاً انتظر لحظة، ظننت أن لديك خطة، ألا يمكنك تفجيرهم مثل البقية؟"
"ماناي ليست لا نهائية..."
عبس رولاند في وجه أرمان الذي كان يطلب ما يزيد عن الحد هنا. في المقام الأول، لم يطلب وجود أي منهم هنا. وفي الواقع، شعر بأنه سيكون أفضل حالاً بمفرده. صحيح أن المحاربين الاثنين ساعدا بعض الشيء لكنهما مثلا عبئاً أثناء الهروب. تمثلت خطته الأصلية في البقاء والمماطلة لفترة كافية ليتمكن الجميع من النجاة. وبعد إتمام ذلك، كان بمروره الفرار في أحد الأنفاق السرية الكثيرة التي لا تستطيع الهياكل العظمية دخولها.
'أظن أنني سأضطر لاصطحاب هذين معي، أرمان أمر هين لكنني لا أستطيع الوثوق بذلك القزم حقاً...'
"حسناً، ما إن أطلق الإشارة حتى تبدءوا بالركض ولا تلتفتوا إلى الوراء، إنهم قادمون."
ما رآه تمثل في مئات المحاربين الهيكليين الذين استمروا في التوافد والتراكم من بعيد. كان العدد مذهلاً بحق، ومخبأ الليتش لهذا القدر من التابعين شكل اللغز الحقيقي. وحتى حين يسقط بعضهم، كان اثنان آخران يحلان محلهم فوراً. ربما جُنّ جنونه بعد إصابته بمدفعه. لم يكن غريباً أن يحيط الليتش نفسه بالهياكل العظمية حين تتعرض حياته للخطر. الظاهرة الغريبة الوحيدة تمثلت في هذا التمدد السريع للجنود.
ما كان للوحش أن يمتلك هذا القدر من المانا. حتى وإن لم تتطلب الهياكل العظمية صيانة مستمرة، فإن تعويذة الإحياء التي استخدمها يفترض أن تحرق الكثير من نقاط السحر. إما أن الوحش امتلك مخزون مانا عميقاً للغاية قزم مخزونه الخاص أو أنه استخدم شيئاً لاستعادة ماناه. غير أن هذا اللغز كان عليه الانتظار، إذ ظهر في الأفق شكل أسود تنبعث من عينيه نيران خضراء. عاد الساحر الهيكلي العفيف لكنه كان وحيداً الآن.
وعنى ذلك أن النوع الوحشي الذي رافقه كان هو ذاك الذي دمر أثناء الانفجار. لم يكن الوقت مناسباً للقتال مجدداً، وما احتاجه كان الخروج من هذه الزنزانة. السيناريو الأسوأ لم يتحول إلى واقع بعد وربما أمكن حل كل شيء في نهاية المطاف. وكما حدث سابقاً عند مواجهة قوة وحشية ضخمة، استخدم عصا مطرقته لإنتاج تعويذة التوجيه المعتادة. وما إن بلغت كرة الضوء الأزرق ارتفاعاً كافياً حتى انفجرت لتتحول إلى سهام مانا أصغر حجماً موجّهة تصطدم بالكائنات الهيكلية.
كانت هذه هي الإشارة وبدأ الثلاثة جميعهم بالانسحاب إلى غرفة الزعيم المفتوحة. وقبل مغادرة هذا المكان، كان على رولاند تأكيد أمر واحد على الأقل. لقد أُصيبت معظم وحوش الموتى الأحياء القريبة بهجومه السابق. ووحده القريب منهم بقي سليماً وواصل مطاردتهم طوال الطريق نحو غرفة الزعيم. هوى قلب رولاند حين رأى الوحش يدخل غرفة الزعيم. لم يكن هذا شيئاً ينبغي حدوثه داخل الزنزانة. غرف الزعماء كهذه كانت أراضي سرية إلى حد ما ولم يكن للوحش العادي القدرة على بلوغها.
حتى الظهورات النادرة أو الفريدة ما كان لها أن تتمكن من العبور. أكد هذا جزئياً أحد أعظم مخاوفه، فقد تحول الليتش إلى وحش طليق وبات قادراً فعلياً على مغادرة هذا المكان بحرية. وفي غياب أعداء طبيعيين في الداخل، أمكنه ضخ وحوش هيكلية باستمرار. قريباً ستجتاح المستويات السفلى وحينها يستطيع جيش الموتى الأحياء الاندفاع نحو المدينة. أما إن حدث ذلك حقاً فكان أمراً ينتظر الرؤية.
كانت الكمية الهائلة من الهياكل العظمية هنا مخيفة لكنها ظلت دمى بلا عقول. لقد أُصيب الليتش لذا كان عليه نظرياً محاولة حماية نفسه والتحصن. وبدل تشتيت نفسه، كان الأجدر به استدعاء قواته وإعداد مخبأ يمنح المغامرين الوقت لصياغة قوة هجوم مضاد. وكما توقع تماماً، واصل الهيكل العظمي الوحيد وقليلون غيره ممن عبروا وابل القصف الأخير الدخول إلى غرفة الزعيم مواصلين مطاردتهم إلى ما بعده.
بات الطريق نحو المستويات العليا سالكاً الآن إذ إن الأشخاص الهاربين الآخرين تعاملوا على الأرجح مع المخلوقات منخفضة المستوى. وبعد التأكد من قدرة الموتى الأحياء على مغادرة حجرة الزعيم أيضاً، تطلّب الأمر تعويذة سحرية سريعة إلى الرأس لتعطيلهم.
"هي... أَتسمع ذلك؟"
نادى أرمان وهو يرمق مدخل حجرة الزعيم. ألقى رولاند نظرة على خريطته التي أظهرت له عدداً هائلاً من الدوائر تندفع إلى داخل الغرفة الفارغة. بدأت المطاردة وبضربة قدم سريعة، أنتج حاجزاً مؤقتاً من الصخور. لن يصمد في وجه الوحوش طويلاً لكنه سيمنحهم وقتاً للركض.
"علينا الذهاب، اتبعاني!"