قال: "معذرة، لقد زلّ لساني فحسب..."
قال: "أيّ زلّة لسان تعني؟ أَتدري كم أخّر هؤلاء الأغبياء من المحاكم التفتيشيّة أبحاثي الخاصّة! لِمَ قد أُدري شيئاً عن آثار شيطانيّة ما؟"
"..."
جلس رولاند صامتاً لا يردّ على وجه القِطّ الغاضب الذي كان يزعق في وجهه عبر الكرة البلوريّة. مرّت أشهر على عودته من مهمّته برتبة ذهبيّة. هناك زلّ لسانه بالتلميح إلى أنّه قد يجدر بهم البحث عن سحر رونيّ معيّن بدلاً من طلب العون منه. فعل ذلك آنذاك لتفادي التدقيق، لكنّ هذا تسبّب أيضاً في اختفاء شريكه لفترة.
قال: "حاول أولئك الأغبياء إجباري على تفحّص نقش ملعون لما يُسمى أثرهم المزعوم، ولم يحسن أولئك الحمقى تحضيره حتّى ضاعت معالم التراكيب الرونيّة في خضمّ ذلك... استغرقني الأمر أسابيع لأستعيدها كاملةً، وحتّى حينها..."
واصل أستاذ القطّ التفريغ عن غضبه واصفاً العمليّة التي خاضها. بدا أنّ الأثر قد ضاع حقّاً. وما تبقي سوى نقش سحريّ تعرّض للتلف أو أُنتج خطأً على يد أيّ ساحر كان يقف في صفّ المحكمة التفتيشيّة. كانت هذه البصمة السحريّة قادرة على نسخ التراكيب الرونيّة أو غيرها من التمائم اللاورونيّة المتنوّعة. إن أُنجبت على الوجه الصحيح أمكنها إنتاج ما يشبه مخطّطاً تفصيليّاً للجهاز السحريّ.
شابهت مهارتَه في تنقيح الأخطاء بعض الشّيء، لكنّها تطلّبت تحضيراً أطول بكثير واتّسمت بدقّة شديدة.
قال: "أمتأكد يا أستاذ من صراخك بمعلومات دقيقة كهذه؟ ماذا لو وُجد جاسوس لعبدة الشياطين في الأكاديمية؟"
قال: "جاسوس؟ مادمتَ قد ذكرتَه، فقد وُجد واحد منهم هنا فعلاً، لكن كان لديهم محقّق كفء واحد على الأقلّ استطاع سبر أغوار ولاءهم. امتلك مهارة عمليّة للغاية، وبدا مزعجاً بحقّ لقدرته على كشف كلّ سحري التخفّي..."
«انتظر، ألعله كان ذلك الرجل...»
أراد رولاند أن يسأل القِطّ إن كان المحقّق نفسه الذي اصطدم به بعد فراره من القرية، لكنّه عدل عن ذلك. لعلّ من الأفضل ألا يعلم أحد بأنّ المحقّق العجوز تربطه صلة بإقطاعيّة آردين ووالده تحديداً. ماذا لو شرع الهرّ في الاستفسار عن أصوله وانكشف سرّه في تلك الغضارة؟
قال: "إذن... أَنَجَحَتْ أبحاثك؟ أثَمّة سبيل لمواجهة سحر وهم ذلك الأثر؟"
قال: "هف، حتّى لو توصلتُ لشيء فلن أخبرك بأيّ حرف!"
قال: "أأجبروك على توقيع عقد؟"
قال: "عقد؟ لا. لدى المحقّقين سبل مختلفة للتقييد، لكنّ فمي مغلق على أيّ حال... هذا إن لم ترغب في المجيء إلى هنا."
قال: "ماذا تقصد؟"
قال: "هف، يمكنك أن تصبح مساعدي! ألم تسأم من تلك القرية الصغيرة؟ مواهبك تضيع هباءً هناك، ألم تفكّر يوماً في أن تصبح عالماً حقيقيّاً؟"
قال: "عالماً؟"
بُهت رولاند لعرض العمل في الأكاديمية السحريّة. تلك التي عمل فيها أستاذ القطّ كانت مرموقة للغاية ويعمل فيها العديد من سحرة المرتبة الثالثة. اتبع معظمهم التعاليم القياسيّة، لكنّ ذلك لم يَعنِ عدم قدرته على تعلّم شيء أو اثنيّن. فمن المرجح أنّه وُجدت لديهم في مكتباتهم كتب مهارات متفوّقة متعلّقة بالمانا مخبأة بعناية إلى جوار تعاويذ خاصّة. أمكن تحويل هذه جميعاً إلى نسخ رونيّة بمعونة مهارته الخاصّة، ممّا جعل العرض مغرياً بحقّ.
قال: "هذا صحيح، ألا تودّ تعلّم الأسرار التي يحتفظ بها هذا العالم؟ اكتشاف سحر جديد أو إدراك أسرار الحضارات الماندثرة المنسيّة!"
قال: "مم... أظنّ أنّه يتوجّب عليّ رفض العرض."
قال: "تخيّل كلّ تلك القوة بين يديك... انتظر، أسترصي؟"
قال: "نجل، ما زال لديّ الكثير ممّا ينبغي لي فعله هنا."
انفتح فم القطّ على مصراعيه حين رُفض بهذه العجالة. بدا غريباً لدى الساحر الرونيّ الصغير أن يرضى رجل كرولاند بالتخبط في كور الهداة خاصّته. مع ذلك، لم يحبّ الرجل المعنيّ برمّته جزء الدراسة الذي وجب على العلماء خوضه. لو أمكن حقّاً حقن المعرفة في دماغه، لفضّل تلك الوسيلة بلا ريب.
قال: "أما زلت لا ترغب في دراسة الرون القديمة؟ فكّر في الاحتمالات المتاحة!"
قال: "أنا مهتمّ باستخدامها العمليّ أكثر، لعلّها كانت عقيمة أو تفتقر للجدوى إن كانت قد أُهملت."
لم يكن باحثاً حقّاً، بل فضّل العمل الميدانيّ. استهدفت الآلات الرونيّة التي ابتكرها مساعدته في بلوغ غايته والمتمثلة في الحرية بالنهاية. لم يحبّ قطّ الانطواء داخل مكتبة. عوضاً عن ذلك، آثر العبث بالبرمجة الرونيّة والعمل بيده على مطالع النصوص القديمة. بدا له اختبار نظريّات جديدة أشدّ إثارة بمراحل من ابتكارها.
قال: "تفتقر للجدوى؟"
تجعد وجه القطّ كأنّه لم يستبن ما سمع. بالنسبة لباحث صلدر مثله، لم يوجد شيء اسمه أداة سحريّة عديمة النفع أو تعويذة فارغة. بدا كلّ شيء مثيراً، وكان السعي وراء اكتشاف تلك التقنيات السحريّة المنسيّة غايته.
قال: "لكنّ هذا لا يعني أنّني معارض تماماً، بل كل ما أحتاجه هو تدبّر أمور قليلة هنا... امنحني بضعة أشهر وسأرى ما بوسعي فعله."
قال: "هف، أتمتنع تدلّلاً؟"
بعد أن قلّب القطّ عينيه، تحدث الاثنان لفترة قصيرة أخرى قبل أن يقرر رولاند إنهاء المحادثة. أكّد ذلك تدمير الأثر وأنّ الكنيسة كانت تعكف على فكّ شفرة جزء من الكود الرونيّ. لم تكن هذه الأكاديمية السحريّة الوحيدة التي قصدوها إذ أمكن نسخ ما نجا من النقش. واقع الأمر، لقد أبدى اهتماماً بما أظهره ذلك الكود وأراد الانطلاق لمساعدة شريكه الهرّ في البحث. رغم ذلك، لم يكن الانخراط في أمر ملتهب كهذا وهو في هذا الأسبوع بالخطوة الذكية.
لرجّح أن العصابة قد تحرّكت بالفعل لمحاولة إقصاء كلّ من يعمل على هذا البحث. لن يأمن إلّا في مكان كالأكاديمية السحريّة لامتلاكها تعاويذ حماية متنوّعة قد تكون فعّالة حتّى في وجه ذلك الوهم. وحتّى من دون تفحّص المتجانس، وُجدت تعاويذ قادرة على ردعه. تمثلت المشكلة الوحيدة في تطلّب تعاويذ كهذه لطاقة سحريّة هائلة لا تتوفر إلّا في مواقع منتقاة. لذا تعذر عليه التورّط في هذا الأمر بالوقت الراهن، ولم يملك سوى الأمل في تحقيق أحدهم لاختراق ما.
«لا أظنّ الكنيسة ستعلن الأمر حتّى لو نجحت في فكّ الشفرة. لن يُعد غريباً إن وزّعوا المعرفة على أتباعهم الأوفياء من الفرسان المقدّسين حصراً.»
لم يكن ذكيّاً من الكنيسة الإشارة إلى تدابيرهم المضادة أمام أعدائهم. فقد تتمكن العصابة من تبديل آثارهم سريعاً وترقيع الثغرة. وحينها سيعودون إلى نقطة الصفر وتستمرّ الرقصة بين الجماعتين الدينيّتين مجدّداً.
«قررت العصابة اللجوء إلى الخيار النوويّ لمجرد محو آثارها. ولن يكون غريباً إن أقدموا على فعل جذرّيّ مجدّداً... لكن هذا إن كانوا يعلمون بالفعل بوجود تلك النقوش.»
لعلّ الكنيسة اتعظت من خطئها فاتخذت الخطوات السليمة لحماية دليلهم الوحيد. وإن وصل ذلك المحقّق المرعب إلى الأكاديمية السحريّة، فتلك دلالة على جديّتهم في الأمور. استطاع رولاند الإفلات من الوهم مرّتين بالفعل وكان غالباً الشخص الأنسب للمهمّة. وبصحبة النقش وذاكرته للكود الأصليّ الذي عاينه عبر مهارة التنقيح، قد يغدو قادراً على فكّ طلاسم هذا الغموض.
«وذلك بالطبع، بعد أن أبلغ المرتبة الثالثة وأستوعب روني العظمة تماماً.»
ما إن انقضت المحادثة حتّى عزم على زيارة ورشته. وهناك واصل عمله إلى جانب التدريب. لم يكن ارتقاء مستوياته الأمر الوحيد الذي تطلب منه العمّ، فقد تراجعت كلّ مهاراته بسرعة وتعين عليه مواكبة الركب. كحدّ أدنى، تطلّبت عين الحقيقة الرونيّة بلوغ أقصى مستواها قبل أن يحاول تغيير فئته مجدّداً. ودون بلوغها الذروة، لم يترقّب نيل فئة مرموقة برتبة سيّد حدّاد الرون خاصّته. وهكذا انقضت الساعات وحلّ اليوم التالي بينما ظفر رولاند بأربع ساعات كاملة من النوم.
تميّز هذا اليوم ببعض الخصوصية إذ أتمّ بعض الأيتام عامهم العاشر خلال هذا الشهر. استعد ثلاثة منهم لتلقّي فئتهم الأولى وكان سيتكفل برعايتهم. بفضل عمله مع الأخت كاسيا والكنيسة المحلّية، مُنح خصماً عند اقتناء بلورات تغيير الفئة. وسيستعملها لرفع شأن الأطفال الذين اعتادهم بعض الشيء. وبعد ارتياده الملجأ مراراً، أخذ الصغار يتغلغلون في قلبه. لم يعد المال عائقاً حقيقياً أمامه وإن شعر هؤلاء الصغار بالامتنان نحوه، فسيجني عائداً من استثماره.
قال: "صباح الخير."
قال: "ص... صباح الخير..."
قال: "صباح الخيـر!"
قال: "صَبّاح الخيـر."
أجاب الأطفال الثلاثة حين لمحهم بجوار إيلوديا. بدت الأولى فتاة خجولة ذات شعر أخضر. كانت الأقصر بين الحشد وبدت أذناها مدببتين بعض الشيء، وما عدا ذلك عدّت إنسانة عاديّة. ثمّ كان هناك متحدث المجموعة الصاخب الذي صاح معلناً عن وجوده. كان الولد الأطول بينهم وأحسن بنيّة. ومن طريقة تمنطقه، لم يُعد غريباً إن حظي بفئة تناسب بنيته الأكبر. ورغم ذلك، لم يَعنِ هذا تحوله لمقاتل، فأن يصبح نجّاراً أو حدّاداً غدا احتمالاً وارداً بالقدر ذاته.
كان الأخير صبياً في العاشرة كذلك تحيط بذقنه شعيرات خفيفة. وعلى غرار بيرنير، كان نصف قزم وقد شرع في إطلاق لحية في مثل هذه السن المبكّرة. ولعلّها ستغطي معظم فكه بعد عامين ليمضي متبديّاً كقزم يافع للغاية.
قال: "فين، توقف عن الركض ولا تلمس شيئاً!"
قال: "هف، يبدو متحمساً حقّاً."
اصطدمت قبضة إيلوديا برأس فين حين حاول لمس أحد العناكب الآليّة الثابتة. كان هذا الصبيّ الأكثر حيوية بين الحشد وكانت هذه مرّته الأولى في مجمع رولاند. واجه الفتى اليافع صعوبة في تحديد ما يرمقه، إذ جالت عيناه في كلّ الاتجاهات كأنّه في متجر ممتلئ بالسكاكر.
قال: "لقد رأيت يا فين..."
قال: "وقد فعلت."
قال: "هذه مارسي وهذا يورغ."
هزّت إيلوديا رأسها محاولة جذب فين نحو المجموعة. تميّزت الفتاة بخجل شديد وما إن التفت بنظره نحوها حتى أطرقَت برأسها لتتفادي رمقته. ومثلها مثل أغلب أطفال الملجأ، انحدرت من أصول هجينة بشكل أو بآخر. ما زالت نقاوة السلالة تشكل معضلة في هذا العالم لذا لم يكن مستغرباً رؤية طفل متخلّى عنه آباؤه من أعراق شتّى.
قال: "لا تقلقا، السيد وايلاند يبدو مخيفاً من الخارج فحسب لكنّه طيب للغاية."
قال: "انتظر... أأنا مخيف؟"
قال: "أووه!"
قبل أن يجيب أحدهم سؤاله، أطلق أغني عواءً كأنّه رغب في تأكيد زعم إيلوديا. لم يعر رولاند اهتماماً لتعبيرات وجهه التي كان بإمكانها إزعاج الآخرين معظم الوقت. ولم يبدُ الشخص الوحيد الذي لم يمانع نظرته الثاقبة سوى فين المهتم بالعناصر السحريّة أكثر من بلورات الفئات.
قال: "قليلاً، ماذا عن محاولة الابتسام أكثر؟"
نظرت إيلوديا إلى مارسي التي قفزت خلفها إثر سماع عواء أغني. وحين التفتت صوب رولاند المأمور بالابتسام، انكمشت الأخيرة هلعاً من تعبيرات الوجه الغريبة التي يفترض أنها تشابه الابتسامة.
قال: "أهكذا؟"
قال: "أه... أظننا بحاجة للعمل على ذلك، تصرف بطبيعتك فحسب."
قال: "هاها، أيّها الرئيس، توقف عن إخافة الأطفال!"
ناداه بيرنير من بعيد بينما كان يلوّح بمطرقته أيضاً. تجمّع الجميع في الساحة وأُعدّت ثلاثة مقاعد للأطفال. وبدل الضحك الذي ناله من مساعده، بدأت الفتاة بالاسترخاء، ولأجل تسيير الأمور حسم أمره أخيراً بإعادتها إلى المسار الصحيح.
قال: "أشرحتِ لهم كلّ شيء؟"
قال: "أجل، لكنّي لست واثقة إن كان الجميع منصتين."
التفتت إيلوديا نحو فين المحدّق بالطاولة الحاملة للأحجار الثلاثة. بدت الأحجار التي اشتراها شبيهة بالكوارتز مع مسحة صفراء طفيفة. وكان مفترضاً لهذا اللون التغيّر بحسب الكنيسة المنتجة له. وإن غامروا بدخول إقليم إلف القمر حيث اختلفت الديانة، فسيحمل هذا الحجر لوناً أدكن.
قال: "ستتيح لكم هذه البلورة نيل فئتكم الأولى من المرتبة الأولى. إن ركّزتم عليها فسينشط التأثير وتُنقلون إلى فضاء منفصل. لا تقلقوا، لن تُصابوا بأذى هناك ولن تفقدوا حياتكم."
صحّ هذا جزئيّاً فحسب إذ لربما اتسمت أيّ اختبارات خاضها الأطفال هناك بقليل من الألم. ومع ذلك، فحتى لو لقوا حتفهم في ذلك الفضاء فسيعودون إلى هذا العالم كأنّ شيئاً لم يكن. امتلك رولاند خبرة واسعة في هذه الاختبارات، لكن فضاء الارتقاء الفئويّ الذي أفرزه تميّز بفرادة شديدة. ولشرح ذلك لهؤلاء الصغار في سن العاشرة، تعيّن عليه نقل المعلومات التي حصل عليها من الكتب.
قال: "المكان الذي ستصلونه يحمل أسماء عدّة، يسمّيه البعض فضاء الأحلام وآخرون عالم الملوك، ومع ذلك فهو يتألف بمعظمه من ذكرياتكم الخاصّة ويمكنه اتخاذ هيئة أشياء شتّى."
مثلما جرت اختبارات فئته في الواقع الافتراضيّ بشقّته القديمة، سينمى حدث شبيه لهؤلاء الأطفال. وفي أغلب الأحيان، وجدوا أنفسهم في بقعة من ذكرياتهم، كمنزلهم أو مكتبة زاروها يوماً أو حتّى قلعة.
قال: "لا تفزعوا، حاولوا تفحّص المكان الذي أُخذتم إليه ببطء. سيوجد دائماً درب نحو وجهتكم وما إن تبلغوها حتّى تظهر فئتكم الأولى."
انعدم خيار الأطفال في الفئة الأولى، لكنّ هذا منحهم فكرة عمّا يمكنهم توقّعه من الحياة في الغالب. نظام قاسي شطر العامة ولم يسمح للناس بالتحرّر غالباً. وما لم ينل أحدهم فئة قتاليّة كفئته الأولى بالمرتبة الأولى، تعذّر عليه الإفلات من هذا القيد. رغم ذلك، سرى شایع بطريقة ما بأنّ ما يتلقاه المرء تُرشد رغباته اللاواعية خطاه. ولم تتطابق هذه دائماً مع الأهداف الظاهرة لمن خاضوا الاختبارات وأثمرت أحياناً نتائج صادمة تنقلب بها حياة المرء رأساً على عقب في طرفة عين.
قال: "هاكم، تذكّروا الجلوس والتركيز، لا تقلقوا فنحن جميعا هنا ولن يحدث أيّ مكروه."
طمأنت إيلوديا الثلاثي الجالس على مقاعد العشب المعدّة مسبقاً. ثُنِيَت إلى الخلف ليستند الأطفال إلى المسند بوضعية أفقيّة أكثر. ورغم إبلاغهم الأطفال بعدم القلق، تطلبت أجسادهم وضعيّة آمنة. وما إن غادروا الفضاء السحريّ فمن المرجح إصابتهم بالارتباك.
«ما رأيت أحداً قطّ يخوض غمار تغيير الفئة من قبل، قد تمثل هذه فرصة مواتية لتفحّص العمليّة من الخارج.»
بلغت مهارة العين الرونيّة المستوى السابع مؤخراً. ولم تظهر أعراض نزيف العين السلبيّة إلّا عند الإفراط في استخدام المهارة ولا فور تفعيلها كالسابق. وأمل في ظفر بتلميح عمّا يمرّ به الأشخاص أثناء تلك الاختبارات، فمثّل وجود ثلاثة أطفال هنا البيئة المثاليّة. أخيراً، نشط الطفل الأوّل البلورة، كان يورغ الأهدأ بين الحشد من خاض التجربة وتبعه الاثنان الآخران سريعاً. وعلى عجل، فعّل كلّ مهاراته إضافة إلى أحد دماه التي حللت أنماط المانا الصادرة عن الأطفال.
رغم ذلك، بدأ رأسه يوخز للحظة واحدة، إذ اتسم تأثير هذه البلورات بالسرعة الشديدة، أسرع من أن يستوعبها عقله. ولجزء من الثانية، أبصر رموزاً رونيّة معقدة في الهواء لكنّها تلاشت من بصره قبل أن يستطيع تحليلها. مع ذلك، بدا أمر واحد مؤكداً، إذ تفوقت هذه التراكيب تعقيداً بمراحل على تلك التي تفحّصها سابقاً.
«شيء يفوق المرتبة الثالثة؟»
قال: "ر... وايلاند أأنت بخير؟ أنفك..."
قال: "ها؟"
بينما استيقظ الأطفال من نومهم المحفّض سحريّاً المستغرق لثانيتين فحسب في العالم الواقعيّ، مدّ يده نحو أنفه. وحين رمق أصابعه، لاحظ نزيفاً يتدفق منه تلاه شعور بالدوار.
قال: "أنا بخير."
لحسن الحظّ لم ينهار أرضاً ليصنع ضجّة. وعوضاً عن ذلك، فعّل تعويذة شفاء رونيّة نقشها على سوار مؤقت ارتداه. وقد زُوّد ببلورة مقدسة صغيرة أتاحت تعويذة الشفاء.
قال: "الأخت إيلوديا، لقد فعلتها، أصبحت لي فئة الآن!"
صاحت الفتاة الصغيرة لتحويل الانتباه عن أنفه الدامي. وتبعاها الاثنان سريعاً وأمِن في الوقت الراهن من نظرة رفيقتة الثاقبة. وتركز الاهتمام على الأطفال وفئاتهم الجديدة التي ستصيغ حياتهم الآن.